الرئيسية / دراسات / صناعة الطائفية والسلام الاجتماعي
0318a6ed23ae2467774861a9f199346f

صناعة الطائفية والسلام الاجتماعي

تفخيخ العقول بالعقائد التي تُمَهّد للجريمة وتُبررّها؛ يسبق تفخيخ الواقع بالقنابل والمتفجرات. لهذا يتفاخر أولئك الذين ينحرون البشر في العراق وسورية اليوم – ولمجرد الاختلاف الطائفي – بتزايد أعداد القتلى الذين قضوا نحبهم على أيديهم. بإيحاءات عقائدية؛ يصبح الذي يقتل أكثر، وبطريقة أبشع، هو الأقرب إلى الفوز برضا الله
ليس حاضرنا الذي نعيشه الآن من صنع أيدينا. نحن لم نُخطط لهذا الواقع الذي نعيش فيه، وإنما بدأه وخطط له آباؤنا وأجدادنا؛ من حيث يشعرون أو لا يشعرون. وجدنا أنفسنا في سياق (تكوين اجتماعي) له شروطه المُسبقة، فتفاعلنا معه – سلبا وإيجابا – وفق هذه الشروط التي لم نسهم في وضعها؛ حتى وإن حاولنا جاهدين إجراء بعض التعديلات عليها. لكننا في النهاية؛ ومهما كانت جهودنا، نفعل ونتفاعل وفق مقتضياتها طائعين أو مكرهين. وقد أدركنا بعد لأي أن محاولة الخروج من إكراهاتها ليست بالعملية السهلة، بل هي أشبه بمحاولة الانفكاك من القدر المحتوم، الذي إن لم يلغ مساحة الاختيار بالكامل، فهو يختصرها إلى أبعد الحدود.
لا أريد أن أنفي هنا فاعلية المُبَادأة الإنسانية، وإنما أريد أن أضعها في سياقها كعملية مشروطة، وأن ألفت الانتباه إلى أن حاضرنا من صنع ماضينا، كما أن مستقبلنا ومستقبل أولادنا من صنع حاضرنا. فنحن لسنا مسؤولين عن هذه اللحظة الراهنة التي نعيش فيها؛ بقدر ما نحن مسؤولون عن المستقبل الذي ننسج خيوطه اليوم بأقوالنا وأفعالنا. وإذا كنا لا نستطيع الدوران إلى الخلف وإجراء التعديلات على ما صنعه أسلافنا؛ مما يؤثر عميقا في حاضرنا، فإننا – على الأقل – نستطيع، وإلى حد كبير، الاشتغال على واقعنا تغييرا متجاوزا لا يتغيا حدود اللحظة الراهنة، وإنما يرمي بطرفه إلى المستقبل، المستقبل البعيد قبل المستقبل القريب.
كما نُحمّل أجدادنا مسؤولية بؤس واقعنا (وبالمقابل، نحمد لهم ما فيه من إيجابيات)؛ ستُحَمّلنا الأجيال اللاحقة بؤس واقعها؛ إن لم نُقدّم لها غير البؤس والشقاء المتمثل في التخلف والتشرذم والاحتراب المذهبي/ الطائفي. وهذا لا يقتصر على مستويات الإنجاز المادي، بل ولا على مستوى هيكلة أنظمة الإدارة فحسب، وإنما – وهو الأهم – على “النسخة العقلية” التي سنورثها لهم، هذه النسخة التي نخط اليوم حروفها بكل ما نُسهم به من قول أو فعل. فكل ما نقوله ونفعله – جادين أو لاهين – يُضاف إلى مكونات النسخة العقلية المستقبلية؛ حتى وإن كانت الأقوال هنا أشد رسوخا وأثرا من الأفعال.
نعرف جميعا أن هذا الاحتراب الديني والطائفي الذي يُحرق أكثر من بلد عربي ليس من صنع هذا الجيل، هذا الجيل الذي ليس له إلا أن يقوم بدوره في تنفيذ المسرحية التي كُتبت بعض فصولها منذ أكثر من ألف عام. الأهوال التي نراها اليوم في العراق وسورية على وجه الخصوص، وقبل أن تكون أفعالا دامية ومدمرة؛ كانت مجرد نصوص تُشحن بها العقول المأزومة على امتداد تاريخ طويل من الجهل والتجهيل.
