الرئيسية / ثقافة ومعرفة / الفضاء السمعي البصري الموريتاني وبنية السلطة والمجتمع
2015111785441624734_19

الفضاء السمعي البصري الموريتاني وبنية السلطة والمجتمع

مقدمة

شكَّل تاريخ 3 يوليو/تموز 2010 محطَّة بارزة في مسار الإعلام الموريتاني، بإقرار الجمعية الوطنية قانونًا يقضي بتحرير الفضاء السمعي البصري وإنهاء احتكار الدولة لمجال البث الإذاعي والتليفزي، وتحويل الإعلام الحكومي إلى “إعلام عمومي”، وهو القانون المعروف برقم 2010-045. وقد كشف الجدل السياسي؛ الذي رافق هذا القانون آنذاك حول “بُنُوَّتِهِ” الشَّرْعِيَّةِ بين فريقي المعارضة والأغلبية الحاكمة، أهمية المسار الجديد لقطاع الإعلام باتجاه مَأْسَسَتِهِ عبر إعادة هيكلة منظومته قانونيًّا وتنظيميًّا ومهنيًّا وفَكِّ ارتباطه بالمنظومة السياسية، وضمان استقلاليته وحريَّته وتعدُّديته بأبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية والمجالية، حتى يتمكَّن من أداء الدور المنوط به في الاستجابة للاحتياجات الديمقراطية والثقافية للمجتمع، ولكي لا يظل عُدَّةً أيديولوجية، أو ذراعًا إعلاميَّة لنظام الحكم يُروِّج لخطابه السياسي ومواقفه، أو أداةً لِقَوْلَبَةِ الوعي وتزييفه وتوجيه الرأي العام. وتُوِّجَ هذا المسار بالترخيص لخمس محطات إذاعية وأخرى تليفزيونية؛ تتولَّى السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية؛ باعتبارها سلطة تنظيمية، رقابةَ ومتابعةَ نشاطات هذه المؤسسات، والسَّهر على تطبيق التشريعات والنُّظُم المتعلقة بقطاع الاتصال(1).
ورغم مناخ الحريات الواسعة التي يعيشها قطاع السمعي البصري والمشهد الإعلامي عمومًا؛ حيث ظلَّت موريتانيا تحافظ على تصدُّر قائمة الدول العربية في مجال حرية الصحافة للسنة الرابعة(2)، فإن مسار مَأْسَسَةِ هذا القطاع وتحويل الإعلام الحكومي إلى إعلام الخدمة العمومية لم يُقدِّم بعد مرور خمسة أعوام مُخْرَجَاتٍ تُرضي تطلُّعات أو تحظى بتوافق في الرؤى بين المهنيين والنقابيين والحقوقيين والفاعلين السياسيين، والنخبة المجتمعية الموريتانية بشكل عام، حول خصائصهما وأهدافهما ورهاناتهما؛ ما يؤكد أن جوهر المشكلة لا يرتبط بمنسوب الحرية؛ إذ تظلُّ سياسة تحرير الفضاء السمعي البصري والخدمة العمومية للإعلام الرسمي فرعًا من تَصَوُّرِ نظام الحكم؛ أي يرتبطان بنموذج هذا الحكم ومنظومته الفكرية والثقافية، ومفهوم السلطة وآليات الوصول إليها وتداولها، وأساليب إدارة الشأن العام والمرافق العامة، وكيفية تمكين أفراد المجتمع من مبدأ الحق في الاتصال وحرية الرأي والتعبير، وعلاقتهم بتليفزيون الخدمة العمومية أساسًا. وهنا، يُصبح تحرير الفضاء السمعي البصري في الأصل قضية فكرية سياسية؛ تثير مقاربتُها سؤال: أي مجتمع نريد؟ وهو المجتمع الذي لا يمكن تصوُّره دون تحديد قواعد الفعل التواصلي أو التفاوض المشترك في عملية البحث عن المصلحة العامة بين المواطنين والفاعلين في هذا المجتمع.
أبعاد هذه القضية الفكرية السياسية ستكون محور الورقة التي تبحث في البيئة أو السياق العام لتحرير القطاع السمعي البصري الموريتاني وتحويل الإعلام الحكومي إلى إعلام عمومي، وترصد خصائصهما ومُخرجاتهما ورهاناتهما بعد مرور خمسة أعوام على التجربة، والصورة التي يعكسانهما في التنظيم الذاتي الديمقراطي للمجتمع والمجال العام، وأساليب التعايش والتفاوض بين الفاعلين، وشكل السلطة الذي تُمثِّله هيكلة القطاع السمعي البصري؛ باعتبار القضية -كما ذُكِرَ آنفًا- فكرية سياسية ترتبط بنموذج الحكم ومرجعيته السياسية والفكرية والثقافية، وتأثير ذلك كله في تقديم فهم للوعود المتعلقة بإرساء الحكم الديمقراطي وتحدياته، وتداول السلطة. ومن ثم تُؤَسِّسُ هذه القضية لفرضية الورقة التي تنطلق من البحث في خصوصية المنظومة الإعلامية وعلاقتها بالمجال العام وشكل المنظومة السياسية التي تعكسها بعد تحرير الفضاء السمعي البصري وتحويل “وسائل إعلام الدولة” (بتعبير القانون نفسه) إلى إعلام عمومي.
ولمقاربة أبعاد مشكلة الدراسة، استخدمت الورقة أسلوب الملاحظة(3) والمقابلة؛ حيث أجرى الباحث 21 مقابلة(4) مع إعلاميين ومهنيين وفاعلين مختلفين في المشهد السياسي والنقابي والحقوقي؛ فضلًا عن مسؤولين رسميين، يمثِّلون مجتمع الدراسة؛ وذلك للتعرف على الاتجاهات والمواقف المختلفة التي تحدُّد رؤيتهم بشأن مسار تحرير القطاع السمعي البصري ومُخرجات تحويل الإعلام الحكومي إلى إعلام عمومي، كما اعتمدت الورقة أيضًا أسلوب مجموعات التركيز، أو مجموعات النقاش المركَّزة، التي تقوم أساسًا على التفاعل بين أفراد المجموعة حول موضوع النقاش، وقد استخدمها الباحث أداةً مُكَمِّلةً للمقابلات المتعمِّقة. ومن خلال أبعاد مشكلة الدراسة (الفكرية والسياسية) تستفيد الورقة من الإطار النظري لدراسات المجال العام؛ باعتباره يُقدِّم الآلية المركزية للتنظيم الذاتي الديمقراطي للمجتمع وأداةً مساعدةً في عمليات التعجيل بالمشاركة والنقد والديمقراطية، ويؤكد على قيمة التواصل الشفَّاف وممارسة الفهم الاتصالي بين الفاعلين من المستوى الأصغر للحياة الاجتماعية إلى المجالات الجمعية الأكثر تنظيمًا والتي يتم فيها التباحث والنقاش(5)، إضافة إلى الإطار النظري لبعض الدراسات العربية المهمَّة في مجال إعلام الخدمة العمومية.

