الرئيسية / ثقافة ومعرفة / صورة المعارضة الجزائرية في الإعلام الرسمي: الواقع والتمثُّلات
2015521105644525734_19

صورة المعارضة الجزائرية في الإعلام الرسمي: الواقع والتمثُّلات

مقدمة

تستمد وسائل الإعلام في المجتمع الديمقراطي أهميتها من نشر الآراء والأفكار المختلفة والمتعارضة واستعمال قوة الحُجَّة. وبهذا تشكِّل فضاءً للنقاش الحر الذي تشارك فيه مختلف القوى السياسية والمدارس الفكرية والتيارات الفنية؛ لذا تبدو وسائل الإعلام بمثابة “الترمومتر” الذي يقيس بقية الحريات التي يتمتع بها الأفراد والجماعات في هذا المجتمع.
وإن كانت حرية وسائل الإعلام تقتضي جملة من المقومات لعل أبرزها الفصل بين السلطات (التنفيذية، والتشريعية، والقضائية(، وإقامة تعددية سياسية وإعلامية فعليَّة، ووجود مجتمع مدني فعّال، وحرية الوصول إلى مصدر الأخبار وحمايته، والشفافية في تمويلها وملكيتها، وغيرها من المقومات، غير أن التجربة الإنسانية أثبتت -بشكل يصعب دحضه- عدم استقلالية الحقل الإعلامي عن الحقل السياسي. والسبب في ذلك لا يعود إلى أن “السياسة” تعبير مُكثَّف عن الإعلام، كما يزعم البعض، فحسب؛ بل لأنه من الصعوبة أن نفصل تأثير الممارسة السياسية على نشاط المؤسسات الإعلامية، هذا على الصعيد العملي. أما على الصعيد النظري، فإن التحليل العلمي للظاهرة الإعلامية التي تزداد تعقدًا في المجتمعات المعاصرة، أصبحت تشترط التسلح بجملة من المعارف في العلوم المختلفة، ومنها العلوم السياسية.
تأسيسًا على ما سبق، نعتقد أن فهم استراتيجية البناء الإعلامي لأحزاب المعارضة الجزائرية في الإعلام الرسمي واستيعاب أبعادها المعرفية والسلوكية والاقتراب من العناصر المشكِّلة لصورتها يقتضي إدراك الأُطر النظرية لمعرفة الممارسة السياسية والإعلامية في الجزائر، واستجلاء أشكال وابتداع قواعد مهنية في العمل الصحفي؛ من أجل تجسيد تَمَثُّل القوى السياسية التي تقلدت مقاليد الحكم لأحزاب المعارضة.
ومن أجل تحقيق ذلك، قسَّمنا هذه الدراسة إلى المحاور التالية: المحور الأول ويتضمن المقاربة المنهجية والنظرية الملائمة لدراسة تَمَثُّل الإعلام الرسمي لأحزاب المعارضة السياسية الجزائرية.
وخصصنا المحور الثاني لتشخيص الاستراتيجية التي خطتها وسائل الإعلام الرسمية في البناء الاجتماعي والإعلامي للمعارضة السياسية في الجزائر.
وشخَّصنا في المحور الثالث المواد الأساسية التي يتشكل منها البناء الإعلامي للمعارضة، وآليات المنطق أو اللامنطق الذي تستند إليه بأبعاده المعرفية والسلوكية.

1. الإطار المنهجي للدراسة

أ‌- مشكلة الدراسة
بعد الانتفاضة الدموية التي عاشتها الجزائر في 10 أكتوبر/تشرين الأول 1988، والتي شكَّلت امتدادًا للصراع بين أجنحة السلطة للسيطرة على الحكم بطرق غير ليّنة، واتفاقها على تجاوز الانسداد الذي وصل إليه هذا الصراع من خلال إعادة النظر في التنظيم السياسي للدولة والمجتمع بإقامة تعددية حزبية وأخرى إعلامية تكون رافدًا لها؛ فتشكلت أحزاب جديدة، وظهرت العديد من الصحف الخاصة بدعم من الدولة بجانب المؤسسات الإعلامية الرسمية. وتحوَّلت وسائل الإعلام المختلفة إلى ساحة لصراع عنيف من أجل السيطرة على السلطة وأداة له؛ وهو صراع لم يتجلَّ عبر الانحياز لهذا الحزب أو ذاك في نقل الأحداث أو الأخبار أو في النقاش الحاد حول مشروع المجتمع الذي تسعى كل قوة سياسية إلى فرضه على الجميع؛ بل في الصورة -أيضًا- التي نقلتها وسائل الإعلام المختلفة عن السلطة والمعارضة معًا. ولا شك أن صورة المعارضة التي يُروِّج لها الإعلام الرسمي، اليوم، خاصة بعد اندلاع أحداث “الربيع العربي” وتزايد ضغط الشارع الجزائري على السلطة الحاكمة من أجل التغيير، تختلف عن الصورة التي رُسِمَتْ لها في 1990. فما ملامح صورة هذه المعارضة التي تعيش تحوُّلًا على الصعيد التنظيمي والسياسي؟ إنَّ مفهوم المعارضة يبدو مُلْتَبِسًا في السياق الجزائري؛ لكثرة الأحزاب السياسية التي تعرضت لانشقاقات مزمنة نتيجة ابتعادها عن السلطة الحاكمة أو ائتلافها معًا؛ لذا نَحْصُر مفهومها -في هذا المقام- في تنسيقية الانتقال الديمقراطي*.

ب‌- تساؤلات الدراسة
يسعى هذا البحث للإجابة عن الأسئلة التالية:

ما تَمَثُّل القوى السياسية التي تحكمت في مفاصل الحكم في الجزائر للمعارضة؟ وكيف انعكس في الخطاب الإعلامي الرسمي؟
ما الاستراتيجية التي اعتمدتها المؤسسات الإعلامية الرسمية لبناء واقع المعارضة السياسية إعلاميًّا؟
ما مُكوِّنات صورة المعارضة السياسية في وسائل الإعلام الجزائرية؟ وما مرجعياتها؟
ما رهانات هذه الصورة وتأثيراتها على مستقبل الفعل السياسي في الجزائر؟
ج‌- أهمية الدراسة
إن البحوث التي تناولت وسائل الإعلام الجزائرية في ظل “التعددية السياسية” قليلة، ويطغى على بعضها الطابع الأيديولوجي. ولم تضف جديدًا على الصعيد العلمي سوى التأكيد على الضغوط التي تمارسها السلطة الحاكمة في الجزائر على وسائل الإعلام، لاسيما الصحافة “الخاصة”. ولئن كان سياق الأحداث المتدافعة والدامية التي عاشتها الجزائر في مطلع التسعينات من القرن الماضي يشفع لهذه المقاربة البحثية لوسائل الإعلام، فإنه جَرَّ الصحف الجزائرية الخاصة للاضطلاع بالدور الذي كان من المفروض أن تقوم به الأحزاب السياسية. والظروف التي تعيشها الجزائر، اليوم، في ظل المتغيرات العربية والإقليمية تتطلب استجلاء صورة المعارضة التي على أساسها ينبني الفعل السياسي.
ويكتسي هذا البحث أهمية بالغة لطموحه العلمي في تقديم بعض المفاتيح لفهم جدلية الترابط بين السياسي والإعلامي في السياق الجزائري. وإن كان شكل العلاقة التي تربط السلطة الحاكمة في الجزائر بوسائل الإعلام الخاصة واضحة -إلى حد كبير- رغم مدها وجزرها، كما كشفت عنها البحوث القليلة المنجزة في هذا المجال(2)، فإن فهم موقف وسائل الإعلام الرسمية من أحزاب المعارضة السياسية يبدو أصعب؛ لأنه يشترط إدراك المتغيرات التي تتحكم في ما تظهره من نشاط المعارضة وما تخفيه منها. فلُعْبة “إخفاء” وإظهار” أنشطة أحزاب المعارضة السياسية ومواقفها ليست وليدة إملاءات ميزان قوى سياسي ظرفي؛ بل إنها إفرازات مخيال سياسي ظل يتحكم في مفاصل إدارة الدولة الجزائرية وما زال يرهن مستقبلها.

