الرئيسية / دراسات / نظرية الأمن الإسرائيلي
58a29a79bf5e6dc921dcb4e2c6779555

نظرية الأمن الإسرائيلي

 يعتبر كتاب نظرية الامن الاسرائيلي للدكتور محمد المصري اضافة حقيقية ومهمة للمكتبة الامنية العربية نظرا لما عرف عن الكاتب من دراية وبحث مهني وعلمي رصين في كافة مؤلفاته .
مقدمة
هل يعتبر مفهوم الأمن القومي حقيقة أم مجرد خيال؟ وهل الأمن القومي الفلسطيني من أولويات فكر المسؤولين وصناع القرار في السلطة الوطنية التي لم تكتمل سيادتها بعد على الأراضي الفلسطينية؟
لقد حددت إسرائيل أولويات أمنها القومي منذ نشأتها، بل إن قادتها قد وضعوا فرضيات هذه النظرية قبل قيام إسرائيل، ليتوصلوا لاحقاً إلى وضع الإستراتيجيات ورسم السياسات للرد على تلك الفرضيات.
إن هذا الكتاب يتعرض لمسألة الأمن القومي الإسرائيلي بالتحليل والدراسة، ويتتبع تسلسل تطورها حسب الظروف والأحوال في محاولة متواصلة من القادة السياسيين والعسكريين ونخبة من المفكرين لتصور احتمالات الأخطار التي قد تهدد إسرائيل في وجودها أو في تقدمها وإزدهارها.
وفي هذا السياق يتتبع الكتاب تطور مفهوم الأمن القومي الإستراتيجي الإسرائيلي الواسع، بدءاً من الأمن العسكري إلى الأمن الغذائي، وهدف هذه الدراسة هو تحفيز الفكر الفلسطيني أولاً والعربي عامة على الشروع الفوري في التفكير في المستقبل والتحديات التي تواجهنا، بدءاً بوضع المفهوم العام والإطار الفكري لنظرية الأمن القومي، من خلال وضع الفرضيات التي تهدد الأمن القومي الفلسطيني الخارجية والداخلية، وصولاً إلى النظرية والإطار العام، مع إعطاء الأولوية لجعل هذه العملية دائمة ومستمرة تأخذ بعين الاعتبار المتغيرات والمستجدات على الساحة الداخلية والخارجية، فالنظرية الأمنية ليست نظرية جامدة مقدسة بل هي رؤية واقعية متجددة ونظرة شاملة، تحدد الأخطار وتضع الحلول وتسعى لتوفير الإمكانيات اللازمة لهذه الحلول.
فإذا كان مفهوم الأمن القومي هو ما تقوم به الدولة من إجراءات في حدود طاقتها للحفاظ على كيانها ومصالحها في الحاضر والمستقبل مع مراعاة المتغيرات المحلية والدولية، فأين يقع مفهوم الأمن القومي في الفكر الفلسطيني؟ هل يدخل في إطار المبادئ فيكون متماهياً مع المفهوم العربي للأمن القومي؟ أم يقع في إطار القيم فيكون متماهياً مع مفهوم المصلحة الوطنية؟
من خلال هذين الموقعين فإنه يتوجب على الفكر الأمني الفلسطيني أن ينظر للأمن القومي كتطبيق مؤقت للأمن القومي العربي وليس بديلاً عنه. إن الأمن القومي العربي يدور في مفهوم يتضمن قدرة الدول العربية على حماية الكيان الذاتي للدول العربية من أية أخطار ناتجة أو محتملة، مما يعني أن الأمن القومي العربي يتخطى المفهوم العام لتحقيق الفكرة القومية الجماعية، ويهتم بمفهوم التجزئة والقطرية، حيث تهتم كل دولة بأمنها ومصالحها الذاتية. لذلك نجد أن كل دولة عربية ترسم سياستها الإقليمية والدولية وتنفذها على المستوى الأحادي، ففي عقد الأربعينيات والخمسينيات كان طموح العرب هو التحرر من المحتل الأجنبي وتحقيق الوحدة العربية، وفي الستينيات ومطلع السبعينيات كان طموح العرب تحقيق التضامن العربي، وبعد ذلك أصبح الطموح هو وقف حالة الإقتتال والتنازع والصراع .
فأين يقع الطموح الفلسطيني في تحقيق الأمن القومي للكيان الفلسطيني؟
إن المعنيين بالأمن القومي الفلسطيني يتوجب عليهم الأخذ بعين الإعتبار أهم التحديات التي تعترض وتواجه أمن ومستقبل هذا الكيان، ومن أهمها:
1. وجود إسرائيل القائم على الأرض الفلسطينية، وخطرها لا يكمن فقط في احتلالها للأرض الفلسطينية والعربية، بل في الأهداف العليا للحركة الصهيونية، القائمة على التوسع واحتلال المزيد من الأراضي العربية، ويمكن أن نضيف إلى التهديدات العسكرية الإسرائيلية المباشرة، تهديدات أخرى تتمثل في تضييق الخناق على المصالح والأهداف الوطنية الفلسطينية.
2. في المجال السياسي: يعاني الكيان الفلسطيني من مظاهر التوتر وعدم الاستقرار الداخلي الناتج عن الصراع الحزبي وعدم التوصل إلى سياسة إستراتيجية موحدة للمواجهة مع إسرائيل، وهذا ينعكس أيضاً على العلاقات مع الدول العربية ودول العالم بشكل عام.
3. في المجال الإقتصادي: يعاني الوضع الإقتصادي في فلسطين من غياب التخطيط التنموي المتكامل مع الأخذ بعين الإعتبار قلة الموارد وتبعية الإقتصاد الفلسطيني للإقتصاد الإسرائيلي، بل الأخطر من ذلك تبعيته للأمن الإسرائيلي. ناهيك عن البطالة وتدمير القطاع الزراعي نتيجة السياسات الإسرائيلية وخاصة سياسة العقاب الجماعي، كما أن الوضع في القطاع الصناعي أشد تعقيداً وسوءاً.
4. في المجال الإجتماعي: تعرض النسيج الإجتماعي في السنوات الأخيرة إلى تهديد داخلي نتيجة التجاذبات السياسية والأوضاع الإقتصادية.
5. لعل أهم هذه التحديات التي تواجه وضع إستراتيجية أمن قومي فلسطيني هو غياب صفة الدولة عن هذا الكيان، والتحدي الآخر يكمن في غياب الهدف الإستراتيجي الموحد للحركة الوطنية الفلسطينية، فكل فصيل يحاول أن يملي رؤيته ويفرضها. وفي غياب هذا المفهوم الواضح يضيع الجهد المبذول لإيجاد إستراتيجية قومية للأمن الفلسطيني.
يندرج المفهوم الأمني في التقاليد العسكرية الإسرائيلية ضمن مجموعة من العناصر التي تُعبّر عن ذاتها في إطار عام من المبالغة، لم تعهدها دول العالم قديماً أو حديثاً، وهذا الإطار العام يهدف أول ما يهدف إلى مجابهة أية محاولة عربية لإتخاذ بعض التدابير الدفاعية، ضد أسلحة الدمار الشامل التي تنفرد إسرائيل بامتلاكها في المنطقة، أو حتى إتخاذ بعض الإجراءات لإعادة ترتيب البيت العربي في مسيرة السلام. وعلى النقيض من ذلك، فإن إسرائيل تسارع إلى وضع العراقيل والمتاهات وافتعال الأعذار لكي تحبط مساعي العرب والفلسطينيين لتحقيق السلام الشامل والعادل، وفي الوقت ذاته تضع إسرائيل إمكاناتها الإعلامية والعسكرية لإحباط نهوض أية قوة عسكرية عربية، الأمر الذي من شأنه أن يشحذ الهمم لتغيير الخيار الإستراتيجي العربي الوحيد، ألا وهو خيار السلام إلى خيار أو خيارات أخرى قد تمثل منعطفاً خطيراً بالفعل على الدولة العبرية.
كما يندرج ذات المفهوم ضمن سياق مرتبط بالنظرة الإسرائيلية إلى الذات ونظرة اليهود إلى غير اليهود، فالنظرة إلى الذات تعني ذلك الشعور النفسي الداخلي للإنسان اليهودي القادم من الخارج بحثاً عن تحقيق الذات بعيداً عن “موروث الهولوكست”، و الاغتراب في أرض الميعاد في أجواء دولة عسكرية تعتمد على القوة – في المقام الأول – لاستمرارية وجودها والحفاظ على ما سلبته من الأراضي العربية، وهي بذلك تكون نظرة مستغرقة في البحث عن الأمن أولاً وقبل كل شيء، وبالمقابل نجد نظرة اليهود إلى غير اليهود نظرة تشوبها مقومات الإستعلاء الحذر وعدم الثقة انطلاقاً من دوافع دينية صرفة أو من دوافع أفرزتها دواعي احتلال أراضي الغير، واستيطان الأرض وإبادة شعبها أو تهجيره في سياق يُذكّر بالمعتدي النازي، وذلك إلى الحد الذي يعبر عنه مصطلح “الصهيونازية” أصدق تعبير عن هذا التوحد.