السياق العام لتحرير الفضاء السمعي البصري

يُعدُّ السياق إطارًا منهجيًّا وأداةً إجرائيةً مهمَّةً لدراسة الظروف والشروط التي أَنْتَجَتْ قانون تحرير الفضاء السمعي البصري الموريتاني وتحويل وسائل إعلام الدولة إلى إعلام عمومي؛ إذ تقوم هذه الأداة بتحديد المعنى أو تعيين القيمة الرمزية والسياسية للقانون؛ باعتباره بناءً مُؤَسَّسِيًّا قائمًا بذاته لم ينشأ معزولًا عن الموقف الخارجي؛ أي محيطه السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن هنا، تنبع أهمية سياق الحال الذي أَطَّرَ هذا البناء الـمُؤَسَّسي؛ حيث يصبح المعنى (قيمة القانون) من وظيفة السياق كما يؤكد اللساني جون روبرت فيرث: “المعنى وظيفة السياق”(6)، بل أحيانًا يكون السياق الذي يتم فيه تَنْزِيل القانون أهم من المعنى كما في المقولة المأثورة عن الباحث الأكاديمي يحيى اليحياوي: “السياق أهم من المعنى”.
ولعل في تنوُّع رؤى النخبة المجتمعية الموريتانية واختلافها حول تأطير أو تَنْزِيل القانون 2010-045 في سياقات مختلفة ما يوضح أن المعنى الذي تُشيِّدُه هذه الرؤى ليس سوى نتاج لسياق الحال، فثمة مجموعة تنظر لهذا القانون باعتباره صيرورة لتجارب الانفتاح الديمقراطي الذي عاشته البلاد خلال العقدين الأخيرين؛ حيث شهدت في بداية التسعينات انفتاحًا على الصحافة المستقلة المكتوبة(7)، وخلال هذه المرحلة كانت حرية الرأي والتعبير إحدى وسائل تعزيز الديمقراطية في موريتانيا؛ إذ كان الاتحاد الأوروبي شريكًا في رعاية التجربة الديمقراطية، وأصبحت الحكومة الموريتانية أكثر يقظة تجاه المسألة الديمقراطية عندما شرعت حكومات إفريقية في تدشين المشروع الديمقراطي بعد القمة الفرنسية-الإفريقية بمدينة لابول في يونيو/حزيران 1990؛ التي أعلن فيها الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران أن الأنظمة السياسية في إفريقيا ينبغي توجيهها نحو الأخذ بالسُّبُل الديمقراطية في تسيير شؤون الحكم، ورَبَطَ بين دَمَقْرَطَةِ الحياة السياسية والعَوْن العمومي الفرنسي(8). وفي المرحلة الانتقالية لعام 2005-2007 كان بَنْدُ تحرير القطاع السمعي البصري جزءًا من الالتزامات التي قدَّمها المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية* للشركاء الأجانب، خاصة الاتحاد الأوروبي، خلال فترة الـ19 شهرًا المقرَّرة لتلك المرحلة، لكن تعذَّر إنجاز التحرير؛ لأن الإرادة وحدها لا تكفي؛ إذ كانت عملية التحرير تنازلًا فعليًّا للدولة عن آخر احتكاراتها الكبرى للمجال السمعي البصري بعد أن تنازلت عام 1991 عن احتكارها للصحافة المكتوبة(9). وإِنْ كان هذا الرأي يعتبر تحرير الفضاء السمعي البصري “ثمرة نضالات تتقاطع في بعض الأحيان مع وجود إرادة سياسية”.
ويربط البعض مشروع تحرير هذا الفضاء برغبة المجلس العسكري الحاكم في كَسْبِ الاعتراف بالانقلاب ومشروعيته من قِبل الاتحاد الأوروبي؛ باعتباره (مشروع التحرير) ضرورة لإنقاذ الديمقراطية نفسها؛ حيث قطعت موريتانيا على نفسها مجموعة من الالتزامات مع الاتحاد الأوروبي، والتي تحدُّدها اتفاقية “كوتونو” لتمويل التنمية في الدول الإفريقية-الكاريبية-الباسيفيكية مقابل تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان؛ حيث قدَّم الاتحاد الأوروبي في العام 2006 دعمًا ماليًّا سواء للصحافة المكتوبة أو تحرير الفضاء السمعي البصري(10).
وهناك فئة أخرى من النخبة المجتمعية الموريتانية تُنَزِّل قانون تحرير الفضاء السمعي البصري وتحويل وسائل إعلام الدولة إلى إعلام عمومي في سياق “الموجة الديمقراطية الثانية” التي عرفتها موريتانيا خلال فترة حكم المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية (2005-2007)؛ حيث كان تحرير القطاع مَطْلَبًا مُلِحًّا “تدعمه إرادة سياسية صادقة -كما يعتقد المختار ولد عبد الله المدير المساعد للتليفزيون الموريتاني- لتأسيس هذا التحوُّل، وهو صيرورة لمراحل اشترك فيها فاعلون متعدِّدون أهمها السياق السياسي المحلي والحراك التحريري الإعلامي عمومًا”(11)، بيد أن هذه الفئة ترى أن شروط التحرير لم تَنْضُج إلا في عهد الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وتَنْسُبُ له الفضل في “ميلاد الفضاء السمعي البصري كامل الشروط باتجاه تحريره إمَّا اقتناعًا بأن الزمن لم يعد يسمح بغير هذا، وإمَّا اقتناصًا للحظة، وفي كلتا الحالتين هو ذكاء سياسي وظَّفه الرئيس محمد ولد عبد العزيز وحَوَّله من إطار مشروع لتحرير الفضاء السمعي البصري تعثَّر كثيرًا خلال الأشهر التي قضاها الرئيس السابق سيدي محمد الشيخ ولد عبد الله في السلطة مشغولًا بملفات أخرى، إلى خطوات إجرائية يجني المجتمع ثمارها اليوم”(12)، وهو الرأي نفسه الذي يُدافع عنه سيدي محمد ولد بونا، النائب البرلماني عن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية والمستشار السابق للرئيس محمد ولد عبد العزيز؛ إذ اعتبر أن تحرير الفضاء السمعي البصري ظل يُشكِّل قناعة لدى الرئيس الذي أبدى حرصًا حقيقيًّا على الـمُضِي في هذا المسار واستعدادًا لدفع الثمن من أجل ترسيخ الحرية؛ “لذلك جاء القانون نتيجة إرادة سياسية من الدولة بدرجة أولى قبل أن يكون تطوُّرًا طبيعيًّا داخل المشهد السياسي والإعلامي في البلد، وهذه الإرادة هي التي جسَّدت تحرير القطاع”(13).
هذه الأطروحة نجدها أيضًا لدى حمود ولد امحمد، رئيس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، الذي يرى أن المشهد الإعلامي الموريتاني اليوم هو نِتَاج للإرادة السياسية للدولة، والتي لولاها لما كان المطلب السياسي والاجتماعي يكفي لإنجاز تحرير الفضاء السمعي البصري؛ فقد كانت الإرادة السياسية شجاعة وأعطت الحقل الإعلامي ما يحتاجه(14). ويُقدِّم محمد ولد بونا، المستشار السابق للرئيس محمد ولد عبد العزيز، مُؤشِّرًا على ما يصفه بقوَّة هذه الإرادة السياسية وصدقها في تحرير القطاع هو تحمُّل الدولة لتكاليف بثِّ المحطات الإذاعية والتليفزيونية الخاصة؛ التي وجدت نفسها عاجزة عن سداد ديونها لشركة البثِّ الإذاعي والتليفزيوني. فهذه المحطات والقنوات؛ التي أصبحت غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها، تعمل اليوم بفعل الإرادة السياسية للدولة(15). وتتبنَّى هذا الرأي قطاعات وهيئات مختلفة، وإِنْ كان بعضها يعتبر فترة المجلس العسكري الحاكم المرحلة الانتقالية الأولى؛ التي توسَّعت فيها الحريات العامة وأُلْغِيَتْ فيها المادة 11 من قانون الصحافة؛ التي كانت تعطي وزارة الداخلية الحق في الرقابة وتم استبدالها بالرقابة القضائية، وأُنْشِئت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، ثم طُرِح مشروع تحرير الفضاء السمعي البصري في عهد الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله. وبعد الانقلاب عام 2008 استتب الوضع وأُفْرِج عن المشروع؛ إذ كانت لدى الرئيس محمد ولد عبد العزيز رؤية مُتقدِّمة ومُتحرِّرة للإعلام حتى وهو على رأس قيادة الحرس الرئاسي؛ فهذه القناعة والمطالبة السياسية الداخلية للأحزاب والهيئات النقابية ولَّدت ضغطًا وأصبح المجال جاهزًا لتحرير الفضاء السمعي البصري(16).