د‌- أهداف البحث

يسعى هذا البحث إلى:

تقديم صورة المعارضة في الخطاب الإعلامي الرسمي.
الكشف عن الخلفية الفكرية والسياسية التي أَطَّرت هذه الصورة.
تبيان رهانات هذه الصورة وتأثيراتها في الممارسة السياسية بالجزائر في المستقبل.

ه‌- مجتمع الدراسة وعينته

يمكن حصر مفهوم مؤسسات الإعلام الرسمي بجملة من وسائل الإعلام التي ما زالت تابعة لملكية الدولة، وتتشكل من التلفزيون بقنواته الخمس، والإذاعة بقنواتها السبع: القناة الثقافية، القناة الأولى باللغة العربية، والقناة الثانية باللغة الأمازيغية، والقناة الثالثة الناطقة باللغة الفرنسية، والقناة الدولية، والقناة الموجهة للشباب جيل FM، وقناة القرآن الكريم. هذا إضافة إلى القنوات المحلية؛ حيث أصبح لكل ولاية (محافظة) تقريبًا قناتها الإذاعية.
أما الصحف، فعددها ست، وهي: الشعب التي تصدر باللغة العربية، والمجاهد تصدر باللغة الفرنسية، والمساء وهي صحيفة مسائية تصدر باللغة العربية، وHorizon صحيفة مسائية تصدر باللغة الفرنسية، وصحيفة النصر التي تصدر بالشرق الجزائري- قسنطينة، والجمهورية تصدر بغرب الجزائر- وهران.
اقتصر الباحث على عينة من وسائل الإعلام الرسمية، وهي القناة الأرضية في التلفزيون الجزائري، وتم اختيارها دون غيرها؛ لأنها القناة التلفزيونية الأساسية التي أفرخت القنوات الأربع الأخرى. وحلَّلت الدراسة مضمون نشرة أخبارها (الثامنة مساءً) لمدة عشرة أيام متتالية امتدت من 24 مارس/آذار إلى 2 إبريل/نيسان 2015. وهي الفترة التي أخضعت فيها نشرة الإذاعة الوطنية- القناة الأولى التي تبث الساعة الواحدة بعد الزوال للتحليل، وكذلك صحيفتا المجاهد الصادرة باللغة الفرنسية، والمساء الصادرة باللغة العربية.
وللاقتراب أكثر من الموضوع المدروس، اختار الباحث عينة قصدية من الصحف، منها صحيفة الشعب التابعة للقطاع العام، وصحيفة صوت الأحرار التابعة لحزب السلطة، جبهة التحرير الوطني، والصحف المستقلة التي تقترب من مواقف السلطة، سواء لنيل حصة من عائدات الإعلان، أو خوفًا من تعليق صدورها لعدم دفع ديونها لمطابع الدولة، وهي: صحيفة الإخبارية، والنهار، والفجر، وصحيفة la tribune de l’ouest. وقد سعت هذه الصحف إلى نقل بعض مُكوِّنات الصورة التي شكلتها السلطة الحاكمة عن المعارضة السياسية، أو الترويج لها.

و‌- المقاربة النظرية والمنهجية

ينطلق أصحاب المدرسة البنائية من المسلّمة التي تنص على أن كل شيء هو تَمثُّل، وكل تَمثُّل هو بناء، ويرون أن الطابع البنائي للواقع والعالم هو الشرط الأساسي الذي لا مندوحة عنه للمعرفة(3). وقام مؤسِّسا نظرية البناء الاجتماعي للواقع، طوماس لوكمان وبيتر بركغر، بشرح نظرية بناء الواقع بالقول إن الواقع يبرز في البداية كحقيقة مُؤَوَّلة من قِبل الأشخاص، فيملك معنى. لكن بعيدًا عن الذاتية الفردية التي تفرزها عملية التأويل، توجد الحياة اليومية، أيضًا، في مَوْضَعة المسارات الذاتية -أي تحويلها إلى موضوعية- التي تؤسس المعنى العام أو المشترك من خلال أفكار الناس ونشاطهم الذي يحافظون عليه كواقع(4).
وقد تساءل الفيلسوف الأميركي جون سيرل(5) عن كيفية تحول الواقع الفيزيائي إلى واقع اجتماعي موضوعي. وقدَّم الإجابة عن هذا التساؤل في تصنيفه للحقائق الموجودة في الواقع الفعلي إلى صنفين: حقائق خامة توجد بشكل مستقل عن الهيئات الإنسانية، وذلك مهما كانت نِيَّتُنا أو قصدنا تجاهها، والحقائق المؤسساتية، مثل: النقود واللعب. فهذه الحقائق لا توجد إلا بفضل المؤسسات الإنسانية وتتجسَّد بفضل قصدنا تجاهها. ومن هنا ينطلق ليتساءل عن دور اللِّسان في بناء الحقائق الاجتماعية.
ويعتقد الفيلسوف سيرل أن الحقائق الاجتماعية التي توجد بفضل المؤسسات الإنسانية تشترط شرطين أساسيين، وهما: أن التمثُّلات تشكل الجزء التأسيسي لها، وأن هذه التمثلات تتوقف على اللِّسان. فطالما توجد ضرورة منطقية لارتباط الحقائق المؤسساتية باللغة، فإن الأفكار ترتبط -طبيعيًّا- بالرموز والكلمات والصور والتي بدونها يستحيل التفكير فيها. فإذا لم يستطع الأفراد تمثُّل هذه الأحداث فإنها لا تستطيع أن توجد. وهذا ما يمكن أن نلتمسه في إسهام وسائل الإعلام في البناء الاجتماعي للواقع، والتي تحدث عنها الكثير من المهتمين بوسائل الإعلام.
يؤكد اللِّساني البريطاني روجر فولير أن “الإعلام هو ممارسة وخطاب لا يظهر الحقائق الإمبريقية بشكل محايد، بل يتدخل في البناء الاجتماعي للواقع”(6). فالمقاربة البنائية تساعدنا على الكشف عن تمثُّل وسائل الإعلام للمعارضة السياسية في الجزائر، باعتبار أن هذه الأخيرة هي نتيجة عملية بناء اجتماعي. فلو اتفقنا مع البنائيين فإن المعرفة “العادية” لماهية السياسة، والأحزاب السياسية، والمعارضة السياسية تنجم عن تمثل للأشياء والظواهر، وأن هذا التمثُّل يستند إلى مصفوفات من الأفكار والنماذج المستقاة من مخزون التجارب السابقة التي توظفها وسائل الإعلام بشكل إرادي أو غير إرادي في نشاطها اليومي.
وحتى يقترب الباحث من آليات البناء الاجتماعي ورهاناته، قام بدراسة مَسْحيَّة لمضامين نشرة الأخبار التلفزيونية والمواد الصحفية التي نُشرت في الصحف الرسمية (المجاهد والمساء) عن أحزاب المعارضة، وبعض الصحف المنتقاة القريبة من مواقف السلطة الحاكمة وتفكيك دلالتها.

