الرئيسية / دراسات / الأوضـاع والتطورات السياسية.. في موريتانيا 1903-1960
5mauri

الأوضـاع والتطورات السياسية.. في موريتانيا 1903-1960

مدخل:‏
أصبحت ((بلاد شنقيط)) موريتانيا ـ جزءاً من الدولة العربية الإسلامية منذ القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي. ثم دارت في فلك الكيانات السياسية التي ظهرت في المغرب العربي منذ القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، ومع ذلك بقيت مثل غيرها جزءاً من الوحدة القومية والدينية والحضارية للأمة العربية.‏
إن التفكك السياسي الذي أصاب المغرب العربي بعد سقوط دولة الموحدين في النصف الثاني من القرن الثالث عشر (1269) عرّض موريتانيا وابتداءً من القرن الرابع عشر الميلادي لبعثات احتلالية نظّمتها القوى الأوروبية، إسبانيا ـ البرتغال ـ فرنسا ـ بريطانيا، وبمشاركة بلجيكية وهولندية منذ عصر الاستكشافات الجغرافية نهاية القرن الخامس عشر والفترات اللاحقة. ومنذ بداية القرن السابع عشر، استطاعت فرنسا أن تثبت نفوذها في السنغال، واتخذت من ((سان لويس)) قاعدة للانطلاق لاحتلال دواخل غرب إفريقيا. وتعرضت موريتانيا العربية الإسلامية لجهود استعمارية فرنسية منظّمة منذ القرن الثامن عشر، وتصاعدت في القرن التاسع عشر، وأسلمتها في النهاية إلى الخضوع للاحتلال الفرنسي منذ مطلع القرن العشرين بعد فرض اتفاقية الحماية الموقعة عام 1903، مع إمارة الترارزة. وبعدها بدأت مرحلة ((الإخضاع العسكري)) لجميع أنحاء البلاد منذ عام 1905، واستمرت حتى عام 1934 حيث أخضعت البلاد بالقوة للاحتلال الفرنسي.‏
ومن الجدير بالإشارة أن موريتانيا ظلت طيلة مرحلة التغلغل ((السلمي)) والاحتلال العسكري تُدار من خلال العاصمة السنغالية سان لويس حتى عام 1946، حيث تشكلت الكيانية الذاتية لموريتانيا إحدى ((أقاليم ما وراء البحار)) والتي أسلمتها في النهاية إلى بداية التحول في الكيانية السياسية عام 1958 ثم إلى الاستقلال عام 1960.‏

تنظيم الحماية الفرنسية في موريتانيا:‏
خضعت موريتانيا للاحتلال الفرنسي في مختلف جوانب الحياة السياسية والعسكرية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وعاشت البلاد طيلة الحقبة الاستعمارية في تخلف حضاري شامل لمختلف مناحي الحياة.‏
قامت فرنسا بضم موريتاينا عنوة في المجموعة الإفريقية الخاضعة لنفوذها والتي عرفت باسم ((إفريقية الغربية الفرنسية A.O.F.)) والتي كان مقرها العاصمة السنغالية سان لويس. وبعد فرض الحماية عام 1903، أقامت نظاماً إدارياً يستجيب لمصالحها الاستعمارية، حيث أسندت إدارة ((المحمية)) إلى مندوب عام يساعده اثنا عشر فرداً من الأهالي(1). وخلال الفترة 1904-1920. اتبعت ما سمي ((نظام الإقليم المدني))، وبموجب ذلك النظام قسمت البلاد إلى دوائر. وكان يدير الإقليم مفوض عام، ثم انتقلت إلى نظام المستعمرة خلال الفترة 1920-1946، حيث استبدل منصب المندوب العام بـ((والي)) موريتانيا، كما أصبحت البلاد مستقلة مالياً وإدارياً عن السنغال. وزاد عدد دوائرها إلى ست دوائر، وبموجب دستور تشرين أول ـ أكتوبر ـ 1946 أصبحت موريتانيا أحد أقاليم ما وراء البحار، ويرأسها والي فرنسي، يمثله أحد الموريتانيين في الجمعية الوطنية الفرنسية‏
(A.N.F.)، فيما بقي الجهاز الإداري مكوناً من الفرنسيين الذين يمتلكون خبرة ومعرفة بشؤون البلاد والشعب(2). واستمرت الحالة السياسية والإدارية على تلك الصورة حتى عام 1958، حيث كان عام ((التحول)).‏
في المجال الاقتصادي، أولت السلطات الفرنسية اهتماماً خاصاً لتشجيع الرأسمال الفرنسي لاستغلال الثروة الحيوانية ومناجم الملح، إلا أن نشاط الشركات الفرنسية بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، حيث تم اكتشاف الحديد والنحاس وغيرها(3)، وفي هذا الجانب، تعرض الموريتانيون لأشكال مختلفة من عمليات الإفقار والتجويع تحت ضغط الضرائب(4)، المتعددة الأشكال، وعلى العموم بقي النشاط الرعوي والزراعي البدائي هو السائد، فيما تصاعد النشاط التعديني لخدمة الرأسمال والشركات الفرنسية بعيداً عن المصالح الوطنية الموريتانية.‏
وفي المجال الاجتماعي، وعلى الرغم من عدم الاهتمام بأشكال التحضر والتمدن، فقد عملت السلطات الفرنسية على تشجيع النزعات القبلية وإثارة الحساسيات العرقية والدينية الاجتماعية، وحاولت الإجهاز على القيم الدينية والخلقية بتشجيع كل ما يتعلق بقضايا الجنس والمخدرات وغيرها في محاولة لتفكيك المجتمع وإضعافه الدائم وإبقاء السيطرة الاستعمارية عليه(5).‏
وفي المجال الثقافي الذي يوليه الاستعمار الفرنسي أهمية خاصة تدخل في حساباته المستقبلية، فإن أول ما عملت به السلطات الفرنسية هو الحؤول دون الموريتانيين والاتصال بالمحيط العربي، فعمدت إلى فرض القيود المشددة على قوافل الحج، وحظرت استيراد وتداول الصحف والمطبوعات العربية، كما حاربت اللغة العربية ومؤسساتها الدينية والثقافية، وفرضت اللغة الفرنسية وثقافتها عن طريق المدارس التي أنشأتها في مختلف أنحاء البلاد، وعلى الرغم من ذلك تمسك الموريتانيون بلغتهم وثقافتهم العربية الإسلامية، ولعبت ((المحضرة)) ـ الكُتّاب ـ دوراً في هذا المجال، حيث حافظ خريجو المدارس الفرنسية على لغتهم ودينهم وراحوا يعملون لصالح بلدهم فيما بعد.(6).‏
وهكذا تعرض الشعب العربي في موريتاينا إلى شتى صنوف القمع والاستلاب والإفقار ومحاولة إلغاء الهوية العربية الإسلامية مثلما فعل المستعمرون الفرنسيون في بقية أقطار المغرب العربي، فكان رد الفعل على صدمة الاحتلال بالكفاح المسلح، وعلى السياسة الفرنسية في مختلف المجالات بتنظيم حركة وطنية سياسية عملت ضمن إمكاناتها والظروف المحيطة بها على تحقيق الاستقلال الوطني.‏