وفي ضوء ذلك لا يمكن النظر إلى نظرية الأمن الإسرائيلي باعتبارها أداة للحماية الذاتية كما عبرت عن ذلك تاريخياً تلك التقاليد السياسية الثابتة، التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، إنما يمكن التعامل معها كونها المنطق الفكري الذي يراد به تبرير سياسة السيطرة وفرض الهيمنة الكاملة على الأرض ومن حولها من دول الجوار، بهدف ردع أية محاولات لاختراقات أمنية محتملة لاستعادة الحقوق المسلوبة.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن مفهوم الأمن الإسرائيلي يرتبط دراماتيكياً بالنظرة الإسرائيلية إلى الذات ونظرة اليهود إلى أنفسهم، وهو الأمر الذي يؤدي إلى توظيف التفوق العسكري لتحقيق التوازن والاستقرار كما تراه المؤسسة العسكرية الحاكمة في إسرائيل. “غادة كنفاني، نظرية الأمن الإسرائيلي”. وتحديداً فهو يربط مفهوم الاستقرار بالردع والقدرة على التهديد به ومن ثم إجبار الطرف الآخر (دول الجوار العرب) على الاستجابة لما تراه إسرائيل مناسباً لأجوائها.
كما يمكن أن يتشكل مفهوم الأمن الإسرائيلي بصورة تعتمد على تفوق قدرته العسكرية في المنطقة، الأمر الذي يفرز حالة من عدم التفكير (من قبل دول الجوار والدول العربية مجتمعة) في محاولة اختراق هذا التفوق والتسليم بالأمر الواقع واتخاذ خطوات وقائية، بدلاً من التفكير في حشد القوات العسكرية العربية لاختراق ذلك التفوق العسكري الإسرائيلي الذي يشكل قوة ردع ضاربة في المنطقة بأسرها. “صلاح إبراهيم، إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي”.
وإذا ما علمنا أن دولة إسرائيل قد نشأت “وسط بحر من الأعداء” كما يقول الكاتب الاسرائيلي هارون باريف في مقالة له نشرتها “المنار للصحافة والنشر”، فإن تمتع دولة إسرائيل بمساحة جغرافية صغيرة يفقدها العمق الإستراتيجي، لذلك فإن نظرية الأمن لديها تخضع للتغيير والتجديد والتطور باستمرار مقارنة بما يحدث من تطورات داخلية أو إقليمية وعالمية تجري ضمن ظروف تاريخية معينة، أي أن موضوع الأمن مصدر قلق دائم للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية وهو يمثل بؤرة إهتمام قصوى تسبق أياً من الأولويات الأخرى.
يقول شمعون بيريز فى كتابة “الشرق الأوسط الجديد” حول هذه المسألة: “إن موضوع الأمن لا يمكن اعتباره موضوعاً قابلاً للنقاش أمام أي رئيس حكومة إسرائيلية، إنه موضوع حياة أو موت بالنسبة لنا جميعاً، وعليه فإن النظر للأمن الاسرائيلي يجب أن يتقدم سلم الأولويات قبل تنفس الهواء، فبقدر ما نضغط أمنياً على أعدائنا بقدر ما تتوفر فرص البقاء والوجود”.
كما يشير أحمد بهاء الدين في كتابه “إسرائيليات” إلى أن مفهوم الأمن الإسرائيلي قد تنامى وأصبح من أهم ضرورات البقاء، وذلك يعود إلى عاملين أساسيين داخل إطار الدائرة الدينية والتي تؤكد أولاً أن إسرائيل هي “وعد الرب لنبيه إبراهيم “، وهي حلم صهيون، وأن هذا الحلم الذي توارى في سنوات الشتات والاضطهاد بفعل ظلم وطغيان قوى القهر والبغي لم يكن غائباً عن وجدان بني إسرائيل، والثاني ينبع من كون إسرائيل أقيمت فوق أراضي فلسطين التاريخية وسط موجة من العداء المستحكم والمفروض فرضاً على أرض الواقع، ففي الإعتقاد الإسرائيلي: “إن تقديم تنازلات من أراضي إسرائيل الكبرى يجب ألا يمس بجوهر الأمن الإسرائيلي بأي حال من الأحوال. “بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس”.
ويرى “إيغال الون” أن مفهوم الأمن الإسرائيلي – حتى قبيل إنشاء الدولة يعتمد على ما ورد في التوراة من نصوص، حيث ذكر أن من يصادر أحلام أو طموحات بني إسرائيل إنما يصادر حقاً شرعه الرب، كما أنه يصادر القوة الروحية الجبارة التي تدفع اليهود دفعاً للعمل والمثابرة والتضحية، بالإضافة إلى أن حلم صهيون وأرض الميعاد ما هي إلا عوامل ربط يهود الشتات بأرض يهود إسرائيل، وكل من تجرأ على حلم صهيون فإنه يجرد الصهيونية من مقوم الوحدة بين يهود العالم وبين أرض صهيون، وهو ما يقوض أركان الأمن الإسرائيلي.
وعلى الرغم من هذه النظرة لمفهوم الأمن نجد إتساع رقعة التوجه استراتيجياً فى السنوات التى تلت إعلان الدولة، في الوقت الذي ربحت به إسرائيل بقرار التقسيم عام 1947. وقد اكتفت بالحدود الضيقة التى منحها القرار لها، ووجدناها عام 1967 تجاوزت تلك الحدود الأمنية وانطلقت لتهديد أمن ثلاث دول عربية مجتمعة، بدعوى الحفاظ على الأمن وإجبار تلك الدول على التسليم بسياسة الأمر الواقع الأمنية، والتي سرعان ما تراجعت في حرب أكتوبر عام 1973 ، لترسم صورة مغايرة لمفهوم الأمن بامتلاكها للقوة النووية الضاربة بعد ذلك، وإن كان المشروع النووي الإسرائيلي قد بدأ بالفعل قبل ذلك.
وعليه فإننا نحاول من خلال هذا الكتاب – أن نرصد ونحلل التطورات المختلفة فى نظرية الأمن الإسرائيلي، وما تنطوي عليه من مضامين سيكولوجية، وذلك وفق مفاصل الحروب التي خاضتها الدولة العبرية ضد العرب، فمن مرحلة ” العمق الاستراتيجي” و”الضربة المضادة الاستباقية” كما أشار شمعون بيريز، إلى “استراتيجية الردع النووي” منذ العام 1975 ، وإلى “استراتيجية الهجوم الاستباقي” المتبعة حالياً في الأراضي المحتلة وغيرها من الإستراتيجيات الأخرى.
ومثال على ذلك التأرجح والتغير فى مفهوم الأمن الإسرائيلي ونظريته، نجد أن الدولة العبرية قبيل إندلاع حرب 1967، قد شددت على ناحيتين إيجابيتين في وضع الحرب، أولهما إيجاد خطوط دفاعية مثالية جغرافية على طول خطوط المجابهة مع الجيوش العربية، وثانيهما امتلاك فترة مطولة من الإنذار المبكر، وخاصة بالنسبة للجبهة الجنوبية في شبه جزيرة سيناء، وقد نجم عن هذا الوضع الجديد تبنّي إسرائيل “نظرية الحدود الأمنية” لحرص الدولة العبرية على إيجاد مسوغ تبرر بواسطته الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، تحقيقاً “لنظرية العمق الإستراتيجي” المطلوب تحقيقها للأمن. لذلك فإن المبدأ الأمني القديم الداعي إلى “نقل الحرب إلى أراضي العدو” لم يعد ملزماً بالنسبة للجيش الاسرائيلي. “هيثم الكيلاني – نظرية التفوق الإسرائيلي”.
