الرئيسية / دراسات / الشرعية.. بين السلطة والشعب
ea16bf1ef10cb368a7558e7a2ca09b57

الشرعية.. بين السلطة والشعب

الشرعية الكاملة، يجسدها التجاوب على القواسم المشتركة، بين السلطة والشعب، وهي الواجبات والحقوق المنبثقة عن الثوابت التي يفترض فيها حرص السلطة على تثبيتها وحمايتها، وحرص الشعب على رعايتها وتنشيطها في الاتجاه الصحيح؛ بل يمكن أن يتعدى ذلك إلى كل ما يترتب عن هذه القواسم المشتركة، من جزئيات اجتماعية واقتصادية وسياسية، فيكون كمال الشرعية في المجتمع بقدر ما بين السلطة والشعب من ثقة وتجاوب إيجابي وتقاسم أدوار فعالة بين الطرفين.
ولكن المتتبع لحركة المجتمع الجزائري، لا يجد هذه الجو الحميمي بين السلطة والشعب، بل العكس هو الواقع، بحيث لا توجد اليوم مقدار شعرة تصل الشعب بالسلطة.
فالشعب لا يرى في السلطة غير مجموعات من الانتهازيين وأرباب المصالح يستعملون نفوذهم، في تقوية صفوفهم وإذلال من خصومهم، أما رجال السلطة فلا ينظرون للشعب إلا على أنه فئات مفرطة في الطموح والمطالب متمردة أو مغرر بها، فانبنى على هذه الصور النمطية والاتهامات المتبادلة، التي يوجد الكثير من مؤيداتها في الواقع، صيغة عملية من الطرفين، تمكن كل منهما من تمرير مشاريعه من غير اعتراف بالآخر، وفي بعض الحيان بإصرار وتحد، ومن غير التفات إلى انعكاسات الفعل على الواقع عاجلا أو آجلا.
فالسلطة عندما تمرر مشاريعها بقوة الأمر الواقع، من غير التفات إلى المطالب الشعبية، سواء أيام الحزب الواحد، أو في غيره من الأيام والمراحل إلى اليوم، ولا تفترض في نفسها النقص، ومن ثم لا تشعر بالأخطاء التي ترتكبها في حق الشعب، ولا بما تسببه من انعكاسات سليبة على المستقبل، فتدعو الشعب الذي تجاوزته، إلى التمرد عنها وإلى تجاهلها كما تجاهلته، وذلك ما وقع بالفعل، فالشعب منذ بداية الاستقلال، وهو يعوّل على تحكيم العرف، والعلاقات الخاصة، في قضاء مصالحه، أكثر من رجوعه إلى القانون ومؤسسات الدولة؛ لأنه لا يرى فيها الشرعية التي تمكّنه من الوصول إلى حقه كمواطن، فترتب عن هذه السلوكات التنافرية، اعتداءات صارخة على قيمة الشرعية بجميع مكوناتها وفي جميع مجالاتها، إلى أن انعدمت كلية من الساحة، فأضحى الكلام عن الشرعية، بمثابة الكلام عن أوهام أو دروشة أو سقط من القول والفعل، ويمكن تلمس ذلك في مراحل التقلبات التي شهدها المجتمع الجزائري خلال خمسة عقود [1962 – 2012]، التي عاشها الشعب الجزائري في ظل السيادة الوطنية.