ز‌- أدوات جمع البيانات والبحث

استخدم الباحث الأدوات التالية:

1. الملاحظة المباشرة

شرعت العلوم الاجتماعية منذ العشرينات من القرن الماضي في التفكير المعمق في أشكال معرفة الواقع عبر الملاحظة المباشرة. وغني عن القول: إن هذه الملاحظة قد أوجدها العديد من الظروف البحثية، منها قلة معطيات التحليل الإمبريقي للأوضاع الاجتماعية المدروسة أو غيابها، أو اتّسامها بالطابع السطحي والمشتت الذي لا يسمح بالتحليل الشامل ذي المعنى. وتُستخدم الملاحظة المباشرة كأداة للاكتشاف النظري والربط بين الفهم الذاتي للأوضاع الاجتماعية المدروسة والتحليل الموضوعي لديناميكيتها، القائم على المقارنة المنتظمة بالمعطيات المستقاة من مصادر مختلفة(7). لقد استمد الباحث ملاحظاته المباشرة من نشاطه المهني؛ إذ ظل يتعاون بمقالاته الصحفية مع الصحف الجزائرية وفي احتكاك بصحافييها ومسؤوليها.

2. المصادر المكتوبة والمعطيات الثانوية

إن المراجعة النقدية للأدبيات المتعلقة بالنظام السياسي الجزائري وواقع قطاع الإعلام في الجزائر تطلبت فحص أهم المراجع التي تناولتهما باللغة العربية والفرنسية ومحصها للاشتغال عليها وبها. ويقصد بالمعطيات الثانوية عناصر المعلومات والبيانات التي جُمعت لأغراض غير تلك التي استُقت من أجلها في البداية، ويمكن استخدامها كقاعدة أساسية لانطلاق بحوث أخرى. فهذه المعطيات تقدم مادة ثريّة عن الممارسة السياسية والإعلامية في الجزائر لم يكن بإمكان الباحث الحصول عليها. فاستغلالها يخدم منطق تراكم المعرفة العلمية، ويسمح بالتحري في النتائج التي توصل إليها الباحثون حول موضوع الدراسة. كما أنها تسمح بالعودة إلى السياق الذي برزت فيه الظاهرة المدروسة قصد تحليلها والقبض على مفاصل تطورها. وتتنوع المعطيات الثانوية التي اعتمد عليها الباحث من شهادات الصحافيين والمسؤولين عن وسائل الإعلام إلى التقارير الدولية.

3. تحليل المضمون

قام الباحث بتحليل مضمون نشرة أخبار القناة التلفزيونية الأرضية والقناة الإذاعية الأولى، وصحيفتين رسميتين، وهما المجاهد والمساء، وتناول بالتحليل الأخبار والتقارير الصحفية لغياب الأنواع الصحفية الأخرى التي تتطرق إلى “المعارضة السياسية”. ولا يخفى على الدارس أن الصحافة الجزائرية لا تتقيَّد بمبدأ “الحدث مقدس والرأي حر”، بل تُقحم آراءها في المواد الصحفية الإخبارية. واقتصر التحليل على فئات الفاعلين التاليين: رئيس الجمهورية، والبرلمان بغرفتيه، ورئيس الحكومة، والوزراء، والمؤسسات الوطنية الرسمية، والأحزاب السياسية، والأشخاص، والجمعيات المدنية؛ وذلك قصد الكشف عن مدى تدخُّل المعارضة ضمن المتدخّلين في نشرات الأخبار والصحف.
سمح تحليل المضمون الكمِّيّ للباحث برصد مستويات الاستراتيجية التي استخدمتها وسائل الإعلام الرسمية في البناء الإعلامي للمعارضة السياسية. وهذا ضروري لكنه غير كافٍ؛ لذا لجأ الباحث إلى اختيار عينة قصديَّة من الصحف، التي ذكرناها سابقًا، لتحليلها نوعيًّا قصد الوقوف على مكونات هذا البناء. وغني عن القول: إن التحليل النوعي هو فعل تأويلي يساير الإطار النظري الذي انطلقت منه هذه الدراسة، لكنه تأويل مُعَقْلَن مُسْتَلْهم من القراءة السيميائية للمادة الصحفية. لقد عقلنته تمثُّلات السلطة الحاكمة للأحزاب السياسية من جهة، وتاريخ جمهور وسائل الإعلام الجزائرية وحاضره، والثقافة السياسية المهيمنة عليه، من جهة أخرى.

2. تحليل استراتيجية البناء الإعلامي للمعارضة الجزائرية

أ‌- الفاعلون في محتوى الإعلام الرسمي الجزائري

يُبيِّن الحصر الكمي، كما يظهر في الجدول رقم (1)، توزيع الفاعلين في الأحداث التي تناقلتها وسائل الإعلام الرسمية؛ إذ احتل الوزراء (الحكومة) المرتبة الأولى في الأخبار بأعلى نسبة تُقدّر بــ56,67% في صحيفة المساء، أي: أنها خصصت أكثر من نصف أخبارها الوطنية لما يقوم به الوزراء، وكانت أصغر نسبة لأنشطة هؤلاء الفاعلين (الوزراء) 36,82 %في نشرة الأخبار الإذاعية ، ثم جاءت باقي مؤسسات الدولة المختلفة.
وفي مقابل الحضور البارز للفاعلين الرسميين (السلطة التنفيذية بمؤسساتها المختلفة والتشريعية) لا تحظى أحزاب المعارضة سوى بنسب هامشية؛ إذ إنها لا تتجاوز 13% من مجموع فئة الأخبار المخصصة لأعضاء الحكومة في صحيفة المجاهد، و0,01 % من مجموع الأخبار التي خصصتها صحيفة المساء للفاعلين الرسميين.
فالإعلام الرسمي يُولِي أهمية تكاد تكون شبه مطلقة لنشاط السلطة التنفيذية على حساب بقية السلطات، ناهيك عن المعارضة. لقد أبرز هذا الإعلام السلطة التنفيذية كفاعلة في الأحداث الوطنية بنسبة 74,44% من مجموع الفاعلين في التغطية الإخبارية لصحيفة المساء (الجدول رقم 1)، و69,53 %في صحيفة المجاهد (الجدول رقم 3)، و53,53% في نشرة أخبار التلفزيون (الجدول رقم 4)، و51,75% في الإذاعة (الجدول رقم 2).

