الرئيسية / دراسات / العقل والحوار ودورهما في معالجة الغلوّ
sah

العقل والحوار ودورهما في معالجة الغلوّ

بقلم: ذ. أسعد السحمراني*

تمهيد وإشكاليات:

حلّت في العالم نوازل الغلوّ والتطرّف في أكثر من أمّة، وموقع، وجهة من جهات العالم أجمع، وقد تجلّى ذلك من خلال مظاهر متعدّدة منها الاستعمار الاحتلالي الذي أعطى لنفسه الحقّ في اغتصاب أرض الآخرين، واستباحة حرماتهم، ومنه الاستعمار الاستيطاني الإحلالي كما الحال في الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، ومن مظاهر ذلك نشر القواعد العسكريّة، والأساطيل الحربيّة، وانفلات الرأسمالية المتوحّشة من أيّة قيود أو ضوابط. وقد ترافق هذا كلّه مع غلوّ تحت ستار الالتزام الديني عند أكثر من فريق، أو مجموعة تلتزم فقهاً معيّناً، أو فكراً خاصاً، وقد أدّى ذلك إلى ازدياد الغلوّ، ونمو حركات التطرّف، وبروز التعصّبات الرديئة هنا وهناك.
إنّ التطرّف والعصبيات ليسا خاصّين بالمسلمين وحدهم كما ينتشر في وسائل الإعلام، بل الصحيح أن المناهج الفئويّة التعصّبيّة قد تصل إلى حدّ العنصريّة في مثل حال الصهيوأمريكان، والذين دفعت أفعالهم ومواقفهم إلى ردّات أفعال غير محسوبة النتائج.
هذه المقالة متّجهة إلى المسلمين لتدرس مكانة العقل والحوار ودورهما في معالجة الغلوّ والتطرّف والتعصّب.
ومن مقاصد المقالة دفع المفتريات عن الإسلام الذي أساء له غلاة من المعادين له أو ممن ينتمون إليه، لأن الإسلام يمقت الغلوّ، ويؤسّس لبنيان اجتماعي قاعدته المركزيّة الرحمة.
يصل الكلام بعد هذا التقديم إلى إشكاليّات منها:
1- هل يقبل الإسلام، دين الرحمة، الغلوّ والتطرّف والتعصّب؟
2- ما هو دور العقل في تحقيق الفهم السليم للإسلام وإزالة الجهل أو مستوى نصف المتعلّم الذي يسبّب التطرّف؟
3- هل يستطيع المنهج الحواري حول موضوعات المشترك الإنساني التأسيس للتعارف الذي يبني علاقات فيها قبول الآخر والإقرار بالتنوّع؟
4- إذا كانت العقلانيّة والحواريّة من الإسلام، ولهما حضور فيه فما الذي عطّلهما ممّا ولّد الحالات التعصّبيّة والعنفيّة التي زرعت فتناً هي أكبر من القتل وأشدّ منه إيلاماً، وهل تزيد الفتن عن القتل في التخريب والدمار وإهلاك الحرث والنسل؟
العقل أكرم مخلوق:
الإنسان كائن عاقل، وقد ميّز الله -تعالى- الإنسان بنعمة العقل، والعقل أساس المعرفة والعلم، وهو مناط التكليف. عند مراجعة “لسان العرب” نجد فيه: ” عقل: العقل: الحِجْر والنهى ضدّ الحُمق… ابن الأنباري: رجل عاقل؛ وهو الجامع لأمره ورأيه، مأخوذ من عقلت البعير إذا جمعت قوائمه، وقيل: العاقل الذي يحبس نفسه ويردّها عن هواها، أُخِذ من قولهم: قد اعتُقِل لسانه؛ إذا حُبِس ومُنِع الكلام… والعقل: التثبّت في الأمور… وسمّي العقل عقلاً لأنّه يعقل صاحبه عن التورّط في المهالك، أي يحبسه، وقيل: العقل: هو التمييز الذي به يتميّز الإنسان من سائر الحيوان… وعقل الشيء يعقله عقلاً: فهمه.”[1] إنّ استعراض المعاني والمدلولات التي تقع في دائرة العقل، -وقد مرّ ذكرها- تبيّن أهميّة العقل في الفهم، والضبط، وتجنّب المخاطر، وجعل اللسان في حالة راقية في أساليب التعبير، وبذلك كان العقل دلالة على انتفاء كلّ أشكال الجهل والحُمق، فهو النهى والرشاد.
وقال الزمخشريّ: “عقل فلان بعد الصبا، أي: عرف الخطأ الذي كان عليه.”[2] فالعقل قوّة اكتساب العلوم والخبرات، وهو قوّة مراجعة للأقوال والأفعال كي يصار بعدها إلى تحديد ما هو صواب لتثبيته، وما هو خطأ لتصويبه.
والعقل مناط التكليف، فإذا فقد إنسان عقله بات غير مؤاخذ ولا محاسب ولا يكون مكلفاً بعبادة، ولا هو مسؤول عمّا يفعل، وفي المأثور: “إذا أخذ الله -تعالى- من الإنسان ما وهب سقط ما وجب.”
أمّا الحديث النبويّ الشريف فقد جاء فيه: “حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي، وأفادنيه أبو الحسن الدارقطني، حدّثنا سهل بن المرزبان بن محمد ابو الفضل التميمي الفارسي- سنة تسع وثمانين ومائتين- حدّثنا عبدالله بن الزبير الحميدي، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت:
حدّثني رسول الله-تعالى- عليه الصلاة والسلام أنّ أوّل ما خلق الله سبحانه وتعالى العقل، فقال: أقبل فأقبل، ثمّ قال: أدبر فأدبر، ثمّ قال: ما خلقت شيئاً أحسن منك، بك آخذ، وبك أعطي.
