الرئيسية / دراسات / عروبة اللغة الأمازيغية وإيديولوجية النزعة البربرية الاستعمارية
headline_6_575676666

عروبة اللغة الأمازيغية وإيديولوجية النزعة البربرية الاستعمارية

النزعة االبربرية:
قبل دخول المستعمر الفرنسي المغرب العربي ابتداء من الجزائر سنة 1830 ، لم يكن هناك أمازيغي واحد قال بأنه أمازيغي وليس عربيا، أو طالب باعتماد اللغة الأمازيغية بدل اللغة العربية. فحتى قبل الإسلام كانت توجد بالمغرب العربي لغة فصحى عروبية مكتوبة هي الكنعانية ـ الفينيقية، محاطة بلهجات شفوية أمازيغية عروبية قحطانية، ولمدة سبعة عشر قرنا . وعندما جاء الإسلام حلت العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم محل اللغة الكنعانية. واستمر المغاربة يتعاملون مع العربية كلغتهم وساهموا في تطويرها، مثل صاحب كتاب الأجرومية ابن أجرّوم العالم الأمازيغي من المغرب الأقصى المتوفى سنة 672 هـ ؛ ومثل ابن معطي الزواوي المتوفى سنة 628 هـ الأمازيغي من بلاد القبائل، الذي نظم النحو العربي في الف بيت، سابقا بقرن ابن مالك الذي توفي سنة 730 هـ والذي اعترف بفضله في السبق قائلا:
وتقتضي رضىً بغيـرِ سُخْـطِ
فائـقـةً ألْفِيَّـةَ ابْنِ مُعْـطِ
وَهْـوَ بِسَبْقٍ حائِـزٌ تفضيـلاً
مستوجِبٌ ثنـائِيَ الْجميـلا

ومثل البصيري الشاعر الأمازيغي من القبائل والذي ولد بمدينة دلّس وتوفي سن 695 هـ بالقاهرة، صاحب قصيدة البُردة المشهورة، التي نسج على منوالها العديد من الشعراء ومنهم شوقي.
لكن ما أن وصل الفرنسيون حتى راحوا ينشرون الأكاذيب بين البربر، مدعين بأنهم غير عرب، ويوغلون صدور البربر ضد العرب، لكن سياستهم هذه فشلت طوال القرن والثلث القرن من استعمارهم. ركزوا على منطقة القبائل التي كانت تسمى قبل احتلالهم [زواوة]، لقربها من العاصمة حيث يتجمع بها معظم الاستيطان الفرنسي، فراحوا ينشرون بها الفرنسية والتنصير، لكن جوبهوا بمقاومة شرسة من قادة زواوة الأشاوس. فإحصائية 1892 تشير إلى أن المدارس الفرنسية المخصصة للجزائريين بمنطقة القبائل كانت تمثل 34 % من سائر المدارس بالقطر الجزائري، علما بأن هذه المنطقة هي ولايتان من 48 ولاية [ 1 ] .
فالكابتن لوغلاي المشرف على التعليم في الجزائر يخطب في المعلمين الفرنسيين في بلاد القبائل في القرن التاسع عشر فيقول: “علموا كل شيء للبربر ما عدا العربية والإسلام”.
ويقول الكاردينال لافيجري CH.M.Lavigerie في مؤتمر التبشير المسيحي الذي عقد سنة 1867 في بلاد القبائل: “إن رسالتنا تتمثل في أن ندمج البربر في حضارتنا التي كانت حضارة آبائهم، ينبغي وضع حد لإقامة هؤلاء البربر في قرآنهم، لا بد أن تعطيهم فرنسا الإنجيل، أو ترسلهم إلى الصحراء القاحلة، بعيدا عن العالم المتمدن” .
أجبر الفرنسيون ملك المغرب سنة 1930 على إصدار الظهير البربري، وهو مرسوم ملكي يعترف فيه للبربر بأن لا تطبق عليهم الشريعة الإسلامية في الأحوال الشخصية، وإنما يطبق عليهم العرف البربري، فتصدى زعماء البربر أنفسهم عندما توجه شيوخ قبائل آيت موسى وزمّور إلى فاس ، وأعلنوا أمام علماء جامع القرويين رفضهم للظهير البربري. كما قام الفرنسيون بتأسيس الأكاديمية البربرية بالمغرب، هدفها إحياء اللغة البربرية كضرة للغة العربية، بالحروف اللاتينية، ووضع المستشرق الفرنسي [جود فري دي مونييه] مستشار التعليم في المغرب خطة مفصلة لهذا الغرض سنة 1914 . وفي سنة 1929 أقامت الإدارة الفرنسية كلية بربرية في [أزرو] لإعداد حكام لتولي إدارة المناطق البربرية مبنية على التنكر للعروبة وصنع أحقاد بين البربر والعرب. وفشلت هذه الكلية لأن معظم خريجيها صاروا من المناضلين الأشداء ضد الاستعمار الفرنسي. ومع استقلال القطرين المغرب والجزائر تمكن الفرنسيون كما سنبين من صنع عملاء بربريين بهما.