ب‌- استراتيجية البناء الإعلامي للمعارضة: آلياتها وأبعادها

الاستحضار والتغييب
أثبتت بعض الدراسات التي قامت بها مراكز بحث أجنبية، وأُجريت قبل أحداث ما سُمِّي بــ”الربيع العربي”، أن وسائل الإعلام الرسمية، خاصة التلفزيون، قد غيَّبت أحزاب المعارضة(8)، لكنها شرعت في تغيير استراتيجية تعاملها الإعلامي مع أحزاب المعارضة بعده؛ إذ بدأت نشرات الأخبار في التلفزيون والإذاعة الرسميين تمنحها بعض الحضور، كفاعلة، حتى وإن كان هامشيًّا؛ حيث لم يزد عن 1,01% من مجمل المتدخلين في نشرة الأخبار التلفزيونية في الفترة المدروسة، و1,49% في نشرة أخبار الإذاعة الرسمية، و1,11% في صحيفة المساء، وترتفع في صحيفة المجاهد لتبلغ 6,25%. ويقصد بالحضور، في هذا المقام، إبراز المعارضة كقائمة بالحدث/الفعل.
إن استحضار المعارضة في الإعلام الرسمي لا تتم بشكل عفوي أو وفق منطق العمل الإخباري الذي يقتضي إعلام الجزائريين بما يجري داخل بلادهم من أحداث، والجسام منها على وجه الخصوص، والكشف عن موقف المعارضة السياسية منها، واقتصرت على إظهارها قائمة ببعض الأحداث والأنشطة التي لا تثير خلافًا في الرأي والمواقف؛ بل تُساير توجُّه السلطة الحاكمة، مثل: مبادرة بعض الأحزاب السياسية بتكريم مجاهدي حرب التحرير الوطنية(9). وتختار من الشخصيات والأحزاب الموالية للسلطة التي تشيد بإنجازاتها، على غرار ما نشرته صحيفتا المجاهد والمساء عن حزبي التحالف الوطني الجمهورى وحزب الكرامة يوم 29 مارس/آذار 2015(10)، وتتهجَّم على أحزاب المعارضة.
وتُغيِّب وسائل الإعلام الرسمية، خاصة التلفزيون والإذاعة، المعارضة في الأحداث الكبرى التي تهزُّ الشارع الجزائري. وهذا يتنافى ومنطق الخدمة العمومية التي التزمت به مؤسسة التلفزيون خلال الفترة القصيرة الممتدة من 1990-1991 وفق ما ينص قانون الإعلام الصادر في إبريل/نيسان 1990. وأبرز مثال على هذا التغييب “المسيرة” التي نظمتها أحزاب تنسيقية الانتقال الديمقراطي المعارضة يوم 24 فبراير/شباط 2015 وحاولت قوات الأمن منعها بالقوة؛ فنالت حقها من التغطية في وسائل الإعلام الأجنبية. لقد سعت أحزاب المعارضة عبر هذه المسيرة إلى تجنيد الجزائريين ضد التنقيب عن الغاز الصخري والتضامن مع سكان الجنوب المعتصمين احتجاجًا على أضراره.
إن قيام وسائل الإعلام الرسمية بتغييب أحزاب المعارضة في الأحداث الكبرى تُشكِّل لَبِنَةً في البناء الإعلامي للمعارضة؛ لتأكيد غيابها عن النضال السياسي لدى الرأي العام.
التفاوت الكبير بين الحضور البصري للمعارضة السياسية وخطابها اللفظي
لا تأخذ أحزاب المعارضة من مدة حضورها الهامشي في وسائل الإعلام الرسمية إلا بعض الثواني في التلفزيون والإذاعة(11)، وبعض الأسطر في الصحف الرسمية. فنشرة الأخبار لا تُظهر سوى صور قادة أحزاب المعارضة بالنسب المذكورة في الجدول أعلاه (رقم 4). وإن أرفقتها بصوتهم في المرات القليلة جدًّا فيكون عبارة عن جملة أو جملتين مَسْلُوخَتيْن عن سياقهما للتعبير بشكل صريح أو ضمني عن مساندتهم لمواقف السلطة السياسية(12)، أو لنزع أي معنى من تصريحهم وإثبات الفكرة التي مفادها أنهم لا يملكون ما يقدِّمونه للجزائريين من اقتراحات وآراء.

إعادة الصياغة الإعلامية لخطاب المعارضة السياسية

لا تُسجِّل الوسائل السمعية-البصرية، في الغالب، صوت قادة الأحزاب، بل تدخل عليهم صوتًا خارجيًّا voiceover بجمل لم يتفوهوا بها، وتختلف -بهذا القدر أو ذاك- عما أدلوا به من تصريحات لتقريب موقفهم من توجهات الخطاب الرسمي، وهو الأسلوب ذاته الذي تتبعه الصحف الرسمية؛ فتُقَوِّل قادة بعض الأحزاب السياسية، التي تتسم بحدة خطابها المعارض للنظام، بما لم يقولوه، وتحذف ما يُعبِّر بعمق عن جوهر مواقفهم. وهكذا تبدو صورة بعض قادة المعارضة متناقضة لدى جمهور وسائل الإعلام للاختلاف الكبير بين ما تظهره وسائل الإعلام الرسمية من مواقفهم وما تنشره الصحف المستقلة عنهم(13).
لقد درج الباحثون في وسائل الإعلام على وصف هذه الاستراتيجية بالرقابة التي تمارسها وسائل الإعلام على المضامين التي تنشرها؛ فتوعزها، تارةً، إلى الصحافي، وطورًا، إلى حارس البوابة الإعلامية. وقد يُبرِّرها أصحاب نظرية الأُطر الإخبارية(14) إمَّا بعامل كامن داخل المؤسسة الإعلامية )إطار المسؤولية( أو بعامل خارجي )الإطار الأخلاقي( الذي يتلقى فيه الجمهور الرسائل الإعلامية. وبعيدًا عن كل تبرير يمكن الاستعانة بتمثُّل السلطة الحاكمة في الجزائر للشعب وللمعارضة السياسية، فعدم استقلالية الحقل الإعلامي عن الحقل السياسي في الجزائر ترك وسائل الإعلام الرسمية رهينة الفكر الشعبوي الذي يقول عنه الباحث عنصر العياشي إنه يَتَمَثَّل الشعب كيانًا مُوحَّدًا ومُتجانِسًا ومُتضامِنًا وغير منقسم، ويرفض بالضرورة التعارض في المواقف والاختلاف في الرأي. ويناضل ضد القوى التي تؤكد عدم الوحدة والانسجام داخل المجتمع، معتبرًا إياها من صنع أعداء خارجيين وعملائهم في الداخل الذين ينبغي مكافحتهم والقضاء عليهم(15).
إن الحجج التي ترافع لصالح هيمنة هذا التمثُّل في ممارسة المؤسسات الإعلامية الرسمية يمكن العثور عليها في تجاهل الإعلام الرسمي للمعارضة الممَثّلة في المجالس الشعبية المنتخبة سواء على الصعيد المحلي (مجالس البلديات والمحافظات) أو الصعيد الوطني (البرلمان بغرفتيه). فبعد الانتهاء من الانتخابات يتناسى هذا الإعلام وجود معارضة أصلًا في هذه المجالس(16). وقد يصل الخلاف بين الأحزاب المنتخبة في المجالس المحلية إلى حالة من الانسداد قد تؤدي إلى حلها، لكن الإعلام الرسمي يتجاهلها. ويتجاهل -أيضًا- رأي المعارضة فيما يعرض على البرلمان من مشاريع القوانين، فلا تشير إلى اقتراحاتها لتعديل هذه المشاريع وإثرائها، ولا إلى نتائج تصويتها عليها؛ حيث تكتفي بالإشارة إلى أن النواب صوّتوا بالأغلبية عليها، علمًا أن حزبي الإدارة، جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي يشكلان الأغلبية البرلمانية.

