الرئيسية / دراسات / المواطنية والسلطة والعدالة في المجتمعات المتعددة
المواطنة

المواطنية والسلطة والعدالة في المجتمعات المتعددة

ما هي إشكالية المواطنية ومكوناتها في المجتمعات المتعددة وما هي اطر العمل والتخطيط ومجالاتهما؟
يغني التفسير اللغوي تحديد المواطنية ويعطيها معناها العملي في الممارسة، بعيدًا عن الادلجة (من أيديولوجيا) التي لوثت المفهوم وحورته عن أهدافه. بحسب لسان العرب: الوطن هو المنزل ومكان الاقامة، سواء ولد الإنسان فيه أو لا. المواطن من واطَنَهُ، أي عايشه وشاركه في الوطن. وزن فاعل يفيد المشاركة. هكذا تكون المواطنية بمعناها اللغوي الأصلي: مشاركة في العيش معًا، وتاليًا في مسؤوليات هذا العيش. يعطي اشتقاق المواطنية من المواطنة معنىً اجتماعيًا للوطن يتجاوز الارض والتعلق بها وحسب.
والمعنى الأصلي باللغة العربية للمواطنية يعيدنا إلى أصل المفهوم في الادبيات المقارنة. عبارة مواطنية (citoyenneté) مشتقة من مدينة (cite). المدينة بناء حقوقي للمكان ومشاركة حقوقية. المواطنون (citoyens)، خلافًا للتابعين (sujets)، تربطهم علاقات تعاقدية قائمة على حقوق وواجبات، حيث الحكام يتولون المصلحة العامة والمواطنون يشاركون في الشأن العام ويحاسبون ويراقبون. في المواطنية سياسة وهذا قمة وجود الإنسان، أي المشاركة في الشأن العام.
طغت غالبًا مقاربة قانونية بحتة لمسألة المواطنية على حساب مقاربات تطبيقية وعملانية في الممارسة المواطنية اليومية. تفترض المواطنية ولا شك انتماء إلى وطن وأمة وتجسيدًا لهذا الانتماء في هوية وطنية. يقال في هذه الحال مواطن لبناني وفرنسي وأميركي…
لكن مقاربة المواطنية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب واللغات والأعراق من منطلق أيديولوجية البناء القومي (nation-building) تعترضها معضلات تؤدي لدى العديد من الباحثين إلى اعتبار المجتمعات المتعددة مصطنعة ومتزعزعة ولا تؤدي إلى اندماج وطني وإن العلاج يكمن في انسجام المجتمعات المتعددة مع الأنماط السائدة في البناء القومي. يتم البحث تاليًا عن (حل) لقضايا المواطنية في المجتمعات المتعددة دون الادراك أن البحث عن حل (قومي) قد يؤدي إلى (الحل النهائي) على الطريقة النازية.
بالفعل إن الخيارات في المجتعات المتعددة البنية ثلاثة: إما تغيير الجغرافيا بالتقسيم أو الضم، أو تغيير السكان من خلال الإبادة أو التهجير أو التطهير الإثني أو الاندماج القسري، أو تغيير النظام من خلال أنماط مختلفة في المشاركة في الحكم أو الائتلافية (power sharing). يفترض الاحتمال الأخير مقاربات مركبة لموضوع المواطنية في هذه المجتمعات.
مفهوم الدولة (القوية والعادلة) في المجتمعات المتعددة, والتي ينتظر منها المواطنون معالجة كل مشاكلهم هي العائق الأكبر تجاه ممارسة مواطنية فاعلة وتحقيق التنمية على كل المستويات. ينبع غالبًا مفهوم الدولة القوية من أنظمة استبداد في المنطقة، ومن ضعف تجذر الثقافة الديمقراطية، ومن الميل الطبيعي للإنسان إلى اللجوء إلى (الأب) بالمعنى الفرودي (Freud) الذي يؤمن الحماية والرعاية ويوزع الخدمات. والدولة أساسًا -وكل التاريخ يظهر ذلك- هي قوة قمع بمجرد امكانية لجوئها إلى الاكراه. يقتضي تاليًا وبشكل دائم الحذر من الدولة ومراقبتها من خلال ممارسة مواطنية يومية في المبادرة والمشاركة والمساءلة كي لا تنحرف الدولة نحو التسلط. تنبع تاليًا نظرية فصل السلطات لدى مونتسكيو (Montesquieu) من ضرورة الحد من سلطة الدولة من خلال فصل مكوناتها التشريعية والتنفيذية. عندما نبحث تاليًا عن دولة الحق (Etat de droit) نُدخل في مفهوم الدولة تقنيات متعددة في الدفاع عن الحقوق تناقض منحى انتظار الدولة كشقة مفروشة مع مفاتيحها، اذ ليست الديمقراطية اساسًا نظامًا سياسيًا، بل مجموعة منهجيات وآليات في سبيل المشاركة والمبادرة والمراقبة الدائمة لسلطة الدولة من قبل مواطنين واعين وقادرين وانطلاقًا من المبادئ المواطنية الثلاثة: أنا معنى، أنا مشارك، أنا مسؤول.
الديمقراطية هي عربة بعجلتين واحدة للسلطة واخرى للمواطنين. لا تسير هذه العجلة بانتظام الا بالعجلتين معًا. الذين ينتظرون في المجتمعات العربية (الدولة القادرة والعادلة) يدركون عمليًا مدى انتشار أجهزة الاستخبارات والتبعية لبعض الزعماء وتحول سلطة مركزية إلى عصابة حاكمة. وليست الدولة غالبًا في الدول التي هي في طور التحول الديمقراطي مؤسسة عامة، بل مؤسسة (خاصة) تنحصر في أهل الحكم. تنبع دينامية الصفة العامة (publique) للدولة من قوى أخرى تناهض الصفة القمعية للدولة.
إن التمادي في لبنان مثلاً في استعمال كلمة دولة، حتى في حال أخلّ موظف بلدية في القيام بواجباته هو معبّر عن ضعف الثقافة المواطنية. والأيديولوجيات الدينية التي تختزل الدين في ثلاثة (د): دين ودنيا ودولة تحول دون ممارسة المواطنين واجباتهم وحقوقهم على أساس قواعد حقوقية وضعيّة.
يجب حصر استعمال عبارة دولة في أربعة شؤون حصرية تعتبر حقوقًا (ملكية) (droits régaliens): حالات التفاوض على المستوى الرسمي بين الدول، وحالات اللجوء إلى القوة المنظمة حيث أن الدولة تحتكر القوة المنظمة، وحق فرض الضرائب واستيفائها، وصياغة وإقرار السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية والتربوية وغيرها. في الحالات الأخرى، وحيث أن الدولة الديمقراطية هي مجموعة مؤسسات لكل منها وظائف متمايزة، يقتضي تحديد المرجعية المسؤولة: مجلس النواب، الحكومة، وزارة الأشغال العامة، المدرسة الرسمية، مخفر الشرطة، المجلس البلدي… يؤدي الكلام بإطلاقية وفي كل الحالات عن الدولة إلى تشتت المسؤولية وإجهاض الشفافية والمحاسبة والمقاضاة. في أغلب الحالات القول إن الدولة (مسؤولة) يعنى التهرب من تحديد المسؤولية.