ومن هنا يمكن القول إن مفهوم الأمن الإسرائيلي، وكذلك نظرية الأمن الإستراتيجي الإسرائيلي قد عبرت مراحل مختلفة متناقضة تبعاً للظروف الإقليمية والدولية، وفي ضوء تعاقب حكومات إسرائيل نفسها، وتباين أهدافها الانتخابية والمرحلية، إلا في قواسم مشتركة أبقت على معيار هام جداً لا يمكن الحيدة عنه بأي ثمن، ألا وهو أن مقولة الأمن، أو الهاجس الأمني في الدولة العبرية لا بد أن يظل طوقاً للبقاء والنجاة أولاً وقبل كل شيء. وحتى مع تغيرات هذا المفهوم وتلك الاستراتيجية عبر تواريخ تأسيس الدولة العبرية، ومروراً بحروبها مع الدول العربية، خاصة حرب 1973، وانتهاء بالإنتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وبما حققتاه من اختراق واضح وتاريخي لمفهوم الردع الاسرائيلي، ظلت مفاهيم الأمن واستراتيجياته تدور في فلك عملية البحث الدؤوب عن الصورة المثلى، لإبقاء الدولة العبرية متفوقة على العرب جميعاً في جميع مناحي التفوق العسكري، والتكنولوجي، والاقتصادي.
إن التقلبات التى طرأت على مفهوم الأمن الإسرائيلي، قد ارتكزت على أطر وتحليلات سيكولوجية لموقف هذه الدولة منذ بنائها التأسيسي، الذي أفرزته وقائع دولية أبرزها شعور أوربا بما لحق من ضيم بالشعب اليهودي، نتيجة لما حدث فى “الهولوكوست” النازية وما سببه شتات اليهود من مخاوف لتلك الدول الأوروبية، أبرزها شعور اليهود بالإحباط والرغبة الجامحة في الإنتقام، وهو الأمر الذي جعل تلك الدول مجتمعة تسعى للبحث عن موطئ قدم لليهود أو “مكان تحت الشمس” كما قال نتنياهو (رئيس وزراء إسرائيل الأسبق) في معظم صفحات كتابه الذي حمل العنوان نفسه.
الفصل الأول
الأمن القومي
القسم الأول: مفهوم الأمن القومي
القسم الثاني: الأمن القومي الإسرائيلي
القسم الثالث: تحديات الأمن القومي الإسرائيلي
الفصل الأول
الأمن القومي
القسم الأول: مفهوم الأمن القومي
في الحقيقة لا يوجد مفهوم فضفاض في مجال العلوم الاجتماعية بصفة عامة وعلم السياسة بصفة خاصة، أكثر من ذلك المفهوم الذي اصطلح على تسميته بالأمن القومي، إذ إنه من المفاهيم التي يصعب على أي مؤلف الإمساك به، أو تحديد عناصره ومقوماته. كما أنه من المفاهيم الزئبقية التي لا تقبل الصياغة في قوالب ونظريات ثابتة، وذلك هو السبب الرئيس وراء تخلف الحقل الأكاديمي في مجال دراسات الأمن القومي واعتباره من أكثر الفروع إخفاقاً وإحباطاً في مجال العلوم الاجتماعية. “حامد ربيع – نظرية الأمن القومي العربي”.
إن “الأمن القومي” لأية دولة هو الدفاع والوقاية ضد الأخطار الخارجية مثل وقوع الدولة تحت سيطرة دولة أخرى أو معسكر أجنبي أو اقتطاع جزء من حدودها، أو التدخل في شؤونها الداخلية لتحقيق مصالح دولة خارجية على حساب تلك الدولة. وفي حالة الحرب يحدد الأمن القومي أعضاء التحالف المشترك في الحرب بقصد تحقيق الهدف السياسي لها، وهو الذي يخطط للسلم الذي يعقب الحرب. وبهذا المعنى، فمفهوم الأمن القومي مفهوم متعدد الأبعاد يمثل نواحي عسكرية واقتصادية واجتماعية.
ويتفرع من كل هذا ما يُسمّى “العقيدة العسكرية” وهي تعبر عن تصورات القيادة السياسية – العسكرية العليا لطبيعة الحرب التي تتوقع خوضها في المستقبل سواء من ناحية النتائج السياسية أو العسكرية.
فالمفهوم فى معناه الواسع – أي الأمن – يعتبر قديماً قدم الحضارة الإنسانية، ولا يكاد يخلو أي نص تاريخي أو أدبي من الإشارة أو التلميح إليه، حتى في كتب الوحي الإلهي والرسالات السماوية الــمُنزّلة يمكن أن نجد دلائل مفهوم الأمن القومي المعاصر، ولا سيما في مرحلة مبكرة، أي من خلال ارتباطه بمفهوم القوة العسكرية والحرب.
ويمكن أن نجد جذوره في الفكر اليوناني في كتابات كل من سقراط وأفلاطون وكذلك في الفكر الروماني والفكر الإسلامي، ولا يوجد تعبير أوضح عن الأمن القومي في معناه الحديث من نص تلك الآية القرآنية الكريمة “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم”، صدق الله العظيم. “سورة الأنفال – الآية رقم 60”. فهي وإن كانت تعبر عن ارتباط مفهوم الأمن بالقوة في معناها التقليدي، إلا أنها تشير إلى أهم النظريات المعاصرة وهي أن اقتناء القوة ليس فقط بهدف القتال، ولكن بهدف الردع الذي يُعّد احد أوجه التعبير عن مفهوم الأمن القومي، فيما يعرف بنظرية الردع التي ترى أنه يمكن تحقيق الأمن لا من خلال الاستخدام الفعلي للقوة بل من خلال إقناع الخصم أو العدو المحتمل بعدم إمكانية الاستخدام الفعلي لها، ومدى فداحة الخسائر التي تقع من جرائها.
وإذا ما تفحصنا “سفر يشوع” في العهد القديم من الكتاب المقدس “الأصحاح التاسع”، نجد ما يشير إلى مفهوم الأمن القومي في معناه التقليدي، ومحاولة تنفيذه من خلال الغزو أو التهديد بالحرب، أو من خلال قيام الدول القوية بقطع عهد مع الدول الضعيفة التي تتشارك معها في الحدود لتأمن شرها، أو لضمان حمايتها لها والإبقاء عليها، يقول نص الإصحاح التاسع من سفر يشوع فى هذا الشأن:
“إن سكان جعبون لما سمعوا بما عمله يشوع بأريحا ويقصد إنزال الهزيمة بها (ساروا إليه فى المحلة “الحلجال”) المكان الذي يجتمع به الجيش، وقالو له ولرجال إسرائيل من أرض بعيدة جئنا، والآن إقطعوا لنا عهداً، فعمل لهم يشوع صلحاً، وقطع لهم عهداً لاستحيائهم وحلف لهم رؤساء الجماعة. “جمال كمال- الأمن القومي المصري”.
وبالرجوع إلى الحضارة الفرعونية فإن المخطوطات تشير إلى أقدم معاهدة عثر عليها كاملة، وهي المعاهدة التي أبرمت حوالى العام 1280 قبل الميلاد بين رمسيس الثاني وملك الحبشيين “خاتسيير”khatisir ، وهذه المعاهدة كانت بمثابة عهد دولي أو صلح أبرم بعد حرب قامت بين رمسيس الثاني وملك الحبشيين، وتشكل أيضاً حلفاً دفاعياً وهجومياً دائماً، وذلك عن طريق تجديد معاهدات الصداقة التي كانت قائمة بين الدولتين والتي كانت تقضي بالامتناع عن الحرب.
وإن كانت هذه الإشارات تدور حول مفهوم الأمن القومي بمعناه التقليدي بالتركيز على القوة العسكرية، لتأمين سلامة البلاد فى مواجهة الغزو الخارجي ولا سيما في المراحل الأولى من تطوره وبدايات ومحاولات التأصيل النظري، ومن ثم فإن وجود مفهوم الأمن القومي بمعناه الواسع يُعّد قديماً قدم وجود الإنسان على سطح البسيطة، ويعبر عن غريزة البقاء في مواجهة قوى الطبيعة أو غيرها.
وبالرغم من صعوبة التأصيل النظري لمفهوم الأمن القومي على المستوى الأكاديمي والبحثي، إلا أنه قد أصبح على مستوى الممارسة حقيقة لا يمكن إنكارها، وواقعاً معاشاً يتغلغل فى كافة مناحي الحياة، ويطبق بشكل كبير وعلى مدى واسع من قبل رجال السياسة، وعلماء الاجتماع والعسكريين، ومن ثم فهو قد يشمل الموضوعات فى أعلى مستويات الدولة، والتي تمس كيانها وبقاءها، وكذلك بعض الأمور البسيطة التي تتعلق بمستوى العامة أو رجل الشارع، فقد يصبح انتشار وباء أو مرض معين في الخارج مسألة تهم الأمن القومي، ناهيك عن تحركات الجيوش والحشود على حدود البلد، وكافة عمليات تأمينها وحماية حدودها، وهو المجال الواضح والبارز للأمن القومي، وهو ما يدل على سمة الشمولية التي يتسم بها مفهوم الأمن القومي.