ثم قال رسول الله-تعالى- عليه الصلاة والسلام: من كان له واعظ من نفسه كان له من الله تعالى حافظ.”[3] نعمة العقل هذه التي خصّ بها الخالق سبحانه الإنسان هي التي جعلته مؤهّلاً للتعلّم، وقد بيّن الحقّ سبحانه ذلك في قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون. وعلّم آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين.﴾ (سورة البقرة، الآيتان: 30، 31).
ما عِلْمُ الأسماء الذي علّمه الله – تعالى- لآدم الإنسان الأوّل؟ الجواب: كلّ شيء أو مخلوق له اسم يتميّز به ويُعرف به، ولكلّ اسم مفهوم، وكلّ مفهوم ينشأ عنه حالة من الإدراك، وكلّ إدراك يتشكّل بكلّ مكوّناته وعياً، والوعي بمجموعه تتبلور منه الفكرة ويكون الإنسان بسبب ذلك مفكراً، والمفكّر من اكتسب معارف وعلوماً، والمعارف والعلوم تمكّن صاحبها من الموازنة والتأمّل تمهيداً للترجيح، والاختيار الإرادي، فيصدر عن ذلك القرار بأمر معيّن، والقرار المفكر فيه، والمبني على العلم والخبرة هو الذي يكون بعده السلوك القويم والفعل المثمر، وبذلك يكون العقل الآدمي المستعدّ لقبول علم الأسماء هو الأساس والمرتكز لما هو سليم من القول والسلوك، ولما هو راقٍ من الفكر والعقل.
إنّ المشكلة هي عند قبيل من الناس تمكّن منهم الجهل، والتزموا السّفه، وهؤلاء عطّلوا عمل العقل بمهامه المتعدّدة والمتنوّعة التي شاء الله -تعالى- فكان ما فعلوه نذير شؤم، حيث حمل هذا القبيل من أبناء الأمّة مفاهيم منهجها التهويل أو التهوين، واتّبعهم أغرار من الناس، والدهماء الذين لا يفرقون بين الناقة والجمل، فكان بسبب ذلك ما يغشى الساحات في هذه الآونة.
لقد شكّل كتاب: (التفكير فريضة إسلاميّة) لعبّاس محمود العقّاد مادّة فيها الفوائد في هذا الباب. وإذا كان الرشد من علامات البلوغ والنضج، ومن سمات الشخصيّة المتّزنة القويمة قولاً وفعلاً، فإنّ العقل الرشيد معه أنواع أخرى من العقل والتعقّل.
قال العقّاد: ” ومن أعلى خصائص العقل الإنساني: (الرشد) وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد، ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع، والعقل المدرك، والعقل الحكيم، لأنّها استيفاء لجميع هذه الوظائف، وعليها مزيد من النضج، والتمام، والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال، وقد يؤتى الحكيم من نقص في الإدراك، وقد يؤتى العقل الوازع من نقص في الحكمة، ولكن العقل الرشيد ينجو به من هذا وذاك.”[4] العقل الوزاع يجعل الإنسان في مأمن من الزلل أو الانحراف، ومن عطّل عقله الوازع يسقط في مهاوٍ لا تحمد عقباها، وبهذا يكون المطلوب من الإنسان الفرد أن يستحضر عقله الوازع كي يضبط سلوكه وكلّ ما يصدر عنه، والعمليّة التربويّة محتاجة لتغذية النداء الداخلي في كلّ فرد (الضمير)، ومن ثمّ يكون الواجب تعزيز قدرات العقل الوازع على المستوى الجمعي لتسير المجتمعات في صيرورتها باتّجاه بعيد من المفاسد والفتن، ومن أمراض التعصّب والتطرّف.
ممّا جاء في النصوص القرآنية:
﴿وقالوا لو كنّا نسمع أو نعقل ما كنّا في أصحاب السعير.﴾ (سورة الملك، الآية 10)
﴿ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحقّ ذلكم وصّاكم به لعلكم تعقلون.﴾ (سورة الأنعام، الآية 151)
وتأتي آياتٌ كثيرة فيها أمر أو نهي أو زجر، وفيها استنهاض لعزائم العقل، والتوجيه إلى التعقّل كي يتحقّق التزام الإنسان ذي العقل الوازع بالشريعة، وبمنظومتها القيميّة في كلّ صغيرة وكبيرة، وفي هذا تأكيد على أنّ من أراد أن يكون من أهل الهدى والرشاد ليس أمامه إلاّ التعقّل طلباً للوازع الضابط لما يصدر من الإنسان، وعندها لن يكون من أقوال هذا الإنسان إلاّ ما تمثّل فعلاً في سلوكه.
“وهذا عدا الآيات الكثيرة التي تبتدئ بالزجر وتنتهي إلى التذكير بالعقل، لأنّه خير مرجع للهداية في ضمير الإنسان.”[5] كقوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون.﴾ (سورة البقرة، الآية 44)
لكنّ العقل الوازع محتاج لقدر من الوعي والفهم، وهذا يكوَّن بالإدراك مع عدم الوقوف عند مجرّد الإدراك بل أن يتّبع الإدراك فهم، فوعي، فمعرفة، وعلم. وقوله تعالى: ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كلّ من عند ربنا وما يذّكر إلا أولو الألباب.﴾ (سورة آل عمران، الآية 7). فالإدراك له حدود أمّا الفهم والتعقّل والتأمّل فلا حدود لها، وهي تقدّم جديداً في عالم الفكر والعلم.