المرحلة الأولى: 1962-1982، وهي المرحلة التي غلبت عليها شرعية القيم الدينية والعرفية والقبلية والتاريخية، وهي غير الشرعية السياسية، ففي العشرين سنة هذه لم تمتلك السلطة الشرعية اللازمة التي تعصمها من اللوم والعتاب والمحاسبة، وقد ظهر ذلك في الصراعات بين العصب، أزمة صائفة 1962، تمرد الأفافاس 1963، انقلاب 1965، ازمة 1967 مع الطاهر زبيري، استقالات أعضاء مجلس الثورة النواة الصلبة للنظام، اضطرابات 1976، الصراع على السلطة 1978/1980، الربيع البربري 1980، كل ذلك بسبب لا شرعية النظام، او بسبب شرعيته المنقوصة، ومع ذلك كان هناك نوع من الاستقرار والتجاوب النسبي بين السلطة والشعب، بفضل الشرعية الثورية؛ لأن البلاد خارجة لتوها من استعمار دام قرن وثلث، فطموحات الشعب محدودة وواقعه النفسي يساعد على الاعتذار للسلطة بدل محاسبتها مهما قصّرت..، أما الشعب فقد أجبر هذا النقص وتجاوزه بالتكافل الاجتماعي واللجوء إلى العرف والدين، لتدارك ما قصرت فيه السطلة.
على أن في أوساط الشعب لم تبق الهيبة للشرعية الثورية التي كانت في بداية الاستقلال، بنفس المستوى طيلة هذه الفترة، وإنما تضاءلت شيئا فشيئا، حتى كادت تنطفئ في نفوس الناس، فأصبحنا نسمع من يسب ويلعن المجاهدين، ويمدح فرسنا ويتمنى لو أنها عادت…
المرحلة الثانية: 1982-1992: وهي مرحلة الشعور بوجوب محاسبة السلطة، وعدم التسامح معها، في أهم جانب من جوانب العلاقة بين السلطة والشعب، وهي الشرعية، فالجانب القيمي قد ضعف، وتناقص الاهتمام بالفعل الثوري، وتناقص معه الاعتذار للسلطة، التي لا تملك منها إلا الفعل الثوري وقد اختفى، ولذلك كانت ممهدات الانفجار سنة 1982، في تجمع الجامعة المركزية الاحتجاجي، وقبله الصراع “الإسلامي – الشيوعي اللائكي البربري”، الذي بدا وكأنه صراع بين تيارين أو تيارات، في حين أنه عبارة عن عرض من أعراض الأزمة، التي هي امتداد لطبيعة السلطة المهزوزة، وبعده حركة بويعلي المسلحة، فبدت الأوضاع وكأنها تنتقم إلى الرتابة الاجتماعية، التي عاشها المجتمع خلال العشرين سنة الماضية، فكانت أحداث أكتوبر 1988 بعد ذلك بمثابة الثورة التي تريد أن تقتص من السلطة التي فقدت جميع مبررات بقائها واستمرارها.
وإذا كانت المرحلة الماضية 62/82 مستورة بقوة الشرعية الثورية والجهاد، بحيث لم نكن نسمع عن الاختلاسات والرشاوي وبيع الذم،م فيما بين رجال السلطة؛ لأن رجل السلطة يومها كان “يستحي على عرضه”، فاليوم في هذه المرحلة، بدأ المجتمع الجزائري يسمع عن استغلال النفوذ المفرط من قبل المسؤولين في تحقيق المكاسب والسعي إلى المناصب بغرض النفوذ والسلطة والمال، وبدأ التحالف الجديد، بين السلطة التي تحللت من الأخلاق الثورية، والمال الذي لم يكن موجودا من قبل، بسبب طبيعة النظام الاشتراكي، أما الشعب فقد تحلل هو أيضا من القداسات التي أحيط بها مع مجيء الاستقلال، فلم يعد ينظر للجهاد والمجاهدين وفرنسا وفضائل الاستقلال ورذائل الاستعمار، بنفس المنظار الذي كان ينظر به الجيل السابق؛ لأن الشاب الذي ولد أثناء الثورة أو على الأقل ولد في الاستقلال، عمره الآن في هده الفترة 20 سنة، فهو جيل لم ير الكولون ولم ير الاستعمار ولم ير المظالم التي يتذرع بها “رجال السلطة”، ومن ثم لا يرى لرجل السطلة إلا الواجبات التي عليه، ولا فضل له إلا بالقدر الذي يخدم فيه الدولة والمجتمع، بعيدا عن الاعتذارات والاحتجاجات الواهية، والمعتذرة بقوة مخلفات الاستعمار.
