الرئيسية / دراسات / العدوان على قطاع غزة: قراءة مقارنة للمبادرة المصرية 2014 مع تفاهمات 2012
1aaaeb4f9801ef9ad61ee4209cbbdead-300x150

العدوان على قطاع غزة: قراءة مقارنة للمبادرة المصرية 2014 مع تفاهمات 2012

مقدمة:
تكاد الآراء تتوزَّع بين ادّعاء أنّ المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار وإنهاء العدوان على قطاع غزة عام 2014 في زمن الرئيس المصري الجديد عبد الفتاح السيسي، هي نُسخة حرفية من اتفاق التهدئة الذي أوقَف حرب عام 2012، والذي تَقدَّمت به مصر خلال فترة الرئيس السابق محمد مرسي. بالمقابل، ثمة رأي مُضاد لا يرى وجه مُقارنة، بل ينسب بنودًا سلبية أو إيجابية، حاضرة في مشروع 2014، أو غائبة عن اتفاق 2012، أو العكس من ذلك. ولعلّ القاسم المشترك بين المشروعين هو المبالغة إيجابيًا عند القبول، مُقابِل المبالغة سلبيًا عند الرفض. نجد ترجمةً لذلك في تغييب نصوص المشروعين محل القبول أو الرفض، لمصلحة تحليلٍ خطابيٍ عامٍ، قلَّما التزم الدقة عند تقريظ المشاريع أو نقدها.
تسعى هذه الورقة للوقوف بدقة ما أمكن على الفروق بين المشروعين، وذلك من خلال مقارنة مبادرة 2014 انطلاقًا من نصها المنشور على موقِع وزارة الخارجية المصرية[1]، مع تفاهمات 2012، والتي أخذناها كما أوردتها عدة مصادر متطابقة، منها موقِع عزت الرشق[2]، عضو المكتب السياسي لحركة حماس.
أولًا: حجم الديباجة والآليات في المبادرة المصرية 2014 صار ضِعف حجم جسم المبادرة نفسها!
ثمة خلافٌ أولَ في الشكل بين المبادرتين يتمثل في التالي:
1. زاد الحجم الإجمالي للمشروع المصري لعام 2014 إلى 280 كلمة، مقابل 135 كلمة لتفاهمات عام 2012.
2. أضيفت ديباجة لمشروع 2014، لم تكن موجودة في تفاهمات 2012، وتقع في 61 كلمة.
3. زاد حجم بنود التفاهمات من 84 كلمة عام 2012، إلى 94 كلمة عام 2014.
4. زاد حجم آلية التنفيذ من 50 كلمة عام 2012، إلى 124 عام 2014، وصار اسمها أسلوب التنفيذ.
وتُؤشِّر المعطيات السابقة إلى:
1. بلغ حجم مبادرة 2014، أكثر من ضعف حجم تفاهمات 2012، أي تضاعف حجم القضايا التي تناولتها مبادرة 2014.
2. أما البنود؛ أي الجسم المخصص للتفاهمات، فتقع في 84 كلمة، تُشكِّل 62% من جُملة حجم تفاهمات 2012، وتقع بنود المشروع المصري 2014 في 94 كلمة، تشكِّل 33% فقط من جُملة حجم المشروع.
يفيد ما تقدم بانتقال ثِقل التناول – كمًا ونوعًا – من البنود الأساس (أي الجسم المخصص للتفاهمات، والاتفاقات) كما في 2012 حيث احتلت ثُلثي التناول، إلى الديباجة وسياسة التنفيذ التي احتلت ثُلثي التناول في مبادرة 2014، بينما اقتصر نصيب البنود فيها (الجسم المخصص للتفاهمات، والاتفاقات) على ثُلث التناول فقط.
يقتضي ما تقدم التَنَبُه إلى خلفية تَبدُّل منهجية صوغ التفاهمات أو المشاريع، التي انقلبت مع المشروع المصري، والذي ذهب بثُلثه فقط لجسم الموضوع، وبثلثيه الباقيين لما يعتبر ثانويًا بالمعنى المتعارف عليه، وعَنَينا الديباجة أو المقدِّمة، وآليات التنفيذ، إذ لم يكن دون معنى أن يسميها المشروع المصري: أسلوب تنفيذ المبادرة.