بينما ينفي فريق آخر أن يكون تحرير الفضاء السمعي البصري صيرورة أو تتويجًا لمسار التحولات السياسية التي عاشتها موريتانيا في تاريخها الحديث، ويربطه تحديدًا بالإرادة السياسية للرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي أدرك أهمية بناء هذا المسار؛ لذلك فالتحرير بالنسبة لهذا الفريق ليس نِتَاج تراكمات تاريخية؛ لأن قيم الديمقراطية لم تترسَّخ، ولكنه وجد تلك الإرادة السياسية التي عملت على تحقيقه(17). هذه الأطروحة تجد صداها في الخطاب الرسمي الذي يعتبر التحرير نتيجة إرادة سياسية حقيقية للسلطة؛ التي أدركت منذ العام 2010 أن الوصول إلى ديمقراطية حقيقية لا يمكن إلا إذا كانت هناك تعدُّدية سياسية، والتعددية السياسية مرتبطة بالتعدُّدية الإعلامية(18).
إذن، تحاول هذه الرؤى؛ التي تَنْسُبُ الفضل للرئيس محمد ولد عبد العزيز في تحرير الفضاء السمعي البصري، أن تربط القيمة السياسية والرمزية لقانون 2010-045، ومن ثم المسار الجديد للإعلام الموريتاني، بـ”الإرادة السياسية” لرمز السلطة؛ التي يُمثِّلها الرئيس، وهو نوع من الخطاب الذي يُقلِّل من دور الشروط السياسية والنقابية والحقوقية والاجتماعية في إنضاج السياق العام للتحرير، ويَبْخَسُ المؤسسات والهيئات جُهْدَها وفاعليتها في هذا المجال، ويُكرِّس في الوقت نفسه محورية القائد/الزعيم في ترسيم القانون، بل وصناعته، وهو ما يُشَخْصِنُ الفعل أو الحدث ويجعله متماهيًا مع الفرد (القانون=القائد/الزعيم) بدل أن يكون نتاجًا للمؤسسة (القانون=المؤسسة)؛ لذلك يصبح هذا القانون علامةً أو وَسْمًا دالًّا على القائد/الزعيم مرتبطًا باسمه أكثر من المؤسسة أو المؤسسات التي أنتجته، وهي المعادلة التي تؤشِّر على نموذج أو طبيعة نظام الحكم السائد في مثل هذه الحالات والتجارب.
وفي المقابل، ثمة فريق آخر يُنَزِّل تحرير الفضاء السمعي البصري في سياق تطور الحالة الديمقراطية بموريتانيا التي عرفت قفزة جديدة خلال المرحلة الانتقالية لحكم المجلس العسكري، ثم مرحلة “الربيع الموريتاني” بانتخاب الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله (19 إبريل/نيسان 2007-6 أغسطس/آب 2008)؛ حيث قُدِّم مشروع قانون تحرير الفضاء السمعي البصري للجمعية الوطنية، ولما كان -حسب هذا الفريق- التحوُّل السياسي الجديد مع انقلاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز (6 أغسطس/آب 2008) والأزمة السياسية التي أثارها، حاول الرئيس باعتبار خلفيته العسكرية وغير الديمقراطية أن يُعطي انطباعًا بتوجُّهه الديمقراطي من خلال دعمه لتحرير الفضاء السمعي البصري؛ لذلك كان هناك توظيف جزئي للقانون لِشَرْعَنَةِ نظام الحكم، وهو ما يسمح له أيضًا بالتحكُّم فيه بصفة أكبر(19).
بالنسبة لهذا الاتجاه، فإن تحرير الفضاء السمعي البصري كان لافتةً؛ ففي أي انقلاب أو انقلاب مضاد لابد أن يكون هناك ما يُقَدِّمُه الـمُنْقَلِب للجمهور، فكان تحرير الإعلام إحدى هذه اللافتات التي تم توظيفها سياسيًّا، لكن هذا لا ينفي صيرورة هذا المطلب؛ فالسياسيون والعسكريون عندما يتولَّون مقاليد السلطة يبحثون فيما يَتَوَقَّعُه الناس والقضايا التي يجب البثُّ فيها؛ ففي هذا السياق يَتَنَزَّلُ مشروع القانون الذي وظَّفته السلطة لخدمة أجندتها السياسية(20).
هذه الرؤية تتقاسمها فئة واسعة من النخبة الموريتانية، سواء المحسوبة على المعارضة أو الفاعلين والنشطاء الحقوقيين؛ والتي لا تُؤْمِنُ بإمكانية ولادة الديمقراطية من رحم الانقلاب، الذي وَأَدَ تجربةً ديمقراطيةً وَلِيدَةً، بل “حدثت انتكاسة بعد انتخاب الرئيس محمد ولد عبد العزيز؛ فكان هناك حصار دولي للبلد ومناهضة داخلية لحكمه غير مسبوقة؛ فأراد أن يُسَوِّقَ لنفسه صورة الرجل المدني الـمُنْتَخَب بدل صورة العسكري الـمُنْقَلِب؛ وكذلك لِشَرْعَنَة نظام حكمه؛ باعتباره رجلًا مُنْفَتِحًا وديمقراطيًّا يُؤْمِنُ بحرية التعبير، لذلك بدأت إجراءات عملية تحرير الفضاء السمعي البصري وتحويل الإعلام الحكومي إلى إعلام عمومي”(21) وإِنْ كان هذا الرأي لا ينفي طبعًا أن يكون القانون نِتَاج “تراكم نضالي” وحقوقي ساهم فيه جميع المكوِّنات والهيئات، لكن ظَلَّ هذا المطلب يخضع باستمرار لالتفاف السلطات المتعاقبة.
فهذا “النضال” وضغط الشارع والحراك فَرَضَ، حسب هؤلاء، على المنقلبين على الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع (1985-3 أغسطس/آب 2005) الاستجابة لمطالب الموريتانيين حتى يكتسب الانقلاب مَشْرُوعِيَّته، ومن أولوية هذه المطالب حرية التعبير وتحرير الفضاء السمعي البصري الذي كان جزءًا من الحوار الذي جرى في المرحلة الانتقالية لعام 2006، وظلَّ أيضًا على رأس الأولويات خلال فترة الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، لكن كان هناك من لا يُريد أن يُصادَق على المشروع؛ فتأخَّر إصدار القانون حتى أُجريت عليه التعديلات التي تعبِّر عن إرادة سياسة التحكُّم في المؤسسات الإعلامية(22).
وبغضِّ النظر عن تضارب رؤى النخبة المجتمعية الموريتانية بشأن السياق العام الذي يَتَنَزَّل فيه قانون تحرير الفضاء السمعي البصري، فإن الواضح أن البلاد كانت تعيش خلال المرحلة الانتقالية الأولى مع المجلس العسكري، ثم الفترة الانتقالية الثانية مع الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، “ربيعها الخاص” (ربيعًا موريتانيًّا) في التحوُّل السياسي لبناء ديمقراطية وليدة قبل موجات الربيع العربي التي انطلقت بتونس في 14 يناير/كانون الثاني 2011. وهو ما يعطي أهمية للبناء القانوني للمنظومة الإعلامية الموريتانية؛ التي تشكَّلت في تلك المراحل، ودوره في محاولة مَأْسَسَة الفعل التواصلي أو التفاوض المشترك في عملية البحث عن المصلحة العامة بين المواطنين والفاعلين في المجتمع. لكن السؤال هنا، هل أثَّرت موجات الربيع العربي في مُخرجات هذا البناء القانوني والفعل التواصلي عبر وسائل “الإعلام العمومي” والإعلام السمعي البصري الخاص؟ مفاتيح الإجابة عن هذا السؤال نستشفُّها من رؤى النخبة المجتمعية الموريتانية في حديثها عن دور الإعلام ووظائفه في المجتمع كما سنبيِّن لاحقًا.