والحجة الثانية التي تثبت هيمنة الخطاب الشعبوي على الإعلام الرسمي تكمن في أن التغييب لم يقتصر على المعارضة السياسية للنظام فحسب، بل شمل حتى المجتمع الجزائري. فتمسُّك الإعلام الرسمي بـــ”وحدة الفكر والتصور” التي ورثها عن الحزب الواحد جعله يُغيِّب المجتمع الجزائري، واستبدله بمجتمع آخر؛ مجتمع متخيّل من وحي الخطاب السياسي. وهذا ما حدا بجمهور وسائل الإعلام إلى ابتداع أشكال جديدة من الاتصال للالتفاف على الخطاب الإعلامي الرسمي(17). فبعض مستخدمي موقع الفيسبوك شرعوا في بث نشرة إخبارية تلفزيونية أطلقوا عليها مسمى”الجرنال: نشرة الأخبار الحقيقية”، لينقلوا عبرها نبض الشارع الجزائري بكل خلافاته وتناقضاته التي تتجاهلها وسائل الإعلام الرسمية، خاصة التلفزيون(18).

والحجة الثالثة تتجلى عبر إدراك دلالة حضور “المواطنين” في نشرتي الأخبار التلفزيونية والإذاعية. فرغم الارتفاع النسبي لهذا الحضور في التلفزيون والإذاعة الرسميين، وفي الصحف العمومية -انظر الجدول رقم (2) و(4)- إلا أن مبرر تدخل المواطنين في هاتين النشرتين الإخباريتين لا يكمن في القيمة الإخبارية لنشاطهم أو لموقعهم في المجتمع، بل فيما يقتبس من أقوالهم الشاكرة والممتنة للسلطة الحاكمة على منحهم سكنًا اجتماعيًّا أو فرصة للتأهيل المهني أو على إدخال الكهرباء والماء والغاز إلى ديارهم(19). ويُوظّف هذا الشكر في تعزيز شرعية هذه السلطة في أوساط الشعب.
ويكمن مبرر إبراز نشاط بعض الجمعيات المدنية في الإعلام الرسمي في قربها من السلطة الحاكمة ودفاعها عنها، وتقديمه كحُجَّة على انفتاح التلفزيون على مكونات “المجتمع المدني”؛ للتغطية على تغييبه لبعض الجمعيات إعلاميًّا، خاصة تلك التي تدافع عن مصالح شرائح مختلفة من فئات المجتمع الجزائري، مثل: اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق البطالين التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة في بعض الصحف المستقلة؛ نتيجة تعرض مؤطريها إلى الملاحقة والتضييق(20). إن هذه الممارسة الإعلامية تضفي الطابع الرسمي على الحياة الجمعوية في الجزائر التي تطوق المجتمع بجعل منظماته الاجتماعية مجرد امتداد للسلطة الحاكمة في الجزائر. فكل جمعية مدنية تروم الاستقلالية لا تحرم من التغطية الإعلامية الرسمية فقط، بل تكون عرضة للشك والحظر(21).

ج‌- مكونات صورة المعارضة السياسية

تجدر الإشارة إلى أن العناصر التي تشكل صورة المعارضة في الفضاء العمومي ليست وليدة وسائل الإعلام وحدها، سواء كانت خاصة أو عمومية، بل إنها ثمرة جملة من العوامل بعضها يرتبط بمواقف بعض أحزاب المعارضة التي تُغيِّر مواقعها وتتلوَّن وفق السياقات وموازين القوى السياسية. وبعضها الآخر يرتبط بقادة القوى السياسية التي امتلكت مقاليد الحكم أو المتحالفة معها أو المساندة لها. ويستند هذا البناء إلى استراتيجية استحضار المعارضة وتغيُّبها التي تحدثنا عنها آنفًا.

وتتشكل صورة المعارضة الجزائرية من العناصر التالية:

قوى عميلة للخارج: تبرز المعارضة في الخطاب الرسمي وخطاب القوى السياسية المتحالفة مع السلطة كقوى متآمرة على الوطن وتسعى لتحقيق أجندات خارجية(22). ونعتقد أن هذا العنصر في صورة المعارضة قديم جدًّا، حيث كان يُطلق على كل حركة احتجاج أو إضراب في الجزائر منذ الاستقلال، ويستمد ديمومته من العامل التاريخي؛ فتاريخ الجزائر الحديث تشكل في ظل العنف، فألغى العديد من المفاهيم السياسية من التداول، مثل: “المنافس والغريم أو الخصم السياسي” واستُبدل بمفهوم العدو. فالفكر الشعبوي الذي يرى أن أبناء الجزائر متحدون ومتوحدون واختلافهم ومعارضتهم الوحيدة هي للعدو الأجنبي؛ لذا يعتقد الباحث الجزائري الهواري عدي(23) أن التعددية السياسية في الجزائر أخذت منعطف المواجهة؛ حيث إن كل طرف يتهم الآخر بخيانة الأمة والعمالة للأجنبي، وبرغبته في “تطهيره سياسيًّا”. فانتصار حزب ما في الانتخابات لم يفهم كحدث يندرج ضمن ديناميكية التناوب على السلطة، بل كفرصة للتخلص نهائيًّا من المنافسين. والعمالة للأجنبي والخيانة تملكان معاني خاصة لدى الجزائريين؛ إذ تحيي فيهم ذكريات الماضي المؤلمة والبغيضة؛ لأن الاستعمار الفرنسي جنَّد بعض الجزائريين للقضاء على الثورة. فكانوا أشدَّ فتكًا وتنكيلًا بأبناء جلدتهم. وقد اعتبرهم الجزائريون خارجين عن الملَّة والدِّين وأباحوا القِصَاصَ منهم. فربط المعارضة السياسية الجزائرية بالعمالة للخارج لا يتضمن دعوة لِنَفْضِ اليد منها فحسب، بل لمقاومتها أيضًا.
مُخَرِّبة: وصف الخطاب الرسمي المبادرات، التي تقوم بها المعارضة الجزائرية، خاصة تلك التي شكلت تنسيقية الانتقال الديمقراطي بعد الانتخابات الرئاسية التي جرت في 17 إبريل/نيسان 2014 وأدت إلى فوز عبد العزيز بوتفليقة، بـ”العمل التخريبي”. وأبرزت المعارضة في صورة من يحاول إلحاق الجزائر بثورات الربيع العربي. فمجرد إعلان هذه التنسيقية عن مساندتها لحركة الاحتجاج ضد التنقيب الغاز الصخري التي انطلقت في عين صالح ودعوتها لمسيرة تضامنية مع سكان الجنوب الجزائري المحتجين، كثَّف الخطاب الرسمي تخويفه للجزائريين وحرَّك فزَّاعة “ثورات الربيع العربي”(24).
إن الكثير من الجزائريين، بمن فيهم المعارضون للنظام السياسي، يخشون أن يكون مصير الجزائر مُشابهًا لمصير ليبيا وسوريا واليمن؛ فــ”الربيع العربي” يُذكِّرهم بما يُسمِّيه الخطاب الإعلامي الرسمي “المأساة الوطنية” التي راح ضحيتها حوالي 200 ألف جزائري ومليارات الدولارات(25). ومن التخويف يقفز الخطاب الإعلامي الرسمي إلى التطمين، ويبالغ فيه إلى درجة التفريط في دوره الإخباري. لقد هزَّت العاصمة الجزائرية، في يناير/كانون الثاني 2011، أعمال شغب وامتدت إلى بعض ولايات الوطن؛ احتجاجًا على ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، مثل: الزيت والسكر بحوالى 30%. وتزامنت هذه الأعمال مع بداية انتفاضة الشعب التونسي. فخاف النظام السياسي أن يمتد اللهيب التونسي إلى الجزائر، وقام الإعلام الجزائري الرسمي بالتعتيم، كعادته، على ما جرى في الجزائر. ولم يُشِر التلفزيون الرسمي في نشرته الإخبارية قَطُّ إلى ما جرى في تونس(26).
انفصالية: استغل الخطاب الرسمي عملية إلقاء القبض على خلية إرهابية تتكون من 12 عنصرًا كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضد مرافق حيوية في الجنوب الجزائري بالتزامن مع الذكرى الثانية للاعتداء الإرهابي الذي استهدف المركب الغازي لتي?نتورين بعين أمناس بولاية إليزي في 16 يناير/كانون الثاني 2013، وربطه تلقائيًّا بانتشار الاحتجاج ضد التنقيب عن الغاز الصخري، والذي عمَّ العديد من ولايات جزائرية ليتهم المعارضة السياسية بالعمل على إثارة الفوضى وزعزعة استقرار البلاد. ثم صعّد الخطاب الرسمي في تهجمه على المعارضة بعد امتداد رقعة الاحتجاجات إلى غاية اتهامها بتقسيم الجزائر وفصل الصحراء عنها(27).
إن تشكيل صورة المعارضة الانفصالية ليس اعتباطيًّا، بل يحيي الماضي الاستعماري في أذهان الجزائريين. إنهم يعرفون جيِّدًا أن المفاوضات بين الحكومة الجزائرية المؤقتة والنظام الاستعماري الفرنسي تعثرت وأُجِّلت وطالت بسبب مسألة الصحراء. فبعد اكتشاف حقول النفط في الجنوب الجزائري في العام 1956 قبلت السلطات الاستعمارية منح الجزائر استقلالها بشرط فصل الصحراء منها. فربط فصل الصحراء بالمعارضة السياسية تأكيد على سعيها وعملها لإنجاز ما عجز الاستعمار الفرنسي عن تحقيقه في الجزائر بعد حرب ضروس امتدت سبع سنوات.
المُتَاجَرة بالسياسة: انتقل الخطاب الرسمي من اتهام المعارضين السياسيين بالمهرِّجين والمغامرين والمراهقين السياسيين إلى تُجَّار السياسة(28). ولهذه الصفة وقعٌ خاص لدى الجزائريين الذين لاحظوا أن الفعل السياسي أصبح مُبْتَذَلًا في الجزائر؛ حيث إن التنافس بين الأشخاص والأحزاب لم تعد تُحرِّكه المبادئ السياسية والمواقف الأيديولوجية، ولا يجري على أرضية البرامج السياسية، بل أصبح مرتبطًا بالمآرب الشخصية والمصالح الفئوية، خاصة بعد دخول الرأسمال المعترك السياسي؛ من أجل توجيه القرار الاقتصادي والسياسي إن لم يفلح في احتكاره.
وفي الختام، يمكن القول: إن مُكَوِّنات صورة المعارضة التي يُروِّجُها الإعلام الرسمي والمنحاز للسلطة الحاكمة يستنكر، بشكل ضمني، بروز أي رأي مخالف أو معارض لها(29). وهذا ما يثبته تواتر الحديث عن عدم فاعلية المعارضة أو حتى عدم وجودها في الجزائر لعجزها عن امتلاك مشاريع اقتصادية واجتماعية، أو برامج للوصول إلى السلطة. إنها مصدر عدم استقرار البلاد والفوضى(30).
ويُروِّج الخطاب الرسمي إلى معارضة بديلة ومرغوبة، لكن ما صفاتها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال واضحة. إنها معارضة واعية وحذرة للحفاظ على استقرار البلاد والسلم الاجتماعي(31). لكن أيّ سِلْمٍ هذا والجزائر تعيش أعمال شغب متواترة ما انفكت في التزايد؛ حيث بلغ عددها مائة ألف في العام 2010، حسب بعض الباحثين الجزائريين(32). فالباحث الجزائري علي الكنز يؤكد أن المسيرات السلمية، والعرائض السياسية، والاعتصامات، والإضرابات تعدّ فعلًا سياسيًّا وتتطلب ردًّا بالمثل؛ أي سياسيًّا، من قبل هيئات الدولة. وعندما يغيب هذا الرَّد تتحول بسرعة إلى “أعمال شغب”، لتبرهن على انقطاع الرابط الاجتماعي بين الدولة والمجتمع(33).
بالطبع، إن هذه العناصر تشكِّل الأبعاد المعرفية لصورة المعارضة، كما يُشخِّصها الخطاب الرسمي. أما الأبعاد السلوكية لهذه الصورة، أي: كيف تعاملت السلطة الحاكمة بشكل إجرائي مع هذه الصورة، فيمكن اختصارها في الأبعاد التالية:
التضييق على نشاط المعارضة: استغلت السلطة الصورة التي تقدّمها للمعارضة كمبرر للتضييق عليها، بدءًا بحرمانها من التجمع حتى داخل القاعات المغلقة، وتنظيم المسيرات، والوقفات الاحتجاجية وصولًا إلى الحد من حركة قادتها، وتوقيف بعضهم؛ قصد تخويفهم قبل إطلاق سراحهم.
عرقلة أنشطتها: تستعين السلطة الحاكمة بمناضلي بعض الأحزاب الموالية للسلطة والجمعيات التابعة لها قصد التشويش على أنشطتها وعرقلتها حتى باستعمال العنف.
تشكيل قوى معارضة للمعارضة من خارج السلطة: تسعى السلطة الحاكمة، وباستمرار، إلى تشكيل لجان لمساندة الرئيس، ومساعدتها على تنظيم مظاهرة التأييد للقيادة الحاكمة كلما شعرت باستقواء المعارضة بالشارع(34).