وبناء عليه، فإنه مع المشروع المصري، بل المشاريع الحساسة عامة، يجب تقصّي جميع مكوناتها، وبخاصة الجُمل الاستدراكية، والاستطرادية، والاعتراضية، والتوضيحية، التي تُعامل عادة بخفة لكنها تضمر معاني وغايات جوهرية. لذلك من المهم قراءة النص كروح وسياق، وليس مجرد بنود متفرقة، ما يجعل برأينا أهم مضامين المشروع المصري لعام 2014 وأهدافه في ما يبدو ثانوية من ديباجة وآليات تنفيذ!
ثانيًا: ديباجة المبادرة المصرية تُطالِب المنظمات الفلسطينية الاعتراف بأنّ عملها عُنف اقتضى “عُنفًا مُضادًا”!
تضمَّن تفاهم 2012، عدة بنود من دون ديباجة، بخلاف مبادرة 2014 الذي تَضمَّن ديباجة هي جزء منها، بل أساسها الناظم، إذ ورد: “ومن هذا المنطلق يلتزم الطرفان خلال فترة وقف إطلاق النار بالآتي”؛ أي أنّ الديباجة تُشكِّل مرجعية فقهية تُفسَّر بناء عليها بقية بنود مبادرة 2014 وتُشكِّل أساس التزامها.
بين المنطلقات التي يجب التزامها: “تحقيق السلام في المنطقة”، و”تصعيد المواقف والعُنف والعُنف المضاد وما سيسفر عنه من ضحايا لن يكون في صالح أي من الطرفين”. هذه الديباجة أو الإطار أو المـُنطلَق، تعني التزام المنظمات الفلسطينية “تحقيق السلام” مع إسرائيل، وأنّ ما تفعله ضدها عُنف اقتضى “عُنفًا مُضادًا”، علاجه وقف العُنف؛ ليتوقف العُنف المضاد، كما أنّ جميع بنود تنفيذ المبادرة المصرية وآلياتها يجب أن تُفسّر انطلاقًا من ذلك.
لا شك في أنّ مصر، بما هي مُلتزمة السلام مع إسرائيل ويربطهما اتفاق كامب ديفيد، مُلزَمة بتأكيدها على “أهمية تحقيق السلام في المنطقة”، لكنّ هذا الالتزام لا يمنع مصر، ويجب ألا يمنعها، حفظًا لدورها القيادي، من التأكيد على مبادئ السلام الشامل، ومن مقتضياته التزام العدالة كما تُقرِّرها الشرعية الدولية التي تلتزمها مصر.
إذًا، نحن لسنا أمام ديباجة أو مُقدِّمة، تُمهِّد لتفاهم أمني بشأن “وقف فوري لإطلاق النار”، كما يبدو ظاهرًا، بل أمام توريط، على نحو غير مباشِر، في تفاهم سياسي إستراتيجي يمسّ: (أ) طبيعة الصراع، بما هو: “عُنف وعُنف مُضاد”، أي لا مطالبات أو مضامين سياسية تاريخية، تتجاوز قطاع غزة إلى عموم القضية الفلسطينية. (ب) سُبل حل الصراع؛ أي “تحقيق السلام” بين الطرفين، عبر وقف “تصعيد المواقف والعُنف والعُنف المضاد”!
ثالثًا: مِن “وَقف استهداف الأشخاص” عامة في 2012، إلى “وَقف استهداف المدنيين” الفلسطينيين حصرًا في 2014!
ثمة بند (أ) مشترك بين تفاهم 2012، ومبادرة 2014، يتعلَّق بإسرائيل؛ مِثل البند (ب) الذي يتعلَّق بـــــ “الفصائل الفلسطينية” عام 2012، و”كل الفصائل الفلسطينية” عام 2014، يدعو إسرائيل والفصائل إلى “وقف جميع الأعمال العدائية”. إنّ عبارة “الأعمال العدائية” المُكرَّرة في 2012 و2014، هي مُصطلح تقني، لا يُدين أي من الطرفين، ولولا ذلك لما وافقت إسرائيل على وضع عبارة “العدائية”، عند وصف ما تقوم به، مِثل وصف ما يقوم به الفلسطينيون عام 2012.
وَقَع بعض الكُتَّاب في خطأ لغوي فادح حين خَلَطوا بين أعمال “حربية” أو “عدائية” Hostilities؛ أي كل ما يُفعل ضد مصالح العدو، فالطبيعة العدائية للعمل هي من طبيعة الطرف الموجَّه ضده العمل وهو هنا العدو، وبين صفة أعمال “عدوانية”؛ Aggressive؛ أي أنّ العداء أو العدوانية هي من طبيعة الطرف الذي يقترفها.