الكفاح الوطني الموريتاني من أجل الحرية والاستقلال:‏
يمكن تقسيم الكفاح الوطني الموريتاني إلى مرحلتين، مرحلة ما قبل فرض الحماية الفرنسية عام 1953، ومرحلة ما بعد فرض الحماية، كما أن المرحلة الأولى أخذت شكل الكفاح المسلح، أما المرحلة الثانية فقد تطور فيها الكفاح المسلح ثم أخذ شكل الكفاح السياسي وخاصة في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.‏

آ ـ مرحلة الكفاح المسلح:‏
كان القرن التاسع عشر يؤشر تمادي الفرنسيين في التغلغل ((السلمي)) إلى دواخل موريتانيا وراء واجهات متعددة، وقد وصف الموريتانيون تلك الفترة بأنها ((بداية عهد السيطرة غير المباشرة))، وعلى الرغم من الطابع ((السلمي)) للتغلغل الفرنسي، إلا أن ذلك لم ينطل على الشعب الموريتاني فقد بدأت بواكير الكفاح المسلح تأخذ طريقها منذ نهاية القرن الثامن عشر وتتصاعد في مطلع القرن التاسع عشر.‏
ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر شخصيات وطنية قادت الكفاح المسلح، أمثال الأمير محمد الحبيب (1829-1860) والشيخ سيدي الكبير (1776-1868) والذي دعا إلى وحدة الإمارات والمشايخ لمواجهة التغلغل الفرنسي. وقد كان للاثنين جولات خاسرة. وفي أواخر القرن التاسع عشر ظهرت ((الدعوات الجهادية)) لمقاومة ((الروم)) وكان للشيخ سيدي محمد ابن الشيخ سيدي الكبير دور في هذا المجال(7).‏
ومنذ مطلع القرن العشرين، وبعد إعلان اتفاقية الحماية تصاعدت عمليات الإخضاع العسكري منذ عام 1905، فيما رافق الكفاح المُسلَّح مقاومة اجتماعية واقتصادية، وثقافية، للمستعمر من قبل الشعوب، كانت قائمة على رفض التعامل مع المستعمر أو إنشاء علاقات اجتماعية ومقاطعة المدارس‏لاوغيرها(8)، وقد سخَّرَ علماء البلاد أقلامهم وخطبهم لشحذ الهمم والعزائم للوقوف ضد المستعمر ومقاومته والدفاع عن حرية واستقلال البلاد. وأكد العلماء بأن ((التمكين لهم في أراضي المسلمين يعد مخالفة شرعية….)(9).‏
يُعد يوم 20/شباط/فبراير/ 1905، بداية انطلاق الكفاح الموريتاني المسلح (إمارة تكانت) ضد الاحتلال الفرنسي، وبداية التوسع الأفقي لذلك الكفاح المسلح وراء قيادات شعبية ليشمل عموم البلاد، حيث التقى ثوار تكانت مع ثورة الشيخ ماء العينين في شمال موريتانيا وجنوب المغرب وإقليم وادي الذهب، وشمل الكفاح المسلح مختلف الفئات، وتمكن الكفاح الشعبي المسلح من التصدي للمستعمر الفرنسي وإلحاق خسائر جسيمة بين صفوفه على مستوى الأفراد والمعدات. وقد تمكنت حركة المقاومة المسلحة من تأخير احتلال الفرنسيين للبلاد حتى عام 1934(10)، إذ استطاع الفرنسيون إخضاع موريتانيا و(المغرب) بعد إنهاء عمليات الكفاح المسلح والتي جاءت كما نقل عن المصادر الفرنسية ((بفعل الجفاف أكثر مما هو بالسلاح))(11)، إلى جانب عوامل داخلية أخرى.‏