ومن الخصائص الأخرى التي يتسم بها مفهوم الأمن القومي، خاصية الدينامية والتطور، بمعنى أنه مفهوم يستجيب لكافة التطورات والتغيرات التي تقع في المجتمع بصفة خاصة، والبيئة الدولية بصفة عامة.
ومن الملاحظ أن موضوعات الأمن القومي في مرحلة مبكرة قد ارتبطت بالأمور التي تدور حول القوة العسكرية، وتوازن القوة والحدود، وكيفية تأمين كيان الدولة في مواجهة الدول المحيطة بها، وقد تطور نطاق هذه الموضوعات والأمور فيما بعد بفعل التطورات التكنولوجية ولا سيما في مجال التسلح النووي، وبروز مفهوم الردع النووي، حيث بدأ التركيز على الأبعاد الإجتماعية والإقتصادية لمفهوم الأمن القومي، وبداية الحديث عن مفهوم الأمن العالمي والأمن الجماعي الذي وصل إلى حد القول بارتباط الأمن القومي لدولة ما بتحقيق التنمية والإستقرار في دولة لا ترتبط معها حدودياً، ولا تملك مصادر التهديد لأمنها بالمعنى التقليدي وهو ما عبر عنه روبرت ماكنمارا (Robert macnomara) في كتابه الشهير “جوهر الأمن” عندما رأى أن أمن الولايات المتحدة يرتبط بتنمية دول العالم الثالث.
النقطة الأخرى التي تزيد من صعوبة الإمساك بمفهوم الأمن القومي هي خاصية النسبية بالنسبة للموضوعات والمسائل التي يتضمنها الأمن القومي، فما قد يعتبر من قبيل المسائل التي تدخل في إطار الأمن القومي بالنسبة لبعض الدول، قد لا يعتبر كذلك بالنسبة لبعض الدول الأخرى. وهذه النسبية قد تكون على مستوى الدولة ذاتها، فما قد يعتبر من قبيل الموضوعات والمسائل التي تدخل في نطاق الأمن القومي في فترة معينة، قد لا يكون كذلك في فترة زمنية أخرى من حياة الدولة.
حتى الآن لا يوجد اتفاق حقيقي بين الدارسين والمتخصصين في مجال الأمن القومي على حدود الإطار الفكري الذي يجب أن يتضمنه مجال تفكيرهم في هذا الصدد، وهناك بعض الأبحاث التي تتعلق بإستراتيجية الردع والعلاقات العسكرية والمدنية، التي يجمع الجميع على ضرورة دخولها ضمن ذلك الحقل، هذا في الوقت الذي يُقترح فيه أيضاً إدخال بعض الأبحاث الحديثة مثل النظرية العامة للعنف السياسي، والثورة والقهر السياسي الداخلي والتي ما زالت محل إختلاف حتى الآن.
ويمكن إدراج التعريفات المختلفة للأمن القومي تحت رمزين كبيرين، أو مدرستين رئيسيتين، يُعّبران عن مرحلتين من مراحل تطور المفهوم، فمعظم التعريفات في المرحلة الأولى كانت تدور حول القيم والمصالح المحورية بإعتبارها هدفاً وجوهراً للأمن القومي، والتي ارتبطت بمفهوم القوة وضرورة توفير الأداة العسكرية لتحقيقها. أما في المرحلة الثانية فقد ركزت التعريفات بقدر أكبر وأعمق على الأبعاد الإجتماعية والإقتصادية، وبالتالي إتخذت العديد من الوسائل والأدوات الأخرى غير العسكرية لتحقيق الأمن القومي، وهاتان المدرستان هما:
المدرسة القديمة
تندرج معظم التعريفات في إطار هذه المدرسة تحت تلك التعريفات التي تركز على القيم، وفي ظل هذه المدرسة يتسم تعريف الأمن القومي بالغموض والتجريد أكثر من اتسامه بالوضوح، ومنها تعريف موسوعة العلوم الإجتماعية التي تُعرّفه على أنه قدرة الدولة على حماية قيمها الداخلية من التهديدات الخارجية، وما يُرَدُّ على ذلك من بعض الانتقادات التي سيرد التعرض لها بقدر من التفصيل عند التعرض لدراسة بعض التعريفات في الفقه الغربي وتناول أوجه القصور فيها. “عبد المنعم المشاط الأزمة الراهنة للأمن القومي العربي”.
المدرسة الإقتصادية
ينصب إهتمام أنصار هذه المدرسة على كيفية تأمين الموارد الاقتصادية، والحيوية والتأكيد على الوظيفة الإقتصادية للحرب، والتنمية كجوهر للأمن ومنها تعريف “كروز وناي kruse and nye” للأمن القومي الإقتصادي بأنه “التهديد بالحرمان من الرفاهية الإقتصادية”، وهما يريان أن هدف الأمن القومي الإقتصادي يصبح واضحاً عندما تختار الدولة عن وعي عدم الكفاءة الإقتصادية لكي تتجنب أية ضغوط إقتصادية من الخارج
( kruse, Lawrence, & Begrten, Fled, Miler, Benjamin).
ويتبوأ روبرت ماكنمارا (Robert Macnamara ) وزير الدفاع الأمريكي السابق المكانة الرئيسية في المناداة بالتنمية الإقتصادية كجوهر الأمن، وذلك في كتابه الذي نشر عام 1968 تحت عنوان “جوهر الأمن” The essence of security والذي بدأه بانتقاد الإتجاه التقليدي، فهو يرى أن الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية لا يكمن بصورة أولية في القوة العسكرية فقط، ولكنه يكمن بشكل مماثل في تنمية النماذج المستقرة من النمو السياسي والإقتصادي في الداخل، وفي الدول على مستوى العالم أجمع، ويصل في النهاية إلى أن الأمن يعني التنمية.
فالأمن لا يعني تراكم الأسلحة، بالرغم من أن ذلك قد يكون جزءاً منه، وهو ليس القوة العسكرية بالرغم من أنه قد يشتمل عليها، وهو ليس النشاط العسكري التقليدي بالرغم من أنه قد يضمه. إن الأمن هو التنمية ودون التنمية لا مجال للحديث عن الأمن. “عبد المنعم المشاط”.
القسم الثاني: نظرية الأمن القومي الإسرائيلي
استمد الفكر الأمني الإسرائيلي شرعيته السياسية من الأفكار والتعاليم التي جاءت بها الديانة اليهودية، وذلك في إطاره العام الذي صاغه ديفيد بن غوريون أحد مؤسسي دولة إسرائيل وأول رئيس وزراء للدولة العبرية، وذلك إلى الحد الذي يمكن القول فيه إن الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية ما هي إلا الإطار الفكري والتطبيقي للعقيدة الدينية، سواء في الدعوة للإستيلاء على الأرض “تنفيذاً لوعد الرب”، أو من خلال القناعات اليهودية الصهيونية.
وقد مر مفهوم الأمن الإسرائيلي بأربع مراحل أساسية: مرحلة القاعدة الإستيطانية، ثم مرحلة تحويل القاعدة إلى دولة، ومرحلة التوسع، ومرحلة الهيمنة، ومن هنا ندرك أسباب هذا التغيير والحراك في المفهوم الأمني لما تقتضيه السياسة التوسعية التي تنتهجها إسرائيل، فهو مفهوم متحرك يتبدل بتبدل الظروف السياسية والعسكرية المحيطة، كما أنه لا يعني الدفاع عن أرض محدودة، بل يتحقق على أساس ردعي يمنع بمعطياته نشوب حرب أخرى، إلى حين إتاحة الظروف التي تراها إسرائيل مناسبة لنشوب حرب تخدم مصالحها وتحقق أهدافها.
ورغم المتغيرات والحراك في مرتكزات مفهوم الأمن الإسرائيلي، إلا أنه يمكن تحديد بعض ثوابت وركائز هذا المفهوم.
أولاً: نظرية الردع التي تبنتها إسرائيل في إطار عقيدتها الأمنية بهدف التقليل من احتمالات اندلاع الحرب بينها وبين العرب، ودفعهم إلى التسليم بها كأمر واقع عن طريق إقناعهم بأن أية مجابهة معها ستكون باهظة الثمن.