بعد ذلك يأتي دور الحكمة والعقل الحكيم، لأنّ الحكمة تجعل المفاهيم ثاقبة، والمواقف متأنّية، والخيارات متوازنة فالحكمة نعمة كبرى لا مكان معها للسّفه أو الحمق، وقال الله -تعالى- بشأنها: ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا وما يذّكر إلا أولو الألباب.﴾ (سورة البقرة، الآية 269).
يأتي بعد ذلك الدور للعقل الرشيد، لأنّ هذا العقل مستوعب لكلّ خصائص العقل الوازع، والعقل المفكّر، والعقل الحكيم، وهو عقل اجتمعت لصاحبه سمات الإيمان والعلم الراجح، والخبرة بشؤون الحياة، هذا مع التأنّي والتأمّل والموازنة بين المواقف، وصاحب العقل الرشيد من كان في موقع المرجعيّة، ومن ازدادت به الثقة.
وتحضر هنا حكاية النبي موسى عليه السلام وهو الكليم حين التقى العبد الصالح صاحب العلم اللّدنّي (علم إلهامي سديد من مصدر ربّاني)، وعندما التقيا أنطق الله -تعالى- موسى عليه السلام بما جاء في الآية الكريمة: ﴿قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً.﴾ (سورة الكهف، الآية 66)
هذه الرحلة مع العقل الذي يكون نهجه بصيرة ونظر ومعارف هي التي تجعل الإنسان حرًّا من كلّ قيد دنيويّ المصدر، بل هو عقل متّجه إلى الله -تعالى- موحّداً خاضعاً طائعاً، وبالمقابل لا يقبل قيداً من مصدر دنيوي فالإسلام لم تقم فيه العبادة على الهياكل لأنّ كلّ موقع في الأرض صالح للسجود، والمسلم مطالب أن يتّجه إلى ربّه تعالى مباشرة، ولا وسائط. وقوله تعالى: ﴿واذا سألك عبادي عنّي فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعانِ﴾ (سورة البقرة، الآية 186).
ويفيد هنا أن يعود البحث إلى العقّاد الذي قال: ” لا  هيكل في الإسلام، ولا كهانة حيث لا هيكل… فكلّ أرض مسجد، وكلّ من في المسجد واقف بين يدي الله -تعالى- ودين لا هيكل فيه ولا كهانة لن يتجه فيه الخطاب – بداهة- إلى غير الإنسان العاقل حراً طليقاً من كلّ سلطان يحول بينه وبين الفهم القويم والتفكير السليم.” [6] إنّ الجهل والسّفه عاملا تخريب ومنهما نشأت وتنشأ ظواهر الغلوّ والتعصّب، عطفاً على عوامل أخرى. لقد نبّه الإمام محمّد عبده إلى هذا بقوله: “إنّ أعدى أعداء العليم هو الجاهل، وأعدى أعداء الحكيم هو السّفيه، وما تقرّب أحد إلى الله -تعالى- بأفضل من العلم والحكمة.”[7] إنّ المشكلة في قبيل عطّل دور العقل منبهراً بالأجنبيّ، وبالوافد المسموم، وبقبيل آخر عمد إلى الجمود متذرّعاً بالمحافظة والتزام الموروث حتّى لو لم يبقَ له حضور. وبداعٍ من هذين الاتّجاهين انقسم الناس غير الأسوياء بين جامد رافض لكلّ تقدّم ولكلّ جديد، وبين جامد متنكّر لكلّ القيم والذمم والخصائص والخصوصيّات. ولشكيب أرسلان كلام طيّب في هذه المسألة قال فيه: ” ومن أكبر عوامل انحطاط المسلمين: الجمود على القديم، فكما أن آفة الإسلام هي الفئة التي تريد أن تلغي كل شيء قديم، بدون نظر فيما هو ضار منه أو نافع، كذلك آفة الإسلام هي الفئة الجامدة التي لا تريد أن تغيّر شيئاً، ولا ترضى بإدخال أقلّ تعديل على أصول التعليم الإسلامي ظنّاً منهم بأنّ الاقتداء بالكفار كفر، وأن نظام التعليم الحديث من وضع الكفار.
فقد أضاع الإسلام جامد وجاحد.
