الرئيسية / دراسات / لماذا الإخفاق الأمني في العراق؟
e0dc5efa770b90946a37d4927f793818

لماذا الإخفاق الأمني في العراق؟

يقول الله سبحانه تعالى في الآية 60 من سورة الأنفال: “وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ”
هذه الآية تبين أولويات العمل العسكري الناجح للجيش والتي يمكن تلخيصها بما يلي:
وأعدوا لهم: الإعداد الجيد الذي يسبق المعركة أي من واجب القيادة أن تكون قد أعدت العدة ووقفت على أهبة الاستعداد لمواجهة العدو.
ما استطعتم: أي ما تمكنتم، بمعنى توظيف جميع القدرات لإعداد جيش متفوق.
من قوة: قيل ان القوة بيّنها رسول الله صلى الله عليه وآله بأنها الرمي والمراد به هو اصابة العدو عن بعد قبل أن يصل إلى جيش المسلمين، وسابقا كان الرمات هم جماعة الرمي اما الان فالرمي يتمثل بالطائرات التي تتمكن من اصابة العدو على مسافات بعيدة، وقال بعض المفسرين إن القوة هي كل ما من شأنه تقوية الجيش من درع وسيف وسلامة بدنية وبناء عقلي وعقائدي سليم…الخ
من رباط الخيل: معلوم ان الخيل كانت تستخدم للمناورة واحتلال اهداف ومواقع تعسكر العدو والرباط اي الخيل التي تربط للجهاد في سبيل الله وهي دلالة للقوة اي بالربط والى الان تقاس قوة المحركات للعجلات والمدرعات بالقوة الحصانية، أما ما يعادل الخيل في وقتنا الحاضر فهي المدرعات والدبابات التي تستعمل للمناورة ولاحتلال مواقع العدو.
ترهبون به عدو الله وعدوكم: كل عدو لله هو عدوكم لانهم لايريدون ان نعيش بما أمر الله، وأن وجود جيش جيد حسن الإعداد والعدة سيدخل الرهبة والخوف في قلب العدو، ويجعله يصاب بخيبة معنوية تمنعه من التجرؤ على التصدي له، وسرعة هزيمته في أرض المعركة.
وماتنفقوا من شيء في سبيل الله يوف اليكم وأنتم لاتظلمون: اي كل الذي تنفقون في سبيل الله يوفه الله لكم بلا نقصان فالخير كله بيد الله، ويمكن تفسير هذه الآية بالقول أن ما ينفق في سبيل إعداد جيش قوي ماديا ومعنويا وعقائديا لحماية الشعب والدولة، سوف تعكس ايجابياته من خلال بسط الأمن والاستقرار، وعدم تعدي الآخرين على الدولة.
نستنتج مما تقدم بأننا نحتاج إلى جيش لديه إعداد مادي ومعنوي وعقائدي جيد لكي نرهب الأعداء، وان قوة الجيش هي قوة الدولة ولا وجود لدولة بدون جيش قوي، فالجيش حامي السيادة ودرع منيع لصد الأخطار، والدول المتقدمة عسكريا تقوم بين فينة وأخرى باستعراضات ومناورات لأسلحتها لتظهر للآخرين قوتها، وإيصال رسالة للعالم وللأعداء بقوة جيشها، وبوجود الجيش القوي يزدهر الوطن فأداء الشعائر والعبادات ولعب الأطفال وجلوسهم على مقاعد الدراسة وإبداع المفكر واختراع العالم ورسم الفنان كله مرهون بوجود جيش قوي يدافع عن الوطن، فالأمن والشعور بالأمن نعمة، بل هي من أولويات الحياة، وهذا ما أشارت له سورة قريش، إذ جعلت الأمن بعد الطعام لإيجاد الحياة حيث قال تعالى: “لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ”.