ثانياً: إستراتيجية الحرب الإستباقية وهي صفة اتسمت بها معظم الحروب التي شنتها إسرائيل ضد العرب، وتشكل أحد أنماط التعبير عن مصداقية الردع.
ثالثاً: مفهوم الحدود الآمنة، وهذا المفهوم يعد وفق هذه الإستراتيجية مفهوماً متغيراً وقابلاً للتمديد بما يتماشى مع متطلبات الأمن الإسرائيلي.
رابعاً: العمق الإستراتيجي، والذي يعتبر غيابه من التحديات الرئيسة للنظرية الأمنية الإسرائيلية “نظراً لوضع إسرائيل الجغرافي”، ومن هنا اعتقد مخططو نظرية الأمن الإسرائيلي أن من شأن أية حرب شاملة أن تهدد وجود الدولة، وهو ما دفعها إلى تجنب أي حرب من هذا النوع على أراضيها، مما استوجب بلورة مفهوم نقل المعركة إلى أرض العدو لإيجاد عمق إستراتيجي مصطنع.
إن نظرية الأمن الإسرائيلي لا تستهدف فقط تحقيق الأمن عبر ضمانات دبلوماسية وسياسية دولية، بل تستهدف إيجاد الوسائل العملية الداخلية لدى إسرائيل القادرة على تجسيد نظرية الأمن الإسرائيلي، وفي هذا المجال تقول غولدا مائير: إن ما نريده ليس ضماناً من الآخرين لأمننا، بل ظروفاً مادية وحدوداً في هذه البلاد تضمن بشكل أكيد عدم نشوب حرب أخرى. وبذلك نرى أن نظرية الأمن الإسرائيلي تقوم على مبدأ الحقائق الملموسة، بتعبير آخر تستند إلى قوة فعلية تتجسد في وجود جيش عسكري قوي يشكل سياجاً حقيقياً للأمن الإسرائيلي، في مرحلة معينة، ووسيلة لتحقيق نظرية الأمن التي تتضمن في إطارها مظاهر التوسع في الأرض العربية أيضاً.
ونظرية الأمن الإسرائيلي ترتكز على جملة من العوامل المتداخلة المترابطة، والتي تشمل مختلف مجالات النشاط والفعاليات الحيوية في إسرائيل، ومن هنا فإن نظرية الأمن الإسرائيلي هي ظاهرة مركبة تتكون من القوة العسكرية، والهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وتوسيع عمليات الاستيطان، وتخفيف الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى الخارج، وتقوية القاعدة الاقتصادية، وتأمين تحرك سياسي دبلوماسي خارجي يوظف لصالح تأمين متطلبات الأمن، وتوفير المعلومات اللازمة عن الدول العربية، وفي النهاية استخدام العوامل السابقة من أجل التوسع قدر الإمكان وضمن المناطق الحيوية والاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، لذلك تتضمن الاستراتيجية الإسرائيلية مخططات شاملة للتوسع في جنوب لبنان، والضفة الغربية، والجولان.
والسؤال الحائر الذي يواجه نظرية الأمن الإسرائيلي يتمثل في كيفية التعامل مع مصادر التهديد الداخلي والخارجي وتحديداً أيهما يجب أن يحظى بالأولوية.
ومن الملاحظ أن وجود نظرية الأمن الإسرائيلية واستمرارها مرتبط بشكل أساسي بتأمين متطلبات القوة اللازمة بكل أشكالها وأبعادها السياسية والعسكرية والإقتصادية والتكنولوجية، التي تشكل أحد الأسس والمرتكزات الهامة للإستراتيجية الإسرائيلية، وعملية تأمين استمرارية الدعم المختلف والمتعدد الجوانب شكلت أيضاًَ عاملاً أساسياً في قيام إسرائيل وفي الحفاظ على ديمومتها واستمراريتها وتأمين وسائل ومتطلبات تطورها وتوسعها أيضاً.
وقد ركزت الحركة الصهيونية قبل قيام إسرائيل على الدعم السياسي، كعامل هام للمساعدة على إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وبعد قيام إسرائيل استمر مخططو الاستراتيجية في إسرائيل في التركيز على استمرارية تأمين الدعم اللازم أيضاً لإسرائيل لتحويلها إلى حقيقة قائمة والاعتراف بها من جانب العرب، وأن هذا الاعتراف عملية تحتاج إلى علاقات متعددة متداخلة بين إسرائيل والمجتمع الدولي، وعبر هذه العلاقة تؤمن إسرائيل اعترافاً دولياً واسعاً بها. كما يمكنها هذا الإاعتراف من إقامة علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية تؤمن لها عوامل القوة والاستمرار أولاً، وتحول هذه العلاقات إلى عوامل ضاغطة من قبل المجتمع الدولي وإسرائيل على العرب باتجاه القبول بالوجود الإسرائيلي إلى جانب الأمة العربية.
البعد الزماني والمكاني للأمن الإسرائيلي
وتُعَد نظرية الأمن القومي في إسرائيل ذات مركزية خاصة بالنسبة للكيان الصهيوني. فالمشروع الصهيوني مشروع استيطاني مبني على نقل كتلة بشرية لتحل محل الفلسطينيين وتغيبهم، وتلغي تاريخهم وتستولي على أرضهم، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال العنف والقوة العسكرية وخلق الحقائق الإقتصادية والسياسية والاستيطانية من وجهة نظرهم، وهذا هو الإطار الحقيقي الذي تدور داخله نظرية الأمن الإسرائيلي. وما عقلية الحصار سوى نتاج لهذا الوضع البنيوي، أي أن نظرية الأمن الإسرائيلي والهاجس الأمني يفترض أن الصراع حالة دائمة وعلى دولة إسرائيل ديمومة الاستعداد والتخطيط للحرب القادمة.
هذا الإدراك يعبّر عن نفسه عبر المفاهيم التي تشكل ركائز نظرية الأمن في إسرائيل التي تدور جميعها حول فكرة إلغاء الزمان والارتباط بالمكان. فهناك فكرة الأمن السرمدي، أي أن أمن إسرائيل مهدد دائماً، وأن حالة الحرب مع العرب حالة شبه أزلية. وقد عبّر حاييم أرونسون عن هذه الرؤية في إحدى دراساته بالإشارة إلى ما سماه “حرب المائة عام (1882-1982) “، أي الحرب الدائمة بين العرب والصهاينة. وهو يذهب إلى أن هذه الحرب لا تزال مستمرة، ويُفسّر هذا الاستمرار على أساس أن إسرائيل بلد غربي حديث يعيش في وسط عربي لا يزال يخوض عملية التحديث، ومن ثم فهو معرّض للقلاقل ولا يمكن عقد سلام معه. ويتوقع أرونسون أن تستمر الحرب لفترة أخرى إلى حين الإنتهاء من تحديث العالم العربي. وقد تحدّث موشيه ديان عن (إين بريرا) وهي كلمة عبرية تعني “لا خيار”، فعلى المستوطنين أن يستمروا في الصراع إلى ما لا نهاية. “د. عبد الوهاب المسيري”.
وقد استخدم إسحق رابين تعبير “الحرب الراقدة” لوصف العلاقة القائمة بين إسرائيل والمحيط العربي، كما استخدم الكثير من القيادات الإسرائيلية تعبيرات مشابهة مثل تعبير “الحرب منخفضة الحدة”، حيث تشير كلها إلى غياب الحدود الواضحة بين الحرب وحالة السلم في علاقة الدولة الصهيونية بمحيطها.
ويرى كثيرون من أعضاء المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن التوجه نحو السلام مجرد مرحلة انتقالية يلتقط العرب فيها أنفاسهم ليعاودوا القتال، وهو ما أثبته تاريخ الصراع عبر الأعوام المائة السابقة . من ثم يصبح من الضروري محاصرة العنصر الإنساني الفلسطيني وقمعه بضراوة كما حدث أثناء الانتفاضة، وكما يتبدّى من المفهوم الإسرائيلي للحكم الذاتي. أما بالنسبة للعرب فلا بد من ضربهم باستمرار لبث روح اليأس فيهم وإقناعهم بأن الاستمرار في تبنّي الصراع العسكري كوسيلة لاستعادة الحقوق غير مجدٍ .