ب ـ مرحلة الكفاح السياسي:‏
لم تكن نهاية الكفاح المسلح في موريتانيا عام 1934 نهاية للكفاح الوطني على طريق الحرية والاستقلال، فقد شهدت المرحلة اللاحقة بدايةً لتبلور وعي وطني سياسي تكتل وراء أحزاب ومنظمات وطنية نمت وانبثقت بعد الحرب العالمية الثانية.‏
حملت الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، رياحاً جديدة إلى المستعمرات الفرنسية، إذ أعلنت فرنسا خلال مؤتمر برازافيل لعام 1944 ـ وتحت ظروف انتشار الحركة التحررية الإفريقية ـ أن فرنسا ستشيع الديمقراطية في الحياة السياسية في مستعمراتها، وستؤسس دوائر حكومية وطنية مستندة إلى حق الانتخاب العام، وإقرار استخدام الزعماء المحليين الذين أثبتوا تمسكهم بالنفوذ الفرنسي، استخداماً واسعاً، في نظام الإدارة الفرنسية (12).‏
وبعد الحرب العالمية الثانية، أدّت العوامل الدولية إلى ظهور الحركات الوطنية في المستعمرات، حيث تراجع نفوذ كل من فرنسا وبريطانيا بعد الإنهاك الذي أصابهما في القضاء على ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية وبالتحالف مع الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، كما ظهرت بوادر القطيعة الثنائية وبداية الصراع السياسي والفكري و الاقتصادي والعسكري بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية. وظهرت منظمة الأمم المتحدة، وبدأت الشعوب في عموم العالم المستعمر تطالب بحق تقرير المصير، ولقيت دعماً من قبل الاتحاد السوفيتي بصفته زعيم الكتلة الشرقية المعادية للولايات المتحدة الأمريكية وللنظام الرأسمالي وللظاهرة الاستعمارية.‏
إن الأثر الأعمق في تطور الكفاح الوطني الموريتاني قد جاء نتيجة للأوضاع الداخلية لموريتانيا من جهة، وتطور أوضاع الحركات الوطنية في عموم المغرب العربي من جهة أخرى. وقد كان لتطورات الحركة الوطنية المغربية أثرها في تطور الوعي السياسي لموريتانيا. بعد الحرب العالمية الثانية، حيث طرحت الحركة الوطنية المغربية مبدأ ((الاستقلال)) ممثلة بالقوة القائدة ((حزب الاستقلال)) منذ ((11/كانون الثاني/ يناير 1944)).(13).‏
تركزت مطالب الشعب الموريتاني بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة حول إجراء ((إصلاحات داخلية)) تهدف إلى الرقي بالبلاد. وانتقلت بعد عام 1946، إلى ممارسة ((حق الانتخاب)) وتشكيل ((المجالس المحلية)) بموجب الدستور الذي طرحته الجمهورية الفرنسية الرابعة.(14).‏
في 10/تشرين الثاني/نوفمبر 1946، وبموجب الدستور الفرنسي، ترشح اثنان من موريتانيا لتمثيلها في الجمعية الوطنية الفرنسية، كان الأول فرنسي وهو ((ايفون رازاك))، والثاني موريتاني وهو ((أحمد بن حرمة بن ببانا))، وقدم رازاك برنامجاً حصل بموجبه على تأييد بعض القوى المتنفذة من الشيوخ الزمنيين والروحيين المرتبطين بالإدارة الاستعمارية، أما حرمة بن ببانا فقد قدَّم برنامجاً وطنياً حصل من خلاله على تأييد الأغلبية الموريتانية.‏
أوضح البرنامج الثاني، القسمات الوطنية والعربية للحركة السياسية الموريتانية، وتمثل في استنهاض روح الكفاح الوطني من جديد بالارتكاز على المرجعية الدينية والموروث الجهادي السابق ومحاربة النزعة القبلية، وكذلك في استخدام ((الورقة العروبية)) والدعوة إلى ربط موريتانيا بالمحيط المغاربي، والاهتمام بالقضايا القومية الكبرى ومن ضمنها، رفضه موقف فرنسا الاعتراف بالكيان الصهيوني، والذي أدى إلى الانسحاب من عضوية ((الفرع الفرنسي من العالمية العمالية SFIO)). نتيجة مواقف الفرع الموالية للصهيونية، وإلى جانب ذلك كان ثمة قسمات ((اشتراكية)) في البرنامج الاجتماعي ـ الاقتصادي، بالتأكيد على ((العمل على إنصاف المجموعات المضطهدة)).(10).‏
استطاع الشعب الموريتاني بعد أن تمت انتخابات ((المجالس المحلية)) و((المجلس التشريعي الموريتاني)) إسقاط المرشح الفرنسي (إيفون رازاك) وإيصال المرشح الوطني (أحمد بن حرمة بن ببانا) الذي فاز بنسبة (63%) من الأصوات، لشغل مقعد موريتانيا في الجمعية الوطنية الفرنسية. وقد أدت تلك الانتخابات إلى تنامي الوعي الوطني والسياسي عند الموريتانيين وتأكيد شخصيتهم على طريق الحرية والاستقلال.(16).‏
منذ تلك الفترة، بدأ التيار الوطني ينتقل من إطار العفوية إلى التكتل والتنظيم وتحديد الأهداف الوطنية والسياسية بظهور العديد من المنظمات والأحزاب، لكن الطابع الوطني الحقيقي لم يظهر إلا في مطلع الخمسينات.‏
تشكل أول حزب سياسي موريتاني في 6/شباط/فبراير 1946، باسم ((حزب الاتحاد التقدمي الموريتاني UPM)) واستمر لغاية 5/أيار/ مايو 1985، وقد أسندت رئاسته الشرفية إلى الجنرال ديغول، ومن أعضائه البارزين المختار أنجاي. وكانت قاعدته الاجتماعية تتكون من عناصر موريتانية وزنجية وفرنسية، وضم كبار الملاك الزراعيين وبعض مشايخ العشائر المرتبطين بالإدارة الفرنسية، وقد سعى الحزب إلى خدمة أهداف فرنسا، وعليه فقد سار على سياسة ((التقبل التام للأوضاع القائمة)، وأعلن منذ البداية المواجهة العلنية ضد المرشح الوطني أحمد بن حرمة بن ببانا(17).‏
وفي الفترة ذاتها، تشكل حزب سياسي آخر سمي ((الاتحاد العام لمنحدري ضفة النهر)). ((U.G.O.V.F)) في أواسط عام 1948، وكانت بدايات تأسيسه في السنغال أواسط عام 1947، ثم انتقل بنشاطه إلى موريتانيا، وكانت قاعدته الاجتماعية من العناصر الزنجية، وكان هدفه الرئيس ((رعاية حقوق المجموعة الزنجية في موريتانيا)). وبدأ ينسق جهوده مع حزب الاتحاد التقدمي. وقد عانى الحزب منذ البداية من حالة ضعف، ناتجة من عدم استناده إلى أساس شرعي للعمل في موريتانيا، ومحدودية قاعدته الاجتماعية، فظل تأثيره محدوداً، واستمر بشكل هامشي إلى حدود عام 1951 حيث تلاشى بعد انضمام أحد كبار مؤسسيه إلى حزب الوفاق الوطني((P.E.M))، بزعامة النائب أحمد بن حرمة بن ببانا(18).‏
وفي الأول من حزيران /يونيو 1950 تشكل حزب سياسي في موريتانيا، عرف باسم ((حزب الوفاق الوطني. P.E.M))، بزعامة النائب أحمد بن حرمة بن ببانا. وكان من أعضائه البارزين الأديب والمؤرخ المعروف المختار الحامد. وقد بدأ هذا الحزب بأسلوب إصلاحي للتعبير عن المطالب والأهداف الوطنية للشعب الموريتاني، وكانت أهم طروحاته الوطنية هي التأكيد على ((الوحدة الوطنية للشعب))، بعيداً عن النعرات والنزعات القبلية، كما أكد على ((وحدة القوى السياسية)) في البلاد من أجل تحشيد الطاقات الوطنية لمواجهة المحتل. وكان هذا الحزب ذو اتجاه عروبي واضح، بتأكيده على العربية لغة وثقافة، وعلى الانتماء العربي الإسلامي لموريتانيا كما كان يتعاون مع قوميي المغرب العربي. ونتيجة لذلك، فقد بدأت المواجهة مع حزب الاتحاد التقدمي منذ البداية إلى زعامة البلاد(19). ففي الانتخابات التي جرت في 17حزيران/يونيو 1951 لانتخاب نائب البلاد في الجمعية الوطنية الفرنسية، وقفت الإدارة الاستعمارية إلى جانب حزب الاتحاد التقدمي ودعمت مرشحه المختار أنجاي، لا بل زيفت الانتخابات واستطاعت إزاحة المرشح أحمد بن حرمة بن ببانا(20)، وبعد ذلك بدأت السلطات الفرنسية تضييق الخناق على حزب الوفاق الموريتاني وقائده بن ببانا، وأدى ذلك إلى هجرته إلى جنيف ثم القاهرة ليطلب الدعم الدولي والعربي للقضية الموريتانية، وخلال فترة وجوده في القاهرة دعا الموريتانيين إلى تحمل مسؤولياتهم في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخهم، وأكد على أن الجهاد ضد الفرنسيين قد أصبح الآن خياراً وحيداً، وساق عشرات الأمثلة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ((المرغبة في الجهاد وأحياناً الموحية به….)، وقد حظي بن ببانا بدعم واسناد الرئيس جمال عبد الناصر.(21).‏
تعرض حزب الوفاق الموريتاني بعد هجرة زعيمه إلى الخارج إلى آفة الانشقاق والضعف، فقد انشق الحزب إلى ثلاث كتل صغيرة، الأولى بزعامة ألدي بن سيد بابة، والثانية بزعامة أنجور صار، ومجموعة ثالثة من الزنوج في الجنوب قرب السنغال، والذين أسسوا فيما بعد ما عرف بالكتلة الديمقراطية لغورغول ((B.D.G))، فيما انفرد حزب الاتحاد التقدمي بالسيطرة على الساحة السياسية في موريتانيا، حيث فاز مرشحه المختار أنجاي في انتخابات عام 1956، ومع ذلك ظل اسم حزب الوفاق وجماعته قائماً ولو بصورة هامشية، حيث اندمج فيما بعد مع حزب الاتحاد التقدمي في إطار حزب التجمع الموريتاني ((P.R.M)).‏