في بلد صغير كلبنان حيث أكثر الناس تعرف بعضها بعضّ، يفضل اللبنانيون عدم تحديد المسؤول حرصًا على علاقات مجاملة، والبديل هو الكلام التعميمي عن (الدولة). في هذه الحالة يحافظ المعترض على حسن علاقاته مع رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة المجلس النيابي ومع هذا الوزير أو رئيس المجلس البلدي… إنها معضلة للنشطاء في سبيل الديمقراطية. والتداعيات خطيرة على الشأن العام حيث تضمحل المسؤولية ويستقيل المواطنون في انتظار مثالي لدولة الحق، في حين إن الدولة الديمقراطية يبنيها مواطنون يوميًا بدعمهم وملاحقتهم وعلى كل المستويات لتكون دولتهم -هم- الشرعية.
إن دولة الحق التي ينتظرها الناس كشقة جاهزة مع مفاتيحها، دون ممارسة مواطنية يومية، سوف ينتظرونها دون نهاية وكلما انتظروها كلما تباعدت البلوغية إليها. إن دولة الحق هي ديمقراطية بفضل وعي المواطنين وهي بناء يومي حيث المكتسبات بحاجة دائمًا إلى حماية. ليس في ذلك تشاؤم أو تفاؤل، بل واقعية النضال المواطني الديمقراطي في كل مجتمع سياسي.
تمارس المواطنية بفعالية على المستوى المحلي، وبخاصة المصغر في البناء المشترك والحي والشارع…، حيث يدرك المواطن أنه يحمل جزءًا من السلطة، يفوضها إلى حكام من خلال الانتخابات، ويضمن تطبيق مبادئها قضاء مستقل. على المستوى المحلي يستطيع كل مواطن أن يكون فاعلاً وأن يشاهد ويراقب سياق التنفيذ.

ماذا يعني الولاء الطائفي؟
يواجه البحث في المواطنية في المجتمعات المتعددة مقولة (الولاء الطائفي)، دون دراسة مركبات هذا الولاء وتحولاته واحتمالات انحساره وتوظيفه في إطار ممارسة الوحدة في التنوع. يطرح غالبًا موضوع الولاء للطائفة بشمولية وغموض وإطلاقية وكأنه حقيقة ثابتة ومستمرة وغير متغيرة زمانًا ومكانًا ويجري تحليل الواقع انطلاقًا من هذه المسلمة وتستخلص نتائج في المعالجة انطلاقًا من المسلمة هذه وتحليلها، في حين أن مفهوم الولاء الطائفي هو بذاته بحاجة إلى تحديد في مضمونه ومداه ونطاقه وحالات ممارسته. وتكمن الخطورة في تحول الإطلاقية والتبسيط والاتهام إلى تمويه فتتمادى (الزبائنية*) وتنتشر وتعمم بينما نستمر في تركيز الاهتمام على شؤون أخرى.
يقتضي عدم الخلط بين الانتماء والولاء: يندرج الانتماء إلى طائفة (appurtenance) في إطار تعدد انتماءات الفرد إلى عائلة ومولد وسكن ومجال دراسي ورفاق عمر وجمعيات طوعية ونقابة وتيارات فكرية واجتماعية ووطن ومحور إقليمي وبالنهاية إلى الطبيعة الإنسانية على المستوى الكوني. هذه الانتماءات متدرجة حسب جدول أولويات تختلف باختلاف الحالات والظروف ومضامين التنشئة. وقد تكون هذه الانتماءات متناغمة أو متعارضة أو في تنافس بينها فيعمل الفرد على التوفيق بينها أو ينعزل عن بعضها لصالح عائلته أو حزبه أو مهنته أو توجهاته الفكرية والمصلحية.
حصل تضخيم في مفهوم التعددية وواقعها في لبنان وبنفس الوقت إطلاقية في طرح الوحدة بينما الوحدة موجودة داخل التعددية ذاتها من خلال العضويات المتداخلة والتي أسماها البعض الثقافة اللبنانية الواحدة في الواقع المعاش. يقتضي دراسة درجة التعددية في المجتمعات المتعددة ومدى العضويات المتداخلة في المجتمع وهذه الدراسة بالغة الفائدة لترسيخ العيش معًا أو الحياة المشتركة.
أما الولاء (allegiance) فهو ينقلنا إلى ما يتخطى الانتماءات الاجتماعية كافة ويدخلها في سياق ارتباط وطني وتابعية وحماية. تستعمل كثيرًا كلمة ولاء في لبنان وفي الأنظمة العربية الأخرى بينما هي مزعجة -ولا أقول خاطئة- لمن يتمتع بثقافة مواطنية وحقوقية. نقول عادة مواطن أميركي، مواطن فرنسي… ولا يقال عادة: إن هذا المواطن يدين (بالولاء)! كانت عبارة ولاء تستعمل في الأنظمة الإقطاعية حيث الرعايا يدينون بالولاء لزعيم لقاء حمايته لهم في علاقة تبادل منافع وحماية من الأخطار الداخلية والخارجية.
بعد زوال النظام الإقطاعي في أشكاله القديمة هل أقول إني أدين (بالولاء) للدولة؟ المواطنون هم جزء من الدولة الديمقراطية وعلاقتهم مع الدولة تعاقدية ترتكز على قواعد هم مساهمون ومشاركون في صياغتها وإقرارها وتنفيذها. قد نتحدث عن عدم ولاء في حالات الخيانة العظمى أو تشتت الولاءات بين الوطن وما هو ابعد من الوطن خارج الحدود فيرتبط من هو من تابعية دولة إلى مصالح دولة أخرى.
ما هو الحجم الفعلي للولاء للطائفة؟ هل هو ولاء لرئيس الطائفة الدينية؟ هل هو ولاء لزعيم سياسي للطائفة بينما الزعماء السياسيون داخل الطائفة الواحدة يتعدون الشخص الواحد وهم غالبًا عديدون؟ ندخل في مفهوم زبائني أو محسوبية يصح فيه تعبير الولاء؛ لأنه يفترض تبعية وحماية.