وإذا كان الزمان تكراراً رتيباً لا يأتي بالسلام أو بالتحولات الجذرية، فإنه لا يبقى سوى المكان الثابت الذي لا يعرف الزمان. “د. عبد الوهاب المسيري، الموسوعة اليهودية”. وبالفعل نجد أن الأرض تشكل حجر الزاوية في الأيديولوجية الصهيونية وفي نظرية الأمن الإسرائيلية، فالأرض الخالية من العرب، أي من الزمان العربي، هي المجال الحيوي الذي يمكن توطين الشعب اليهودي فيه وتحويله إلى عنصر استيطاني يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية. ومن دون الأرض سيظل الشعب اليهودي شعباً شريداً طريداً، بلا سيادة سياسية أو اقتصادية. والأرض التي يستولي عليها الصهاينة لا بد أن تُعقَّم من زمانها التاريخي العربي، لكي تصبح أرضاً بلا زمان، أي أرضاً بلا شعب.
ولذا فنظرية الأمن الإسرائيلي تدور داخل فكرة الحدود الجغرافية الآمنة ذات الطابع الغيتوي التي تستند إلى معطيات جغرافية مثل الحدود الطبيعية: نهر الأردن، هضبة الجولان، قناة السويس. وقد اقترح حاييم أرونسون ما سماه “الحائط النووي”، أي أن تقبع إسرائيل داخل حزام مسلح تحميه الأسلحة النووية. وهي فكرة بسيطة مجنونة، تتجاهل العنصر الإنساني الملتحم بالجسد الصهيوني نفسه، ولا تختلف فكرة المستوطنات – القلاع المحصنة كثيراً عن الحائط النووي، وهي سلسلة من المستوطنات التي تحيط بحدود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والنقب، وهي مستوطنات أمنية مختلفة عن تلك التي أقيمت لأسباب دينية أو إقتصادية.
وإزاء مشكلة غياب العمق الإستراتيجي للكيان الصهيوني يُحدّد الفكر العسكري الإسرائيلي ما يُسمّى “ذرائع الحرب” على نحو فريد. فالدولة الصهيونية تعتبر كل دولة عربية مسؤولة عن أي نشاط فدائي ينطلق من أراضيها، وازدياد هذا النشاط يُعدّ ذريعة من ذرائع الحرب. ويضاف إلى هذا الذرائع التالية:
لقد حددت الحركة الصهيونية فكرة الأمن بشكل جغرافي وأسقطت العنصر التاريخي، وتصوّرت أنه عن طريق الاستيلاء على قطعة ما من الأرض أو على هذا الجزء من العالم العربي أو ذاك وعن طريق التحالف مع الولايات المتحدة والقوة العسكرية، فإنها تحل مشكلة الأمن وتصل إلى الحدود الآمنة، ولكن الانتصارات الإسرائيلية التي كانت ترمي لتحقيق الأمن كانت تؤدي إلى نتيجة عكسية، حتى وصلت التناقضات إلى قمتها مع انتصار عام 1967، وكان لا بد أن تُحسم هذه التناقضات، وهو الأمر الذي أنجزت القوات المصرية والسورية يوم 6 أكتوبر 1973 جزءاً منه، ثم اندلعت الانتفاضة لتبين العجز الصهيوني. “د. عبد الوهاب المسيري، مرجع سابق”.
ومع هذا تجدر الإشارة إلى أنه ثمة اختلافات داخل المعسكر الصهيوني في مدى هيمنة مقولة الأرض ، ويمكن القول إن صهيونية الأراضي الليكودية تعبير عن هذا التمركز الشرس حول الأرض وإهمال الزمان والتاريخ. أما الصهيونية الديموغرافية أو السكانية العمالية فهي تعبير عن إدراك الوجود العربي والزمان العربي وربما استعداد للتعامل معه، وإن كان التعامل يظل في إطار المنطلقات الصهيونية، وهي أن أرض فلسطين، أي (إرتس يسرائيل) في المصطلح الصهيوني، هي ملك خالص للشعب اليهودي وحده كما تنص على ذلك لوائح الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي .ولكن إن اختلف الصهاينة بشأن بعض التفاصيل فثمة إجماع صهيوني راسخ بأن أمن إسرائيل يتوقف على الدعم الغربي لها، وبخاصة الدعم الأمريكي، ولذا لا يوجد أي اختلاف بشأن هذه النقطة.
والحقيقة التي فاتت الزعامات الصهيونية أن أمن إسرائيل يمثل مشكلة كيانية، لأن إسرائيل كيان مزروع بلا جذور، ممول من الخارج من قبل يهود الغرب والدول الغربية، لا يتفاعل مع الواقع التاريخي العربي المحيط به، ولكي تُدافع إسرائيل عن أمنها، أي كيانها، يضطر الكيان الاستيطاني الشاذ إلى أن يعسكر نفسه عسكرة تامة ليتحول إلى المجتمع/القلعة الذي تجري العسكرية في عروقة والذي لا توجد فيه أية فواصل بين الشعب والجيش. وما تنساه الزعامات الصهيونية أنه بغض النظر عن مقدار الأمن الذي سيصل إليه هذا المجتمع وبغض النظر عن حجم انتصاراته، فإن عليه أن يخوض الحرب تلو الحرب ليدافع عن أمنه “المهدد” وذلك بسبب الحركة الطاردة في المنطقة. “فهمي هويدي، الموسوعة الصهيونية”.
القسم الثالث: تحديات الأمن القومي الإسرائيلي
الحقيقه أن مسـألة الأمن الخاصة بإسرائيل تتأثر بعدة عوامل يأتي في مقدمتها:
عامل الجغرافيا السياسية، وكما تشير المعطيات فإنه يحتشد حوالى 80 -90% من سكان إسرائيل في منطقة تمتد نحو 120 كلم على طول الشاطئ بين حيفا وأسدود، وهذا يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً لإسرائيل نتيجة العمق الإستراتيجي الضيق الذي يجتمع فيه غالبية السكان هناك، وما يشكله ذلك من خسائر بشرية فادحة في حال تعرضت إسرائيل لهجمات تطول تلك المنطقة الجغرافية من إسرائيل، الأمر الذي يحد كثيراً من قدرة إسرائيل على المناورة والحركة.
ويأتي عاملا نسب القوى والموقف العربي العام في سياق تهديد الأمن الإسرائيلي، إلا أن مراقبين يرون أن هذين العاملين لم يعودا يشكلان تهديداً مباشراً لاسرائيل، التي ترتبط بعملية سلام مع الأردن ومصر ورغم ذلك فهي لا تزال تواجه سوريا في وضع قلق على جانبي مرتفعات الجولان، وهذا ما يبقي الهجوم على الجبهة الشمالية لإسرائيل أكثر احتمالاً بنظر العديد من الخبراء الاستراتيجيين، نظراً لعدم تحقيق أي تقدم على طاولة المفاوضات السورية الإسرائيلية، كما أن استمرار عمليات حزب الله في مزارع شبعا وتحميل إسرائيل دمشق مسؤولية استمرار هذه الهجمات، يبقيان حالة التوتر العسكري قائمة في ظل إجماع غالبية الخبراء الإسرائيليين على أن سوريا ستستمر بالتسلح ودعم حزب الله، وستستغل أول فرصة تسنح لها لشن هجوم مباغت لاسترجاع هضبة الجولان أو جزء منها، بالمقابل لم تعد هذه الهضبة تشكل أهمية كبيرة في مفهوم السياسة الدفاعية الاسرائيلية، كما أنها لم تعد حاسمة في توفير الأمن لإسرائيل بعد التقدم الكبير في تكنولوجيا الصواريخ والمدافع التي اختصرت جغرافية المكان والزمان، سيما وأن الصواريخ الباليستية التي تدّعي اسرائيل بأن سوريا تمتلك العديد منها سيتم استخدامها بكثافة اذا ما قررت سوريا ضرب أو صد أي هجوم اسرائيلي عليها، وهذا يعني أن هضبة الجولان فقدت أهميتها كعمق جغرافي لاسرائيل، وستحل محلها الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية التي ستقوم بالدور الأساسي في حماية عمق الدولة العبرية، مع ترسخ قناعة لدى الخبراء الإسرائيليين بأن التكنولوجيا الصاروخية لا يمكن أن توفر حماية وأمناً لإسرائيل بنسبة مئة بالمئة وخصوصاً ضد صواريخ الكاتيوشا.
أما زئيف شيف المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” الاسرائيلية فيرى أن هذه المبادئ تتجسد في الاستراتيجية الدفاعية، الردع النووي الغامض ونقل الحرب الى أرض العدو، وبالمقابل يرى محللون أن ثمة سلسلة مشكلات ستظل تضع اسرائيل امام تحديات أمنية بعيدة المدى هي:
– صغر اسرائيل وقلة مواردها.
– انعزال اسرائيل من الناحية الجغرافية وضعف عمقها الاستراتيجي.