مكتسبات تحرير الفضاء السمعي البصري

رغم اختلاف وتباين رؤى النخبة الموريتانية بشأن سياقات تَنْزِيل قانون تحرير الفضاء السمعي البصري، فإنها تكاد تُجمع على إحدى أهم القيم المركزية للتفكير الديمقراطي التي رسَّخها القانون (في المادة 3) مُمثَّلةً في احترام التنوُّع والتعدُّدية في التعبير عن تيارات الفكر والرأي(23)؛ باعتبارها الـمُلهم الأساسي لسياسات تحرير القطاع، ويعود مصدر هذه الفلسفة إلى طبيعة المجتمع الذي لا يُعَد ُّكلًّا متجانسًا استنادًا إلى محددات ثقافية وسوسيولوجية مختلفة، وهو ما يفرض الاعتراف بالتعدُّد الفكري والتنوُّع الثقافي والديني والسياسي؛ إذ لم يعد من الممكن إدارة المجتمع دون الإعلان للعموم عمَّا في المجتمع من تعدُّد وتنوُّع سياسي وثقافي وأيديولوجي(24).
لذلك، يعتبر البعض التعدُّدية الإعلامية في المشهد الموريتاني ملمحًا أساسيًّا للانفتاح الديمقراطي؛ فقد وفَّرت هذه القيمة للمعارضة السياسية وغيرها منابر وفضاءات ما كانت تحلم بها إطلاقًا؛ حيث أفسحت المحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية المجال أمام القوى السياسية لتقديم مبادراتها وخياراتها، ويمثل ذلك مكسبًا كبيرًا تحقَّق خلال السنوات الخمس الأخيرة(25).
وهنا، يثمِّن معظم الفاعلين في هذا المشهد فلسفة القانون (قيمه وروحه وهدفه) الذي “أعطى الكثير من الحرية ووقف إلى جانب التعدُّدية السياسية وحماها كما حمى الفاعلين في المجال”(26)، وسمح بتعزيز هذه القيمة، وأصبح الناس يشعرون بكامل القدرة على التعبير عن آرائهم في وسائل الإعلام المختلفة سواء كانت سمعية أو بصرية أو مكتوبة أو رقمية(27)، التي كانت حتى وقت قريب حكرًا على الدولة، فالتحرير بالنسبة للبعض كان فرصة كبيرة لتعزيز القيم الديمقراطية وإفساح المجال للحرية والتعدُّدية والتنوُّع، وهو مكسب ديمقراطي مهم؛ “فـعلى المستوى السياسي للنظام أن يعتزَّ بذلك؛ فهو من عَمَدَ لِتَحَمُّل تلك الضريبة بأن حرَّر المجال السمعي البصري وهو مكسب أيضًا لمطلب المهنيين”(28).
ولئن كان بعض النخبة المجتمعية الموريتانية يقرُّ بمكسب التعددية؛ التي تمثِّل مرتكزًا أساسيًّا للقيم النَّاظِمَة للقانون ورُوحه، فإنه لا يعدم المداخل لانتقاد مضمونها ابتداءً؛ مرورًا بآليات اشتغالها وانتهاءً بمُخرجاتها؛ إذ لا تزال في نظر هؤلاء تعدُّدية ناقصة في فسح المجال أمام الصوت المخالف والمعارض، وإِنْ كان بعض القنوات الخاصة يستضيف أصواتًا معارِضة فلا يزال تحت قبضة السلطة(30)، ويعلِّل هؤلاء أطروحتهم بالمحددات السياسية التي تحكَّمت في عملية ترخيص المحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية؛ فقد “جاءت التعددية بفاعلين ينتمون للأغلبية الداعمة للنظام، وهم من العائلات المقرَّبة من الرئيس محمد ولد عبد العزيز، الذين مُنحت لهم رخص استغلال القنوات؛ فباستثناء قناة “المرابطون” التي تعدُّ الصوت المعارض الوحيد ينتمي باقي القنوات للمجموعات الداعمة للرئيس، وهو ما يمثِّل تحكُّمًا في حجم وسقف التحرير”(31)؛ الأمر الذي تنفيه بشدة السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية التي ترى أن الإعلام الحر هو المحرك للتعدُّدية؛ بل إن وجود الديمقراطية نفسها يتطلب إعلامًا حرًّا؛ لذلك تعتبر المحددات السياسية التي يُفسِّر بها هؤلاء الترخيص للقنوات مجرد تأويل؛ لأن السلطة العليا لم تُرخِّص لوسائل إعلام تمثل أبواقًا للنظام(32).
وهنا يُطرح السؤال حول مفهوم هذه التعدُّدية، فهل تعني فسح المجال الإعلامي أمام القطاع الخاص لملكية وسائل الإعلام فقط أم أنه لا يمكن الفصل بين تعدُّدية الإعلام والتعدُّدية في وسائل الإعلام؟ بمعنى هل توفر هذه الوسائل مضمونًا إعلاميًّا تعدُّديًّا يجعلها تعكس تنوُّعًا في الأفكار والآراء والمواقف والاتجاهات وتعدُّدها بشكل عادل؟
الإجابة عن هذا السؤال تقتضي النظر في مؤشرات متنوِّعة، أهمها: “البيئة الجديدة للمجال الإعلامي؛ حيث يعيش المشهد الإعلامي إيكولوجيا خاصة به تتمثل في ضرورة التوازن بين الوسيلة والرسالة. ففكرة التوازن البيئي تأتي من حقِّ المواطن في الاطلاع على المعلومة وحقِّه أيضًا في تفسيرها وتحليلها. إن التعدُّدية هي إذن إحدى ضمانات توفر مجال إعلامي متوازن فيما يتعلق بالمؤشرات الكمية والكيفية للمؤسسة الإعلامية؛ فلا وجود لتوازن بيئي إذا لم تتوفر للمواطن صورة وفكرة متعدِّدتان عن المجتمع الذي ينتمي إليه(33). فهل يُوفِّر القطاع السمعي البصري الموريتاني بعد تحريره صورة وفكرة متعدِّدتين عن المجتمع الذي ينتمي إليه؟
بالطبع ليست هناك إجابة واحدة؛ إذ تختلف الرؤى باختلاف المواقع وأدوات التقييم، فالرؤية الأكاديمية تعتبر أن ثمة تعدُّدية في ملكية الوسائل، والمضامين أيضًا، وإِنْ كانت الأولى أكثر حضورًا في الجيل الأول من المحطات الإذاعية والتليفزيونية لعام 2011؛ إلا أنها أكثر انسجامًا مع الخريطة السياسية في تلك الفترة، بعد ذلك تم الترخيص لقناة “المرابطون” في العام 2013 التي وفَّرت التنوُّع والتعدُّدية في المضامين(34). وتتقاطع مع هذا الطرح رؤية بعض المهنيين؛ إذ يرى هؤلاء أن التعدُّدية قائمة في الأفكار والمضامين وفي التصورات والرؤى، لذلك فإن المتلقي الموريتاني يمتلك خيارات متعددة ووسائل متنوِّعة للتعبير عن نفسه وللحكم على الأشياء التي تمسُّ حياته اليومية، وقد أسهم تحرير الفضاء السمعي البصري بدوره في إبراز المشهد العام للديمقراطية والحرية الموجودة اليوم في موريتانيا(35).
ويُقدِّم عبد الله ولد محمدو، رئيس مجلس إدارة قناة الساحل، رؤية تفصيلية للبيئة الجديدة للإعلام السمعي البصري الخاص؛ فثمة الإعلام السمعي البصري الحزبي ويُمثِّله حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) وهو إعلام حقيقي، ثم هناك الإعلام التجاري وينقسم إلى نوعين: إعلام يحاول أن يكون مهنيًّا له رسالة مهنيَّة وليس مجرد جني الأرباح، أمَّا النوع الثاني فيطغى عليه الجانب التجاري والربحي على المهنية، وهو لا يُوازِن بين الرسالة والوسيلة. ويُلاحِظ ولد محمدو أن المضمون الذي تُقدُّمه قناة الساحل يختلف عن قنوات القطاع الخاص، كما يختلف عن المضمون الذي تعرضه التلفزة العمومية، وغالبًا ما تُتَّهَم الساحل بتلفزة المعارضة؛ لأن أكثر الضيوف من أحزاب المعارضة وتيارات المجتمع المدني، كما تناولت القناة قضايا كانت من المحظورات ولم يعد هناك شيء مسكوت عنه، بل تنتقد الرئيس شخصيًّا وحكومته(36). أمَّا الرؤية الحزبية المعارضة أساسًا فَتُقِرُّ بالتعدُّدية في ملكية وسائل الإعلام بينما تعتبرها محتشمة في المضامين كما يرى محفوظ ولد بتاح رئيس حزب اللقاء الديمقراطي.
ويظل مكتسب التعدُّدية بالنسبة للبعض ناقصًا، مُعلِّلًا ذلك بعدم الترخيص للمحطات والقنوات الجمعوية بعد مرور أكثر من خمسة أعوام على صدور القانون؛ الذي قيَّد حصولها على الترخيص بموجب مرسوم صادر عن مجلس الوزراء يُحدِّد الشروط التي يجب توفرها في الجمعيات المعنية(37)، وهو ما يعني أن القضية ليست مرتبطة بسلطة التنظيم وإمكاناتها في مراقبة وضبط نشاط هذه الجمعيات، وإنما لها جانب سياسي يتمثَّل في خريطة المشهد الجمعوي السائلة؛ حيث توجد اليوم في موريتانيا أكثر من 4 آلاف جمعية. والسؤال الذي يبرز هنا كما يطرحه محمد المختار، مدير الصحافة المكتوبة والعلاقات الخارجية في وزارة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، ما الجمعية التي يحق لها أن تتقدَّم بمشروع إذاعة أو تليفزيون؟ ذلك ما تعكف عليه الحكومة من خلال إعادة هيكلة القطاع الجمعوي وإعداد قانون لضبط المشهد بوضع شروط وآليات تقديم الملفات مستقبلًا؛ فضلًا عن ذلك تحرص الحكومة على تقييم تجربة المحطات الإذاعية والقنوات التليفزيونية الخاصة قبل فسح المجال أمام الإذاعات والتليفزيونات الجمعوية(38).