أمّا الجاحد فهو الذي يأبى إلاّ أن يفرنج المسلمين وسائر الشرقيين، ويخرجهم عن جميع مقوّماتهم ومشخصاتهم، ويحملهم على إنكار ماضيهم.”[8] وقال أرسلان: ” وبقي علينا المسلم الجامد، فإنه ليس بأخفّ ضرراً من الجاحد وإن كان لا يشركه فى الخبث وسوء النية، وإنما يعمل ما يعمله عن جهل وتعصب. فالجامد هو الذي مهّد لأعداء المدنية الإسلاميّة الطريق لمحاربة هذه المدنية محتجين بأنّ التأخر الذي عليه العالم الإسلامي إنّما هو ثمرة تعاليمه. والجامد هو سبب الفقر الذى ابتلي به المسلمون لأنه جعل الإسلام دين آخرة فقط. … والجامد هو الذي شهر الحرب على العلوم الطبيعيّة والرياضيّة والفلسفيّة وفنونها وصناعاتها بحجّة أنّها من علوم الكفّار، فحرم الإسلام ثمرات هذه العلوم.”[9] إنّ الجامدين الذين تسلّحوا بعقيدة التقليد حذو النعل بالنعل، لم يفطنوا – على ما يبدو- أنّ الإسلام قد ذمّ التقليد بلا تمحيص وتدقيق للموروثات عند غير المسلمين وبذلك فإنّه لن يقبله للمسلمين، والآيات القرآنية التي جاءت تبيّن ذلك كثيرة منها قوله تعالى: ﴿قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين.﴾ (سورة الأنبياء، الآية 53) هذا ما جاء بلسان قوم إبراهيم عندما سألهم عن الأصنام التي يعبدونها فلم يجدوا ما يبرّرون به فعلتهم سوى حجّة تقليد السلف والتزام الموروث رغم أنّه موروث يحمل من يلتزمه إلى الشرك والضلال. وقال تعالى: ﴿ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أَوَ لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون.﴾ (سورة البقرة، الآية 170)
وقال تعالى:﴿ إنهم ألفوا آباءهم ضالين. فهم على آثارهم يهرعون.﴾ (سورة الصافات، الأيتان 69، 70)
إنّ الموانع التي تسدّ سُبُل التقدّم الفكري، وتقود إلى الجمود الذي يؤسّس للتخلّف فالموت، إنّما هي من مصدر التشبّث بالموروثات التي تحتاج لدراسة معمّقة مع تمحيص وصولاً إلى التصفية والتنقية. فالتقليد للسلف دون اعتماد الفحص والدراسة مانع للتجديد والتحديث، ويزداد خطره إذا خضع الناس لهيمنة السلطان المستبدّة باسم الدين أو المذهب أو الحكم أو الملك، لأنّ الجامد الجاهل، والخائف الجبان لا يمكنهما أن يصنعا التحرّر ولا التقدّم.
إنّ تعطيل العقول من سمات حركات الغلو والتطرّف لأنّ عقلاً مستنيراً لا يستطيع نصف متعلّم أو جاهل أن يسيطر عليه. هذا يوجب على قادة الرأي والمربّين أن يعملوا لكسر رابطة التقليد، ونفض غبار الجمود، وأن لا يقرّ الإنسان بالعبودية لغير الله تعالى.
فالإسلام الذي كان فيه أوّل كلمة في الوحي: “إقرأ”، لا يقرّ بجهل ولا جمود ولا تقليد أعمى. وإذا أعطي الكلام من جديد للعقاد فإنّه قال في هذا الشأن: ” أكبر الموانع في سبيل العقل عبادة السلف التي تسمّى بالعرف، والاقتداء الأعمى بأصحاب السطلة الدينية، والخوف المهيمن لأصحاب السلطة الدنيوية.
والإسلام لا يقبل من المسلم أن يلغي عقله ليجري على سنّة آبائه وأجداده، ولا يقبل منه أن يلغي عقله خنوعاً لمن يسخّره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين، ولا يقبل منه أن يلغي عقله رهبة من بطش الأقوياء وطغيان الأشداء.”[10] هذا هو الداء الدويّ الذي انتشرت عدواه بين مجموعات كثيرة في المجتمع فكان فتّاكاً لا بل مهلكاً، وقد انساق كثيرون إلى العصبيّة المنتنة، والجهالة العمياء طاعة لأمراء مجموعات لا يأتمنهم عاقل على بضائع حانوت صغير، فكيف يكون مقبولاً أن يؤتمنوا على الدين؟ أو كيف يجوز أن يؤتمنوا على الأجيال والدماء والحرمات؟
نتائج تعطيل العقل، والاستسلام لغلاة لا نصيب لهم في الفقه والعلم بادية للعيان حيث تجوّل البصر والبصيرة، ولا علاج إلا بالفكر الرشيد الذي يستطيع أن يقود سفينة النجاة إلى شواطئ الأمان، والذي يقود الأمّة إلى التقدّم والفلاح، وهو الذي يؤصّل شخصيّة الفرد والمجتمع على الوسطية التي هي هويّة الأمّة، هذه الوسطية التي لا تقبل الإفراط أو التفريط ولا التهويل أو التهوين، بل فكر مستنير، وعقل رشيد، وميول متوازنة، وسلوك قويم، هذا ما وجّهت إليه الآية الكريمة ﴿وكذلك جعلناكم أمّة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً.﴾ (سورة البقرة، الآية 143)
إنّ العنت الذي نتج من فعل الجهالة والجمود والتطرّف دفع كثيرين كي يحتكموا إلى غير الإسلام، حيث أشاع المتطرّفون حرجاً وتضييقاً وتشدّداً في غير مكانه، وهو تشدّد يتمسّك بالشكل ولا ينفذ إلى المضمون ممّا يدفع إلى خلاصة هي: “إنّ المبالغة في الشكل والمظهر دليل على فراغ في المضمون والجوهر.”
وقد قال الإمام محمّد عبده تحت عنوان: (جناية الجمود على الشريعة وأهلها): “هذا الجمود في أحكام الشريعة جرّ إلى عسر حمل الناس على إهمالها. كانت الشريعة الإسلاميّة أيّام كان الإسلام إسلاماً سمحة تسع العالم بأسره، وهي اليوم تضيق على أهلها، حتّى يضطرّوا إلى أن يتناولوا غيرها، وأن يلتمسوا حقوقهم فيما لا يرتقي إليها، وأصبح الأتقياء من حملتها يتخاصمون إلى غيرها.”[11] هذا التضييق والإفراط بالتمسّك بالموروث أيًّا كان أدّى إلى مفاهيم تخالف كون الإسلام دين الرحمة والسماحة. وقد بات مسلمون يعانون من الآثار السلبيّة للتطرّف والجمود والجهل. ويفيد في هذا السياق ذكر قصّة جرت هذه وقائعها: “قصدت أم لفتاة جامعيّة عالماً في مركز عمله في إحدى كليّات الدراسات الإسلاميّة والشريعة، وعندما قابلته سألته عن الجواب على حالة حصلت بينها وبين ابنتها الجامعيّة. وما قالته المرأة: يا شيخ لقد قالت لي ابنتي بالأمس كلاماً غريباً لم أتوقّعه، وكنّا معاً في لقاء ثنائيّ، وسؤال الفتاة هو: يا أمّاه! ألا يوجد دين أرحم من الإسلام بالمرأة كي ندخل فيه؟.”