معظم الرواد من كهنة خطاب الكراهية الديني والمذهبي/ الطائفي لم يكونوا يتوقعون أن تصل الأمور إلى ما وصلت إليه. ربما كان أحدهم يلهو وهو يقرر أشد العقائد عدائية ودموية، وربما كان يقررها وهو ينظر إلى ما وراء هذا العالم، إلى العالم الآخر؛ غافلا عن كون هذه التصورات التي يصنعها لتقرير المآلات الأخروية؛ لا بد وأن تحكم هذا العالم الواقعي بطريقة ما.
ما كُنا نُحذر منه قبل عشر سنوات، وتحديدا عندما تم تحرير العراق من صدّام ونظامه؛ أصبح اليوم واقعا معاشا في العراق وسورية. بل لقد تجاوز ما يحدث سقف توقعاتنا المتشائمة آنذاك. انفجرت دوّامة العنف الديني والطائفي، متلبسة بالسياسي؛ فوصلت إلى معدلات لم تخطر على قلب بشر، بل ولا على قلب شيطان رجيم!
الآن، يقف الناس مشدوهين من بشاعة الجرائم التي ترتكبها الجماعات الدينية على اختلاف توجهاتها في العراق وسورية، وخاصة ما يتم على يد أتباع الكيان الإجرامي (داعش)، حيث يتم التفاخر بنحر البشر بالسكاكين كالخراف، أو رميهم بالرصاص في مذابح جماعية يُساق المئات فيها إلى خنادق الموت، بل وتساق النساء سبايا؛ فيتعرضن للاغتصاب أو القتل، فضلا عن السادية المرضية التي تقودهم إلى إحراق الناس أحياء. وكل ذلك لمجرد الاختلاف الديني أو المذهبي.
كثير من الناس يُشاهدون هذه الفظائع غير مصدقين أعينهم، غير مصدقين أن هناك بشرا يستطيعون أن يعاملوا بشرا مثلهم بهذه القسوة الوحشية المسعورة بعنف غير محدود. وتزداد حيرتهم في تفسير هذه البشاعات التي تجاوزت كل الحدود؛ عندما يرون أن هؤلاء الذين يقومون بها لا يقومون بها بمبررات إجرامية خالصة، بل بمبررات دينية، تدعي – كذبا وبهتانا – أنها تفعل ما تفعل بإرادة الله، وتنفيذا لأمر الله. ولا شك أن هذا ما يجعل حيرتهم ترمي بهم في متاهات الشكوك التي قد تصل بهم إلى الشك في أصل الديانات، خاصة وأنهم يجدون تأييدا صريحا لهذه البشاعات من بعض شيوخ التطرف المتعاطفين معها (الذين يؤصلون لها صراحة في الشرع وفي التاريخ)، فضلا عن التأييد الضمني المتمثل في الصمت المريب!
حقيقة، أثبت التاريخ البشري أن الإنسان قابل لأن يكون ملاكا، و- في الوقت نفسه – قابل لأن يكون شيطانا رجيما لا يعرف قلبه الرحمة. بل أثبت علم النفس الحديث قابلية الشخص الواحد للتحوّل من ملاك إلى شيطان؛ وفقا لمتغيرات النسق الاعتقادي، أو لكثافة الإيحاء الظرفي. فالإنسان قد يرتكب أفظع البشاعات بحق أخيه الإنسان، معتقدا أنه بهذا يُقدّم خيرا للبشرية، كما وأنه – في ظروف معينة؛ يخضع فيها لتحولات نفسية -، قد يرتكب هذه البشاعات، أو يأمر بها، بإحساس متبلد، وكأنه يُنشد لنفسه بيتا من الشعر الغزلي الجميل! بل قد تتكون لديه مشاعر سادية، تنمو مع الممارسة؛ فيتحول لديه تعذيب البشر بتمزيق أجسادهم وهم أحياء إلى لذة عارمة تتضاءل عندها كلُّ لذّات الوجود.
إن أخطر جريمة، هي الجريمة التي يجري تبريرها بالمقدس؛ أيا كان مصدر هذا التقديس. الجريمة الخالصة (أي، غير المبررة إلا بالإحالة إلى ذات الفعل، كالسرقة، والقتل لحظة الغضب… إلخ) لا تجد لها تبريرا، لا في وعي فاعلها، ولا في الحاضن الاجتماعي لها. ومن ثم، فصاحبها يُدرك بشاعة سقوطه، ويُؤنّبه ضميره، والمجتمع من حوله يُدينه، ومن ثم يُسهم في رفع درجة تأنيب الضمير. أي أنها جريمة يتم حصارها على أكثر من مستوى، إضافة إلى الحصار القانوني الصريح المدعوم بالنظامين: الإدراي والاجتماعي. أما الجريمة المبررة بالمقدس، والتي تدعي أنها تنفيذٌ لإرادة الله، فهي أخطر بكثير؛ لأن صاحبها يرتكبها وهو مرتاح الضمير جدا، والمجتمع الحاضن (وفي الغالب، لا بد من حاضنة اجتماعية لأمثال هؤلاء) يؤيده، ويسانده، ويمنحه الدعم المادي والمعنوي، ومن ثم يُسهم في تنامي الجريمة واتساعها، وذلك بمنحها المشروعية التي تكفل لها الاستمرار والتوسع، بل وتصاعد درجة البشاعة في كثير من الأحيان، باعتبارها تأكيدا على التفاني والإخلاص!