تطور الكفاح الوطني الموريتاني:‏
منذ منتصف الخمسينات تطور الكفاح الوطني السياسي في موريتانيا على صعيد الأفكار والتنظيمات وتحديد الأهداف الوطنية بشكل أعمق دليل على نضوج الوعي الوطني والسياسي لدى الشعب الموريتاني، وكان ذلك بظهور أحزاب ومنظمات جديدة. وقد كان للعوامل الداخلية ((السياسة الفرنسية)) والخارجية ((المغاربية ـ العربية)) أثرها الكبير في ذلك. فقد شهدت أقطار المغرب العربي تصعيداً في الكفاح الوطني السياسي والعسكري منذ بداية الخمسينات، حيث تصاعدت عمليات الكفاح المسلح في تونس 1954 والمغرب 1953، والجزائر 1953، كما بدأت أصداء الثورة المصرية التي قادها الرئيس جمال عبد الناصر تصل إلى موريتانيا، وكل ذلك ترك تأثيره على بعض القوى السياسية أواخر الخمسينات.‏
ومن الجدير بالإشارة إلى أن القوى الوطنية في المغرب العربي شكلت في القاهرة منذ عام 1947 ((مكتب المغرب العربي)) ثم ((لجنة تحرير المغرب العربي)) عام 1948، بزعامة المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي، قائد ثورة الريف المغربية. وقد كان للجنة تأثيرها الكبير في توجيه عمليات الكفاح المسلح في كل من تونس والمغرب والجزائر منذ بداية الخمسينات.‏
وفي القاهرة، التحق الزعيم الوطني الموريتاني أحمد بن حرمة ببانا بقادة حركة التحرر المغاربية، وانضم إلى مكتب المغرب العربي ولجنة التحرير ثم التحق بالمغرب بعد حصوله على الاستقلال في آذار/ مارس 1956، ليقود هناك حركة مقاومة مسلحة من جموع المتطوعين ((جيش تحرير موريتانيا))(23).‏
ظهرت للمغرب بعد الاستقلال مطالب تجاه موريتانيا، ولقيت هذه المطالب استجابة من قبل البعض من أبناء موريتانيا، وكانت هذه الاستجابة، الأرضية الجماعية التي ظهر من خلالها ((حزب النهضة)) في نهاية الخمسينات، وقد تعرض دعاة الوحدة مع المغرب إلى موجة من الاعتقالات والنفي على أيدي السلطات الفرنسية (24)، كما شهدت البلاد تصاعد عمليات الكفاح المسلح، ونشوب معارك دامية استمرت عامين، وكان لعنف التحرك الشعبي المسلح أن قامت السلطات الفرنسية بالاستعانة بالطائرات لسحق الكفاح الشعبي المسلح، كما دمرت القرى والمساكن، وراح ضحية هذا العمل المئات من الوطنيين(25).‏