وبعد ما تقدم نود الإشارة إلى بعض المشاكل التي تواجه الجيش العراقي مستنتجة من العمل الميداني، والتي نجد أنها مسؤولة عن انتكاسته الحالية في مواجهة جماعات داعش والمتحالفين معها، وكما يلي:
1. التدريب: يدخل التدريب في اعداد الجندي للقتال وإعطاؤه قوة وجلادة، لأن ما يتعلمه في التدريب يطبقه في ساحة المعركة، وجيشنا الحالي لديه ضعف حقيقي، من حيث تدريب المقاتلين، ومن حيث ضعف مناهج التدريب وعدم مجاراتها للتطور التقني والتكنولوجي المعاصر، وربما يكون ذلك بسبب سرعة إعداد الجيش وعدم وجود سياسة أمنية واضحة عند إعداده.
2. ضباط الجيش السابق: هم ضرورة كونهم قيادات عليا للجيش، لكن هناك مشاكل لابد من علاجها ومنها روتينية العمل والمناهج القديمة التي أعدوها للجيش بالإضافة إلى كونهم مدربين على أسلحة روسية واغلب اسلحتنا الان أمريكية وخصوصا الدرع والمدفعية، فأصبح لدينا في الجيش تناقض بين عقلية القائد وطبيعة السلاح الذي بحوزته.
3. التحصيل العلمي للضابط والجندي العراقي: إن الجيوش اليوم تبنى على أساس المستوى العلمي العالي لضباطها وجنودها، فالذي لديه تحصيل علمي عالي وتخصص دقيق يتمكن من استخدام الادوات والاليات الحديثة من اجهزة كشف ومراقبة وطرق حديثة للاستطلاع والاستنطاق بالإضافة الى استخدام العلوم الحديثة للاستخدامات الحديثة، لكن للأسف لم تعطى هذه الفقرة العناية الكافية عند إعداد الجيش العراقي، بل أن التعيينات السياسية أسهمت بشكل فاعل في إدخال عناصر ضعيفة التحصيل العلمي وقليلة الكفاءة في مفاصل عدة من الجيش.
4. سوء ادارة واستعمال موضوع ضباط الدمج: مع التقدير والاحترام لتضحيات من قارع النظام السابق، فان عملية دمج الكثير منهم في قطعات الجيش، ومنح بعضهم رتب عالية لقيادة قطعات عسكرية كبيرة لم يكونوا مؤهلين لقيادتها، وارتباط الكثير منهم بكتلهم السياسية أكثر من ارتباطهم المهني بالجيش، ترك تأثيرات سلبية على ادارة المؤسسة العسكرية في العراق، وجعلها تعاني من خلل خطير يمنع تحولها إلى مؤسسة مهنية محترفة من جانب، كما ترك تأثيرات سلبية محبطة على العناصر الكفوءة والجيدة من الضباط والمراتب الذين وجدوا أنفسهم تحت قيادة ضباط دمج لا يعرفون أصول القيادة والإدارة من جانب آخر.
5. ضعف الجهد الاستخباري: الاستخبارات هي العيون التي يتحرك بنورها الجيش لذا تحتاج الاستخبارات إلى مناهج علمية حديثة، وأجهزة ومعدات حديثة، وناس مؤهلين ومدربين بشكل جيد للعمل فيها، لكن الجيش العراقي الحاضر لا يمتلك جهاز استخبارات جيد لأسباب عدة، مما جعله عرضة للاختراق والمفاجئة من جهات عدة، بل وكان أعداؤه غالبا ما لديهم جهد استخباري يتفوق عليه.
6. طبيعة التعامل مع الإعلام: الإعلام مهم في تعزيز الروح المعنوية للمقاتل والمواطن، فيجب أن يكون ظهور القادة الامنين على الفضائيات اكثر حبكة ودراسة لان بعضهم يستنطق على الفضائيات من حيث لايعلم وبعضهم يكذب على المواطنين، كما أن توظيف الإعلام في مصلحة الجيش كان سيئا جدا ويفتقر إلى الاحتراف والمهنية.