ينبغي التفريق بين البربرية Berberite والنزعة البربرية Berberisme ، الأولي عنصر من عناصر تاريخنا كشمال إفريقيين، والثانية إيديولجية صنعها الاستعمار الفرنسي لضرب الوحدة الوطنية، وصنع الفرقة بين العرب العدنانيين والأمازيغ القحطانيين.
في الأربعينيات من القرن الماضي العشرين، عين حاكم عام بالجزائر خطير هو شاتينيون، رأى أن أخطر حزب هو حزب الشعب الجزائري، وأن قمعه يزيد شعبيته، وأن الوسيلة الناجعة هو تدميره من الداخل عن طريق النزعة البربرية، فأوحى إلى عملاء المخابرات الفرنسية بالحزب أن يحركوا المسألة البربرية، وانطلق بعضهم من معهد المعلمين ببوزريعة فنشروا منشورا هاجموا فيه العروبة، وانتقدوا مفهوم الوطنية للحزب المبنية على العروبة والإسلام، ورفعوا شعار الجزائر البربرية، وقد استطاعوا أن بغلطوا حسين آيت أحمد. وواجهت قيادة الحزب بحزم، ففصلت رؤوس الفتنة، أحدهم انضم للحزب الشيوعي الجزائري، وصار زعيما له. أما حسين آيت أحمد فقد أنّبته وأوقفت نية القيادة في ترؤسه للتنظيم الخاص العسكري السري للحزب. وخير من وضح هذه المؤامرة في كتاب له ابن يوسف بن خدة الذي خص لها فصلا عنوانه (المؤامرة البربرية) [2 ]. وتستقل الجزائر ويستمر حسين آيت أحمد في معاداته للغة العربية، فيقود في 27/12/1990 بالعاصمة مسيرة ضد قانون تعميم استعمال اللغة العربية…
إن قيام الثورة الجزائرية جعلت فرنسا تقرر منح الاستقلال لتونس والمغرب لتتفرغ لمواجهة الثورة الجزائرية، وراح مفكروها الاستراتيجيون يرسمون الخطط في التعامل مع دول المغرب العربي المستقلة. فظهر كتاب سنة 1956 تأليف الجنرال أندري P.J.Andre عضو أكاديمية العلوم الاستعمارية، جاء فيه: “من المحتمل أن يأتي يوما تهب فيه الأمة المغربية البربرية لإحياء وعيها القديم بذاتها، وترفع فكرة الجمهورية البربرية، إذا سادت فكرة الدولة التيوقراطية العربية في المغرب الأقصى”. وينتقل الجنرال إلى الحديث عن الجزائر فيقول: “إن المسألة البربرية في الجزائر مسألة قبائلية، فمنطقة القبائل أكثر انفتاحا على الحركات الخارجية من منطقة الأوراس.. ينبغي الإعداد للمستقبل لأن المسألة البربرية تطرح الآن [1956 ] في الجزائر وفي المغرب الأقصى” [3 ].
وما أن استقلت الجزائر حتى راح الفرنسيون يعملون لتطبيق خطتهم البربرية، فأسسوا الأكاديمية البربرية سنة 1967 في جامعة باريس 8 فانسين، وبعد عشر سنوات من صدور كتاب الجنرال أندري. وقامت بإعداد العشرات من حاملي الماجستير والدكتوراه في اللغة البربرية، أشهرهم سليم شاكر، وربطتهم بأجهزة الاستخبارات الفرنسية، وراحت تعمل لصنع ضرة للعربية من البربرية تدخلان في صراع بينهما إبقاء لهيمنة اللغة الفرنسية على دول المغرب الأربع. قام هؤلاء الخريجون مع أساتذتهم بعملية تطهير للهجة القبائلية التي اعتمدوها كلغة بربرية، من الكلمات التي بها رئحة العروبة والأسلام، كانوا يستبدلون الكلمات بطريقة فجة جعلت علماء لغويون فرنسيون يحتجون على هذه العملية، مثل الثلاثة الذين كتبوا مقدمة قاموس [اللغة القبائلية] المطبوع سنة 1982 للأب داليه، الذي توفي قبل نشره، وهو عالم أثبت نزاهة وتعامل مع البربرية كلغة ذات جذور عربية؛ والثلاثة تلاميذ له، وهم: مادلين آلان، وجاك لانفري، وبيتر ريسينك [4] .