قاد تصاعد عمليات الكفاح المسلح في الجزائر، ولجوء فرنسا إلى التفاوض مع تونس والمغرب ومنحهما الاستقلال للتفرغ للثورة الجزائرية، ومطالبة حركات التحرر الإفريقية بحق تقرير المصير، إلى بروز ثلاثة مشاريع لحل قضية موريتانيا:‏

الأول: مشروع الانضمام إلى المغرب والذي دعت إليه حكومة المغرب وبعض القادة الموريتانيين (أحمد بن حرمة بن ببانا).‏
الثاني: المشروع الفرنسي الذي سمي ((المشروع الإقليمي للصحراء))، والذي حاولت فرنسا من خلاله اقتطاع أجزاء واسعة من الصحراء الجزائرية ((خاصة بعد اكتشاف النفط والغاز والحديد فيها))، وربطها مع موريتانيا ضمن هذا المشروع وتحت مظلة فرنسية. وقد تم رفض المشروع من قبل القوى الوطنية في الجزائر وموريتانيا.‏

الثالث: مشروع الفيدرالية بين السنغال ومالي وموريتانيا(26).‏
بدأت فرنسا تبحث عن صيغ جديدة لحل قضية موريتانيا بما يضمن بقاء مصالحها ونفوذها في البلاد، فطرحت في 23 حزيران/ يونيو 1956 دستوراً جديداً سمي ((القانون الإطاري)) في عهد حكومة (غي موليه) الاشتراكية (1957-1959)، وتضمن القانون إعادة تنظيم الإدارة الاستعمارية فيما وراء البحار وفق أسس تضمن المصالح الفرنسية وتلائم المستجدات المحلية والعربية والدولية. وقد نص القانون على إجراء الانتخابات في المستعمرات الفرنسية لتشكيل ((الجمعية الوطنية)) لكل مستعمرة، على أساس الاقتراع العام. كما نص على تأسيس مجلس تنفيذي يتولى الإدارة الحكومية في المستعمرة، ووعد القانون ـ الدستور ـ بزيادة استخدام سكان المستعمرات في الوظائف الحكومية(27).‏
وقد استغلت القوى الوطنية الموريتانية هذا القانون ـ الدستور ـ لإيصال المرشح الوطني وتأكيد المطالب والأهداف الوطنية. وعليه فقد جرت الانتخابات في البلاد وتأسست ((الجمعية الإقليمية الموريتانية)) في آذار /مارس1957. ثم تشكلت حكومة موريتانية في شهر أيار/ مايو، وعين المحامي المختار ولد دادة، نائباً لرئيسها.‏
افتتحت ((الجمعية الإقليمية الموريتاينة)) دورتها في العاصمة السنغالية سان لويس، وخلال الاجتماع اتخذت الخطوات الأولى لإظهار المؤسسة السياسية الموريتانية، وكان ذلك بالدعوة إلى تحقيق (الاستقلال الداخلي) ضمن إطار ((الاتحاد الفرنسي)). وتولى المختار ولد دادة قيادة المفاوضات بشأن الاستقلال الداخلي. وقد نجح الوفد الموريتاني في تحقيق ذلك، فظهر الكيان السياسي لموريتانيا باسم ((الجمهورية الموريتانية الإسلامية))، وفي 23/حزيران/يونيو1957، تألفت أول حكومة ((وطنية)) برئاسة المختار ولد دادة من ثمانية أعضاء من بينهم وزيران فرنسيان (وزير للأشغال العمومية ـ وزير للاقتصاد والمشاريع). وفي 24/تموز/ يوليو 1957، خطت الحكومة الموريتانية خطوة أخرى للتعبير عن الذات الوطنية عندما تم اتخاذ ((نواكشوط)) عاصمة للبلاد، بدلاً من العاصمة الإدارية السنغالية سان لويس(28).‏
وشهدت الفترة ذاتها تطورات في العمل الوطني وذلك بظهور عدد من المنظمات السياسية الجديدة منها ((رابطة الشباب الموريتاني ((A.J.M)). ومن أعضائها البارزين((حرمة بن سيد أمة))، وكان من أهدافها معاداة الاستعمار بكافة أشكاله وصوره والمطالبة بالاستقلال، والتأكيد على الولاء للوحدة الوطنية بعيداً عن الولاءات القبلية، والعمل على تحقيق تقدم وازدهار البلاد بإنعاش الاقتصاد الوطني والقضاء على مظاهر التخلف.‏
وقد وقفت الإدارة الاستعمارية ضد الرابطة، سيما في مطاليبها بالاستقلال واعتبرت ذلك تجاوزاً لما هو مسموح به، وكانت الإدارة الاستعمارية ترى في الرابطة امتداداً لحزب الوفاق ونهجه الوطني، لكن بنظرة أكثر يسارية.(29). وقد تعرضت الرابطة لهزيمة في انتخابات عام 1956، كما تعرضت للانشقاق في مطلع عام 1958، وفي الوقت نفسه كانت بدايات ظهور ((حزب النهضة)) في 26/آب/أغسطس/ 1958، بزعامة ((بياجي بن عابدين)).‏
وظهر في الفترة ذاتها، ((حزب الشباب الموريتاني))، وكان من أعضائه البارزين((يحيى بن عبد)). وقد دعا إلى الاستقلال والمساواة والرفاهية، ونشر الثقافة العربية، كما تشكلت ((جمعية الشبيبة الموريتانية))، ومن أبرز زعمائها ((ماء العينين بن أحمد))و قد دعت إلى وحدة الشعب ومقاومة الاستعمار وتحقيق الديمقراطية وإظهار الشخصية الدولية لموريتانيا(30).‏
يتوضح مما ورد، أن القوى السياسية الموريتانية على الرغم من تشعبها وانقسامها، إلا أنها على الأغلب التقت ((ما عدا الاتحاد التقدمي)) على أهداف مشتركة في العمل على تحقيق الخلاص الوطني والوحدة الوطنية والتقدم والتمسك بالانتماء العربي الإسلامي لموريتانيا، وهي على العموم تمسكت بأسلوب العمل السياسي السلمي في الوقت الذي اتضح أن ذلك الأسلوب غير نافع في مقاومة الاحتلال، كما هو واضح في بقية أقطار المغرب العربي، ولهذا كان الموقف الشعبي أكثر صلابة وتجاوزاً لموقف القوى السياسية عندما حمل السلاح دفاعاً عن الحرية والاستقلال أعوام 1956-1958.‏
ومن الجدير بالذكر أن الموقف الشعبي الذي أعلن الكفاح وخاصة في شمال البلاد وجد له أرضية مغاربية قومية مشتركة، حيث وصلت أعداد من الفدائيين الجزائريين والمغاربة، وبمساندة من سكان شمال موريتاينا للعمل على مقاومة الاحتلال في موريتانيا والساقية الحمراء الخاضعة للاحتلال الإسباني في الفترة ذاتها، إلا أن القوات الفرنسية هبت في مستهل عام 1958 لنجدة الإسبان، ((فأزاحت الفدائيين العرب إلى المغرب)).(31).‏