إن الكلام عن الولاء للطائفة بشكل إجمالي دون توضيح ما إذا كان المقصود الولاء للطائفة الدينية أو لرئيس هذه الطائفة أو للزعيم السياسي ذي الموقع في التركيبة السياسية فيه تبسيط وتعميم وإطلاقية لا تساهم في تصويب التحليل والمعالجات للراغبين فعلاً في (تخطي الطائفية) أو (إلغائها). لا نحبذ عبارة (إلغاء) في شتى القضايا السياسية لأنه تاريخيًا ارتبط (الإلغاء) دائمًا (بالحل النهائي) على الطريقة النازية.
لا شك أن كافة هذه القضايا متداخلة كالعضويات المتداخلة، لكن تفكيك المفهوم هو حاجة ماسة في العمل السياسي الفاعل الذي يسعى إلى تحويل الخطاب اللاطائفي أو الوطني أو المواطني إلى فعل. ما مدى الارتباط بالطائفة الدينية؟ إنه اليوم في لبنان ارتباط يسمح في حدود ضيقة بالوصول إلى موقع سياسي بالنسبة لأكثر الطوائف الدينية وهناك تنافس مفتوح لا يعطي أفضلية لشخص دون غيره في الوصول إلى موقع بصفته منتميًا إلى الطائفة المعنية.
أما رئيس الطائفة الدينية فهل يتمتع بقوة تأثير لإيصال من يدين له بالولاء إلى موقع سياسي؟ يتمتع رئيس الطائفة الدينية بقوة تأثير معنوي. بعض الأحيان تطرح طائفة دينية، تعتبر نفسها مغبونة أو غير ممثلة بشكل كاف أو صحيح، بعض الأسماء لمراكز عامة ولكن نادرًا منذ (1990م) ما يتم تعيين هؤلاء الأشخاص في موقع وزاري أو إداري. أكثرية الوزراء في الحكومة لا (ترفضهم) طائفتهم الدينية، ولكنهم ليسوا من (التابعين) بالمعنى الأصلي للولاء.
يوجد انتماء طائفي بموازاة انتماء إلى عائلة ومنطقة وتيار سياسي ومهنة وجمعية… في إطار عضويات متداخلة ومتفاوتة في أهميتها. لكن ما يسمى الولاء الطائفي ليس من المسلمات وهو يطرح تساؤلات حول مدى التبعية التي يفترضها ومدى الحماية التي يوفرها بالمعنى السياسي للحماية.
الطائفة الدينية ورئاسة الطائفة والانتماء الحتمي إلى طائفة في الأحوال الشخصية هي غالبًا حجة معلنة لممارسة زبائنية تتضمن كل شروط الزبائنية وشبكة علاقاتها ومصالحها وارتهانها واستفادتها من الموارد العامة. والأسياد ينتمون إلى طوائف ولكن ليست الطوائف الدينية التي توفر لهم السيادة على العباد. أي بحث في لبنان حول إلغاء الطائفية أو تخطيها أو معالجتها أو في قاعدة الكوتا، تطبيقًا أو تغيرًا أو تعديلاً، لا فاعلية عملية له إذا لم يتم التطرق إلى الزبائنية السياسية من خلال أسياد وزبائن وشبكة الأسياد والزبائن المتداخلة من كل الطوائف والمذاهب، متحالفين ومتنافسين في آن على المنافع وحماية المستفيدين من المنافع والهدر، حتى في العلاقات اللبنانية السورية على حساب المصالح الاستراتيجية اللبنانية السورية.
ليست هذه المقاربة إنكارًا لوجود مشكلة أو مشاكل طائفية في لبنان، بل تصويب منهجي للتحليل والمعالجات فلا توجه التهمة بتعميم وتبسيط وإطلاقية حيث لا تصلح التهمة، وحيث توجيه التهم بهذا الشكل لم يعد بريئًا، إذ هو يوفر صك براءة لاسياد من السياسيين وشبكتهم الزبائنية حول ممارسات وخروقات لقواعد حقوقية. قال أحد السياسيين متسترًا بالطائفية: (طالما إن النظام طائفي نريد حصتنا). أنه يعني بذلك حصته هو لا حصة الطائفة التي ينتمي إليها أو المشاركة الوفاقية، بل حصته من التابعين من طائفته وغير طائفته. والأمثلة معروفة في غالبيتها من خلال تعيينات إدارية وتعيينات في الجامعة اللبنانية وفي مجالس إدارة وغيرها.
هل هناك استحالة في أن تكون منتميًا إلى طائفة دون أن تكون زبونًا وأن تكون في الوقت ذاته مواليًا للوطن والدولة؟ إن الأمثلة عديدة في لبنان لهؤلاء الأشخاص الذين يعملون في المجال العام وهم منتمون لطائفة وليسوا زبائن في سلوكياتهم. الزبائنية تبعية تتميز عن الطائفية وان كانت تتلبس بها تمويهًا. توصل اللبنانيون إلى درجة عالية من التواصل في حين امتدت الزبائنية وترسخت في العلاقات السياسية.
قد تثير هذه المقاربة ردة فعل هي جديرة بالبحث والاهتمام إذا كانت منطلقاتها منهجية. لا تسعى المقاربة هذه إلى تبرير النظام السياسي القائم ولا إلى طرح حلول. لكن الأسئلة الواضحة وبخاصة العملانية هي المدخل إلى الأجوبة الصحيحة. ينتقد اللاطائفيون الطائفية ويتركون الزبائنية السياسية تنتشر وتمتد وتترسخ وتعمق ثقافة الفساد داخل الوطن وخارج حدود الوطن متحررة من أي نقد أو اختراق سياسي أو محاسبة.

بناء المواطنية في المجتمعات المتعددة
مسألة المواطنية في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب والأعراق واللغات يمكن إيجازها بستة أسئلة: لماذا الثقافة المواطنية مهمة اليوم؟ هل هناك تناقض بين المواطنية والطوائف؟ ما هي مكونات الثقافة المواطنية؟ ما هي عوائق الثقافة المواطنية في المجتمع المتعدد؟ ما هو الإنتاج في هذا المجال؟ ما العمل في المستقبل؟
لماذا الثقافة المواطنية موضوع مهم في العالم وفي المجتمعات المتعددة بشكل خاص؟ الموضوع مهم لثلاثة أسباب:
الديمقراطية: الأنظمة التوتاليتارية في العالم مهددة بسبب انتشار وسائل الاتصال الحديثة. كما إن المدفع في نهاية القرون الوسطى قضى على النظام الإقطاعي وتحصيناته، كذلك وسائل الاتصال الحديثة تسرع في انهيار الأنظمة التوتاليتارية في العالم. وبعد انهيارها، مطلوب من الناس أن يشاركوا في الحكم، فإذا لم يكونوا معتادين على المشاركة وغير متمرسين على الديمقراطية تطرح معضلة كبرى، وهذا ما حصل في الاتحاد السوفياتي السابق وفي بعض بلدان أوروبا الشرقية وما يحدث اليوم في العراق.