ويكتب المستشرق الفرنسي مترجم القرآن الكريم إلى اللغة الفرنسية، والمولود في الجزائر، جاك بيرك Jaques berque فيقزل “من الخطأ الكبير الاعتراف باللغة البربرية كلغة رسمية ثانية إلى جانب العربية من طرف بلدان المغرب العربي، ولا أعتقد بأن مطلب اللغة مشروع، لأنه سيؤدي في النهاية إلى تقسيم الولاء”.. إن بيرك مدير لأكبر معهد بباريس وهو [الكوليج دي فرانس] . كان يعتبر نفسه جزائريا، يتكلم العربية بطلاقة وبلا لكنة، وعندما توفي أوصى بمكتبته الضخمة إلى مدينة فرندة الجزائرية التي ولد فيها.
كان هؤلاء العملاء يغيرون كلمات اللهجة القبائلية التي كتبوها باللاتينية، فمثلا غيروا تحية الإسلام (السلام فلاّون) التي يستعملها الأمازيغ في سائر لهجاتهم بما فيها القبائلية بعبارة [آزّول فلاّون]، وكلمة آزول لا وجود لها في قاموس سائر اللهجات الامازيغية، توجد كلمة قريبة لها وهي آزّو وتعني الشوك.. وغيروا كلمتي الرب والله بكلمة [يلّو] جاهلين ان ( الإلّ) باللغة العربية تعني الله تطورت إلى الله، كما غيروا كلمةالشهادة بكلمة أمغْراسْ. وغيرها من عشرات الكلمات، التي كانوا يرسلونها بالفاكس لمقدم الموجر بالقبائلية في الإذاعة الجزائرية فيقول بتسريبها كقوله مثلا [ يلّو سو لا فو دير لو بون ديو],,,
حاول البربريون نقل النزعة البربرية إلى منطقة الآوراس فصرح السعيد سعدي رئيس حزب التجمع من اجل الثقافة والديموقراطية سنة 1990 قائلا : “قررت فتح الأوراس للبربرية”، وحشر المائات من شباب القبائل من مدينتي تيزيز وزو وبجاية موهما إياهم بالقيام بجولة في بلاد الشاوية؛ وعلى بعد عشرة كيلوميتارت من مدينة باتنة، تربص الشباب الشاوية للقافلة فشتتوا في الجبال ركاب الحافلات، وهددوهم إن لم يعودوا من حيث أتوا ستحرق الحافلات، واختطفوا السعيد سعدي وزوجته، وقام الدرك الوطني بالبحث عنهما لمدة سبع ساعات، ثم شاهدوهما طليقين، أطلق سراحهما خاطفوهما بعد ان ادخلوهما مسجدا وامروهما بان ينطقا بالشهادة…
في سنة 1996 رأت الأكاديمية البربرية بفرنسا ألا أمل في نجاح النزعة البربرية ما لم ينضم لها الشاوية بجبال الأوراس، وقرر ما يسمى بالكونجرس البربري عقد ندوة دولية بربرية يشارك فيها الفان من مختلف انحاء العالم في مدينة باتنة عاصمة الأوراس، وسهل مهمة عقد المؤتمر أحمد أويحي الذي كان رئيس ديوان رئيس الجمهورية، فكتبتُ مقالا كأمازيعي شاوي وكرئيس للجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية، باسبوعية الشروق العربي عنوانه: (هل تنجح الأكايمية البربرية بباريس في ترويض الأوراس الأشمّ) ، وقرأ الشاوية المقال فتجمع ستون من ضباط جيش التحرير الوطني في باتنة ووقعوا على لائحة ترفض عقد المؤتمر بباتنة، ونزل لباتنة من قرى جبال الأوراس مجاهدون وقابلوا والي باتنة السيد جباري ليقولوا له: “إذا اصرّت الحكومة على عقد هذا المؤتمر الذي سيشارك فيه الفا عدو للعربية، فلتحفر الفي قبر يدفنون فيها بالأوراس”.. وامر الرئيس اليمين زروال بإلغاء المؤتمر. ورفعت [المحافظة السامية للأمازيغية] التابعة لرئاسة الجمهورية دعوى ضدي، بتهمة إفشال المؤتمر وأن أدفع أربعة ملايين دينار المصاريف التي أنفقتها الدولة لإعداد المؤتمر، وصرح رجل اعمال كبير