محددات الإعلام العمومي

لا يختلف الجدل الذي تثيره البيئة الجديدة للإعلام السمعي البصري الخاص بين الفاعلين في المشهد الإعلامي؛ بشأن توازن الرسالة والوسيلة في توفير صورة وفكرة متعدِّدتين عن المجتمع، عن الجدل الذي يثيره التليفزيون الحكومي الذي تحوَّل إلى “إعلام عمومي” يُؤمِّنُ -بمقتضى المصلحة العامة- مهام الخدمة العمومية الهادفة لتلبية احتياجات الجمهور لاسيما في مجال المواطنة والتربية المدنية والاتصال في خدمة التنمية واحترام مبادئ الديمقراطية والحرية والتعددية والانفتاح والتسامح والعصرنة(39). والسؤال هنا: هل أصبح هذا الإعلام بالفعل مرآة تعكس اهتمامات الجمهور بكل مكوِّناته وتوجُّهاته؟ هل يخاطب الإعلام العمومي جميع هذه المكوِّنات دون إقصاء أو استثناء خِدْمَةً للمصلحة العامة المشتركة؟ وإلى أي حدٍّ يترجم “التليفزيون العمومي” بشعاره “الموريتانية لكل الموريتانيين” و”الموريتانية تجمعنا” قواعد المرفق العمومي التي تجعله “تليفزيون الكل” أو تليفزيون الجميع”؟
تنطلق الإجابة عن هذه الأسئلة من المحدِّدات التي وضعها القانون نفسه للخدمة العمومية (المواطنة والديمقراطية والانفتاح..) إضافة إلى أدبيات الخدمة العمومية التي تأخذ بعين الاعتبار قواعد صيرورة المرفق العمومي والمرتبطة بالتأقلم والعدالة وتواصل الخدمة واستمراريتها.
بعد ثلاثة عقود عاش خلالها الإعلام الرسمي الموريتاني تحت مظلَّة السُّلطة ناطقًا باسمها وخاضعًا لأجندتها (إعلامًا أحاديًّا)، قد لا يكون سهلًا التحوُّل إلى إعلام عمومي لأسباب كثيرة (سياسية وثقافية واجتماعية)، وهو ما يدركه المسؤولون عن إدارة الإعلام العمومي، ولا يجد هؤلاء حرجًا في التأكيد على أن شروط تكريس تحويل الإعلام الحكومي إلى إعلام عمومي لم تكتمل بعدُ عِلْمًا بأن إرادتي الـمُشَرِّع والمؤسسة الديمقراطية الموريتانية تسير في هذا الاتجاه، لكن هناك عوامل أخرى لا يتحكم فيها الإعلام العمومي وحده؛ إذ لابد من حالة نُضْجٍ مهنيٍّ لدى ممارسي المهنة ثم تقمُّص للفضاء المؤسسي بشكله المطلوب، وتجاوب الجمهور مع الترسانة القانونية، والذي يجب أن يكون على وعي بأن هذه الوسائل الإعلامية يملكها بنفس القدر التي تملكها الحكومة والمجتمع المدني. لكن هذا الإعلام يضمن النفاذ العادل لكل التشكيلات السياسية في حدود تجاوب هذه الأطياف وفي إطار احترام الرأي والرأي الآخر ومرتكزات وثوابت الدستور(40)، ولا يُخفي البعض الإصلاح الذي يحتاجه الإعلام العمومي؛ فاكتمال هذا الإصلاح سيجعله مستقلًّا عن الدولة ويلعب دوره كاملًا كمرفق للخدمة العمومية(41). بينما يقرُّ النائب البرلمان سيدي محمد ولد بونا والمستشار السابق للرئيس محمد ولد عبد العزيز أن الإعلام العمومي يعيش مرحلة تحوُّل حقيقي بعد أن كان خاضعًا لأجندة الحكومة لِيُقَدِّم خدمة عمومية للمجتمع، وهو يحتاج إلى وقت وبِنية تحتية وتكوين كادر بشري، لكن هناك إرادة حقيقية لِأَنْ ترفع السلطة يدها عن الإعلام؛ فقد خرج من إعلام خدمة السلطة والنظام إلى خدمة المجتمع والأمة بجميع مكوناتها، ويقوم بإيصال الخبر الصادق إلى المتلقي(42)، وهو ما يجعله مُتَأَقْلِمًا مع محيطه السياسي والاجتماعي مُقدِّمًا خدمة إعلامية تستجيب للاحتياجات الديمقراطية والثقافية للمجتمع.
وفي المقابل، يُقلِّل المنتقدون للإعلام العمومي من جدوى الخدمة التي يُقدِّمها، فهو ينحاز في نظر هؤلاء إلى السلطة ويُلَمِّع صورتها، ويعدُّ أحد أدواتها التي تُوظَّف من أجل تكريس هيمنتها وسيطرتها وأحاديتها، وخصوصًا في لحظات الصراع، لكن يمكن القول: إن الإعلام الرسمي أدَّى دورًا إيجابيًّا لاسيما فيما يتعلق بالتوعية والتثقيف وإِنْ ظلَّ في مجال الحريات يخضع للانتقائية؛ إذ لا يضمن النفاذ العادل للتشكيلات السياسية إلا في المواسم الانتخابية، ثم يستأثر بكل شيء خارج هذه المواسم(43). وهي الحُجَّة نفسها التي يُقدِّمها نقيب الصحافيين الموريتانيين أحمد سالم ولد المختار؛ فقد لاحظ أن الإعلام العمومي يكون مشغولًا بتغطية الأنشطة الحكومية خارج المواسم الانتخابية ويخصِّص لها حيزًا كبيرًا غير عادل وكأنه ليس هناك شيء آخر سوى الأداء الحكومي، وهو ما لا يضمن النفاذ العادل للتشكيلات السياسية الموريتانية، ويعزو نقيب الصحفيين ذلك إلى أن تحويل الإعلام الحكومي إلى إعلام عمومي لا يزال حديثًا كما أن الرقابة الذاتية تعوق هذا التحوُّل، لكن مع مرور الوقت بدأت هذه العقلية تتحرَّر شيئًا ما، ويتمثل العامل الآخر في تعيين مسؤولي وسائل الإعلام العمومي من قِبل الحكومة. لذلك تتطلب القطيعة مع الماضي اتخاذ خطوات باتجاه انتخاب مدير المؤسسة الإعلامية من داخل الجسم الصحفي، وأن يكون رأسمال القطاع العمومي متساويًا مع الشركاء الآخرين حتى يكون هناك توازن؛ فضلًا عن انتخاب مجلس إدارة للمؤسسة(44).
بينما ينفي بعض الحزبيين طابع الخدمة العمومية عن الإعلام العمومي ولا يعتبرونه مُلبِّيًا للاحتياجات الديمقراطية والثقافية للمجتمع باعتباره إعلامًا أيديولوجيًّا سلطويًّا يمثِّل بوقًا للنظام الحاكم ومُروِّجًا لخطابه وأنشطة الرئيس محمد ولد عبد العزيز وحكومته، وفي الوقت نفسه يقوم بتشويه المعارضة بشكل مقصود خلال دعوتها لبرامجه وقد يتجاهل أنشطتها على مدى أسبوع أو ثلاثة أسابيع وأحيانًا لا تسمع صوتها خلال شهر كامل(45)، وهو ما يردُّ عليه البعض بأن المعارضة نفسها ضعيفة وليس لها أنشطة تجعل الإعلام الحكومي يُبَادر لتغطيتها. لكن رئيس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، محمد ولد امحمد، يرى أن الإعلام العمومي أكثر الوسائل احترامًا لتوزيع الحصص بين الفرقاء السياسيين؛ إذ تحرص المؤسسة التي يمثِّلها؛ باعتبار دورها الرقابي، على أن يكون الإعلام العمومي مُجَسِّدًا للخدمة العمومية وملتزمًا بالتعدُّدية(46).
إذن، يكاد يُجمع كلُّ الفاعلين، خارج السلطة ودائرة المقربين منها، على الصعوبة التي يجدها الإعلام الحكومي في التحوُّل إلى مرفق للخدمة للعمومية؛ “فلا يزال إعلامًا رسميًّا، إعلام سلطة، لم يطرأ على بِنيته وتركيبته أي تغيير، والشعارات التي يرفعها بشأن “الموريتانية لكل الموريتانيين” و”الموريتانية تجمعنا” ليست سوى للدعاية”(47)، بل إن الموريتانية في نظر بعضهم ليست لأحد سواء كان في السلطة أو خارجها، ولا تخدم حتى السلطة نفسها، ويُحَاجِجُ هؤلاء بالتغطية الخاصة لزيارة الرئيس محمد ولد عبد العزيز لولايات الداخل؛ حيث يعرض التليفزيون الموريتاني صورًا صامتة للرئيس لفترات طويلة وهو يصافح الحشود المستقبلة له، بينما دور الإعلام العمومي هو أن يعكس البيئة والمجتمع الذي يوجد فيه(48).
وهنا، قد يكون السؤال حول الدور الرقابي للإعلام العمومي على النشاط الحكومي غير ذي جدوى ما دام جهازًا أو أداةً للسُّلطة حسب رؤية هؤلاء الفاعلين، بيد أن مسار التحوُّل بعد خمسة أعوام نحو الخدمة العمومية بموجب القانون يتطلب استقصاء هذا الدور باعتباره محددًّا لمنظومة القيم التي يدافع عنها هذا الإعلام وطبيعة المجال العام، وشكل السلطة وأساليب إدارة الشأن العام التي يُنافح عنهما، بل يصبح هذا الدور مرآةً عاكِسَةً لبنية نظام الحكم نفسه.