التنمية الاجتماعية – الاقتصادية: أثبتت كل تجارب العالم أن السلطة المركزية وحدها لا تستطيع أن تخطط للناس إذا لم يشارك هؤلاء أو لم يشعروا بأنهم معنيون، وإذا كانوا لا يعملون شيئًا للتنمية في قراهم وبلداتهم ومدنهم ومناطقهم وأحيائهم. هذا ما يسمى في الأدبيات الحديثة التمكين في التنمية (Empowerment) أو (Capacitation). إنها أكبر مشكلة في البلدان الفقيرة والبلدان في طور النمو. كيف نجعل الناس مشاركين في خطط التنمية؟
المناعة: كيف نبني مناعة المجتمعات المتعددة تجاه صراعات الداخل ومداخلات الخارج؟ لدى لبنان وسويسرا والبلاد المنخفضة… تجربة غنية وأليمة في آن. من أهداف الثقافة المواطنية في هذه البلدان تنمية المناعة(1).
هل هناك تناقض بين الثقافة المواطنية وبلد مؤلف من طوائف ومذاهب؟ لأكثر من أربعين سنة أثيرت المقولة بأنه ما دام هناك طائفية فلا مجال للمواطنية. يعني ذلك الاستقالة والانتظار. بعض رجال السياسة يستفيدون من هذه المقولة ويقولون: طالما أن النظام طائفي نريد حصتنا! والناس يبررون ذلك على أساس أنه طالما النظام طائفي فلا مجال لدولة الحق، ولا مجال للمواطنية! إنها مقاربة لا تثبتها التجارب؛ إذ ظهرت تجارب عديدة في العالم كيف يمكن بناء المواطنية في بلد متنوع الاثنيات والمذاهب والأعراق.
أعطي مثالا: بناية مشتركة يسكن في أحد طوابقها رجل انفتاحي، مجامل، (تقدمي) يزور الجميع ويبادلهم الحديث، ويسكنها آخر: فئوي، انعزالي، (بيتوتي) لا يتحدث مع احد! لكن هذا الفئوي والانعزالي (والبيتوتي) يدفع مساهمته في المصاريف المشتركة ويحضر الجمعية العمومية ويتقيد بنظام البناية. أما التقدمي الانفتاحي والمجامل (يخرب) كل شيء في البناية. لا يدفع ولا يتقيّد بنظام البناية. ماذا نفعل عادة؟ نمارس (النكرزة) و(الحرتقة) ضد كل فرد أو مجموعة حول ما يسميه خصوصياته الثقافية، بدل الاهتمام بالقضايا المشتركة. البناية التي يقطنها المالكون فيها 80-90% من القضايا المشتركة. إذا اهتممنا بكل ما هو مشترك تصبح البناية جميلة ونموذجًا. ما حدث في دول العالم الثالث هو العكس حيث تم غالبًا التركيز على كل ما يخلف الناس ويفرقهم. إذا قمنا باستفزاز المالك البيتوتي والانعزالي والفئوي، فالأرجح أنه سيتحول أكثر انعزالية. أما إذا عملنا على توسيع المجال العام المشترك، فالأرجح أنه سيتغير. لا تناقض بين المواطنية والطوائف شرط توسيع المجال العام المشترك. هناك عبارة (ميثاق العيش المشترك). و(الميثاق) هو ما يوثق ويربط.
حتى في أسوأ الظروف، لا يمكن القول: (ما طالع بأيدي شي). في الاتحاد السوفياتي السابق، الفلاح في السوفكوز كان يذهب إلى عمله صباحًا في المزارع الحكومية، يصل على الموعد ويخرج على الموعد، ولكنه يعمل دون اندفاع، والأرجح أنه كان يظن أنه غير قادر على تغيير شيء. بعد 70 سنة، انهار الاتحاد السوفياتي؛ لأنه لم يحقق أي من الانجازات الاقتصادية. كان الاتحاد السوفياتي يملك قوة نووية ولكن دون قمح لإطعام الناس. هذا الفلاح الذي كان يظن أنه غير قادر على التغيير هو نفسه من أسباب انهيار الاتحاد السوفياتي. عندما كان يعمل دون اندفاع أو حماس، ويقوم فقط بوظيفته، أدى إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.
وأمثلة أخرى يمكن أن أعطيها عن أوروبا الشرقية حول بعض الممارسات الدينية التي كانت ممنوعة. حين يدخل عامل إلى منجم تحت الأرض يقوم بتأدية إشارة دينية. قد يقول البعض: ماذا يمكنه أن يغيّر؟وهل يجرؤ على القيام بإشارات دينية فوق الأرض؟ سلوكه في المنجم يعني أنه لم يستقل!
وأمثلة أخرى يمكن أن أعطيها عن أحد الجنرالات خلال الثورة الفرنسية. عندما حكم عليه بالإعدام، كان مساقًا إلى المقصلة حاملاً بيديه كتابًا، وفي الموقع الذي بلغه في قراءة الكتاب طوى الصفحة وكأنه يريد متابعة القراءة بعد مماته! هذه طريقة في السلوك.
قد يقول البعض أنه في النهاية نفذ عليه حكم الإعدام. لكن إذا كان المواطن لا يعمل شيئًا، وإذا كانت الحالة ميؤوسًا منها بحسب نظريته ولم يفعل شيئًا، فإنه يسرّع الانهيار! عندما لا نعمل شيئًا، حتى في أقسى الظروف وأصعبها، وفي ظروف ميؤوس منها، فإننا نعمل شيئًا لأننا نسرّع الانهيار. وهذا خطر في السياسة، خاصة عندما ننشر في البلد شعورًا عارمًا بعدم القدرة والإحباط واليأس. في علم السياسة قاعدة النبوءة التي تحقق ذاتها (La prophétie qui se réalise d’elle-même)، أي إذا نشرنا فكرة بين الناس أن المستقبل إلى تدهور ولا يوجد فائدة أو نتيجة، فإننا نصل إلى الهدف بالفعل؛ لأننا نكون قد حضرنا الناس نفسيًا لكي يأتي التدهور بسرعة أكبر.
ثقة المواطن بقدرته هي أهم عنصر في الثقافة المواطنية. يقول المواطن -كما كانت تردد لور مغيزل-: (أنا معني، أنا مشارك، أنا مسؤول). وبول فاليري (Paul Valéry) كان يقول بسخرية وعمق: (السياسة هي فن منع الناس من الاهتمام بما يعنيهم). ويقول (Tocqueville): الناس عندما يقلعون عن التعاطي بالشأن العام فالدكتاتورية تصبح قريبة. وهذا أمر طبيعي؛ لأن (السلطة، دون تسلّط لا طعمة لها)، حسب بول فاليري أيضًا. كل سلطة تميل إلى التسلط، لذلك فهي تتطلب مواطنين واعين، مشاركين، يتعاطون دائمًا الشأن العام. يصبح أي موضوع ميؤوسًا منه بشكل مطلق في حالة واحدة: عندما تستقيل الإرادة!