7. ضعف الروح المعنوية للمقاتل العراقي: ان ارتفاع الروح المعنوية للمقاتل تجعله يفتخر بعسكريته بدلا من ان يصاب بخيبة أمل، وهذا ما يفتقر إليه المقاتل في الجيش العراقي، وكان بالإمكان تجاوز هذا العيب من قبل القيادة السياسية والعسكرية بمنح الجندي بعض الامتيازات أسوة بالدول المتقدمة عسكريا التي تميز من يحمل السلاح براتب مميز وسكن مميز (أكثر المقاتلين بالجيش العراقي يدافعون عن وطن لا يملكون فيه شبر من الأرض)، بالإضافة إلى الإجازات الدورية 50% التي توفر له التواصل مع عياله ومجتمعه، فالقانون أجاز للعسكري التمتع بإجازة سنوية مقدارها شهر واحد مع راتب كامل لكنها غير مفعلة في الواقع الفعلي، كما أن زج الجيش بمهام ليست من اختصاصه بصورة دائمة،كالعمل في تنظيم السير في الطرقات وتفتيش المواطنين واستعماله في الصراع السياسي بين القوى السياسية وإدخاله في ساحات معارك لم يعد لها كحرب الشوارع وانعدام العقيدة العسكرية الواضحة للجيش في هذه المرحلة.. كل ذلك أضعف الروح المعنوية للمقاتل العراقي وجعله عرضة للهزيمة السريعة.
8. مستوى الدعم اللوجستي: من اكبر مشاكل الوحدات العسكرية هي الخدمات الادارية للمقاتل والارزاق وصيانة العجلات كون اكبر قضايا الفساد تكون بهذه المفاصل، والجيوش المتقدمة حلت هذه المشكلة بالاعتماد على شركات مدنية للصيانة والنقل… الخ تتعاقد مع الجيش لتوفير الدعم اللوجستي له لكن جيش العراق لم يتمكن من معالجة هذه المشاكل بكفاءة، وخير دليل على ذلك هو الخلل الذي يصيب اغلب عجلات الجيش اليوم بسبب انعدام برامج جيدة للصيانة.
9. حصانة العسكري المهنية: اثناء اداء الواجب بعض الاحيان يحصل اصطدام بشخصيات سياسية وعشائرية لها نفوذها وتأثيرها فيكون الجندي أمام خيارين إما أن ينفذ واجبه ويعرض نفسه لمشاكل وإما أن يترك واجبه فيكون الخاسر الوطن والمواطن، وقد عانى أفراد الجيش العراقي ضباطا ومراتب من انعدام الحصانة القانونية لهم، وهذا الأمر ترك تأثيرات سلبية على أدائهم في الميدان.
10. اتهام الجيش بالطائفية والميول لجهة سياسية: إن الصراع الطائفي بين القوى السياسية العراقية انعكس على الجيش، فقد اتهم من بعض الإطراف بميوله الطائفية، فلم يعد الجيش في نظر البعض من أبناء الشعب جيش العراق بل هو جيش الطائفة الفلانية والحاكم الفلاني، وقد عزفت على هذا الوتر الكثير من الجهات الإعلامية والسياسية داخل العراق وخارجه، وللأسف لم تتمكن القيادة العسكرية والمدنية للجيش من رفع هذه التهمة، ولم تتخذ الإجراءات الكفيلة لكشف بطلانها، بل ساهمت من خلال أقوالها وأفعالها بتفاقمها وترسيخها في أذهان الكثير من الناس، وهذا الأمر جعل الجيش يدخل في بعض الأحيان في بيئات اجتماعية عدائية جدا لا تتقبل وجوده بسبب احتسابه على مكون طائفي معين.
لكل هذه الأسباب وغيرها لاسيما ما يرتبط منها بتخاذل بعض القيادات العسكرية والعوامل الخارجية حصلت الانتكاسة الحالية للجيش أمام عصابات داعش المجرمة، فهل تتمكن القيادة العسكرية والمدنية في العراق من استيعاب الدرس وتجاوز أخطائها؟.
* خبير عسكري، مركز الفرات للتنمية والدراسات الستراتيجية