قائلا: [حساب مفتوح ينبغي الحكم على عثمان سعدي]، وحكمت علي المحكمة الابتدائية بحسين داي بالتغريم فحذف القاضي ثلاثة أصفار مكتفيا يرقم ثلاثة آلاف دينارظانا أنني سأقبل الحكم، لكنني أصررت على استئناف الحكم، وتطوع 74 محاميا من مختلف انحاء القطر للدفاع عني، بل وعبر محامون من أقطار عربية عن رغبتهم في الدفاع عني. وكانت المحاكمة مشهودة انتهت بتبرئتي، فقد جند البربريون المائات وحاصروا المحكمة التي فرضت عليها قوات الأمن طوقا، وحضر جلسة المحكمة الشيخ عبد الرحمن شيبان القبائلي رئيس جميعية العلماء المسلمين الجزائريين مساندا لي. وصدر الحكم بتبرئتي، ومن الغريب أن القاضي الذي حكم عليّ عربي، والقاضي الذي برّأني امازيغي…
ونظرا لمواجهة دعاة النزعة البربرية من طرف امازيغ احرار ذبُلت هذه النزعة، لقد ألقيت امام محكمة الاستئناف مرافعة طويلة بينت فيها عروبة الأمازيغ ولاوطنية دعاة النزعة البربرية، نشرت بالعديد من الصحف الجزائرية والعربية، وأردرجت ضمن كتاب [الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية: خمس عشرة سنة من النضال في خدمة اللغة العربية] الصادر سنة 2005 .

عروبة الأمازغية:
الأمازيغ البربر هاجروا قبل آلاف السنين من الجزيرة العربية مع بداية المرحلة الدفيئة الثالثة warm3 وزحف الجغاف على الجزيرة العربية بعد أن كانت تتمتع لمدة عشرين ألف سنة قبل هذا التاريخ بمناخ رطب شبيه بمناخ أوروبا الآن، بحيث كان يشقها نهران من الشمال إلى الجنوب. فتكونت أول حضارة بشرية بها على الزراعة وتدجين الحيوان.
وعندما زحف الجفاف بالجزيزة العربية وذاب الجليد في أوروبا وشمال إفريقيا، انتقل الإنسان العربي بحضارته إلى وادي الرافدين ،فوادي النيل بعد أن انحسرت المستنقعات في مجار بالأنهر الثلاثة، يقول ول ديوربانت well Diorant: في كتابه الموسوعي قصة الحضارة “إن الحضارة وهي هنا زراعة الحبوب واستسخدام الحيوانات المستأنسة قد ظهرت في العهود القديمة غير المدونة في بلاد العرب ، ثم انتشرت منها في صورة مثلث ثقافي إلى ما بين النهرين (سومر وبابل وأشور) ، وإلى مصر” . [5] وبطبيعة الحال انتقلت اللغة العربية وتفرعت إلى لهجات مرتبطة باللغة الأم بعد أن اكتسبت خصائص محلية. لقد حدثت هجرات عديدة لم يسجلها التاريخ ، والذي سجله التاريخ هجرة الكنعانيين الفينيقيين في منتصف الألف الثانية قبل الميلاد للمغرب، حيث أخرجوا بني عمومتهم الأمازيغ من العصور الحجرية وأدخلوهم التاريخ, وتكونت قرطاج التي هي كنعانية أمازيغية، وصارت اللغة الكنعانية الفصحى المكتوبة، محاطة بلهجات أمازيغية قحطانية شفوية، يقول المستشرق الفرنسي هنري باسيه H.Basset “إن البونيقية لم تختف من المغرب إلا بعد دخول العرب ، ومعنى هذا أن هذه اللغة بقيت قائمة هذه المدة سبعة عشر قرنا بالمغرب، وهو أمر عظيم” [6 ] دمر الرومان قرطاج سنة 146 ق.م ، واستعمروا المغرب هم والوندال والبيزنطيون ثمانية قرون دون أن يؤثروا في الذات المغربية ولم يتركوا في الأمازيغية كلمة واحدة، لم يتركوا سوى حجارة صماء، بينما استمر العروبيون الأمازيغ يمارسون الثقافة الكنعانية باللغة الكنعانية المكتوبة. ويعبدون آلهة كنعان، ويستعملون لغة كنعان في دواوين دولهم.