حراسة الإعلام العمومي للمؤسسات

نقصد هنا بـ”الدور” الوظيفية التي يقوم بها الإعلام العمومي في متابعة الشأن العام ومراقبة أداء المؤسسات؛ حيث ارتبط مفهوم كلب الحراسة في الثقافة الأنجلوساكسونية بالإعلام اليقظ الذي “يقوم بحماية الديمقراطية ومراقبة قواعد اللعبة السياسية وأداء مؤسسات الحكومة والمجتمع المدني وضمان شفافية المعاملات المالية والبنكية.. ويبحث عن الأخطاء أو المزايا، ويكشف عنها ويفضحها بالنشر والمناقشة التي تُنبِّه الرأي العام؛ فالإعلام لديه وفاء كبير للمصلحة العامة والالتزام بالدفاع عن الحريات وعن مصالح الشعب”(49)؛ فكيف يتجلى هذا الدور في الإعلام العمومي الموريتاني؟
يُدافع مسؤولو المؤسسات الإعلامية العمومية عن دورها في متابعة الشأن العام ورصد نبض المجتمع والقضايا التي تمسُّ الرأي العام وتؤثِّر في الحياة اليومية للجمهور، وهنا يسوق المدير العام المساعد للتليفزيون الموريتاني، المختار ولد عبد الله، نموذجًا لما يعتبره أحد أشهر البرامج التي تُنتجها القناة “الحكومة في ميزان الشعب”؛ حيث يُستضاف الوزير المعني لمساءلته حول مسار البرامج التي تقع تحت مسؤوليته والملفات التي تهمُّ المواطنين وانتظاراتهم(50)، وهو الأسلوب نفسه الذي تعتمده إذاعة الشباب في تغطية الشأن العام(51).
يبدو هذا الدور المنوط بالإعلام العمومي “خجولًا” حتى في نظر أحزاب الموالاة؛ إذ “لا يزال يزاوج بين المساءلة الخجولة وتمرير ما يريد تمريره، وإن كان يُقدِّم خدمة عمومية”(52)، بينما ترى أطراف في المعارضة أن الإعلام العمومي لا يقوم بالدور المطلوب منه في حراسة المؤسسات، فـ”إذا كانت وظيفته تسليط الأضواء الكاشفة عن القاع والنقاط المظلمة والمشاكل، فلا يزال دون حجم الآمال والتطلعات؛ لأن فيه نواحي كثيرة من البوق تمامًا على نهج أسلافه في العهود الماضية؛ يُلاحق رئيس الجمهورية والوزراء، فهو إعلام سلطة، لكن هذا لا ينفي وجود جوانب مهمة؛ إذ وفَّر مساحات للرأي المخالف وسعى لتسليط الضوء على قضايا وملفات تهم المواطنين”، لذلك تعتبر هذه الأطراف أن الإعلام يجب أن يكون من أهم الورشات في أي حوار سياسي أو نقاش عمومي منتظر حتى يصبح إعلامًا عموميًّا(53).
ويبدو من خلال هذا الرأي أن نكوص الإعلام العمومي عن القيام بالدور المنوط به في حراسة المؤسسات يرجع إلى بنية السُّلطة وتكوينها التي تجعله مُروِّجًا لإنجازاتها خادمًا لأجندتها السياسية أكثر منه إعلامًا مهنيًّا عموميًّا يسعى إلى فضح مَوَاطِن الخلل من أجل تصحيحها(54)، لذلك ظلَّ إعلامًا رسميًّا ولم يستطع أن يتحول إلى إعلام عمومي، وإِنْ كان كذلك بموجب القانون، فهو لا يزال إعلام سلطة، وهذا الأمر يشمل الإذاعة الرسمية والوكالة الموريتانية للأنباء(55). ويربط البعض علَّة هذا النكوص بغياب ثقافة الرقابة التي يجب مَأْسَسَتُها؛ كما تحتاج هذه المؤسسات إلى موظفين يتحرَّرون من قيد التعيين إلى قيد الإصلاح الحقيقي لوسائل الإعلام والابتعاد عن صورة الموظف الحكومي الذي ينتظر الأوامر(56)، ويُحَاجِجُ هؤلاء بتدخل الرئيس محمد ولد عبد العزيز لقطع البثِّ المباشر لمؤتمر صحفي كان يعقده بالقصر الرئاسي في 26 مارس/آذار 2015 مع عدد من الصحفيين الموريتانيين بعد مشادة كلامية مع الصحفي أحمد ولد الوديعة حول عدد الأسئلة التي يمكن أن تُطرح عليه(57)؛ وهو ما يجعل المؤسسة الإعلامية، التي يُفترَض أن تقدِّم خدمة عمومية باستقلال عن السلطة وتوجيهاتها السياسية، كما لو أنها مُلْحَقَة لثكنة عسكرية لا تملك من أمرها شيئًا، ويتحوَّل رئيس الجمهورية إلى أحد حُرَّاسِ البوابة، أو قائم بالاتصال “رئيس التحرير للتليفزيون”، الذي يعطي أمرًا فوريًّا بوقف هذا البرنامج أو ذاك، مما يُؤشِّر على هيمنة رأي السلطة وخطابها السياسي في هذا الإعلام، وتحكُّم في المجال العام، ويعكس أيضًا بنيةَ نظامٍ سياسيٍّ لم يستطع أن يُكرِّس عبر هذه المؤسسات نفسِها قواعدَ التواصل السياسي الشفَّاف الـمُنْتِج لقيم الديمقراطية.