تفخيخ العقول بالعقائد التي تُمَهّد للجريمة وتُبررّها؛ يسبق تفخيخ الواقع بالقنابل والمتفجرات. لهذا يتفاخر أولئك الذين ينحرون البشر في العراق وسورية اليوم – ولمجرد الاختلاف الطائفي – بتزايد أعداد القتلى الذين قضوا نحبهم على أيديهم. بإيحاءات عقائدية؛ يصبح الذي يقتل أكثر، وبطريقة أبشع، هو الأقرب إلى الفوز برضا الله. هكذا تصوغ العقائدُ القلوبَ قبل العقول، هكذا تصنع العقائدُ الجهنمية بشرا من جهنم، لا يتورعون حتى عن قتل الأطفال، وكل ذلك باسم الدين الذي يعتقدون – جازمين – أنهم مُمَثّلوه الشرعيون، وأنصاره المجاهدون في سبيله، وأن بقية الناس مجرد كفار، إما بالأصالة، وإما بالتخاذل المنتهي بالكفر الصريح.
إذن، ما نستهين به، ونراه مجرد كلام، يتحول إلى عقائد راسخة في القلوب والعقول، عقائد قد يستحل بها الإنسانُ دم أبيه وأخيه (وقد حدث هذا، فبعض المنتمين لداعش هدد أهله بأنه سيعود ليقتلهم ويسبي نساءهم؛ لأنهم – في نظره – كفار) لمجرد الاختلاف على تفاصيل التفاصيل العقدية. ومن هنا تأتي خطورة الكلام، وضرورة الانتباه له، وضرورة وضع قوانين صارمة لمواجهة المقولات التي تتغيا التكفير صراحة أو ضمنا.
يجب أن نقرأ التاريخ، تاريخنا وتاريخ الأمم الأخرى، ونرى كيف فعلت الاختلافات الدينية والمذهبية بالناس. أنهار الدم التي جرت في أوروبا على مدى أربعة قرون لمجرد الاختلاف التفصيلي بين الكاثوليك والبروتستانت، يجب أن تكون عبرة لنا، خاصة وأننا اليوم نرى صورة مُماثلة لها في العراق وسورية، ولا يعلم إلا الله على أي حال ستنتهي، فهي تتكئ على مقولات عقائدية تتمدد جغرافيا على مساحة العالم الإسلامي، وتتأسس تاريخيا على عمق يمتد لأكثر من ألف عام.
لقد استعرض جوستاف لوبون مسيرة الثورة الفرنسية بتحليل عميق، يتجاوز كونها ظاهرة سياسية، إلى حقيقة أن ممارساتها – في جوهرها – كانت دينية. ولهذا كان يُحيل إلى تاريخ الاحتراب الطائفي الذي سبقها، والذي امتد لما يناهز ثلاثة قرون. ولوبون درس الثورة الفرنسية (في كتابه المهم: الثورة الفرنسية وروح الثورات) من عدة مستويات، ولم يكن التأريخ المباشر إلا مفسرا لرؤاه التحليلية المقارنة التي استعان خلالها بكثير من العلوم، وخاصة علمي: النفس والاجتماع.
من الضروري مراجعة ما كتبه لوبون، وخاصة في سياق ما يجري الآن من اقتتال ديني ومذهبي شرس، يشبه ما وقع في الفترات التي تعرض لها بالتحليل. فهو عندما ذكر (نفسية) أولئك الذين يلتحقون بالجماعات القتالية عرّج على حقيقة أن النظام (في الأوقات العادية) هو ما يمنع ظهور هذه التشوهات النفسية، وأنه متى ما اختل النظام؛ كشف هذا المرض عن نفسه. يقول عنهم ص 65 – وكأنه يتحدث عن أتباع داعش والنصرة -: “ويسهل إغواء هؤلاء العصاة الذين أضلت بعض الوساوس نفوسهم الدينية، فهم على رغم العزيمة الظاهرة التي تدل عليها أعمالهم ضعفاءُ عاجزون عن مقاومة أقل المحرضات، والقوانين والبيئة تردعهم في الأوقات العادية فيظلون غير مؤثرين، ولكن متى بدت أدوار الفتن فإن الزواجر تضعف، فيطلقون عنان غرائزهم”. وهو يرى أن عناصر روح المتشددين ثلاثة: 1- العقل الضعيف. 2- الحماسة الشديدة. 3- التّدين القوي. وهي كما نرى تنطبق تماما على أتباع الحركات العنفية التي تمارس القتل في سورية والعراق.