إذًا، ليست هناك مشكلة في ما تضمَّنه بندا (أ) و(ب) من عبارة الأعمال “العدائية” أو “الحربية”، بل في مُطالبة إسرائيل وِفق البند (أ) وقف “استهداف الأشخاص”، أي الجميع من دون استثناء، من مدنيين وغير مَدَنيين، كما في تفاهمات 2012. لكنها اقتصرت في مشروع 2014 على وقف “استهداف المدنيين”؛ أي إعطاء إسرائيل حق الاستمرار في تصفية كل من تعتبره “غير مدني”، مع احتفاظها لنفسها بحق تعريف ما هو مدني وغير مدني!
رابعًا: توسيع مفهوم الأعمال العدائية ضد إسرائيل لتشمل: تحت الأرض أو الأنفاق، وإلى ومِن غزة بالاتجاهين!
يقع في السياق ذاته ما شهده بند (ب) من تعديل لناحية: (1) إضافة “كافة” إلى الفصائل الفلسطينية المطالَبة بوقف جميع الأعمال العدائية؛ ما يعني مسؤولية حركة حماس عن أي عمل فردي أو محدود، بل محاولة تحويل حماس إلى حرس حدود لإسرائيل. (ب) إعادة تعريف “الأعمال العدائية من قطاع غزة”، التي حدَّدها المشروع المصري 2014 بأربعة مجالات: جوًا، وبحرًا، وبرًا، وتحت الأرض، ولم تكن محددة عام 2012.
ينصرف الذهن نحو أن المقصود بالأعمال العدائية هو المباشر منها؛ أي المتِّجه من الخارج: غزة، إلى: ضد إسرائيل. لكن، مع تحديد أربعة مجالات: “جوًا، وبحرًا، وبرًا، وتحت الأرض”، أي إضافة الأنفاق، صارت الأعمال العدائية تتسع لغير المباشرة منها، المتِّجهة من الخارج إلى غزة، كتهريب السلاح والبضائع والأشخاص.
وبناء عليه، صار مصطلح الأعمال العدائية ضد إسرائيل، يشمل ما يجري عبر الأنفاق، وصار معناها مزدوجًا: (أ) الأنفاق التي تربط غزة بالأرض الفلسطينية المحتَلة عام 1948. (ب) الأنفاق التي تربط غزة بمصر ومن خَلْفَها، إذ يتدفق السلاح الذي تعتبره إسرائيل عملًا عدائيًا، كما الأفراد والبضائع، التي تسعى إسرائيل ليكون لها وحدها حق تفسير إذا كانت تُشكِّل مصدرًا لجهد عدائي ضد إسرائيل أم لا، مثل الإسمنت والحديد.
لعلنا لا نضيف شيئًا عمليًا جديدًا لنظرة إسرائيل تجاه موضوع الأنفاق بشقيه: (أ) تمكين المقاومين من قطاع غزة من الوصول والضرب في العمق الإسرائيلي، في تكرار لسابقة شاليط، أو ما شهدته الحرب الراهنة من وصول المقاومين وقتالهم خلف خطوط العدو. (ب) موضوع الأنفاق بما هو شريان حياة قطاع غزة مع الخارج!
الجديد في موضوع الأنفاق، ارتباطًا بالمشروع المصري 2014، أنه يُوفِّر حلًا عمليًا لمشكلة الأنفاق من وجهة نظر إسرائيل بشقَّيها: المرور من الخارج إلى قطاع غزة، والعبور من غزة إلى إسرائيل، كما سنُوضِّح بعد استكمال تناول المشروع المصري، وما أضافه أو حذفه على صعيد الأنفاق، قياسًا بالوضع السائد منذ عام 2012.
خامسًا: المشروع المصري أسقط “عدم تقييد حركة السكان”، وأضاف ربط فتح المعابِر بالاستقرار الأمني؟
ننتقل على أرضية ما تقدم للتعديل الذي طرأ على بند (ج)، الذي كان عام 2012 على صيغة غير تلك المقترحة بموجب المشروع المصري الحالي 2014. وللمقارنة سنثبت صيغة 2012، ثم صيغة 2014:
“فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع وعدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم في المناطق الحدودية والتعامل مع إجراءات تنفيذ ذلك بعد 24 ساعة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ”.
“فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية في ضوء استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض”.
تُظهِر المقارنة بين بند (ج) كما كان، عما صار عليه، عن فرق جوهري في مبنى ومعنى البند، الذي كان يقع عام 2012 في 28 كلمة، انخفضت إلى 17 كلمة فقط عام 2014، أي بنسبة خفض 40%.
نتج انخفاض عدد الكلمات من اختلاف مضمون البند (ج) عام 2014 عما كان عليه في عام 2012، إذ تكرر الحديث في المرتين، وبصيغ لغوية متشابهة، عن “فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع”، ولكن مع فرقين هما:
1. أُسقِطت عبارة “عدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم في المناطق الحدودية” من مبادرة 2014، ما يعود بالأمور لما كانت عليه قبل تفاهمات 2012، إذ كانت إسرائيل تحتفظ بالسيطرة عمليًا على المنطقة الحدودية لغزة، بعُمق حوالي كيلومتر، مع ما يُوفِّره لها ذلك من سيطرة على الحركة فوق الأرض تجاهها من غزة. وبناء عليه، فإنّ العودة بوضعية المنطقة الحدودية إلى ما كانت عليه قبل 2012، يمنح إسرائيل فرصة السيطرة أمنيًا على المنطقة الحدودية، خاصة بعد شطب بند “عدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم في المناطق الحدودية”، ويحرِم المقاومة الفلسطينية من امتياز حفر الأنفاق ابتداء من حدود غزة مع إسرائيل، وصار عليهم الحفر من نقطة متراجعة حوالي كيلومتر إلى الخلف، هي تلك المسافة من عُمق غزة عن الحدود المتروكة تحت السيطرة الإسرائيلية.
2. عبارة “التعامل مع إجراءات تنفيذ ذلك بعد 24 ساعة من دخول الاتفاق حيز التنفيذ”، أي يتم التنفيذ خلال 24 ساعة، كما في تفاهمات 2012، واستُبدلت في مبادرة 2014 بشرط أنّ: “فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية”، يتقرَّر “في ضوء استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض”! ونلاحظ في تحرير العبارة تكرار المدخل نفسه: “فتح المعابِر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع”، ولكن مع فرق جوهري هو أنّ “فتح المعابِر” كان مركز الفقرة أو الفكرة عام 2012، بخلاف 2014، إذ انتقل مركز الفقرة أو الفكرة إلى “استقرار الأوضاع الأمنية” الذي صار الأساس في علاقة شرطية يتوقف عليها “فتح المعابِر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع”، والذي يُصبِح مرهونًا بــــ “استقرار الأوضاع الأمنية”!
سادسًا: تفاهم على “تهدئة – وقف إطلاق نار” حصرًا في 2012، بُحث في “موضوع الأمن” عامةً في 2014!
لم نُبالِغ في قراءة البند (ج) أمنيًا، إذ اعتبرنا أنّ “الوضع الأمني”، وليس “فتح المعابِر” مركز البحث استنادًا للتبدُّل الذي طرأ عليه منطوق البند (ج)، الذي استُكمِل في تبديل البند (د)، من جملة ما حصل من تبدُّلات. ننتقل بنار على ما تقدم لعرض التعديل الذي طرأ على بند (د) الذي كان عام 2012 على صيغة غير تلك المقترحة بموجب المشروع المصري الحالي. وللمقارنة سنثبت الصيغة في 2012، ثم صيغة 2014:
“يتم مناقشة أية قضايا أخرى إذا ما تم طلب ذلك”.
“أما باقي القضايا بما في ذلك موضوع الأمن سيتم بحثها مع الطرفين”.
تُظهِر مُقارَنة الصيغتين، أنّ بند (د) كان يخُص في عام 2012 المستجدات، والأمور الأخرى، والمتفرقات، والتي لم ترِد تحت أي من البنود الثلاثة الرئيسة الأولى؛ أي أ – ج. تبدَّل الأمر مع صيغة 2014، إذ صار بند (د) يشمل “باقي القضايا بما في ذلك موضوع الأمن”، التي “سيتم بحثها مع الطرفين”، أي ثمة قضايا أخرى، بينها “موضوع الأمن”، يجب بحثها، ما يعني أننا لسنا أمام اتفاق تهدئة؛ آليات وقف إطلاق نار، كما في 2012، بل تفاهم حول “باقي القضايا”، ومنها “موضوع الأمن” برمته، ما ينقل البحث من مستوى لآخر يختلف كمًا ونوعًا.