هذه الواقعة واحدة من كثير الحوادث والمواقف، والذي أوصل إلى هذا جامدون مغالون فهمهم قاصر عن فقه أحكام الإسلام. فليتأمّل العقلاء في حال الأمّة اليوم؛ حيث انتشر الغلاة والمتطرّفون والتكفيريون، وقد عاثوا في البلاد ظلماً وانتهاكاً للدماء والحرمات متستّرين بالدين الذي هو براء منهم، وهؤلاء زرعوا الإرهاب والخوف والدمار والتخريب، وأفرحوا أعداء الأمّة الصهيوأمريكان وغيرهم وقدّموا لهم خدمات يعجز الأعداء عن تحقيقها.
وإذا راجع العالم الرشيد سيرة هؤلاء يصل إلى نتيجة هي: إنّ من يشكّلون هذه المجموعات التي تحرس التخلّف وتنشر الفساد، إنّما هم من الجهلة أو ناقصي العلم، والصنف الثاني أشدّ خطراً.
وقد قال شكيب أرسلان في هؤلاء: ” من أعظم أسباب تأخّر المسلمين الجهل، الذي يجعل فيهم من لا يميّز بين الخمر والخل، فيتقبل السفسطة[12] قضية مسلمة ولا يعرف أن يرد عليها.
ومن أعظم أسباب تأخر المسلمين العلم الناقص، الذي هو أشد خطراً من الجهل البسيط، لأن الجاهل إذا قيض الله-تعالى- له مرشداً عالماً أطاعه ولم يتفلسف عليه، فأما صاحب العلم الناقص فهو لا يدري ولا يقتنع بأنه لا يدري، وكما قيل: ابتلاؤكم بمجنون خير من ابتلائكم بنصف مجنون، وأقول:
وابتلاؤكم بجاهل، خير من ابتلائكم بشبه عالم.”[13] نعم إنّه بلاء عظيم ذلك الجهل، والأفهام المغلوطة التي تشوّه الفكر، وتشوّش العقيدة، وتفسد الآراء، ويكون سبب ذلك تضليل يتيه أصحابه عن جادّة الصواب. إنّ أنصاف المتعلّمين أو أشباه العلماء هم من لا يتقن سوى فنّ المظهر مع إهمال للجوهر فتجدهم يكتفون بالشكليّات، ويقودون معهم العامّة إلى ما نراه ونلاحظه من مفاسد جمّة، من جملتها التكفير وما يترتّب عليه من سفك الدماء واستباحة الحرمات. ومكمن الخطر وجود تيّار يمشي مخدوعاً إلى غير المقاصد السليمة قد أُعطي إمكانات من الإعلام والسلاح والمال وظّفها من أجل تجنيد المرتزقة ممّا عطّل دور العلماء المستنيرين إمّا بسبب ما نشروه من إرهاب قولي وفعلي، وإمّا لأنّهم عطّلوا العقول عندما ملأوا البطون والجيوب.
قال الشيخ محمّد الغزالي معلّقاً على ذلك: ” إنّ هذه الأسباب هي التي قادت إلى بروز ما تشهده المجتمعات الإسلاميّة والعربية من ظواهر الغلوّ والإرهاب والعنف والتي سفكت دماءً، وهدّمت مؤسّسات وزرعت الرعب هنا وهناك، كما أنّ الجهلة من العوام الذين يسيئون للدين بمفاهيمهم الخاطئة وعلومهم المرتجلة يمارسون شكلاً من أشكال التسلّط والديكتاتوريّة على العلماء المستنيرين الذي كثيراً ما يحجمون عن إعلان موقف، أو إطلاق مبادرة لا لشيء إلا لخوفهم من استغلال من قِبل العوامّ في غير ما يقصده صاحب الموقف أو المبادرة.”[14] إنّ تعطيل العقول مع الإرهاب والغلوّ سهّل الطريق لأطر حركيّة متطرّفة تعيث في الأرض فساداً، وتشوّه صورة الإسلام دين الرحمة والسماحة، وتعطي صورة بشعة عن المسلمين عندما تصوّرهم بأنّهم إرهابيين وقتلة، وتضعف الأمّة من خلال الفتن والاحتراب الداخليّ ممّا يجعل الأمّة العربيّة والعالم الإسلامي طعماً لمن أراد من الصهيوأمريكان وسواهم. لذلك يصحّ القول: “وهذه الأطر الحركيّة يتبنّاها الأعداء ويموّلونها لأنّها تخدمهم من خلال العبث بالوحدة الوطنيّة، وزرع الفوضى وعدم الاستقرار، وكذلك ستؤدّي إلى توليد حالات عنف مماثلة أو مقاومة لهم، وهكذا يُدخلون المجتمعات في النزف الدموي بكلّ ما يحمله من مخاطر. هذه الأطر الحركيّة المتطرّفة تنفرد بطرح مفاهيم تتستّر وراء الشعار الديني لتخفي تعصّبها وأحقادها وعنفها، علماً أن ما يطرحونه أو يمارسونه يخالف جوهر الدين الذي يقوم على السماحة والرحمة، والذي يحدّد ميادين وظروف استخدام القوّة.”[15] الحوار ضرورة للنسيج الاجتماعي:
يشكّل الحوار الركن الرئيس في التأسيس لمجتمع يتحقّق لنسيجه الاستقرار، لأنّ الحوار قاعدة التواصل، ولا اجتماع بشري بلا تواصل، والحوار تنجلي من خلاله الحقائق، وتتبيّن المواقف، والحوار يقرّب بين الأفهام والمفاهيم، وتوقّف الحوار أو انقطاعه يولّد الشحناء والفتن، وينفرط بتوقّف الحوار العقد الاجتماعي، وتفكّك عرى المجتمع من الأسرة إلى الأمّة.