من أبرز عوائق الثقافة المواطنية في بعض البلدان التالية:
صغر حجم البلد: البلد صغير وبإمكان أي كان أن يصل إلى وزير من خلال أقارب، معارف، أصدقاء. المتقاضون أمام القاضي في المحكمة هم إما جيران أو يعرفون جيران، وإما أقرباء أو من نفس القرية. كيف يطبق القاضي القانون دون أن يكسب عداوة الناس؟ إنها معضلة تتطلب درجة عالية من الشجاعة في البلد الصغير.
التعب: الناس تعبوا. نشأت مواطنية جديدة بعد (1990م) اختمرت بالحرب والتجربة لكن الظرف الإقليمي لم يتغيّر، ورواسب الحرب الاقتصادية مستمرة، والوضع شبه مجمد نسبيًا، هناك وضع تعب منه الناس ونطلب منهم أن يتابعوا النضال وانتظار الحصاد. أكثريتهم ناضلوا خلال سنوات الحرب لتضامن اللبنانيين، وهم اليوم متعبون.
رواسب تقليدية في التربية التلقينية الإملائية: هناك بعض العادات العائلية، وهناك تعليم الأدب العربي والحضارة العربية. عندما نقرأ الأدب العربي كما يلقن في المدارس والجامعات نشعر بأن ليس هناك أناسًا يدافعون عن الحريات! كلهم طيعّون. عندما نقرأ تاريخ لبنان، كلما ظهر معارض يكتب عنه المؤرخون بأنه (طمع في السلطة)، أي وكأنهم يقولون بأن السياسة لها ناسها ورجالها فلماذا أنت تتعاطى بما لا شغل لك به؟ والمحزن أن لا تلميذ يرفع يده ويسأل مرة واحدة: ما معنى (طمع في السلطة)؟ لم نكتب بعد تاريخ الحريات وحقوق الإنسان. إنها ورشة كبرى لإعادة قراءة الحضارة العربية وتاريخ العرب من منطلق الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات.
السلطة منبع قيم سلبية: الحكم لا يعطي القدوة للتمثل به، وهذا أيضًا يؤثر سلبًا. يقول التلامذة لأساتذة التربية المدنية: ماذا تعلموننا؟ كل شيء مختلف في المجتمع، والتلامذة يعيشون تناقضًا كبيرًا. صدر إنتاج كبير في السنوات العشر الأخيرة وهو رائد، ليس على العربي فحسب بل ربما على المستوى العالمي. الدراسات حول بناء المواطنية في المجتمعات المتنوعة البنية لا تهم فقط العرب، بل نصف سكان العالم اليوم. صدر عدة دراسات وأبحاث، منها برنامج جيل الطليعة. أنجزنا هذا البرنامج الذي يتضمن جزءًا كاملاً عن التربية المواطنية مع تطبيقات شملت حوالي 20،000 تلميذ سنويًا خلال ست سنوات(2). وهناك برنامج مواطن الغد (3 أجزاء) للمؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم(3). وصدر كتاب (بناء المواطنية في لبنان) بإشراف وليد مبارك وسعاد جوزف وانطوان مسرّه، وفيه رصد لما صدر في لبنان في السنوات العشر الأخيرة في موضوع التربية المدنية(4). الورشة التي أُنجزت بين 1996 و2000م بقيادة البروفسور منير أبو عسلي هي أهم إنجاز ثقافي في لبنان منذ العشرينات أجريت من دون فرض، بالإقناع وبانفتاح.
للمرة الأولى من خلال التربية حدثت مصالحة بين الناس والسلطة. كل المدارس الخاصة اتجهت نحو شراء الكتاب المدرسي في التربية الوطنية باندفاع وحماس ومشاركة. كان من الممكن صدور كتاب موحد ومنمط، أي أن يكرر جميع التلاميذ في كل لبنان نفس الجملة ويشاهدون الصور ذاتها ويقومون بنفس التمارين! هذا نوع من (التسطيل) الجماعي. وضع كتاب مدرسي في التربية المدنية موحد ولكنه غير منمط، أي يترك مجالاً للأساتذة كي يختاروا وثائق أخرى ونصوص أخرى وأن يقوموا بتمارين أخرى بحسب منطقة التلميذ، ضمن الهدف العام الذي هو واحد في إطار الروحية الواحدة، مع وسائل متنوعة تترك مجالا للإبداع ضمن الأهداف المشتركة. هذه عملية تربوية غير سهلة وجديدة في لبنان وفي المنطقة(5).
مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان هي عالمية ويجب التشديد على ذلك، لكن التربية على المواطنية غارقة في الخصوصيات. يجب الأخذ في الاعتبار الذهنيات والعقليات والتجارب الخاصة. عندما نعطي للتلميذ مثلاً لبنانيًا حول حقوق الإنسان فإنه يقتنع. الانطباع العام في الكثير من الدول العربية أن مسألة حقوق الإنسان والديمقراطية مستوردة من الخارج. إنها ليست مستوردة. لا يخلو الشرق القديم من خبرات ديمقراطية(6). ويجب أن نتأهل لذلك، بمعنى أن نستخرج من تجاربنا الخاصة ونأخذ في الاعتبار الذهنيات.

مكونات المواطنية :
التحديد الأولي للوطن في اللغة العربية كمكان للإقامة فيه كثير من الغنى وهو يسمح بتحديد مكونات المواطنية التي هي علاقة بالمكان، وعلاقة بالأشخاص القاطنين في هذا المكان مع كل ما في ذلك من بعد زمني، وعلاقة بالسلطة التي ترعى المكان وتدير الشأن العام.
العلاقة بالمكان في صراع وعدم تواصل واغتراب واضطراب في التمييز بين المكان الخاص والمكان العام: تكمن المعالجة في توطيد علاقة بالمكان العام قوامها شخصنة هذا المكان العام، أي الإدراك النفسي أن المكان العام هو جزء من حياة كل مواطن، وبناء نظام خدمات عامة وتنظيم المجال العام. التراث العربي غني في مفهوم المكان: (الإسراء والمعراج) (آلة التعريج) هما كلمتان بالعربية ترتبطان بالزمان والمكان وتعبران عن قدرة الإنسان على تحدي المكان.