التشابه بين حياة العرب وحياة الأمازيغ:
أفضل من أوجز التشابه بين العرب والأمازغ ابن خلدون يقول: “يتخذون البيوت من الحجارة أوالطين، ومن الخوص والشجر، ومن الأشعار والوبر، ويظعن أهل العز والغلبة لانتجاع المرعى، فيما بين الرحلة، ولا يجاوزون فيها الريف إلى الصحراء والقفر الأملس، ومكاسبهم الشاة والبقر، والخيل في الغالب للركوب والنتاج، وربما كانت الإبل من مكاسب أهل النجعة منهم شأن العرب، ومعاش المستضعفين منهم بالفلح، ودواجن السائمة، ومعاش المعتزين من أهل الانتجاع والأظعان في نتاج الإبل وظلال الرماح، وقطع السابلة، ولباسهم وأكثر أثاثهم من الصوف”. [7 ] وقد زرت مضارب القبائل العربية ببادية الشام بالسبعينيات من القرن الماضي: قبائل شمّر وعنيزة وروَلة، ودرست حياتها الإجتماعية فوجدت تطابقا كاملا بينها وبين الحياة في قبيلتي النمامشة الأمازيغبة، فتربية السمن الذي يسمى عند القبائل العربية الدهن وعند قبيلة النمامشة الأمازيغية الدهان، يربى بتفس لأسلوب فيمر على تخزينه في جلد ضأن، لينتهي في جلد ماعز يسمى العُكّة. وطريقة تجبين الحليب وإعداد مادة في معدة الخروف الرضيع التي تسمى المنفاح أو المنفح، وتسمى هذه الماة عند البربر الدوث، وعند العرب الدور. طريقة إعداد الخيمة وتسمية أجزائها متشابهة. تربية الأغنام بنفس الأسلوب، تسمية الحبل الذي يشد به الخروف الرضيع تسمية واحدة لدى الطرفين وهو الرّبق. إلى آخره من جزنزئيات الحياة الاجتماعية لمستها لدى الطرفين.
اللغة الأمازيغية لغة مثل اللغات التي تفرعت عن اللغة العربية الأمّ قبل آلاف السنين، مثل الأكدية، والبابلية، والأشورية، والكنعانية التي نزلت بها التوراة، والأرامية التي نزل بها الإنجيل، والعدنانية التي نزل بها القرآن الكريم، والحميرية،وغيرها . بل إن اليونانية والفارسية مشتقتان من العربية اللتان اختلطتا أيضا بعناصر من الهندو أوروبية التي انتشرت بأوربا ووصلت هضبة فارس مؤخرا في نهاية الألف الثانية قبل الميلاد. بل إن أوروبا كانت تتكلم اللغات العروبية [السامية وفقا للمصطلح الغير العلمي] قبل انتشار القبائل الهندو أوروبية فيها، وقد وضع العالم اللغوي الجزائري عبد الرحمن بن عطية ذلك في كتابه الصادر بالفرنسية سنة 2008 (Alger 2008 Dr.A.Benatia:Arabes et indo-Europeens ) وترجمة العوان: (العرب والهندو أوروربيون: هل تكلم الهندو أوروبيون العربية؟) .
الأمازيغية هي اللغة الوحيدة العروبية الباقية حية مستعملة شفويا، ومنها نستطيع التعرف على جذورنا العربية كعرب، فمثلا المرأة تسمى بالأمازيغية تامطّوث جذرها طمث ، والطمث العادة الشهربة للمرأة، المرأة الطّامث التي عليها العادة الشهرية، وفي رأيي أن التسمية الأمازيغية هي التسمية الأولى بالعربية للمرأة ، أي الكائن البشري الذي يحيض، قبل أن تتطور إلى اسم المرأة.
اللغة الأمازيغية لغة عروبية ، قاموسها متكون من الكلمات العاربة والمستعربة. مستمدة من الحميرية اللغة العاربة القحظانية، العمود الفقري للغتين الحميرية والأمازيغية وزن أفعول، القاضي اليمني الأكوع له دراسة عنوانها [وزن أفعول في اللغة الحميرية] . وهذا الوزن غيرموجود في اللغة العدنانية التي نزل بها القرآن الكريم. الأمازيغية بها هذا الوزن مثل أغروم أكسوم. لا ينكر عروبتها حتى المستشرقون النزيهون مثل جابريال كامبس G.Camps في كتابه (البربر ذاكرة وهوية) يقول: “إن علماء الأجناس يؤكدون أن الجماعات البيضاء بشمال إفريقيا سواء كانت ناطقة بالبربرية أو بالعربية، تنحدر في معظمها من جماعات متوسطية، جاءت من الشرق في الألف الثامنة بل قبلها ، وراحت تنتشر بهدوء بالمغرب والصحراء”[8] ويقول المؤرخ الفرنسي بوسكويه G.H.Bousquet: “وعلى كل حال يوجد ما يجعلنا نقتنع بأن عناصر مهمة من الحضارة البربرية، وبخاصة اللغة، أتت من آسيا الصغرى عن طريق منخفض مصر، في شكل قبائل تنقلت في شكل هجرات متتابعة،على مدى قرون عدة، في زمن قديم لم يبت في تحديده” [9 ] .