خلاصة

إن الاستراتيجية التي يستخدمها الخطاب الإعلامي الرسمي الجزائري لنحت صورة المعارضة السياسية في وعي الرأي العام الجزائري، والتأكيد على مكوناتها المذكورة سابقًا، وما تبعها من ممارسات عملية لتقييد نشاطها والتضييق عليها، تسير في اتجاه تعميق الهوَّة بين السلطة والمعارضة، وتُغذِّي -بشكل ضمني وعملي- رفض التعددية السياسية والاختلاف في الرأي. وهذا يَرْهَنُ الفعل السياسي في الجزائر لمزيد من الاحتقان والتأزم. أما المعارضة السياسية فلم تتخذ موقف الدفاع، وتجتهد في نفي الصورة التي أُلصقت بها، بل تبنت استراتيجية الهجوم بالتركيز على أن السلطة الحاكمة هي مصدر عدم استقرار البلاد؛ لأنها ترعى الفساد وتدعمه، خاصة بعد أن دفعت بعض الدول الغربية بملفات الفساد، التي تورَّط فيها مسؤولون جزائريون إلى المحاكم، وتناولتها بعض الصحف الجزائرية، فزادت في غضب الشارع على السلطة الحاكمة؛ مما اضطرها إلى إحالة الملفات المذكورة إلى القضاء بعد طول تردد من أجل تطويق تداعياتها.

الهوامش

تشكلت هذه التنسيقية من قطبين هما: “تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي” المكوَّنة من خمسة أحزاب إسلامية وعلمانية، إضافة إلى المترشح المنسحب من انتخابات الرئاسة، أحمد بن بيتور، وتقودها “حركة مجتمع السلم، و”قطب التغيير” المتكوّن من 11 حزبًا معارضًا ينتمون إلى أيديولوجيات مختلفة، ويقودهم علي بن فليس رئيس الحكومة السابق.
2. Mostefaoui Belkacem, “Médias concurrents en Algérie: “Radios libres” islamistes, télévision nationale et télévision française”, Revue Etudes, (vol 376, no4, 1992), pp. 457-467.
– Cherif, Dris, “La nouvelle loi organique sur l’information de 2012 en Algérie: vers un ordre médiatique néo-autoritaire?”, L’Année du Maghreb, (vol VIII, 2012), pp. 303-320.
– Ghazali, Ahmed, “Médias et développements politiques dans le Maghreb et le monde arabe”, Tripodes, (no 30, Barcelona, 2012), pp 29-44.
– Mostefaoui, Belkacem, “Algérie: journalisme et éthique, L’émergence d’un espace de débat contradictoire”, Annuaire de l’Afrique du Nord, (tome XXXVI, 1997, CNRS éditions), pp. 9-45.
3. Stefan, Weber, “Media and the Construction of Reality”, mediamanual, (4 June 2002), (Visited on 30 April 2015):
http://www.mediamanual.at/en/pdf/Weber_etrans.pdf
4. Grassineau, Benjamin, “La construction de la réalité sociale. Synthèse du livre de Thomas Luckmann et Peter Berger”, (1 September 2004), (Visited on 30 April 2015):
http://librapport.org/getpdf.php?get=491&id=17&pagename=FILE:download/document%20view
5. نقلًا عن المصدر السابق.
6. Fowler, Roger, “Language in the news: Discourse and ideology in the press”, (Routledge, London, 1991), p 2.
7. Gauthier, Benoit (sous la direction), “De la problématique à la collecte des données”, (Presses de l’Université du Québec, Québec, 2009), p 243.
8. Institut Panos Paris et Observatoire Méditerranéen de la Communication: La mission de service public audiovisuel dans la région Maghreb, (Mashrek- impression, Xl Print Paris, 2012), p138.
9. جهيد يونسي، محمد، “رئيس حركة الإصلاح يكرم مجاهدي أولاد تبان بسطيف”، المساء، 15 فبراير/شباط 2015.
10. أشاد هذان الحزبان بخطاب رئيس الجمهورية، الذي بُثَّ في نشرة الأخبار التلفزيونية والإذاعية يوم 19 مارس/آذار بمناسبة عيد النصر، والذي شنَّ فيه هجومًا عنيفًا على أحزاب المعارضة والصحافة المستقلة ونعتها بأبشع النعوت.
انظر: نص خطاب رئيس الجمهورية الجزائرية عبد العزيز بوتفليفة، والذي ألقاه بمناسبة يوم النصر، 19 مارس/آذار 2015، موقع رئاسة الجمهورية، (تاريخ الدخول: 1 مايو/أيار 2015 (:
http://www.el-mouradia.dz/arabe/president/activites/presidentacti.htm
11. خلافًا للوقت الممنوح لأعضاء السلطة التنفيذية وعلى رأسهم رئيس الجمهورية. لقد بُثت في نشرة الأخبار 25 مارس/آذار 2015 ثلاث رسائل كاملة بعث بها إلى رؤوساء الدول الثلاث: مصر، والسودان، وإثيوبيا بمناسبة مصادقتهم على معاهدة لتقسيم مياه النيل. الرسائل متطابقة ولا تختلف سوى في اسم المرسل إليه واسم دولته، لكنها أخذت من مدة نشرة الأخبار 12 دقيقة.
12. انظر، على سبيل المثال: الخبر الخاص بلقاء عبد المجيد مناصرة رئيس حزب جبهة التغيير بمناضلات حزبه، والذي بثّه التلفزيون الجزائري في نشرته الإخبارية يوم 30 مارس/آذار 2015، وورد في نشرة الأخبار الإذاعية التي بُثت في اليوم ذاته؛ حيث يبدو هذا الحزب موافقًا تمامًا على المشروع الذي تقدَّمت به الحكومة للمجلس الوطني الشعبي بشأن تعديل قانون العقوبات من أجل تعزيز مكافحة العنف ضد النساء والتحرش الجنسي ضد المرأة، بينما الكل يدرك أن الأحزاب الإسلامية غادرت قاعة المجلس احتجاجًا على هذا التعديل.
13. يمكن أن نذكر في هذا الصدد أن نشرة الأخبار التلفزيونية منحت رئيس حزب “عهد 54” ثانية ونصف وتقتطف من تدخله في المؤتمر الصحفي الذي عقده بمقر حزبه الجملة التالية: “يجب أن نتحد ونحل مشاكل البلاد”. بينما نشرت صحيفة المجاهد الصادرة يوم 31 مارس/آذار 2015 جانبًا آخر من تصريحه يؤكد فيه ضرورة توجُّه الجزائر نحو استغلال الطاقة المتجددة، وطالب بإبرام عقد اجتماعي وسياسي واقتصادي كمرحلة انتقالية من أجل إجراء انتخابات تشريعية بالاتفاق بين السلطة الحاكمة والمعارضة. لكننا نقرأ في الصحف المستقلة، مثل: صحيفة “ليبرتي” الصادرة في اليوم ذاته، على سبيل المثال، شيئًا آخر يعبر بوضوح عن مواقف الحزب المعارضة للسلطة ولاستغلال الغاز الصخري في جنوب الجزائر. فتحْت عنوان: “اتهم بوتفليقة برغبته في كسب الوقت بمراجعة الدستور. علي فوزي رباعين: إن وضع البلاد مقلق جدًّا” تكتب الصحيفة، وتؤكد أن أمين عام حزب عهد 54 شدّد على أن السلطة لم تفعل سوى استهلاك أموال الجزائر دون أن تنتج أي شيء. لقد استهلكت 900 مليار دولار في 15 سنة.
14. Virginie, Le Torrec, “Cadrage médiatique d’une institution politique: Les parlements dans l’information télévisée britannique et française”, 2003 (Visited on 29 April 2015): http://archivesic.ccsd.cnrs.fr/sic_00000730
15. عنصر، العياشي، “المجتمع المدني، المفهوم والواقع: الجزائر نموذجًا”، رواق عربي، (العدد 22، 2001)، ص41- 64.
16. أظهرت نشرة الأخبار التلفزيونية التي بُثت يوم 26 مارس/آذار 2015 الوزراء يردُّون، بالصوت والصورة، على الأسئلة التي وجَّهها لهم نواب البرلمان. ولم تُشِر لا من قريب أو بعيد لأي نائب طرح السؤال ولا لانتمائه الحزبي. وهذا يوحي أن الإعلام الرسمي ما زال يغطي نشاط البرلمان بمنطق الحزب الواحد الذي عمَّر ثلاثين عامًا.
17. للاطلاع على أشكال الالتفاف على الإعلام الرسمي، انظر: لعياضي، نصر الدين، “الشباب الجزائري والتهميش الإعلامي وأساليب الالتفاف عليه”، كتاب باحثات، (العدد 15، سبتمبر/أيلول 2012)، ص210- 222.
18. انطلقت هذه النشرة الإخبارية على شبكة الإنترنت في شهر أغسطس/آب 2010 بمسمى “الجرنال: النشرة الإخبارية الحقيقية”، (تاريخ الدخول: 1 مايو/أيار 2015):