إن جوستاف لوبون يشدد على الوجه الديني للثورات، حتى تلك الثورات التي كان ظاهرها مواجهة التطرف الديني، فنسقها الأعمق ذو منطق ديني. وعنده أن “المنطق الديني مشبع من المشاعر وسائر العواطف، والفتن الشعبية تنال قوتها منه، وإذا كان الناس لا يبذلون من حياتهم في سبيل المعقولات إلا شيئا قليلا فإنهم يبذلونها كلها طوعا في سبيل خيال ديني يعبدونه” (الثورة الفرنسية ص59). فهؤلاء يبذلون أرواحهم من أجل خيال ديني تصوروه حقيقة، والأدهى أنهم يقتلون البشر بعشرات الألوف، وبأبشع صور القتل، من أجل خيال ديني تصوروه حقيقة؛ بينما هو مجرد وسواس خطته يراع (مُهلوس) ديني ذات حماس.
ولوبون يشير ص 100 إلى خطورة تنامي هذا العنف، إلى درجة قد يدخل فيه كثير من العوام لمجرد العدوى النفسية، أي دون أن يتأثروا تأثرا مباشرا بالمقولات الإقصائية، فمجرد اتساع دائرة العنف، تجعل ممارسة العنف إغراء للجميع. بل يشير إلى أن دوامة العنف قد تستولي حتى على ذوي العقول الصالحة؛ فتحدث تحولات غير متوقعة في الشخصية، خاصة عندما يتحوّل العنف إلى عنف عام يستقطب مشاركةَ الجميع. يقول لوبون ص 53 ما نصه: “ومن ذلك أن كثيرا من رجال الصلاح والقضاء، الذين كانوا موصوفين بالحلم، انقلبوا أيام الهول إلى أناس متعصبين سفاكين للدماء”.
ما يُميّز جوستاف لوبون أنه يربط كل ذلك العنف الثوري اللاحق بالتعصبات الدينية السابقة، ويحيل إلى تاريخها مؤكدا ومفسّرا. فالحروب الطائفية في تاريخ أوروبا السابق للثورة الفرنسية لم تكن أحداثا عابرة. لقد كانت مذابح مهولة، ارتكب عرّابوها أبشع الجرائم في حق المخالفين؛ لمجرد الاختلاف الطائفي. وهي تشبه تماما ما يحدث اليوم على يد الجماعات المتطرفة. وكل ذلك بسبب الشحن الطائفي الذي صنع الأحقاد في البداية على شكل مقولات عقائدية، لم تلبث أن تحولت إلى أفعال من أشلاء ودماء.
اسمع لما يقوله لوبون، وضعه في سياق ما يحدث اليوم في سورية والعراق. يقول لوبون: “فاضطهد البروتستان الأقوياء في جنوب فرنسا الكاثوليك لكي يترك هؤلاء عقيدتهم، وكانوا يذبحونهم وينهبون كنائسهم عندما يحبط عملهم (يقصد: عندما يفشلون في تحويلهم عن عقيدتهم)، وقد أصاب البروتستانَ نظيرُ ذلك في الأمكنة التي كانت الأكثرية فيها للكاثوليك. وقد نشأ عن مثل هذه الأحقاد حروب دينية ضرّجت فرنسا بالدم زمنا طويلا، فمدنها دُمّرت والدماء سُفِكت، ولسرعان ما اتصف هذا النزاع بالقسوة الوحشية الخاصة بالوقائع الدينية والسياسية”. ويصف شيئا من هذه القسوة الوحشية فيقول: “أُبيد الشيوخ والنساء والأطفال، وصار رئيس برلمان إكس البارون دوبيد مثالا يُقتدى به لقتله في عشرة أيام ثلاثة آلاف شخص وتدميره ثلاث مدن واثنتين وعشرين قرية، وكان مونوك يطرح أتباع كالفن في الآبار حتى تمتلئ”.