وبناء عليه، صار “فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية”، “رهن استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض”، ليس بالمعنى المباشر العُنفي للكلمة، أي وقف الاشتباك المسلح فقط، بل أيضًا بالمعنى غير المباشِر الإستراتيجي للكلمة، وما يُفضي إليه بحث “موضوع الأمن” مع الطرفين، ارتباطًا بمفهوم مُعيَّن للأمن، وما يُشكِّل مساسًا به من وجهة نظر إسرائيل، مِثل تدفُّق الأسلحة على غزة وحفر الخنادق … إلخ!
صار واضحًا أنّ السياق العام للتبدُّلات التي أدخلتها المبادرة المصرية 2014، يدفع باتجاه إحالة الأمور على مرجعياتها الأمنية، التي لم تعُد تقع في نطاق الآليات التنفيذية، بل الاشتراطات التأسيسية، إذ يتم استحضار الأمن في كل صغيرة وكبيرة، وما يقتضيه ذلك من بحثها بين الطرفين، وإن بالواسطة عبر القناة المصرية.
ونلاحظ هنا أنّ ثمة توظيفًا للمسائل الإنسانية؛ مثل “فتح المعابِر”، من أجل فتح قنوات اتصال لبحث “موضوع الأمن”، بما هو تمرين على مفاوضات مباشرة في “موضوع السياسة”.
سابعًا: إسرائيل قبِلت المبادرة المصرية 2014 من دون شروط مُسبَّقة، لأنّ كل طلباتها وشروطها قُبِلت مُسبَّقًا!
ننتقل بناءً على ما تقدم، ونجد تأكيدًا له في تبدّل: “آلية التنفيذ: تحديد ساعة الصفر لدخول تفاهمات التهدئة إلى حيز التنفيذ” بلغة 2012، و”أسلوب تنفيذ المبادرة” بلغة 2014، والتي شهدت: (أ) تبديل الاسم “آلية التنفيذ” إلى “أسلوب تنفيذ”، على اختلاف دلالة العبارتين. (ب) ارتفاع عدد كلمات آلية التنفيذ من 48 كلمة في 2012، إلى 124 كلمة في 2014، علمًا بأنّ حجم نص المشروع نفسه يقتصر على 157 كلمة. (ج) كان تبديل الاسم، ومضاعفة حجم “أسلوب التنفيذ”، تعبيرًا عن تبدّلٍ عميقٍ في المضمون.
كانت آلية التنفيذ في 2012 التالية: “أ- تحديد ساعة الصفر لدخول تفاهمات التهدئة حيز التنفيذ. ب- حصول مصر على ضمانات من كل طرف بالالتزام بما تم الاتفاق عليه. ج-التزام كل طرف بعدم القيام بأية أفعال من شأنها خرق هذه التفاهمات، وفي حال وجود أي ملاحظات يتم الرجوع إلى مصر راعية التفاهمات لمتابعة ذلك”. وكما يلاحظ، ثمة “آلية تنفيذ” تقليدية، تقتصر على الشق الإجرائي المألوف في الحالات المشابهة.
أما “أسلوب تنفيذ المبادرة” 2014، الذي بلغ 124 كلمة، فهو: “أ- تحددت سعت 0600 يوم 15/7/2014 (طبقًا للتوقيت العالمي) لبدء تنفيذ تفاهمات التهدئة بين الطرفين، على أن يتم إيقاف إطلاق النار خلال 12 ساعة من إعلان المبادرة المصرية وقبول الطرفين بها دون شروط مسبقة. ب- يتم استقبال وفود رفيعة المستوى من الحكومة الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية في القاهرة خلال 48 ساعة منذ بدء تنفيذ المبادرة لاستكمال مباحثات تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال إجراءات بناء الثقة بين الطرفين، على أن تتم المباحثات مع الطرفين كل على حدة (طبقًا لتفاهمات تثبيت التهدئة بالقاهرة عام 2012). ج – يلتزم الطرفان بعدم القيام بأي أعمال من شأنها التأثير بالسلب على تنفيذ التفاهمات، وتحصل مصر على ضمانات من الطرفين بالالتزام بما يتم الاتفاق عليه، ومتابعة تنفيذها ومراجعة أي من الطرفين حال القيام بأي أعمال تعرقل استقرارها”.