نشأة الحكومة الوطنية في موريتانيا:‏
يعد عام 1958، (( عام التحول السياسي)) في موريتاينا، حيث خطت فيه بعض القوى السياسية خطوات جريئة على صعيد العمل الموحد لتحقيق الأهداف الوطنية، والانتقال إلى خطوة أخرى لتشكيل المؤسسة السياسية الوطنية وإظهار الكيان السياسي لموريتانيا ضمن إطار الدائرة الفرنسية ثم خارجها بشكل تدريجي يتلاءم مع أسلوب العمل السياسي السلمي الذي انتهجته القوى السياسية المتعددة.‏
إن تلك الجهود الوطنية جاءت رداً على المشاريع الثلاثة التي طرحت لرسم مستقبل البلاد، حيث بدأت ملامح المشروع الموريتاني الداعي إلى تكوين الدولة الموريتانية المستقلة. وقد احتضنت النخبة الوطنية ذات التوجه العروبي مشروع الدولة المستقلة مع رفض صارم للمظلة الفرنسية، ومطالبة قوية بفك الارتباط مع الاتحاد الفرنسي لغرب أفريقيا، وتأكيد الصلة بالفضاء المغاربي والانتماء العربي للبلاد.‏
في كانون الثاني/ يناير 1958، تشكلت ((لجنة الائتلاف)) من ممثلي الهيئات الرئيسة في البلاد، ودعا المختار ولد دادة جميع الأعضاء إلى عقد مؤتمر عام في مدينة ((ألاك))، وقد تم عقد المؤتمر في الفترة مابين 2-5 أيار/مايو 1958، وضم ممثلين عن بعض القوى السياسية ومنها حزب الاتحاد وحزب الوفاق والشبيبة والكتلة الديمقراطية لغورغول، وأغلبية من القيادات التقليدية المحلية.‏
افتتح المؤتمر المختار ولد دادة بخطاب أكد فيه على ضرورة الخروج من واقع التمزق السياسي وتوحيد الجبهة الداخلية وتوجيهها لتحقيق الأهداف الوطنية. وتمخض عن المؤتمر توحيد العديد من الفصائل السياسية في 5/أيار/مايو 1958، وظهر حزب جديد باسم ((حزب التجمع الموريتاني))، وحدد الحزب أهدافه في بيانه التأسيسي بالعمل للتصدي للمشاريع الثلاثة المقترحة لتحديد المستقبل السياسي لموريتانيا.‏
بعد قيام حزب التجمع الموريتاني، ظهر ((حزب النهضة)) على أثر مؤتمر الشباب الموريتاني في 26/آب/أغسطس/ 1958، وقد عد وقتها رداً مباشراً على قيام حزب التجمع. وأصبح بياجي بن عابدين رئيساً للحزب، وتشكلت قواعده الاجتماعية من العناصر الشابة من المثقفين والموظفين. ومنذ البداية أكد الحزب نهجه الاستقلالي الذي اعتبره شرطاً لأي تطور اقتصادي أو اجتماعي جدي.. وقد امتدت تنظيمات الحزب إلى عموم البلاد، واتخذ مواقف حاسمة من الإدارة الاستعمارية وحزب التجمع بشكل غير مباشر، وعليه فقد لقي حزب النهضة معاداة الإدارة الاستعمارية، كما دخل الحزب في صراع حاسم مع حزب التجمع منذ مطلع شهر أيلول/ سبتمبر 1958، تمهيداً للحملات الدعائية لاستفتاء 26/أيلول/سبتمبر 1958، حول مشروع الجنرال ديغول الخاص بالمستعمرات الفرنسية (الاستقلال الذاتي ضمن الجماعة الفرنسية ـ الاستقلال الذاتي والانفصال النهائي)، وقد أيد حزب النهضة مبدأ الاستقلال التام، فيما أيد حزب التجمع الاستقلال الذاتي، وقد حشد حزب النهضة القوى الشعبية لتحقيق مطلب الاستقلال التام، فأثار بذلك غضب الإدارة الفرنسية التي حظرت نشاطه في 25 /أيلول/سبتمبر ((واتهمته بالعمالة للمغرب)) وبإثارة النعرات القبلية. ومن جهة أخرى، أوعزت للمختار ولد دادة باعتقال قادة الحزب وسجنهم(32).‏
إن قبول حزب التجمع الموريتاني بالاستقلال الذاتي ضمن إطار ((الجماعة الفرنسية)) الذي طرح بديلاً عن ((الاتحاد الفرنسي)) الذي ظهر منذ عام 1946، يعني قبول الحضور الاستعماري الفرنسي في البلاد، وإبقائها تدور في فلك فرنسا، ذلك أن الانضمام إلى ((الجماعة الفرنسية)) كان يعني ((قبولها المستشارين الفرنسيين وبقاء الجيش الفرنسي في أراضيها….))، ومن هنا جاء رفض حزب النهضة وتشهيره بنتائج الاستفتاء الذي ((فاز)) به حزب التجمع، وإدانته للحزب الأخير وأكد في منشور سري وزعه في البلاد على ضرورة التمسك بالحرية والاستقلال، وأكد أن الاستفتاء في حقيقته ((… صراع بين الحرية والاستعباد والعز والذل… ,الإسلام والكفر، وبهذا نناشدكم الله والرسول ـ‏
صلى الله عليه وسلم ـ وحرمة الدين ونخوة العرب وحق الوطن أن لا تبيعوا دينكم ووطنكم بإرضاء مستعمركم))(34).‏
أصبحت موريتانيا بعد الاستفتاء. دولة مستقلة ذاتياً، وعضواً في الجماعة الفرنسية، وأصبح الحاكم الفرنسي مفوضاً سامياً اقتصرت صلاحياته على الشؤون الخارجية وقضايا الدفاع، ولم تعد البلاد جزءاً من الجمهورية الخامسة، وعليه فقد أوقف تمثيلها في الجمعية الوطنية الفرنسية، وأصبح المختار ولد دادة بوصفه رئيساً للحكومة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، عضواً في المجلس التنفيذي للجماعة الفرنسية، ومثلت البلاد في مجلس شيوخ الجماعة الفرنسية بثلاثة أعضاء موريتانيين.(35).‏
وعلى أثر ذلك، شهدت موريتانيا تطورات جديدة في العمل السياسي بدأت عام 1959، وراحت تدفع العمل الوطني باتجاه مواجهة الحضور الفرنسي وتأكيد المطالب الوطنية على طريق الاستقلال التام، وكان ذلك بظهور أحزاب جديدة بعد صدور الدستور الموريتاني الذي سمحت به المادة (التاسعة) بتأسيس الأحزاب الوطنية.‏
وفي 22/آذار/ مارس 1959، تم في العاصمة نواكشوط، التصديق على الدستور الموريتاني، الذي تمت صياغته بإشراف المختار ولد دادة والذي أقر بأن دين الدولة والشعب هو الإسلام، وبأن اللغة العربية هي اللغة الوطنية للبلاد، كما نص على أن شعار الدولة هو ((الشرف ـ الإخاء ـ العدالة)). وجرت بعد ذلك انتخابات تشريعية في 17 أيار/ مايو 1959، أسفرت عن هيمنة حزب التجمع على مقاعد الجمعية الوطنية الموريتانية. وفي 23/حزيران/ يونيو، اختارت الجمعية المختار ولد دادة وزيراً أول ومنحته حق التفاوض مع الفرنسيين بشأن الاستقلال، إلا أن مساعيه اصطدمت من جديد بظهور حزبين سياسيين جديدين، لكل منهما رؤيته الخاصة لمستقبل موريتانيا.(36).‏
وبموجب المادة التاسعة من الدستور الذي أقر تأسيس الأحزاب على أن ((…. تتعاطى نشاطها بحرية على شرط أن تحترم مبدأ الديمقراطية وأن لا تمس بمقصودها أو بعملها السيادة الوطنية أو وحدة الجمهورية))، ظهر أول الحزبين باسم ((الاتحاد الوطني الموريتاني ((U.N.M)) في الأول من تموز/ يوليو 1959، بقيادة (الحضرمي بن جفري) ويمثل مجموعة من العناصر العربية والزنجية الساخطة على حزب التجمع، إلا أن هذا الحزب لم يعمر طويلاً بفقدان رصيده الشعبي وطغيان مطلب الاستقلال التام وتعرض قادته للملاحقة والاعتقال من قبل حزب التجمع والمختار ولد دادة في 7/شباط/ فبراير 1960 بسبب دعواته الإفريقية ورغبته في تحقيق المشروع الفدرالي مع السنغال ومالي.‏
أما الحزب الآخر، فهو ((اتحاد الاشتراكيين المسلمين الموريتانيين U.S.M.M))، بزعامة أحمد سالم بن بيوط، أحمد بن كركوب، سيدي بن عباس، فقد تأسس في 20/شباط/فبراير 1960، وكان وراء قيادته مجموعة من العسكريين الفرنسيين المتقاعدين والمعروفين بتأييدهم للمشروع الصحراوي والذي جاء بسب خشيتهم من امتداد نفوذ الثورة الجزائرية للصحراء، ومطالب المغرب في موريتانيا. وقد حدد الحزب أهدافه بالسعي لاستقلال موريتانيا ورفض المطالب المغربية. وقد كانت أهدافه مطابقة مع أهداف المختار ولد دادة ومنها جاء اللقاء بين اتحاد الاشتراكيين وحزب التجمع (37)، وخاصة بعد الاستقلال.‏
ومنذ بداية الستينات بدأ مبدأ ((الاستقلال التام)) يعد مطلباً حزبياً وشعبياً من قبل أكبر الأحزاب السياسية والجماهير الشعبية، وأصبح أحد مقررات ((المجلس الوطني)) الموريتاني في آذار/مارس 1960، وكان ذلك تحت تأثير القوى الشعبية التي خرجت بمظاهرات ضخمة في العاصمة وبقية المدن هاتفة بسقوط الاستعمار وأعوانه. وقد انعكس الموقف الشعبي بشكل أكثر عمقاً على مواقف القوى السياسية التي تمسكت بمبدأ الاستقلال التام في الذكرى السادسة لانطلاق الثورة الجزائرية في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث عبر ممثلو الأحزاب الوطنية والهيئات السياسية عن استنكارهم للأعمال الوحشية التي ترتكبها القوات الفرنسية بحق الشعب الموريتاني والجزائري. وساد بعد ذلك موجة من عمليات الكفاح المسلح ضد القوات الفرنسية وعملائها في البلاد، وكان لهذا النشاط الوطني الحزبي والشعبي رد فعل من قبل السلطات الفرنسية، حيث قامت بعمليات الملاحقة والاعتقال لزعماء الحركة الوطنية، واتبعت أسلوب القرصنة الجوية والبحرية والبرية ضدهم، وكان لعنف الغضب الموريتاني أثره في قيام السلطات الفرنسية بطلب المعونات العسكرية من باريس(38).‏
أدت تطورات العمل الوطني في موريتانيا إلى إشعار السلطات الفرنسية بضرورة تغيير موقفها والتعامل مع قضية موريتانيا بنظرة وأسلوب عمل جديد وجدي. ومن جهة أخرى، فإن قضية موريتانيا لم تقف عند حدود موريتانيا، وإنما انتقلت إلى الساحة العربية والدولية من خلال دعم المغرب.وقد سُجلت القضية الموريتانية في جدول أعمال مجلس جامعة الدول العربية الذي عقد في شتورة بلبنان في 28/آب/أغسطس/1960، وكذلك في جدول أعمال منظمة الأمم المتحدة في دورتها الخامسة عشرة للعام نفسه (39). وقد عجل الموقف الداخلي، والعربي، والدولي، في وضع حل للقضية الموريتانية على طرائق الحرية والاستقلال.‏