طبيعة العلاقة بالمكان في المجتمعات المتعددة هي غالبًا علاقة صراع، بسبب الحواجز والمعابر خلال سنوات الحروب وبسبب غياب الإدراك الشامل للتاريخ والجغرافية. علاقة المواطن بالأرض كانت ضعيفة خلال سنوات الحروب ووجد العربي أنه أكثر ارتباطًا بالجماعة. استسهل البعض ترك منطقته بدون مقاومة. تاريخ العرب، كما هو مكتوب وملقن، لا يخلق رابطة عبر الزمن بالأرض. إنه يؤرخ للحكام ولا يؤرخ للناس وللأرض حيث يعيشون. التاريخ -كما هو مكتوب- يعكس غالبًا الخلافات بين الكبار أو الذوات. يقتضي تنمية الإدراك أن الأرض اللبنانية هي كلها لنا. إذا حصلت كارثة في دير القمر فهذا يعنيني. يقتضي الربط بين دير القمر وطرابلس. افتقد جيل الشباب -بسبب المعابر- الإدراك الشمولي للمكان.
المواطنية هي إدراك للعلاقات بين المواطنين القاطنين في المكان: يقول رئيس مجلس النواب السابق حسين الحسيني: (ليس الوطن مجرد أرض، بل علاقات بين اللبنانيين وهذه الأرض). تشتمل العلاقات في المجتمعات المتعددة على العناصر الآتية:
– صورة الآخر، التي قد تكون مشتركة بفعل منمطات ذهنية.
– القبول بالاختلاف، أي بالآخر كما هو، مع العدول عن مفهوم الانصهار كما تم ويتم التداول به في لبنان فالصهر يفترض حديدًا ونارًا.
– التضامن تجاه مخاطر مشتركة تهدد المصير المشترك.
– اعتماد مرجعية حقوقية في احتواء النزاعات، بدلاً من مرجعيات فئوية وبدلاً من الاستزلام والتبعية لأن الاستزلام والتبعية هما سلوك أتباع لا مواطنين.
– العدالة والمساواة بين اللبنانيين والإدراك النفسي لمفهومي العدالة والمساواة في المجتمع المتعدد. أن التضحية بشيء من المساواة بين الأفراد لمصلحة الوفاق والوحدة والاستقرار هو مؤشر سلوك وطني للمصلحة العامة.
– إنماء مفهوم الفرد، الذي يتمتع بحقوق، بمعزل عن انتمائه إلى عائلة أو عشيرة أو طائفة.
– العدالة في العلاقات الاجتماعية والعائلية، وبخاصة في العلاقات بين الرجل والمرأة. إن ترادف الفقر في مناطق وطوائف يزيد من احتمالية النزاع وعدم الاستقرار.
– تحديد العلاقات مع الجوار، أي الآخر من بلد آخر، عربيًا أو غربيًا، مما يعني تحديد المجال الفاصل في الحقوق والواجبات بين المواطنين وغير المواطنين.
يقتضي تاليًا التركيز في المواطنية على ثلاث قضايا: صورة الآخر، وكتابة التاريخ وقراءته من منطلق الحريات والعلاقات الاجتماعية، وإبراز القيم والرموز الإنسانية في التعليم.
ما الذي يدعم التواصل؟ لكل دولة ما يدعم العلاقات بين الناس. ما يجمع بالعمق ويقتضي تثميره ثلاثة أمور: المعاناة خلال سنوات الحروب، معنى الوطن، ودولة الحق التي هي الضامن للحياة المشتركة.
أبرز المكونات التي توطد التواصل والعلاقات المواطنية في المجتمعات المتعددة هي:
– مصالح تجارية مشتركة. ليس مفهوم المصالح سيئًا في كل الحالات، وقد يكون عاملاً قويًا في الوحدة.
– معاناة مشتركة طيلة سنوات من النزاع والوفاق والتدخلات الخارجية، شرط أن تؤدي هذه المعاناة إلى صدمة نفسية وتوبة قومية. والحاجة إلى تنمية فضيلة الحذر تجاه مخاطر التفكك وخطر تشريع الأبواب للتدخلات الخارجية.
– نمط الحياة في اللباس والمأكل والتقاليد الاجتماعية عامة والتعلق بالحريات كقيمة جامعة يقتضي تثميرها في مختلف عوامل التنشئة.
– المساواة في العلاقات وإدراك هذه المساواة في معضلاتها ومجالاتها وحدودها في مجتمع متعدد.
– المعرفة الموضوعية للأديان، سعيًا للحد من المنمطات الذهنية في صورة الآخر(7).
– التفاعل الثقافي (interculturalisme)، بدلاً من مفهوم الصهر الذي يشتمل على منحى إرادي قسري.
– المجال العام الذي يتمظهر يوميًا في الشارع والحي والإدارات والخدمات العامة.
– قيم المعاصرة في العلاقات بين الناس، كأفراد لهم قيمة ذاتية ولهم حقوق وواجبات.
إن تعليم الأدب العربي لا ينمي هذه القيم في إبرازه المدح والهجاء كأصناف أدبية مميزة، بينما الحضارة العربية غنية بالقيم الإنسانية. العنصر الثالث المكون للتربية المواطنية هو علاقة بالسلطة التي ترعى المكان والقاطنين فيه، تحقيقًا للمصلحة العامة: تفترض المواطنية تحولاً من التبعية إلى المواطنية، للانتقال من السلطة بمفهوم استغلال نفوذ (power) إلى مفهوم السلطة الراعية للشأن العام (authority). يقتضي التركيز على العبارة التالية في مختلف الدساتير وفي الفقرة (د) من مقدمة الدستور: الشعب مصدر السلطات، مما يعني، عمليًا، طرح كل القضايا من منطلق الناس. الاستقلال والسيادة والأمن القومي والقضايا الكبرى معيارها وضمانتها واستمراريتها مرتبطة بمدى وعي المواطن للشأن العام ومدى اهتمام الحكام بقضايا الناس. عند البحث في الهاتف والكهرباء والمياه وحاجات المواطنين، وعند مطالبة المواطنين بحقوق مشروعة يدفعون ثمنها، تتولد عندئذ القناعة أن السيادة والاستقلال ودولة الحق وحكم المؤسسات ستكون جدية.
الشأن العام في حياة المواطن اليومية وبخاصة في المجتمعات المتعددة، هو الطريق التي يسلكها والرصيف الذي يمشي عليه، وأسماء الشوارع وأرقام البنايات وإشارات السير… يعني الشأن العام أيضًا المياه التي تسري أو لا تسري في القنوات واشتراك الهاتف الذي يمكن أو لا يمكن الحصول عليه والرقم الذي يلبي أو لا يلبي، وكذلك الأشرطة الكهربائية التي تنير أو لا تنير. الدولة التي ترعى الشأن العام هي بالفعل، وفي عمق الإدراك، الإنارة والهاتف والمياه ومختلف الخدمات العامة، قبل أن تكون السلطة التي تحتكر القوة المنظمة.