يُعبِّر تبدُّل المـُسمى من “آلية التنفيذ” إلى “أسلوب التنفيذ”، وزيادة عدد كلماته بحوالي ثلاثة أضعاف، عن تبدّل المضمون لناحية: “(أ) قبول المبادرة المصرية دون شروط مسبقة. (ب) تَستكمل وفود رفيعة المستوى من الحكومة الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية في القاهرة مباحثات تثبيت وقف إطلاق النار واستكمال إجراءات بناء الثقة بين الطرفين. (ج) تتم المباحثات مع الطرفين كل على حدة. (د) تحصل مصر على ضمانات من الطرفين بالالتزام بما يتم الاتفاق عليه، ومتابعة تنفيذها ومراجعة أي من الطرفين حال القيام بأي أعمال تعرقل استقرارها”.
وبناء عليه، فإنّ ما تَضمَّنه “أسلوب التنفيذ”؛ “آلية التنفيذ” سابقًا، من بنود، أكثر أهمية مما تَضمَّنه جسم المبادرة نفسها من مقترحات، وتَدرَّجت، بل تستدرج الفلسطيني، من البحث في أمر محدود ومُحدَّد، جوهره فتح المعابِر، وما في حُكمه من أمور معيشية، إلى الموافقة على مشروع مُتكامِل يستجيب لكامل المطالبات الأمنية الإسرائيلية المعلَنة والمعروفة، لا بل ربما يُدخِل الطرف الفلسطيني في نفق مفاوضات لا تنتهي؛ أوسلو مَثَلًا ومِثالًا!
لا غرابة في أنّ موافقة إسرائيل “دون شروط مسبقة”، على مبادرة 2014 تُقيَّم في ضوء: (أ) نصها، بما هو تراجع كمًا ونوعًا عن تفاهمات 2012. (ب) انحيازها لمصالح إسرائيل، وهو ما يُقرأ ربطًا باستجابتها لمطالباتها، إذ لا يستطيع المُتابِع النزيه تِعداد ولو بند واحد أرادته إسرائيل ولم تُحقِّقه لها المبادرة المصرية، والمطلوب قبولها من الطرف الفلسطيني، من دون قيد أو شرط؛ ما يعني إذعانًا للمطالب الإسرائيلية بوقف النشاطات العدائية الفلسطينية، كما تُقرِّرها إسرائيل، وارتباطًا بجعل الأمور رهن مفاوضات يتوقَّف مداها ومدتها ونتائجها على موافقة إسرائيل.
ثامنًا: مبادرة 2014 تُلزِم مصر بتنفيذها وضبط مُدخلات الأنفاق إلى غزة وفق المفهوم الإسرائيلي للأمن
لعل التطور الأهم، ليس استجابة المبادرة لمطالب إسرائيل، بل إنها جعلت مصر طرفًا في تنفيذها، فضلًا عن تصوير رفض المبادرة بوصفها إهانةً لمصر. يؤسس هذا السياق لوضعٍ يدفع مصر لتطبيق المبادرة التي تقدمت بها، ما يعني إخضاع علاقتها المستقبلية مع قطاع غزة لمقتضياتها، وترجمة ذلك بضبط مُدخلات غزة ومُخرجاتها؛ فوق الأرض وتحتها، على قياس اعتبارات الأمن الإسرائيلي، كما تُعرِّفه إسرائيل نفسها.
وبهذا المعنى، ستكون مصر، بحُكم الالتزامات التي تُلقيها عليها المبادرة التي تَقَدَّمت بها عام 2014، مُلزمة بمراقبة الطرف الآخر من الحدود، والمعابِر، والأنفاق تحت الأرض، لمنع استخدامها في ما يُعتَبَر خرقًا لمشروع مبادرة 2014، الذي يقوم على وقف كل ما يُشكِّل مساسًا بالأمن الإسرائيلي؛ برًا وبحرًا وجوًا … فوق الأرض وتحتها!