والمراقب الخبير لحال اجتماعنا البشريّ الإسلامي يلاحظ ما يعتريه من أنواع البلاء بأشخاص منفعلين غير فاعلين، وبمتعالمين بعيدين عن العلمائيّة، وبفاسدين مفسدين يحاضرون في الأخلاق والعفّة، وبخانعين للمستبدّ والغاصب يجهرون بأصوات مشحونة بمزاعم الحريّة والتحرّر، ومن البلاء مرتزقة يتزيّون بزيّ العلماء، وهم جهلة أو ناقصو المعرفة يسخّرهم الأعداء ليخدموهم في الحلّ والترحال.
لذلك كان الحوار ضرورياً لوصل ما انقطع، ولردم الفجوات التي باعدت بين الناس، وهي فجوات أحدثتها الطائفيّة البغيضة، والعصبيّات الرديئة، والفئويّات المقيتة.
الحوار لغة: “الحَوْرُ: الرجوع على الشيء وعنه…  الحَوْرُ التَّحَيُّرُ، والحَوْرُ: الرجوع…  والحَوْرُ: النقصان بعد الزيادة، لأَنه رجوع من حال إِلى حال، وفي الحديث: (نعوذ بالله من الحَوْرِ بعد الكَوْرِ.) معناه من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من فساد أُمورنا بعد صلاحها.”[16] وفي معجم النفائس الكبير: ” حاوره محاورة وحواراً: جاوبه وراجعه الكلام… تحاور القوم تحاوراً: تراجعوا الكلام وتجاوبوا.”[17] غرض هذه الوقفة اللغويّة هو التمييز بين مصطلحات متقاربة هي: الجدل، والمناظرة، والحوار. فالجدل أساسه ثبات على الموقف الذي يلتزمه إنسان يحاول استمالة الطرف الآخر إليه دون تراجع ولا تنازل. والجدل نوعان: جدل محمود، هو الذي تكون فيه الدعوة للعقيدة السليمة والفكر القويم والقيم السامية، والجدل المذموم؛ هو الذي يقوم على فكر عقيم ومفاهيم فاسدة.
والمناظرة مرادّة بين طرفين غايتها جلاء الحقيقة وبيانها، والمناظر يهمّه المعرفة اليقينيّة، ولا يبالي سواء ظهرت الحقيقة على يديه أو على يدي غيره.
والحوار وهو العنوان الذي يعالجه المقال إنّما أساسه مرادّة بالكلام بين طرفين مع استعداد كلّ منهما للمراجعة، والتراجع أو التنازل حيال ما يطرحه الآخر من أجل التأسيس لمساحة مشتركة، هذه المساحة هي اللقاء على المشتركات التي تجمع ولا تفرّق، وتوحّد ولا تبدّد، وتصنع الألفة وتقاوم الفتنة. فلا اجتماع بشري مستقرّ دون حوار إيجابي يضع أصحابه نصب أعينهم التعارف والتلاقي.
“الحوار إذاً، أخذ وردّ في الكلام بين طريفين يبدأ من طرح لفكرة يبدأ منه أحد الطرفين، فيقوم الطرف الآخر بتمثّل هذا الطرح، ويردّ عليه فينتج من ذلك تجاوب يولّد عند كلّ من الطرفين مراجعة لما طرحه الطرف الآخر، ولذلك يكون المحاور مستعدًّا للتراجع أو التنازل عن بعض مواقفه، أو بعض ما في مواقفه؛ أو أنّه يكون مستعدًّا للتحوّل من حال إلى حال.”[18] وهناك من يميّز بين الحوار والمساجلة فالحوار فعل إيجابي، أمّا المساجلة فهي سلوك سلبي عماده المخاصمة والمنازعة، وهو بكلمة: حرب كلاميّة. “فالحوار يفترض استعداداً مبدئياً و معلناً و مقبولاً من كل طرف لقبول حجّة الطرف الآخر إن أصابت موقع الحقيقة وكبد الصواب. والحوار يفترض قبول كل طرف لتعديل مواقفه التي كان عليها قبل بدء الحوار إلى مواقف أخرى جديدة يثبت الحوار صدقها. أمّا المساجلة فهي شيء آخر مختلف تماماً يقف على نقيض الحوار. إنها حرب الآراء والكلمات والصرخات تستخدم فيها كلّ فنون الحرب المعروفة مشروعة كانت أم غير مشروعة. غاية الحوار هي بناء موقف جديد أكثر تقدماً ونضجاً وعقلانية من الموقف الفكري السابق على الحوار. أمّا غاية السجال فهي هدم أفكار الطرف الآخر، و لا بديل عن ذلك، و دون ذلك الحرب و الخصومة و القتال.”[19] الحوار الإيجابي الذي ينزع فتائل الفتن والعداوة، ويؤسّس للتعارف والتواصل ضرورة حيث ارتفع سيل الغلو، وبات في مستوى يجرف الكثير من الأبرياء، وقد شكّل هذا الغلوّ مناخاً إرهابياً أو حالة من الرهاب (فوبيا) أفسدت النسيج الاجتماعي في أكثر من موقع في الأمّة.