فهذا الشباب هو الذي لم يعد يعذر السلطة ولا يعترف بفضائل رجالها من المجاهدين –إذا انحرفوا-، هو نفسه الذي ثار على كل شيء يأتي من النظام؛ لأن النظام غير شرعي ولا ينبغي أن يستمر في استغلال الشرعية التاريخية.. ولذلك كانت بعض تصرفات الشعب خلال هذه المرحلة هي التمرد على السلطة بالكثير من مظاهر التمرد، مثل الخروج عن القانون، في التجارة غير المرخصة، والتهرب الضريبي، واللجوء إلى الوسائط في قضاء المصالح، وعرض الرشاوي والقهاوي، وتنشيط حركة التهريب، على الحدود الشرقية والغربية والجنوبية…إلخ.
المرحلة الثالثة: 1992 إلى اليوم، استمرارا لهذا الجو الخارج عن الشرعية سواء من جانب السلطة التي استمرت في تجاهل التطورات الشعبية، أو من جانب التمرد الشعبي الذي وصل إلى حد رفع السلاح، استشرت اللاشرعية في مجالات أخرى غير الشرعية السياسية، التي لم تكن تتمتع بها السلطة، وإنما تجاوزتها أيضا إلى ساحات الشرعية الباقية، التي كان الشعب يعوّض بها النقائص التي تسبب فيها غياب شرعية السلطة، وهي شرعية العرف والدين والقيم الأخلاقية العامة، وإذا كانت العشرين سنة الأولى من الاستقلال، السلطة غير شرعية، ولكنها تستحي أن يقال فيها “سرّاق” أو مستغل للنفوذ، فإن المرحلة الثانية بقي فيها شيء من الحياء من تهمة السرقة، ولكن لم يعد عيبا أن يقال إن الوزير الفلاني استعمل نفوذه في الحصول على كذا وكذا..، أما اليوم وفي هذه المرحلة، فلم يبق من الحياء شيء، قل ما شئت، لا محرك لساكن، والصحف يوميا تطلع علينا بفضائح تلو الفضائح لمسؤولين، والسلطة لا يظهر عليها أنها تستحي من هذه التهمة أو تلك؛ بل العكس أحيانا يرقى الفاشل ويهان الناجح. وما يذكر عن السلطة في هذا المجال ينطبق على فئات عريضة من الشعب، فالشرعية في الشعب لم تعد تلك التي كانت، عيب وحرام “ومايليقش” و”مايصلحش”، وإنما الشرعية هي في الوصول إلى الغرض، بجميع الطرق، ولذلك استشرت الرشوة التي تحولت إلى حق للمرتشي، وتمرد الجميع بحيث ضاعت الشرعية بين المفترقين، ولم يبق منها غير الأمر الواقع، الذي أطلق عليه شيخ الحركة الوطنية عبد الحميد مهري مصطلح “السلطة الفعلية”.
لا شك أن الشرعية كما أشرنا في بداية المقال، هي ثمرة لتفاعل إيجابي بين السلطة والشعب، ولكن عندما يختفي هذا التفاعل الإيجابي، فإن الأمر يتحول بالضرورة إلى تنافر وتباعد، إلى أن يلتقي الطرفان على اللاشرعية، فيصبح الطرفان لا مزية لأحدهما عن الآخر، ومن ثم تغيب الحقيقة والحقوق وتضل الواجبات عن مسارها الصحيح، وذلك ما وقع للشعب الجزائري خلال الخمسين سنة الماضية بكل أسف.
أما الحديث عن المتسبب في ذلك، السلطة أم الشعب؟ وموقع المعارض من العملية نرجئه لوقت لاحق .
“الشروق” الجزائرية