19. انظر، على سبيل المثال: تصريحات الشباب في نشرة الأخبار الإذاعية والتلفزيونية يوم 2 إبريل/نيسان 2015 بمناسبة زيارة وزيري الشباب والتكوين المهني إلى عين صالح -مركز الاحتجاج ضد استغلال الغاز الصخري- على منحهم فرصة التأهيل المهني في مراكز التكوين المهني وعلى تنظيم رحلة لهم للعاصمة بمناسبة إجازة الربيع، وقد نقلت الصحف الرسمية مضمون التصريحات للوزراء والشباب معًا.
20. انظر، على سبيل المثال:
– K Salah-Eddine, “L’association des chômeurs hausse le ton”, Le Quotidien d’Oran, 25 septembre 2014.
– Bsikri, Mehdi, “Mouvement des chômeurs: La CNDDC revient à la charge”, El Watan, 25 septembre 2014.
21. رونيه، غاليسو، “الحركات الجمعوية والحركة الاجتماعية علاقة الدولة والمجتمع في تاريخ المغرب”، ترجمة (محمد دواد ومحمد غالم)، (مجلة إنسانيات، الجزائر، العدد 8، 1999)، ص7- 13.
22. قدار، فطيمة، “عمارة بن يونس: دعوة المعارضة تهديد لاستقرار الجزائر”، النشرة الإخبارية ليوم 8 فبراير/شباط 2015.
23. Addi, Lahouari, “Les obstacles à la formation de la société civile en Algérie”, (éd La Découverte, 2011), pp 369- 370.
24. انظر:
– سعاد. ب، “أحزاب تفضح محاولات غرس الثقافة الجهوية بين الجزائريين”، صوت الأحرار، 22 فبراير/شباط 2015.
– قوجيل، خديجة، “دعا إلى تجنب الدفع نحو ربيع دموي بالجزائر، غول يحذّر من استغلال الاحتجاجات لإثارة الفتنة”، الفجر، 28 إبريل/نيسان 2015.
25. انظر، على سبيل المثال: دباش، أمينة، “الحكم: حنكة وحكمة”، الشعب، 24 مارس/آذار 2015.
Daoudi, Smail, “Saidani soutient l’initiative du FFS et tire sur la CNCLD”, la tribune de l’ouest, 17 février 2015.
26. “L’ENTV n’a rien vu!”, Liberté, 15 janvier 2011.
27. انظر:
– كباش، بلال، “سعيداني: تراكمات إهمال الجنوب وراء الاحتجاجات”، النهار، 13 يناير/كانون الثاني 2015.
– دباش، أمينة، “يريدون تجويعنا!”، الشعب، 18 يناير/كانون الثاني 2015.
28. انظر:
– لخضر، رزاوي: “سعداني: المعارضون تجار سياسة ومعظم الأحزاب لا تملك سوى الأختام”، الشروق الجزائرية، 21 مارس/آذار 2015.
– “سعيداني يقصف بالثقيل ويصف أحزاب المعارضة بتجار السياسة”، النهار، 21 مارس/آذار 2015.
29. دباش، أمينة، “الحكم: حنكة وحكمة”، مصدر سابق.
30. وكالة الأنباء الجزائرية، “أكد على أنه لا توجد معارضة حقيقية في الجزائر، بن يونس: الرئيس بصحة جيدة والحصيلة السنوية أتت بثمارها”، نقلًا عن الحياة الجزائرية، 17 إبريل/نيسان 2015.
31. Daoudi, Smail, op cit.
32. Aghrout, Ahmed, Zoubir Yahia, “Algérie: des réformes politiques pour éluder le “printemps arabe”, alternatives sud, (vol. 19, 2012), p 4.
33. El Kenz, Ali, “Les émeutes témoignent d’un durcissement du lien social”, EL Watan, 15 juin 2008.
34. عبد الكريم. س، “تنسيقية جمعيات مساندة الرئيس تطالب بتكوين جبهة داخلية قوية وفعّالة”، الإخبارية، 27 إبريل/نيسان 2015.

* أستاذ جامعي وباحث في علوم الإعلام والاتصال/ مركز الجزيرة للدراسات