الخدمات العامة المتعلقة بالهاتف والكهرباء والمياه والمعاملات الإدارية هي المدخل في المجتمعات المتعددة -في إدراك الناس- إلى المواطنية والمصلحة العامة والعلاقة اليومية المعاشة، بين المواطنين الذين يغذون الدولة بالأموال العامة والسلطة التي تتولى إدارة الأنفاق للمصلحة العامة. هل هذا المفهوم للشأن العام النابع من التقليد الروماني (res publica) ما زال حديثًا في الإدراك والممارسة؟ بلد طوائف ومذاهب وفئات ومناطق وعائليات وحزبيات وحزازات، هل هو عاجز عن إدراك الشأن العام والعمل بمقتضياته؟ إن كلمة جمهورية (république) مشتقة من اللاتينية (res publica)، أي الشأن العام على عكس نظام الملكية المطلقة، بينما أعطيناها معان جماهيرية بعيدة عن أصلها. المجتمع الحقوقي والمواطنية ممارسة يومية للفكر النقدي.
يندرج الشأن العام، في مستويات عدة، كرابط اجتماعي. من الحكمة عدم مجابهة الفئوي والانعزالي والأممي والتقدمي والتطوري في المجتمعات المتعددة في توجهاتهم ذات الطابع المذهبي أو الثقافي والانصراف إلى العمل الجاد واليومي في مجال تمتين روابط المجال العام: رصيف، بيئة، قواعد سير على الطرقات، خدمات عامة من مياه وكهرباء وهاتف ومعاملات إدارية تؤديها الإدارات العامة. إذا ترسخت هذه الروابط في البناء المشترك كما في الوطن المشترك، لا تزعج بعدئذ الولاءات الأولية؛ لأنها تنحسر بالضرورة، في أطر ضيقة وفي حدودها، دون أن تمتد إلى المجال العام الذي ترعاه مصالح مبنية على حقوق وواجبات وضعية. المجال العام على المستوى المصغر هو مدخل البناء والدرج والأقسام المشتركة والصيانة المشتركة، وهو في المجال الوطني ما يحقق الاستقرار والتآلف والازدهار للمصلحة المشتركة.
أولويات بناء المواطنية في المجتمعات المتعددة
أولويات المواطنية في المجتمعات المتعددة ست عناصر:
1- استراتيجيات المجال العام: المجال العام، أي المشترك الجامع في الحياة اليومية، في الحي والرصيف والشارع والخدمات العامة من مياه وهاتف وكهرباء ومعاملات إدارية… هذا المسار له انعكاسات ضخمة على كل المجالات. كلما توسع الارتباط بالمجال العام -إدراكًا وممارسة يومية معيوشة في الشارع والحياة اليومية- كلما تقلصت الانتماءات الأولية إلى حدودها الطبيعية في العائلة والعشيرة والقبيلة والطائفة… وكلما انحسرت إمكانات استغلالها السياسي. الشأن العام في المجتمع المتعدد هو الذي يجمع ويوحّد. مفهوم الشأن العام هو على مفترق ثلاث قضايا: المواطنية، والديمقراطية بمعنى العمل مع الناس وللناس، ودولة الحق التي تفترض معايير ومراقبة في القضايا الكبرى كما في القضايا اليومية. يندرج الشأن العام في مستويات عدة كرابط متين على المستوى المصغر في العلاقات بين الأفراد كما على المستوى الوطني الأوسع.
على المستوى الوطني الواسع، يشمل الشأن العام ثلاثة أمور:
– الملكية العامة (أراض، أنهُر، بحور، غابات…) كما هي مدرجة في الصكوك العقارية.
– الأموال العامة، التي مصدرها أموال مكلفين بالضرائب لهم تاليًا حق المطالبة والمحاسبة.
– المصالح العامة في مختلف القضايا الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والأمنية… والتي تتبلور في عملية التعبير عن المصالح والتشريع.
الشأن العام هو المدخل لبناء المواطنية في المجتمعات المتعددة وتخطي السياسة الطائفية وترسيخ الاندماج الاجتماعي. الخصخصة والإصلاح الإداري والإعمار والسياسة الضريبية والعلاقة بين الرسمي والخاص والبلديات… إذا كانت لا تحمل هاجس توسيع رقعة الشأن العام وإدراكه لدى المواطنين فهي تأسيس لدولة مناقصات والتزامات -أو يدركها المواطن كذلك- غريبة عن الناس فيضطرون إلى تمتين روابط أخرى حزبية ومحسوبية ومذهبية. انهيار مفهوم الشأن العام هو الذي يفسر المزيد من تطييف المجتمعات المتعددة.
2- بناء ذاكرة جماعية: إن بزور السلم الأهلي هي غالبًا مزروعة في النسيج الاجتماعي، لكنه يقتضي تثميرها وهي تجابه عواصف وعوائق وتتطلب قدرة فائقة وبناء ذاكرة جماعية وتوبة قومية رادعة. يقول مثل صيني: (إن بزور الحاضر هي أزهار المستقبل). بعد مخاض عسير ووفاق بالعمق، وضعت برامج تدريس التاريخ وأهدافه. ليس المطلوب (توجيه) تعليم التاريخ الذي هو علم قائم بذاته وليس المطلوب بالتأكيد التحوير والتزوير، بل التوسع في كتابة التاريخ وتعليمه الذي يقتصر غالبًا على تاريخ الحكام و(الذوات)، وينسى الناس. وهل التاريخ هو فعلاً من العلوم… الإنسانية كمجرد تصنيف علمي أم هو تاريخ إنساني لا يهمل الناس المعذبين الذين كان يسميهم تقي الدين الصلح خلال حرب (1975-1990م) (المقتولين)؟
في الحرب العالمية الأولى10% من الضحايا كانوا من المدنيين، وفي الحرب العالمية الثانية 50% من الضحايا هم من المدنيين، وفي حرب فييتنام 80% من الضحايا هم من المدنيين، وفي حروب لبنان 90% من الضحايا كانوا من المدنيين! هل الـ 80% و 90% من الناس ليسوا من التاريخ وفي التاريخ؟ إن المؤرخين يتابعون الحروب وحروبهم الأيديولوجية بعد نهاية الحروب تحت ستار العلمية. تحتاج البلاد التي عانت من حروب داخلية إلى مؤرخين محاسبين لا يقتصر وصفهم على الأسباب والمسببين بل يشمل جردة بالكلفة والمنافع.
أما في قضية الهوية القومية والعروبية الكاملة هما في انسجام وتكامل بدلاً من الثنائية التقليدية أو التناقض، وهذا ما ينسجم مع مقدمة الدستور المعدل ومع الأبحاث المعاصرة. يتطلب تجسيد هذه المبادئ -التي تنطبق على مجتمعات تعددية أخرى- في كتب مدرسية قيادة ورؤية ومتابعة ودرجة عالية من الإبداع. لا تتأمن علمية وتربوية الرؤيا بمجرد مشاركة مؤلفين مسلمين ومسيحيين في التأليف، بل بفضل تفاعل حواري مع كل الفاعليات التربوية ومن خلال تربية معيار فعاليتها القناعة الذاتية التي تثيرها لدى المتعلم ومدى صمودها خلال الأوضاع التاريخية الصعبة.