ويقول المشتشرق الألماني أوتو روسلر Otto Rossler الذي يسمى الأمازيغية النوميدية، قيقول في كتابه[النوميديون أصلهم كتابتهم ولغتهم]: “إن اللغة النوميدية لغة سامية انفصلت عن اللغات السامية في المشرق في مرحلة مغرقة في القدم”.[10] ويعترف أمراء البربر بانتابهم إلى حمير. فعندما ساءت علاقة أبو فتح المنصورالزيري الصنهاحي بالقرن العاشر الميلادي مع الخلافة الفاطمية في القاهرة، عبر عن طموحه في الاستئثار بحكم المغرب العربي دون المظلة الفاطمية ، أمام شيوخ القبائل الذين حضروا إلى القيروان لتهنئته بالإمارة، قائلا لهم: “إن أبي وجدي أخذا الناس بالسيف قهرا، وأنا لا آخذهم إلا بالإحسان، وما أنا في هذا الملك ممن يولّى بكتاب ويعزل بكتاب، لأنني ورثته عن آبائي وأجدادي الذين ورثوه عن آبائهم وأجداهم حِمْيَر” [ 11 ].
اعتز الشعراء الأمازيغ بأصلهم القحطاني اليماني، الحميري، فقال الشاعر الحسن بن رشيق المسيلي، المتوفى سنة 463 هـ ، مادحا الأمير ابن باديس الصنهاجي:
يا ابن الأعزة من أكابر حمير
وسلالة الأملاك من قحطان
ويعتز الشاعر ابن خميس التلمساني ، المتوفى سنة 708 هـ ، بأصله الحميري ، فيقول:
إذا انتسبت فإنني مـن دوحــة
يتفيّأ الإنسان برد ظلالهــا
من حِمير من ذي رُعين من ذوي
حَجْر من العظماء من أقيالها
وفي بيتين يفتخر شاعر أمازيغي طرقي بانتساب قبائل الطوارق الأمازيغ إلى حمير ، فيقول:

قوم لهم شرف العلى من حميــر
وإذا دعوا لمتونة فهمُ همــو
لمّا حووا علياء كل فضيلـــة
غلب الحياء عليهم فتلثمــوا

الدراسة المعجمية للأمازيغية:
كرست خمس سنوات من حياتي بمعدل عشر ساعات في اليوم لتأليف كتابي (معجم الجذور العربية للكلمات الأمازيغية) ، فرّغت قواميس خمس لهجات كبرى أمازيغية في الجزائر والمغرب الأقصى، وأعذت جذورها إلى العربية في القواميس العربية العاربة والمستعربة. وتوصلت إلى أن تسعين في المائة من الأمازيغية عربية. ويظهر التقصّي العلاقة بين الأمازيغية والعربية علاقة أصالة وليست علاقة جوار مثل العلاقة بين الفارسية والعربية.
لنستعرض نماذج من المعجم:

الكلمة الأمازيغية الشرح
تادغت: إبط عربية: مكان الدغدةُ
تافيات: مأتم مغر عربية: أي وفيات
إيفي: أجمة شجر كثيف ملتف عربية: تفيأ الشجر كثر ظله
إتّوغْ: تأذّى عربية: تاغ يتوغ: هلك
امّورثْ: أرض ق ش عربية : أرض ممرّثة إذا أصابها غيث غيث قليل
أورفان: حجيرات توضع على سطح عربية: الأرْفَةُ: حذ وفصل بين الأشياء الطاجين حتى لا يحترق الخبز
تاسدّا: اللبؤة ، أنثى الأسد ق عربية: تأنيث الأسد
أسمّارْ: أسَلٌ عربية : السّمّار: نبات عشبي ينبت في الأراضي الرطبة
أسلْ: مفردها تاسلت مغرب عربية: الأسَلُ
أصيلْ: الأصيلُ ش
إرّومتْ: أكل بسرعة ونهم مغرب عربية: أرم ما على المائدة أكله كله
أنام: الناس مغرب
أخنفوف: أنف أنَفة ش عربية: خنف بأنفه يخنف إذا شمخ به كبرا
أمزوارو: الأول عربية: الزور أعلى الصدر وهو المقدم والأول، زُوّيرهم: سيدهم وإمامهم
أنو: بئر مغرب عربية: النؤي: حفرة تحيط بالخيمة يتجمع فيها ماء المطر وتمنع دخول الماء للخيمة. باليمنية القيديمة: نوي: مجرى الماء
بازْ: الباز ق وهي عربية واضحة
يتَّكْ: قطع ش عربية: بتكه قطعه