– حساسية الإسرائيليين للخسائر المدنية والعسكرية.
– رفض مجموعة من الدول العربية والاسلامية الاعتراف بشرعية إسرائيل ووجودها كدولة يهودية في المنطقة، على الرغم من أن المعطيات الراهنة تغيرت، حيث أبدى كثير من تلك الدول استعداداً للإعتراف باسرائيل، لا بل إن بعضها يقيم علاقات سرية سياسية أو تجارية معها.
– بعض دول المنطقة ترى في قدرات إسرائيل العسكرية تهديداً لأمنها ومصالحها.
– وعلى الرغم من أن هناك تطورات قلصت أو حدّت من مستويات التهديد الموجهة لاسرائيل مثل معاهدة السلام مع مصر ومعاهدة أوسلو مع الفلسطينين واتفاقية السلام مع الأردن، والنتائج المترتبة على حرب الخليج عام 1991 من تدمير البنية العسكرية العراقية التي كانت تشكل خطراً على الوجود الاسرائيلي، إلا أن إسرائيل ما زالت ترى أن هناك تهديدات متزايدة لأمنها، لأن الأمن هو الهاجس الذي تعيش فيه اسرائيل وتعتبر نفسها في تهديد دائم نتيجة صغر مساحتها الجغرافية وقلة سكانها، وترى في ذلك نقاط ضعف لا تجعلها قادرة على المجازفة بخسارة معركة واحدة خوفاً من انهيارها أو زوالها.
وكما هو معروف لدى الخبراء في الشأن الإستراتيجي فإن التحولات العميقة التي طرأت على تكنولوجيا الأسلحة العسكرية أو ما يطلق عليها “الثورة في الشؤون العسكرية”، أخذت تسبب تحدياً آخر للأمن الإسرائيلي، فمثل هذه الأسلحة المتقدمة المزودة بتكنولوجيا رفيعة وأساليب حديثة جعلت الحديث عن الدفاع والأمن القومي الإسرائيلي ومهدداته موضوع جدل سياسي عام، يجري في سياق يسود فيه قلق كبير لدى الساسة الإسرائيليين من امتلاك جماعات متطرفة أو أفراد لمثل هذه التكنولوجيا المتطورة التي تهدد أمن اسرائيل، من هنا بات الحديث عن النظرية الأمنية الإسرائيلية في سياق مختلف عما كان سائداً من قبل، في ظل ازدياد ملحوظ لكثير من الإسرائيليين حول نظرتهم للأمن سيما مع ازدياد عدم الاستقرار العالمي نتيجة تهديد الارهاب أو خطر الهجمات التي تشن بالصواريخ، وقد يكون أقلها صواريخ محلية الصنع التي تستخدمها الفصائل الفلسطينية ضد أهداف إسرائيلية، فقد أعربت إسرائيل عن خشيتها من حصول الفلسطينيين على صواريخ تهدد ملاحتها الجوية، وحسب مصادر أمنية اسرائيلية فإن هناك إمكانية تهريب الصواريخ الروسية المضادة للطائرات من طراز “ام إي 18″، التي ستزود بها سوريا الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ أن اسرائيل تعتبر وصول هذه الصواريخ للضفة الغربية تحديداً يمثل تهديداً بالغ الخطورة لملاحتها الجوية .وحسب المصادر العسكرية الاسرائيلية، فإن هناك خوفاً من أن تقوم سوريا بتزويد حزب الله بهذه الصواريخ، والذي يقوم بدوره بتهريبها لحركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة .وكانت إسرائيل قد اتهمت حزب الله بتهريب أسلحة ووسائل قتالية لحركات المقاومة الفلسطينية في الضفة والقطاع. وتحذر المصادر العسكرية الإسرائيلية من إمكانية أن يؤدي حصول الفلسطينيين على مثل هذه الصواريخ إلى تقليص قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على العمل بحرية في أجواء الضفة الغربية وقطاع غزة. ويذكر أن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق “شاؤول موفاز” قد ادّعى في وقت سابق أن حركات المقاومة قد حصلت مؤخراً على صواريخ مضادة للطائرات من طراز “ستريلا”، وشددت المصادر العسكرية الإسرائيلية على أن مستوى التهديد الذي تمثله صواريخ “إم إي 18” أكبر بكثير من الخطر الكامن في صواريخ “ستريلا”.
ونتيجة هذه العوامل التي تهدد الأمن الإسرائيلي بدأت العقيدة الأمنية الإسرائيلية في تبني سياسة التسلح في إطار يتوافق والتهديدات والمخاطر الجديدة التي تواجه إسرائيل، مركزة على المنظومة الدفاعية “صواريخ وسلاح جو” مع تجاوز لمفهوم الأرض التي لم تعد من وجهة نظر المفكرين الإستراتيجيين الإسرائيليين ذات أهمية في توفير أمن إسرائيل، بقدر ما لفتت الصواريخ بعيدة المدى أنظار الإسرائيليين وزادت من قلقهم، في ظل مخاوف المخططين العسكريين الإسرائيليين من اقتراب خطر الصواريخ الإيرانية. وبحسب هؤلاء فإن لهذه الصواريخ تأثيراً جوهرياً في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي، لذا فقد أثارت تجربة إطلاق الصاروخ الإيراني (شهاب 3) والكشف عنه في عرض عسكري في طهران عام 1998 ردود فعل إسرائيلية قوية، ولا سيما التحذيرات التي صدرت عن وزير الدفاع الإيراني آنذاك بالرد على أية اعتداءات قد تشنها إسرائيل، وظهرت دعوات لتوجيه ضربات رادعة لإيران من قبل “افرايم سنيه وعوزي لنداو” عضوي لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وتقول تقديرات عسكرية اسرائيلية إنه ستتوافر لإيران خلال السنوات القليلة القادمة صواريخ ذات مدى أطول بإمكانها حمل رؤوس نووية وضرب العمق الإسرائيلي، وقد زادت التخوفات الإسرائيلية من القدرة الإيرانية على إنتاج قنبلة نووية يوماً بعد يوم، حتى أن إسرائيل تتحرك دولياً لعرض الملف النووي الإيراني على مجلس الأمن، في وقت لم تستبعد مصادر سياسية أن تقوم إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لمحطات إيران النووية. من هنا فإن خطر الصواريخ بعيدة المدى أضاف تحديات جديدة إلى النظرية الأمنية الإسرائيلية من منطلق أن العدو القادر على مهاجمة العمق الإسرائيلي قد لا يكون بعد الآن على حدود إسرائيل .لذا واستباقاً لأية حرب ممكنة الوقوع ووفقاً للمفهوم الذي تبلور في سنوات ما بعد حرب الخليج الثانية، والتجارب الصاروخية التي تجريها إيران، رفع الجيش الإسرائيلي درجة استعداده لمواجهة خطر هذه الصواريخ عن طريق منظومة صواريخ دفاعية لاعتراض الصواريخ قبل وصولها إلى عمق إسرائيل.
الفصل الثاني
مراحل تطور نظرية الأمن القومي الإسرائيلي
المرحلة الأولى: من قيام الدولة وحتى حرب أكتوبر عام 1973
المرحلة الثانية: من حرب أكتوبر عام 1973 وحتى حرب الخليج
المرحلة الثالثة: من حرب الخليج عام 1990 وحتى انتفاضة الأقصى عام 2000
المرحلة الرابعة: من انتفاضة الأقصى عام 2000 وحتى اليوم
الإطار التحليلي لنظرية الأمن الإسرائيلي في وثيقة هرتسيليا
الفصل الثاني: مراحل تطور نظرية الامن الاسرائيلي
المرحلة الأولى: الفترة من قيام الدولة وحتى حرب 1973
افترضت نظرية الأمن الإسرائيلية دائماً وأبداً بأن الدولة تواجه خطراً يهدد وجودها من جانب الدول العربية، وأنه لا يوجد لإسرائيل حلفاء مخلصون تستطيع الإستعانة بهم لمواجهة هذا الخطر.
وانطلاقاً من هاتين الفرضيتين أسس المسؤولون عن الأمن في إسرائيل نظريتهم الأمنية على مبدأ الإعتماد أولاً وقبل كل شيء على قدرة الجيش الإسرائيلي، وليس على التسويات السياسية أو الحلفاء الخارجيين، وأن مكانة الجيش في تأمين إسرائيل ضد المخاطر لها الأهمية الخاصة في النظرية الإستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي.