وهكذا حلَّت إسرائيل مشكلة الأنفاق؛ تحت الأرض، من خلال منحها فرصة السيطرة على المنطقة الحدودية الشمالية والشرقية لغزة مع إسرائيل، ما يُصعِّب مسألة الأنفاق المتجهة من غزة لها، وبالمقابِل تكون حلَّت مشكلة الأنفاق على الحدود الجنوبية لغزة مع مصر، المـُلزمة بضبط مُدخلات الأنفاق ومُخرجاتها في ضوء معايير الأمن الإسرائيلي، كما تُحدِّده إسرائيل نفسها.
خلاصات ختامية:
نوجز ما تقدم بالأفكار التالية متسلسلة كما وردت بالنص:
1. ليس صحيحًا أنّ المبادرة المصرية 2014، نُسخة حرفية عن تفاهمات 2012، أو حتى زُعم أنها أفضل!
2. ثمة اختلاف في الشكل هو أنّ حجم مبادرة 2014 أكثر من ضعف حجم تفاهمات 2012!
3. كانت مُضاعفة الحجم نتيجةً لمُضاعفة القضايا التي تناولتها مبادرة 2014، قياسًا بما غطته تفاهمات 2012.
4. ذهب للبنود الأساسية فقط ثُلث مبادرة 2014، وذهب الثلثان الباقيان للأمور الثانوية، كالديباجة والآليات، بخلاف 2012 إذ ذهب ثلثا التفاهمات للبنود الأساسية، والثلث للثانوية؛ أي الآليات!
5. انتقل ثِقل التناول من البنود الأساسية كما في 2012، إلى الديباجة وآليات التنفيذ، كما في 2014.
6. توجد أهم مضامين وأهداف مبادرة 2014، في ما قد يبدو ثانويًا من ديباجة وآليات تنفيذ!
7. تُلزم ديباجة مبادرة 2014 المنظمات الفلسطينية “تحقيق السلام في المنطقة”، والإقرار بأن ما تفعله “عُنف”!
8. ذكرت مبادرة 2014 “أهمية تحقيق السلام في المنطقة”، ونسيت مبادئ السلام، وتحقيق العدالة والشرعية الدولية.
9. تراجعت مبادرة 2014 مِن “وقف استهداف الأشخاص” الفلسطينيين كلهم إلى “وقف استهداف المدنيين” حصرًا!
10. شرَّع إحلالُ “عدم استهداف المدنيين” بدلًا من “عدم استهداف الأشخاص” مطاردةَ المقاومين واغتيالهم في مبادرة 2014.
11. تعيد مبادرة 2014 تعريف “الأعمال العدائية من قطاع غزة”، وتُضيف لها المقاومة “تحت الأرض”.
12. توسيع “الأعمال العدائية تحت الأرض”؛ الأنفاق، لتشمل المتِّجهة من غزة لإسرائيل، ومن الخارج لغزة.
13. تُسقط مبادرة 2014 جملة “عدم تقييد حركة السكان أو استهدافهم في المناطق الحدودية” لغزة!
14. تجعل مبادرة 2014 “فتح المعابر وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع” مشروطًا “في ضوء استقرار الأوضاع الأمنية على الأرض”!
15. تجعل مبادرة 2014 “الوضع الأمني” بالتعريف الإسرائيلي مركز البحث، لا “فتح المعابِر” وفق 2012!
16. توسّع مبادرة 2014 البحث من تفاهم على تهدئة حصرًا في 2012، إلى بحث موضوع الأمن عمومًا!
17. تجعل مبادرة 2014 بحث فتح المعابِر مدخلًا لبحث “موضوع الأمن”، وذلك كتمرين لبحث “موضوع السياسة”.
18. قَبِلت إسرائيل مبادرة 2014، عند طرحها، من دون شروط مُسبَّقة، لأنّ كل طلبات إسرائيل وشروطها قُبِلت مُسبَّقًا.
19. تستدرج مبادرة 2014 الطرف الفلسطيني لمباحثات مفتوحة، ونفق تفاوض لا ينتهي؛ أوسلو مثلًا ومِثالًا!
20. جعلت مبادرة 2014 مصر طرفًا في تنفيذها، ما يعني ضبط مُدخلات غزة ومُخرجاتها على مقاس أمن إسرائيل.

——-
الهوامش:
[1] وزارة الخارجية، جمهورية مصر العربية، “المبادرة المصرية”، 14 تموز/ يوليو 2014.
[2] انظر نص المبادرة كما ورد نقلا عن صفحة عزت الرشق اضغط هنا … كما وردت أيضا نقلا عن المكتب الإعلامي لحركة حماس.