3- ثقافة المشاركة: تتطلب المواطنية في المجتمعات المتعددة إدراكًا وحكمة لمجالات التغيير وكذلك لحدود التغيير فيعدل الفرقاء عن سياسات الاستقواء؛ تتجسد هذه الثقافة في المواثيق.
4- الاستقلالية الفكرية: تؤمن درجة عالية من الاستقلالية الفكرية حاجزًا تجاه مخاطر التعبئة النزاعية في المجتمعات المتعددة. في أوائل الحروب في لبنان، منذ 1975م، أخبرتني امرأة سويسرية متزوجة من لبناني إنها كانت تشتري حوائجها من باب إدريس. بعد جولة من القصف ذهبت إلى الحانوت هناك، فقال لها البائع: (هل تتصورين كم أطلقتم علينا من القذائف؟) أجابته: (وهل تتصور أنت كم أطلقتم من القذائف على السوديكو؟) وبعد فترة تأمل قالت للبائع: (ولماذا نتبنى أقوال ومواقف سياسيين هم بالفعل لا يمثلوننا؟ لا أنت ولا أنا أطلقنا على بعضنا القذائف!).
5- الثقافة الحقوقية: إن تعميم الثقافة الحقوقية (culture de légalité) هو الضامن للحياة المشتركة، بخاصة في المجتمعات المتعددة؛ إذ تضمن القاعدة الحقوقية (rule of law) أربعة قضايا جوهرية: العيش معًا، المساواة والعدالة وعدم التمييز، معالجة الخلافات سلميًا، نوعية حياة أفضل.
6- ثقافة الحذر في العلاقات الخارجية: ربما العنصر الأصعب في المجتمعات المتعددة تعميم الإدراك المشترك للخطر الخارجي، والعدول عن الاستقواء بين الفئات، وتحييد المواطنين عن النزاعات الخارجية، وتاليًا اعتماد الحذر في العلاقات الخارجية مع العدو والأشقاء وأولاد العم وكل الأقرباء الفعليين والمتطفلين.
* * *
لا شك أن المواطنية في المجتمعات المتعددة هي أكثر صعوبة ولكنها ليست مستحيلة. تطرح المواطنية في محيط سياسي صعب أو غير ملائم إشكاليات عديدة. هناك ثلاثة أوضاع صعبة قد تكون متمايزة أو مجتمعة:
– الحالات حيث هناك تباينات في مسائل الهوية الوطنية بسبب الفروقات الدينية واللغوية والاتنية والعرقية.
– الحالات حيث حصلت نزاعات أهلية أو داخلية حادة.
– الحالات حيث يشكل النظام السياسي عائقًا في انتشار الثقافة المدنية؛ لأن هذا النظام ديكتاتوري، أو ديمقراطيته مهددة كما في الحالة اللبنانية.
يقتضي التركيز في الثقافة المواطنية في هذه البلدان على القضايا التالية: ثقافة الاستقلالية، والمجال العام، والذاكرة الجماعية، والثقافة الحقوقية بخاصة في الشؤون الحياتية اليومية والقريبة من الناس (Démocratie de proximité)، وثقافة الحذر في العلاقات الخارجية.
قد يقول البعض: إن هذا السياق المواطني مستحيل أو صعب أو مثالي, وإن البناء القومي المتجانس نسبيًا هو أكثر فعالية. واقع الأمور إن المعالجة التجانسية المطلقة غير متوفرة في المجتمعات المتعددة أو هي باهظة الكلفة. التراث العربي القديم يوفر اشكالاً متعددة في إدارة التنوع الديني والمذهبي(8). ما نقترحه في هذه الدراسة هو المعالجة الثانية الممكنة، لأن المعالجة الأولى (على افتراض إنها أفضل) غير متوفرة أو هي باهظة الكلفة.

الحواشي :
**) نفضل عربيًا عبارة (زبائنية)، بدلاً من محسوبية أو زبنية، بالرغم من الشوائب اللغوية؛ لأن التعبير هو أكثر دلالة بصيغة الجمع لعلاقة التبعية السياسية في الحياة العامة.1- طوني جورج عطا لله، نزاعات الداخل وحروب الخارج (بناء ثقافة المناعة في المجتمع اللبناني، 1975-2007م)، بيروت، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، المكتبة الشرقية، 2007م، ص604.
-2 Louise Marie Chidiac, Abdo Kahi, Antoine Messarra (dir.). La génération de la relève (Une éducation nouvelle pour la jeunesse libanaise de notre temps). Beyrouth. Bureau pédagogique des Saints-Cœurs, Librairie Orientale, 4 vol., 1990-1995.
3- أنطوان مسرّه (إشراف)، مواطن الغد، بيروت، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، المكتبة الشرقية، 3 أجزاء، 1995-1998م.
4- وليد مبارك، أنطوان مسرّه، سعاد جوزف (إشراف)، بناء المواطنية في لبنان، بيروت، الجامعة اللبنانية الأميركية، 1999م، ص288.
5- مناهج التربية الوطنية والتنشئة المدنية في لبنان، في إطار خطة النهوض التربوي، الجمهورية اللبنانية، وزارة التربية الوطنية، المركز التربوي للبحوث والإنماء، بيروت، مطبعة صادر، 1997م، ص832، ص713-734، بالإضافة إلى 25كتاب ودليل معلم ودفاتر تطبيقات، 1998-2001م.
6- أنطوان مسرّه، (مناهج التربية الوطنية والتنشئة المدنية: فلسفة تجدد وبداية مسار تأليفًا وتدريبًا وإبداعًا تعليميًا (1996-1998م)) في كتاب: بناء المواطنية في لبنان، المرجع المذكور، ص221-251.
6Yves Schemeil, La politique dans l’ancien Orient, Paris, Presses de sciences po., 1999, p478.
-7Antoine Messarra, La religion dans une pédagogie interculturelle, Francfort, Deutsches Institute fur Internationale Padogogische Forschung, 1988, 136 p.
-8Benjamin Braude, Bernard Lewis (ed.), Christians and Jews in the Ottoman Empire. The Functionning of a Plural Society, Holmes and Meier Publi. Inc., 2 vol., 1982.
– Coll., Minorités et nationalités dans l’Empire ottoman après 1516, Beyrouth, Publications de l’Association des historiens libanais, Librairie Le Point, 2001 (in Arabic, french and english), p708.

* باحث وأكاديمي من لبنان/نشرت الدراسة في مجلة التسامح