أما الأصل فإنه التواصل المؤسّس على الفهم السليم للدين، والفكر القويم في مختلف الحقول والميادين. فالحوار المطلوب هو ما يكون في السياسة، والإدارة، والاقتصاد، وشؤون الأسرة، وحقوق الإنسان وكرامته، والمثل والقيم، والبيئة والفنّ… الخ، والشرط الرئيس أن ينطلق الحوار من ثوابت ومعايير واضحة، وأن تكون مقاصده سامية، وأن يعتمد كلّ المطلوب في آداب الحوار من العلم والتواضع واحترام الآخر المحاور والابتعاد عن السخرية والعناد العقيم المعطّل للحوار.
ويأتي السؤال: لماذا الحوار ضرورة؟
الجواب هو: “إنّ التواصل ضروري بين الناس على تنوع عقائدهم، وتعدد أفكارهم، وتقارب قيمهم أو تباعدها، وهذا نتيجة التنوع في اللغة والثقافة والميول والمقاصد، وهذا التنوع آية ربّانية حيث الناس من أصل واحد، ومع ذلك توزّعوا وأصبح الاختلاف سنّة كونيّة، لكن العيش الكريم الذي يؤمِّن سعادة الإنسان المستخلف في الأرض يحتاج إلى مواقع للقاء وفق أسس وقواعد وضوابط، ولا يكون ذلك بدون أساليب للتواصل أبرزها ثلاثة هي: الجدل، المناظرة، الحوار، كلّ ذلك تمهيداً للتعارف، لأنّ العلاقات التي تقوم على التعارف هي العلاقات التي تكتسب صفة الاستمراريّة، أمّا ما قام من العلاقات على الجهل بالآخر فإنّها ستنفكّ، وستكون نتائجها غير مرضية.”[20] لقد جاء الأمر الإلهي موجّهاً العلاقات إلى قاعدة التعارف، وذلك في قوله تعالى: ﴿ياأيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير.﴾ (سورة الحجرات، الآية 13)
التعارف مرتكز رئيس لقيام علاقات سليمة، وخلاف التعارف من التصادم والتناكر يفسد كلّ ودّ، وكلّ علاقة بين طرفين أو أكثر. ولا اجتماع بشري تستقيم أحواله دون حوار غرضه التعارف تمهيداً للتقارب فالتلاقي فالتآلف. إنّ تحويل الكلام بين طرفين إلى منحى فيه غلوّ وتعصّب هو ما جعل التناكش مكان التناقش، والتناكر بدل التعارف، والقطيعة بدل الاتصال.
تأسيساً على ما تقدّم “يكون الحوار بين الناس ضرورة، وهذه الضرورة ملازمة لوجود الإنسان ولمسيرته في هذه الحياة الدنيا التي استودعه الخالق سبحانه فيها، كما أنّ الحوار يجب أن يكون منهجاً لرسم العلاقات وتأطيرها، ولا يمكن لأحد أن يتصوّر اجتماعاً إنسانياً من اثنين من الأسرة، فالمحلّة، فالقرية، فالمدينة، فالوطن، فالأمّة إلى العالم بأسره، وليس فيه حوارات حول أمور متعدّدة، وبصيغ شتّى، منها السلبي ومنها الإيجابي، ومنها المتوافق، ومنها المتعارض أو المتناكر… الخ.
… فالحوار لا تكون فيه معاندة، بل منهجه يستلزم أن يدخله الأطراف، وعندهم الجاهزيّة للتنازل أو للتراجع عما يبيّن لهم الآخرون عدم جدواه، أو الاستعداد للانتقال إلى ما يطرحه الآخر، إذا كان ما يطرحه محقًّا في مواجهة باطلٍ ما. وقد أسّس اللغويّون لهذا حين قالوا: المحاورة، المجاوبة، والتحاور؛ التجاوب والمتجاوب هو من هجر السلبية والمعاندة والتعصّب للرأي ليأخذ بما يبدو له عند الحوار مع آخرين أنّه الصواب والحقّ.”[21] الحوار المطلوب هو في المشترك الإنساني، والحوار الممكن هو ما كان حواراً بين الحضارات يتمّ فيه تبادل الإنجازات والخبرات والاكتشافات والاختراعات، أو أن يكون حواراً بين أتباع الأديان والمعتقدات في المشترك الإنساني. وهناك ملاحظة هي: الخطأ الجسيم في تداول مصطلح (حوار الأديان). فدين لا يتحاور مع دين لا في العقيدة ولا في العبادات، والصحيح أن أتباع الأديان والمعتقدات يتحاورون في المشترك الإنساني كالمواطنة والسياسة والاقتصاد وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وحقوق الطفل والبيئة وما إلى ذلك من الموضوعات.
أمّا بشأن معالجة الغلوّ والتطرّف فإنّ الحوار ضروري بين الحكماء والخبراء من أهل العلم، ومن هم في موقع القيادة، ومعهم المربّون، كي يصوغوا الخطط والمشاريع لمعالجة الآثار الكارثيّة للتطرّف؛ لذلك تكون ضرورة الحوار من أجل إنضاج الأفكار والمشروعات العلاجيّة لداء الغلوّ المقيت. وإذا كان التفكير فريضة فإنّ الحوار واجب لا تثمر فريضة التعقّل والتفكير بدونه.