مسار التحرير وعملية الدَّمَقْرَطَة

على الرغم من الصعوبات والتحديات التي تواجه دَمَقْرَطة الفضاء السمعي البصري، لاسيما “الإعلام العمومي”، ودوره في حراسة المؤسسات العمومية ومتابعة الشأن العام، فإن معظم الفاعلين في المشهد الإعلامي الموريتاني يُجمعون على أهمية دور الإعلام السمعي البصري في توسيع المجال العام؛ باعتباره الفضاء الذي يجمع بين المواطنين لتسهيل عملية التواصل ويسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية لبلورة الأفكار والآراء والقيم عن طريق الحوار والنقاش، ويصبح قوة تسعى للتأثير في قرارات السلطة وإضفاء المشروعية على مطالبهم(58). وقد تمكَّن هذا الإعلام بدرجات متفاوتة من تسهيل عملية التفاوض حول الصالح العام بين هؤلاء المواطنين في القضايا التي تمسُّ حياتهم اليومية والتفاعل والتعامل بطرق منظَّمة. وهنا يواجهنا سؤال يطرح نفسه بإلحاح: هل استطاع الفضاء السمعي البصري أن يُجسِّد أو يعكس عملية التحوُّل من الدولة التي كانت تقوم على الحكم المطلق/العسكري إلى نظام حكم ديمقراطي يقوم على التمثيل البرلماني؟
بالنسبة للبعض فإن مسألة التحوُّل الديمقراطي أصبحت غير مطروحة وقضية مُتَجاوَزة في موريتانيا؛ التي تعيش -حسب المدير العام المساعد للتليفزيون الموريتاني المختار ولد عبد الله- في صلب النظام الديمقراطي والعملية الديمقراطية، ويُبرُّر ذلك بتصدُّر موريتانيا قائمة الدول العربية في حرية التعبير للسنة الرابعة على التوالي رغم القنوات الفضائية والمدارس الإعلامية الكبيرة في بعض هذه الدول. فمن الناحية الـمُؤَسَّسية والفعلية توجد موريتانيا، يضيف المدير المساعد للتليفزيون الموريتاني، في فضاء ديمقراطي. لكن هل هذا الفضاء بلغ من النُّضج ما بلغته الديمقراطيات العريقة؟ يتساءل متحدِّثنا ويجيب: “بصراحة: لا، وإن قلت لك: نعم؛ سأكون غير موضوعي وبعيدًا عن الحقيقة؛ لأن كل عملية تحتاج إلى مسار إنضاج وترقٍّ وتراكم، وهذا ما نفتقده في العالم العربي. فنحن لا نشتغل على العملية التراكمية كفعل سياسي وثقافي واجتماعي؛ نفتقد إلى ثقافة تفعيل التراكم والاستفادة منها”(59).
تجزم هذه الرؤية بـ”قوة الإرادة السياسية” للسلطة و”فضلها” في التحول نحو النظام الديمقراطي باعتباره “خيارًا استراتيجيًّا ناتجًا عن رؤية سياسية يُؤمِّنُ الاستقرار والتنمية؛ ويتجسَّد هذا الاختيار في تحرير الفضاء السمعي البصري الذي لا يخضع للتوظيف وإنما هو لصالح مستقبل موريتانيا”(60)، ويصبح الإعلام في نظر هؤلاء دعامة أساسية لديمقراطية قوية؛ فإذا لم يواكبها إعلام حارس وحقيقي ومهني لن يكون لهذه الديمقراطية أساس(61).
في المقابل، ينفي منتقدو مسار تحرير الفضاء السمعي البصري أن تكون السلطة الحالية قد استطاعت إنجاز التحوُّل الديمقراطي؛ بَلْهَ نظام الحكم الديمقراطي الذي تحدث عنه المدير العام المساعد للتليفزيون الموريتاني المختار ولد عبد الله، ويرى هؤلاء أن مسار التحرير ومُخرجاته يعكسان ممارسات السلطة التي تُجسِّد “بنيةَ نظامٍ تحكُّميٍّ، بل نظامًا فرديًّا وليس فقط نظامًا مغلقًا”(62)، لذلك فإن المساحة التي تسمح بها السلطة في الإعلام العمومي يُراد بها خلق حالة قبول للسلطة القائمة وتجميلها في الوقت الذي لا تزال تحتفظ فيه بكافة مقومات الاستبداد عبر تغييب الحريات واحتكار السلطة؛ إذ ليست هناك إرادة سياسية حقيقية تفضي إلى ديمقراطية حقيقية(63).
ويُلقي فاعلون آخرون باللَّوم على الإعلام نفسه الذي لم يستطع مواكبة التحوُّل الديمقراطي الذي تعيشه موريتانيا؛ فـ”هناك نظام سياسي ديمقراطي منفتح، بيد أن الإعلام العمومي لا يعكس هذا الانفتاح، بل عجَزَ عن الوصول إلى درجة الانفتاح والفضاءات التي وصل إليها النظام؛ لذلك فالأمر لا يتعلق بقرار وإنما بتصوُّر. كما أن الدخول في عصر الانفتاح يحتاج إلى رجال عصر الانفتاح، فلا يمكن التحرك بآلة قديمة داخل فضاء حديث”(64).

استنتاجات

يبيِّن السياق العام لتحرير الفضاء السمعي البصري وصيرورته أن العملية لم تكن فعلًا سياسيًّا طارئًا، بل تطلَّبت إرادة سياسية أسهمت عوامل كثيرة وسياقات مختلفة محلية ودولية في نضجها لتتجسَّد في فعل مُؤَسَّساتي (إقرار الجمعية الوطنية لقانون 2010-045)، وهو ما يُجرِّده من الطابع الشَّخْصَانِي الذي يُنْسَبُ فيه الفضل للرئيس/القائد بدل المؤسَّسة؛ ويؤكد أن مُخرجات هذا الفعل السياسي إنما خضعت لمسار تفاوضي بين مختلف الفاعلين قد تتفاوت مشاركتهم في تحديد أو تعيين قيمته. ولئن كان فِعْلُ سَنِّ القانون ليس كمثل فِعْلِ تَنْزِيلِه وترجمة مواده إلى سلوكات مُؤَسَّسِيَّة؛ خاصة في حقل الإعلام الذي تتجاذبه إرادات هؤلاء الفاعلين في التواصل مع محيطهم السياسي والاجتماعي والثقافي لترويج خطابهم والتأثير في الرأي العام، فإن الإعلام العمومي استطاع الانفتاح على مكوِّنات الحقل السياسي والمجتمع المدني ومؤسساته المختلفة باتجاه تمثيل التعدُّد والتنوُّع السياسي والثقافي والأيديولوجي في المجتمع الموريتاني؛ الأمر الذي يجعله إلى حدٍّ ما مُتَأَقْلِمًا مع نبضه والقضايا التي تمسُّ الحياة اليومية للمواطنين.
ورغم الجهد الذي يبذله الإعلام العمومي الحكومي للاستجابة إلى احتياجات المواطنين الديمقراطية والثقافية، فإنه لا يزال -بعد خمسة أعوام على تحويله إلى “إعلام عمومي”- أسيرًا لممارسة مهنية تقليدية تجعل خطابه في مناسبات كثيرة دعائيًّا؛ يلبس جُبَّة السُّلطة دون ابتداع طرق جديدة في تغطية أنشطتها، ومعالجة الشأن العام وتلبية احتياجات الجمهور المعرفية والتواصلية، بل قد يأتمر بأوامر هذه السلطة؛ فيتحوَّل رئيس الجمهورية إلى أحد حُرَّاسِ البوابة، أو قائم بالاتصال (رئيس التحرير لتليفزيون الموريتانية)، الذي يعطي أمرًا فوريًّا بوقف هذا البرنامج أو ذاك، مما يُؤشِّر على هيمنة رأي السلطة وخطابها السياسي في هذا الإعلام، ويعكس أيضًا تحكُّمًا في المجال العام، وبنيةَ نظامٍ سياسيٍّ لم يستطع أن يُكرِّس عبر هذه المؤسسات نفسِها قواعدَ التواصل السياسي الشفَّاف الـمُنْتِج لقيم الديمقراطية.
وفي المقابل، يحاول الإعلام الخاص أن يتيح فضاءات أو مساحات واسعة لهذا الفعل التواصلي الذي يتفاعل من خلاله المواطنون مع قضايا الشأن العام، ويخلق فرصًا للمشاركة في عملية التفاوض حول المصلحة العامة عبر مناقشة القرارات والسياسات والبرامج الحكومية وأنشطة الهيئات السياسية ومبادرات المجتمع المدني، وإِنْ كان بعض وسائل الإعلام التجاري أساسًا يُتَّهم بخدمة أجندة السلطة، بل والخروج من رحمها لتمييع المشهد الإعلامي مثلما فعل نظام الرئيس السابق معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في أواخر التسعينات عندما أغرق المجال بتراخيص لصحف ومواقع كي لا يصبح له (المجال الإعلامي) أي تأثير، وهو ما يجعل بعض مكوِّنات المنظومة الإعلامية مُتَحَكَّمًا فيها أيضًا.
وبالنظر إلى حداثة التجربة فإن مسار الفضاء السمعي البصري يُواجه تحديات مختلفة ومتعددة: مهنية وتكوينية وقانونية ومالية تحدُّ بشكل عام من فاعلية مساهمته في تطوير الفعل التواصلي بين المواطنين والفاعلين من المستويات الدنيا للحياة المجتمعية إلى المجالات الجمعية الأكثر تنظيمًا والتي يتم فيها التباحث والنقاش، وتوسيع المجال العام الذي يقدم الآلية المركزية للتنظيم الذاتي الديمقراطي للمجتمع.
______________
الهوامش