استقلال موريتانيا:‏
فرض الموقف الشعبي والحزبي على المؤسسة السياسية الحاكمة ضرورة التمسك بفكرة الاستقلال الكامل عن فرنسا، واعتبرها مسألة لا رجعة فيها. وبناء على مقررات ((المجلس الوطني)) الذي عقد في أوائل آذار/مارس/1960. سافر المختار ولد دادة إلى باريس في تشرين أول/ أكتوبر، لعرض إرادة المجلس الوطني الموريتاني، وتم إبرام الاتفاق الموريتاني ـ الفرنسي في التاسع عشر من الشهر نفسه.‏
قضى الاتفاق الموريتاني ـ الفرنسي بنقل السلطات في البلاد إلى الموريتانيين، ومع تصاعد الموقف الشعبي إثر الاحتفال بالذكرى السادسة للثورة الجزائرية في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر، فقد عجلّت الأحداث الوطنية والمواقف العربية في قيام الحكومة الفرنسية بإعلان الاستقلال لجمهورية موريتانيا الإسلامية في 28/تشرين الثاني/نوفمبر 1960، وأصبحت جمهورية مستقلة ذات سيادة برئاسة المختار ولد دادة، وأصبحت موريتانيا جزءاً من دوائر ثلاث، هي الدائرة العربية والإسلامية والإفريقية، ثم بدأت تطورات جديدة في العمل السياسي في مرحلة مابعد الاستقلال مباشرة.‏
معاهدة الحماية بنصيها العربي والفرنسي‏
(إمارة الترارزة)‏