إسَدْوْ: بثق الماء كثر مغر عربية: سديت الأرض كثر ماؤها
إبرّي: يفرز ، بر عربية: برأ شريكه فاصله وفارقه
سيسمط: برد غربية: المصمت: الجامد المتجمد من البرد
مفتّل: بُرغي ق عربية: مسمار ملولب به فتائل
أسلهام: البرنوس الدقيق النسج عربية: السلهم الضامر من الخيل
هيل: بكى ش ق عربية: انهل الدمع تساقط
اينقّز: بهلوانية ق عربية: نقز الظبي في عدوه وثب
إكّر: قف ش عربية: وكر الظبي إذا وثب
بونه: الظهر مز عربية: البواني الأكتاف
تارسلت: البوان عمود الخمية الرئيسي عربية: الرسي: العمود الثابت في وسط الخيمة
إتكتك: حمُق عربية: تكَّ الرجل تكوكا: حمُق
أزالاغْ : تيس، ذكر الماعز عربية: السالغ: من ذوات الظلف ما بلغ السادسة من عمره وهو سن التيس
ابْغرْ: كثر ماله مغر عربية: البَغْرة : قوة الماء، شدة المطر
أفيغَرْ : الثعبان ش عربية: يقال فغر الثعبان فاه ولا يقال فتحه.
الفاغر: دويبة تكلع أي تعض
إزّو: جدبت السنة قلّ مطرها مغر عربية: زوى الله عنكم ، أي نحى عنكم من الخير ، زواهم الدهر أي ذهب بهم
باهْرا: جِدًّا عربية: قال عمر بن أبي ربيعة: تحبها؟: قلت بََهْرًا عدد الرمال والحصى والتراب
أگادير: انحدر عربية: أرض مجدرة أشبه بالجدري بها نتوء
أزليم: جديلة، ضفيرة عربية: الزّلمة: هَنةٌ تتدلى من عنق المعزى تشبه الجديلة
تاضرسا: الحبل القوي الفتل عربية: الضِّرص : الرجل القوي الخشن
إيغيدْ: الجدي ق ش عربية: الغيدان من الشباب: اولهُ
إلْمسْ: جزّ الصوف عربية: ارض امليسٌ لا نبت فيها [حال جلد الشاة بعد جزّ صوفها
إلوغب: جشِعٌ مغرب عربية: اللَّغب الابتلاع
إقّورْ: جاف ق ش عربية: أقوَرت الأرض ذهب نباتها أي جفت
تاقورارت: المرأة الجافة الثدي عربية: القُرَّةُ: ما بقي في أسفل القدر من مرق قليل
إزمرْ: ذو جلَدٍ، صبور عربية: رجل زِمْرٌ: شديد
ألغم: الجمل عربية: اللُّغامُ الزّبد الذي يخرج من أفواه الإبل
يوسيد: جاء عربية: آسد يوسد جاء مسرعا
يتكّاذ: يخاف عربية: أكذى يُكذي اصفر وجهه من فزع
أمرير: الحبل ق عربية: المِرار الحبل
تاسكورت: حجَلٌ عربية: السِّرْكة : أنثى الحجل
إحبض : جثم الطائر مغر عربية: حبِض السهم سقط بين يدي الرامي
أزلّوم: الحزام عربية: زلّم الرحى إذا أدارها وأخذ من حروفها، والحزام دائرة
أحيفوف: ما ارتفع من الأرض على عربية: حِفاف الوادي جانباه جانب الوادي مغرب
أسْقَظْْ: حقيبة العروس الصغيرة التي عربية: السّقظ الذي يعبأ فيه الطيب وأدوات زينة النساء تحفظ فيها زينتها
أخَرّازْ: صانع الأحذية ق ش عربية: خرز إذا خاط الجلد وهي أفصح من الأسكاقي في العربية
إدحي: دحِيّ ، حضن البيض عربية: الأُدحُوّة: مكان بيض النعام
أشْوالْ: ذنب العقرب ش عربية: شالت العقرب بذنبها رفعته. الشَّولَة: اسم علَم للعقرب، شوكة العقرب التي تضرب بها تسمى الشّولة
إيخْفْ: الرأس ش ق عربية: خفأ الشيء ظهر، الرأس عال وظاهر
فودْ: رئة ش عربية: الفَوْد العِدل، الزبيل أو بالدارجة الزنبيل، وهويشبه الرئة
أكَرْزيزْ: الأرنب ش ق عربية : كرز يكرز إذا استخفى في حفرة، والصفة المميزة للأرنب الحفر والاختفاء في الحفرة
أزَبّوجْ: الزيتون البري ق عربية: الزَّعْبج: الزيتون، باللغة المالطية يسمى الزيتون زَبّوج التسمية الأمازيغية.