يخلص الكلام في الحوار إلى سؤال هو: ما مقاصد الحوار؟
“الجواب هو الآتي: إنّ مقاصد الحوار الأساسيّة تتمحور في ميدان تحقيق كرامة الإنسان المستخلف في الأرض، والارتقاء في كلّ الأمور التي تخصّه من المعتقد، إلى الحريّات العامّة، والتأسيس للعيش الكريم، هذا إضافة إلى نشر العدل وصيانة الحقوق بدون مساس بها، ويكون ذلك بإزالة كلّ ظلم وجور، أو استبداد واستغلال، وإنهاء كلّ احتلال سواء كان استيطانياً إحلالياً كالاغتصاب الصهيوني لفلسطين، أو كان استعمارياً كالاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان، هذا مع وقف أعمال نشر إرهاب الدولة الذي تمارسه الولايات المتّحدة الأمريكيّة والحلف الأطلسي من خلال نشر القواعد العسكريّة والأساطيل، ووقف كلّ تسلّط وهيمنة في أيّ ميدان من ميادين الحياة كانوا، كما هي حال الهيمنة والتدخّل والاختراق الأوروأمريكي في قارّتيّ آسيا وأفريقيا. ولعلّ ما يصلح أساساً لحوارٍ مجدٍ ومثمر هو مقاصد الشريعة الإسلامية التي توافق عليها علماء الأصول، وهذه المقاصد هي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ النسل، وحفظ المال.”[22] جاء في النصّ القرآني موضوع الحوار في الآيات الكريمات في قوله تعالى: ﴿وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً . ودخل جنّته وهو ظالم لنفسه قال ما أظنّ أن تبيد هذه أبداً. وما أظنّ الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربّي لأجدنّ خيراً منها منقلباً. قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثمّ من نطفة ثمّ سوّاك رجلاً. لكنّا هو الله ربّي ولا أشرك بربّي أحداً.﴾ (سورة الكهف، الآيات 34-38)
جاء الوحي الإلهي بلسان شخصين يتحاوران الأوّل غير مؤمن، ودخل الحوار متفاخراً بما له وبساتينه ومقتنياته ظانّاً أنّها مؤبّدة لا تبيد، وواجهه المؤمن بمحاججة أساسها عقيدة التوحيد متسلّحاً بالإيمان، ومذكّراً بمراحل خلق الإنسان وتطوّره إلى أن أصبح رجلاً، والختام: إنّ المؤمن متمسّك بإيمانه بربّه سبحانه ولن تغريه أو تغويه مفاتن الدنيا التي باهى بها محاوره.
” هذا الحوار فيه تأصيل لمنهج الحوار مع غير المؤمن بأن يكون الأمر تذكيراً، وإقناعاً بالحكمة والمحاججة لا انفعال فيه، ولا اتّهام أو تطاول على الجوانب الشخصيّة، وفي هذا الحوار تعليم لنا بأنّ الأساس في الاستقامة العقيدة، وإفراد الله -تعالى- بالعبودية، وشكره سبحانه على نعمه، وبعد ذلك لا بأس أن يمتلك الإنسان الثمر والثروة، أو أن يكون له الأولاد والأنصار والنفر، وبهذا أثمر هذا الحوار تقارباً في المفاهيم، وتحديداً للمنطلقات السليمة، وأساسها توحيد الله تعالى، والابتعاد عن الرشك.”[23] إنّ الحوار بين المسلمين على تنوّع الفقه والفكر والمذاهب، والحوار بين المسلمين والمسيحيين، ومن ثمّ الحوار مع كلّ الأمم، وعلى مختلف المستويات يحتاج تحديد المرجعيّة التي تحدّد قواعد الحوار ومنطلقاته ومقاصده، وهي في الإسلام القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة.
خاتمة:
إنّ التحدّيات التي فرضتها أجواء الغلوّ في الأمّة العربيّة، والعالم الإسلامي لها أسباب كثيرة، منها الجهل والفهم المغلوط للدين، ومنها الأهواء التي ألبسها بعضهم رداء زعم فيه أن يلتزم الدين، ومنها الفقر والظلم والتهميش، ومنها الاستبداد والاستعباد، ومنها الاغتصاب الصهيوني ومحاولات التهويد وكلّ مؤامرات المستعمرين، وغير ذلك كثير، لكن أيًّا كانت أسباب الغلوّ والتطرّف فإنّ الدواء الناجع هو التعقّل والتفكير، وامتلاك قوّة العقل الرشيد بعد العقل الحكيم وقبلهما العقل الوازع والعقل المدرك والمفكر، ومع هذه القوى التعقلية الواجب أن يُعتمد الحوار أسلوباً من أجل التقريب، والتلاقي، والتآلف فالوحدة بعيداً من أشكال الفتن كلّها، ومن أجل صياغة شخصيّة الفرد والمجتمع على أسس الوسطيّة والاعتدال والاتّزان، فالعقلانيّة والحواريّة أصلان للشخصيّة الرشيدة والرصينة التي يحتاجها مجتمع الأمّة من أجل الارتقاء الحضاري مع التحرّر والتحرير، ومن أجل أن ينتظم نسيج المجتمع على أساس من قيم الخير والعدل والتراحم والحقّ.

*أستاذ العقائد والأديان المقارنة في جامعة الإمام الأوزاعي