النص العربي:
سيد أحمد وببكر المختار أخيارهم وأعمر، متكلمون بأنهم جاعلون أمرهم بيد نائب الدولة الفرنسية في كل مافي صلاح الأرض وعافيتها وكل مافيه زيادة منافعها بكل ما فعله النائب المذكور على الوجه المذكور فهو ماض عندهم مقبول.‏
فعل النفر الخمسة الواضعون أسماءهم بأيديهم أعلاه ذلك بحضرة كاتب هذه الأسطر سيدي بن محمد بن سيدي.‏

للتوقيع.‏
سيدي بن محمد كبولاني‏

أشهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأشهد على كتب هؤلاء القوم المذكورين لأسمائهم وإمضائهم ما طلب منهم، والسلام كتبه للشاهد عليه سعد بوه بن شيخه الشيخ محمد الفاضل القلقمي نسبا.‏

للتوقيعات (بالفرنسية).‏
النص الفرنسي‏
Les Nommes Sidi Ahmed Ould Bobakar Sire (De La Tribu Des Oulad – Ahmed Ben Daman)‏
El Moctar Ould M’bareck (Chef Des Oulad Daman) Boubakar Khayroum Leur Conseiller Et Omar Ould Moctar Ould Houmaida (DelaTribu Des Oulad Ahmad Ben Daman) Agissant Au Nom De Leurs Assemblees Respectives Soumettent Toutes Leurs Affaires Au representant du Government Francais Et S,en rapportent A Lui Pour Assurer La Paix Et Le De veloppement Economioue Dupays.‏
Fait En Prescence Des Soussignes (En Caracteres. Arabes Et Caracteres Francais)‏
Sidia Ben Mohamed Ben Sidia‏
Je Ceriifie Que dieu Est Unique Et Que Mohamed (Que Le Salut Soit Sur Lui) Est Son Envoye Je Certifie En Outre Que Les Personnes Mentionnees Dans Le Texte Ci – Dessus Ont Signe et Approuve Le Dit Texte En Ma presence.‏
Saad Bouh Fils De So Cheikh, Mohamed Fadel El Chalghami D’origine.‏
Souet – El – Malk 7 Janveir 1903‏
Pour Traduction Conforme:‏
L,interprete:‏
Bou – El Mogdad.‏
Signe Coppolani, Sadorge, Bou – El Mogdad.‏
Feuillu, Michel , Angely, A Fleuny‏
E Aubert – A Ciccoil.‏
L’emirat Des Trarzas‏

* أستاذ التاريخ الحديث