أزَلاّعْ: خبيث ش عربية: زَلع الشيء استلبه في ختل، صفة الخبث
تومرتْ: مََسرَّةٌ مغر عربية: التامور: مهجة النفس، ابن تومرت الوحدي
تيسريفت : خطأ في النسج عربية: سرِف الشيءَ أخطأه
يوكر: سرق عربية: سنسكريتية : كور سرق : عن خشيم
أكرنيف: سعف ، جرية النخل معرب عربية: الكرنافة أصل السعفة الغليظ الملتصق بجذع النخلة
إگرسه: سكة المحراث عربية: القرس : الصلب من كل شيء، وسكة المحراث من الحديد
أسلوقي: السلوقي نوع سريع من الكلاب عربية: السلوقي نوع من الكلاب السريعة، نسبة إلى
مدينة سلوق باليمن مشهورة بالكلاب والجياد
الجيدة لع
تيسمّي: سَمُّ الخياط مغرب عربية: سَمُّ الخِياط أي ثقب إبرة الخياطة
أزورار: السمين، الجسيم مغرب عربية: أزَرَ: قوي واشتد. زوَّر الطائر إذا أكل حتى امتلآت حوصلته
سيفْ: نهر عربية: السِّيفُ: ساحل الواي، ساحل البحر، يقول العلامة الجزائري الشيخ البشير الإبراهيمي في إحدى مقاماته عن اليمن في عهد الإمام: “أخنى الزمنْ على اليمنْ سل سيْفها أنت لِمن سل سِيفها أيْنِتْ عدن”
تازّولْتْ: الشجاعة، أمْزولْ: الشجاع مغرب عربية: الزَّوْلُ: الشجاع
إفَرْدَخْ: شجّ ، شدخ ش عربية: المردخُ ، (عٌمانية) ، الشرخ لع
أزاوْ : شَعر ش عربية: زَوِيَ الجديلة: أنعم فتلها
أشقلال: متشدد في الطلب ش عربية: الششقلة كلمة حِميرية تعني تعيير الدنانير للتأكد من عدم زيفها.
إقُمَرْ: صاد يصيد مغرب عربية: قمروا الطير: عَشوْها في الليل بالنار ليصيدوها
إفيسْ: ضبع ش الفَسْو: الرائحة الكريهة. تسمية الضبع بالأمازيغية جاءت من صفة مرذولة قبيحة فيه وهي رائحته الكريهة:عن خشيم
تامزّايثْ: إحْقنْ : ضَرْعٌ ق عربية: مزّ: مصَّ، احتقن الضرع اجتمع فيه اللبن
أضانْ: المرض ش عربية: الضَّنى : المرض والهزال الشديد
واضْليلْ : الخمر . أمان واضليل: خمر عربية: أي أم الضلال، ماء الضلال .
أجَرّومْ: الفقيرلله الدرويش المتعبد: صوفية عربية: أي ذو الأجر عن الله، وهو اللقب الذي لقب به
مغر اين أجروم صاحب كتاب النحو الأجرومية
—————————————-
الهوامش:
[ 1 ] Fanny Colonia:les Institeurs Algeriens(1883-1893)P46-47
[ 2 ] Ben Yoycef Ben Khedda :Les Origines du 1 novembre 1954 Alger 1989
[ 3 ] General P.J.Andre (C R) de L`Acadenie des Sciences Coloniales:L`etude des Confreries religieuses MusulmanesP 351-352 Alger 1956
[ 4 ] Dallet: Dictionnaire de la Langue Kabyle ,Paris 1982
[ 5 ] ويل ديورانت Well Diorant قصة الحضارة ، الترجمة العربية، ج 2 صفحة 43 ، القاهرة 1961
[ 6 ] H.Basset : les Influences Puniques chrz les Berberes , Revue Afriquaine V62
[ 7 ] تاريخ ابن خلون ج 6 ص 175-176 : كتاب العبر … بيروت 1968
[ 8 ] G.Camps:les Berbres:Memoire rt Identite P11 Paris 1995
[ 9 ] G.H.Bousquet:les Berbers P26 Paris 1957
[ 10 ] O.Rosler: Za:50 1952 Orientalia20 151
[ 11 ] ابن عذاري ، ج 1 ص 343 بيروت 1950 ـ ابن الأثير ، ص 7 ص 121 ، القاهرة 1357 هـ

* رئيس الجمعية الجزائرية للدفاع عن اللغة العربية