ومنذ حرب 1948 تم رسم الإستراتيجية الأمنية على مبدأ الدفاع، أي المحافظة على الوضع الراهن وردع الطرف الآخر عن الحرب، ولكن في المستوى التكتيكي عند اقتضاء الأمر، توجد لدى هذه الإستراتيجية نظرية عسكرية هجومية، أي نقل الحرب إلى أرض الأعداء، وشن هجوم مسبق بقدر الإمكان، وفي ذلك يرى ديفيد بن غوريون “أن أخطر عدو لأمن إسرائيل هو الروتين الفكري لدى المسؤولين عن هذا الأمن”، وما عناه بن غوريون في هذا القول هو أن إسرائيل إذا ما اضطرت للحرب مرة ثانية فعليها أن لا تحارب في الماضي، بل في المستقبل، وأن ما نجح في الماضي ليس بالضرورة أن ينجح وأن يتلاءم مع المستقبل. إن ما دفع بن غوريون إلى هذا الرأي هو إدراكه أن بعض قادة الجيش في إسرائيل يفضلون التعايش مع إرث انتصاراتهم، ولا يرون ما يتطلبه الوقت الراهن، حيث رد عليهم في إحدى اجتماعاته بهم قائلاً: “إن الدفاع المحلي الثابت لم يعد الشيء المهم في دفاعنا، لذا يجب علينا أن نرى مشكلة الأمن وأسلوب دفاعنا بعين جديدة، ليس دفاعاً محلياً بل إقليمياً، ليس دفاعاً ثابتاً بل دفاعاً ديناميكياً، ليس أمن النقاط وإنما أمن المستوطنات والمواصلات … إن كل مصطلحات الدفاع التي كانت متبعة لدينا في الماضي أصبحت الآن قديمة ومضى وقتها … لقد تغيّر الوضع من أساسه، وإذا كنا لا نشعر بهذا التغيير فهذا ناجم فقط عن التفكير الروتيني … نحن بحاجة إلى نظرية جديدة نرى من خلالها الوضع الراهن وجميع التغييرات التى تطرأ عليه في كل آن. “آرئيل لفيتا، النظريه العسكرية الإسرائيلية: دفاع وهجوم”.
مصادر النظرية الأمنية
أعتقد أن علينا أن نتناول في هذا الفصل الدوافع المادية الأساسية لتبني النظرية الأمنية، ولأغراض التوضيح نفترض أن اختيار النظرية لم يأت مصادفة، أو أنه كان ينبع من غريزة التفكير المفرط لتقليد جيش أجنبي أياً كان.
يتركز البحث هنا على مصادر النظرية في مجموعة الفرضيات والتقديرات التي جمعت من مصادر مختلفة وتبلورت على المستويين السياسي والعسكري الإسرائيلي وأجمع الكل على نجاعتها النسبية، وتمت ملاءمتها من النواحي (الجغرافية، السياسية، الإجتماعية، والإقتصادية) وما شابه ذلك مع متطلبات وضغوطات وظروف المنطقة التى تتميز بها اسرائيل.
إن حجر الزاوية الخاص بالنظرية الأمنية الإسرائيلية يمكن العثور عليه في الفرضيات الأساسية التي صاغها “ديفيد بن غوريون”، وأن الفرضية الأساسية بين تلك الفرضيات هي (أن وجود اسرائيل بالذات معرض للخطر من جانب الأعداء المحيطين بها من كل جانب ويطمحون للقضاء عليها بكافة الطرق، أي أن الخطر هو خطر وجودي)، وقد كرر بن غوريون هذه الفرضية في مناسبات عديدة، اخترنا هنا بعضاً من أقواله لكي نتناولها بالتحليل والدراسة.
“… إن جوهر مشكلة أمننا هو وجودنا بالذات وهذا هو المعنى الفظيع لمشكلتنا الأمنية، إن هذه الحرب تهدف إلى إبادة الإستيطان اليهودي وتدميره، وإن العرب يعرفون بأنه لن تكون هناك سلطة عربية في هذه البلاد طالما بقي اليهود هنا مع أنهم يشكلون أقلية بالنسبة للعرب، وإن الهدف السياسي للعرب يستوجب القضاء على هذه الحقيقة المزعجة أي محو اليهود من على وجه هذه الأرض”. “أرئييل لفيتا، مرجع سابق”.
وانطلاقاً من هذا التعريف لمشكلة الأمن الإسرائيلية انبثقت ضرورة البحث عن الحلول والوسائل لضمان بقاء وجود الدولة العبرية.
وخلال البحث عن الحلول لمشكلة الوجود تبنّى واضعو النظرية فرضيتين أساسيتين:
الأولى: أنه لا يمكن لإسرائيل أن تعتمد على عنصر أو عناصر خارجية مهما كانت لضمان وجودها.
الثانية: أن إسرائيل لن تستطيع تسوية النزاع بالوسائل العسكرية، وأنه لن يكون بالإمكان تحقيق حسم عسكري يؤدي إلى فرض شروط إسرائيلية للتسوية في الشرق الأوسط.
وهذا ما صرح به زعماء سياسيون وعسكريون إسرائيليون منهم رابين وبيريس وشارون نفسه، وقبلهم موشيه ديان وزئيف شيف ورفائيل إيتان … وآخرون.
إن المغزى العملي لهاتين الفرضيتين هو ضرورة تأسيس أمن إسرائيلي على قوة الجيش من أجل الردع والعمل وقت الضرورة، ولكن استخدام الجيش يجب أن يكون فقط لأهداف إستراتيجية دفاعية، أي المحافظة على الوضع الراهن، ونظراً لأهمية هذه الفرضية في رسم الطريق التي يمكن للجيش أن يوفر من خلالها الأمن للدولة ويضمن بقاءها نرى أنه من المناسب التوسع في الحديث عنها.
إن الإفتراض الأساسي لدى إسرائيل هو أنها لا تستطيع أن تعتمد في ضمان أمنها على أي عنصر أجنبي، فقد تبنت إسرائيل تقدير الموقف الذي بلوره بن غوريون لدى قيام الدولة وهو أن التأييد والتعاطف والمساعدة السياسية والعسكرية التي حظيت بها إسرائيل من دول مختلفة أثناء التصويت في الأمم المتحدة على قرار التقسيم، لا يمكن أن تشكل دليلاً على استعداد هذه الدول لأن تهبّ لنجدة إسرائيل إذا تعرضت لخطر يهدد وجودها. وقد ذهب بن غوريون لتوضيح هذه الفرضية إلى تقسيم العالم إلى خمس كتل حسب علاقتها مع إسرائيل، وكانت الكتلة الأكثر تأييداً لإسرائيل في نظره هي الكتلة التي اعترفت بإسرائيل وبوجودها ولكنها في الوقت نفسه لا تبدي مبالاة بِشأن تعرض هذا الوجود للخطر، لذلك قال: “علينا أن نعي الحقيقة المجردة البسيطة والقاسية في آن واحد ألا وهي أنه بالنسبة لأمننا يجب علينا أن نعتمد أولاً وقبل كل شيء على أنفسنا فقط وعلى قدرتنا وليس على قوى خارجية …”، وقال في مناسبة أخرى: “علينا أن نعتمد على أنفسنا وعلى قوتنا نحن، ويجب أن تكون هذه القوة قادرة على الحسم … وعلينا الإستعداد للحرب من خلال الإعتماد على قدرتنا نحن … إن مصيرنا ومصير الإستيطان اليهودي والشعب والدولة اليهودية يتوقف علينا قبل كل شيء”.
ويستدل الإسرائيليون المؤمنون بهذه الفكرة بالموقف الأمريكي الضاغط على إسرائيل من أجل الخروج من سيناء عام 1956، واتفاقية الدول العظمى بشأن التنسيق في بيع الأسلحة لمنطقة الشرق الأوسط، كأمثلة على صحة هذه الفرضية.
إلا أن هذا التقدير لم يمنع بن غوريون ومن جاء بعده من زعماء إسرائيل من السعي إلى التوصل إلى تفاهمات وتعاون استراتيجي على الأقل مع دولة عظمى، وعلى سبيل المثال فرنسا في الخمسينيات ومطلع الستينيات، ومن ثم الولايات المتحدة بعد ذلك، ولكن حتى ذروة هذا التعاون ومع تلك الدول العظمى، ورغم أهميته البالغة إلا أنه لم يعتبر في يوم كضمان كاف للمحافظة على وجود الدولة، والذي يمكن أن يوفر عليها ضرورة بناء قوة دفاعية ذاتية كاملة. وذلك لأن الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط أثبتت لدى القادة الإسرائيليين بأنه لا يمكن الثقة المطلقة بتعهدات أية دولة.