1. نشأت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية من خلال الأمر القانوني رقم 034-2006، ومن بعده القانون 026-2008، الذي وضع المبادئ الأساسية للضبط، وأعطى السلطة صلاحيات في مجالات: المحافظة على أخلاقيات المهنة وترقية المنافسة الحرة والسليمة في قطاع الإعلام، وضمان حرية الإعلام، ودراسة ملفات طلبات ترخيص المحطات الإذاعية والتليفزيونية، والسَّهر على احترام الوحدة الوطنية والهوية الثقافية، والسَّهر على ولوج كافة الفاعلين إلى وسائل الإعلام العمومية.
السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، تقرير نشاطات 2011، ص 2.
2. “للسنة الرابعة.. موريتانيا تتصدَّر إفريقيا والعرب في حرية الصحافة”، أطلس، 13 فبراير/شباط 2015، (تاريخ الدخول: 24 أكتوبر/تشرين الأول 2015):
http://atlasinfo.info/index.php?option=com_content&view=article&id=27596:2015-02-13-09-15-47&catid=98:alakhbar&Itemid=477
3. تعتبر الملاحظة أداة ضرورية في البحث العلمي، وهي عملية مراقبة أو مشاهدة لسلوك الظواهر والمشكلات والأحداث ومكوناتها المادية والبيئية ومتابعة سيرها واتجاهاتها وعلاقاتها بأسلوب علمي منظَّم ومخطط وهادف بقصد التفسير وتحديد العلاقات بين المتغيرات، والتنبؤ بسلوك الظاهرة أو توجيهها لخدمة أغراض الإنسان وتلبية احتياجاته.
العوالمة، نائل حافظ، أساليب البحث العلمي: الأسس النظرية وتطبيقها في الإدارة، (الجامعة الأردنية، عمان، 1995)، ط 1، ص 130.
4. أجرى الباحث هذه المقابلات المتعمقة البالغ عددها 21 مقابلة خلال الفترة الممتدة بين 7 و14 يونيو/حزيران 2015، وشملت جميع الأطراف المعنية بقطاع الإعلام الموريتاني سواء كانت مهنية (صحافيين وإعلاميين) أو نقابية (نقابة ورابطة الصحافيين) أو حقوقية (منظمة حقوقية) أو سياسية (أحزاب المعارضة والموالاة) أو رسمية/حكومية. وهدفت هذه المقابلات الشخصية؛ باعتبارها أداة من الأدوات الكيفية، إلى جمع البيانات والحصول على المعلومات والآراء التي تُعبِّر عن الاتجاهات ووجهات النظر الخاصة بقضية تحرير الفضاء السمعي البصري وتحويل وسائل إعلام الدولة إلى “إعلام عمومي”، من خلال الإجابة عن تساؤلات بحثية مهمة ممثَّلة في: لماذا حدث؟ وكيف حدث؟
5. سالفاتوري، أرماندو، المجال العام: الحداثة الليبرالية والكاثوليكية والإسلام، ترجمة أحمد زايد، (المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2012)، ط 1، ص 17-22.
6. حاج محند، مراد، السياق ودوره في استنباط الأحكام النقدية التراثية (رسالة ماجستير)، جامعة مولود معمري تيزي أوزو، الجزائر، 2012، ص 32.
7. محمود أبو المعالي، محمد، مدير إذاعة نواكشوط الحرة، مقابلة مع الباحث، 5 يونيو/حزيران 2015.
أحمد الهادي، رياض، عضو رابطة الصحافيين الموريتانيين، مقابلة مع الباحث، 5 يونيو/حزيران 2015.
8. عبد الرزاق جاسم، خيري، “التجربة الديمقراطية في موريتانيا: دراسة في الإصلاح السياسي”، دراسات دولية، العدد 43، ص 29، (تاريخ الدخول: 30 أكتوبر/تشرين الأول 2015):
http://www.iasj.net/iasj?func=fulltext&aId=60552
* المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية: هو المجلس الذي أطاح بالرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع في انقلاب 3 أغسطس/آب 2005، وتشكَّل حينها من 17 ضابطًا في القوات المسلحة وقوات الأمن؛ يرأسهم المدير العام الأسبق للأمن العقيد اعلي ولد محمد فال. والتزم المجلس كما جاء في نص بيان رقم 1 بـ”خلق الظروف المواتية لديمقراطية نزيهة وشفافة، وأن القوات المسلحة وقوات الأمن لن تمارس الحكم أكثر من المرحلة اللازمة لتهيئة وخلق مؤسسات ديمقراطية حقيقية خلال سنتين كحدٍّ أقصى”. واستمرت هذه المرحلة/الفترة الانتقالية قرابة 19 شهرًا قام بعدها المجلس بتسليم السلطة للرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في 19 إبريل/نيسان 2007.
“انقلاب 3 من أغسطس/آب 2005 نص البيان رقم 1″، الساحة، 3 أغسطس/آب 2005، (تاريخ الدخول: 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2015):
http://essaha.info/?q=node/6827
9. ولد مدو، الحسين، أستاذ الإعلام والنقيب السابق للصحافيين الموريتانيين، مقابلة مع الباحث، 7 يونيو/حزيران 2015.
10. أحمد الهادي، رياض، عضو رابطة الصحافيين الموريتانيين، مرجع سابق.
11. ولد عبد الله، المختار، المدير المساعد للتليفزيون الموريتاني، مقابلة مع الباحث، 9 يونيو/حزيران 2015.
12. المرجع السابق.
13. ولد بونا، سيدي محمد، نائب برلماني عن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية والمستشار السابق للرئيس محمد ولد عبد العزيز، والمدير السابق للتلفزة الموريتانية والوكالة الموريتانية للأنباء، مقابلة مع الباحث، 8 يونيو/حزيران 2015.
14. ولد امحمد، حمود، رئيس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، مقابلة مع الباحث، 8 يونيو/حزيران 2015.
15. ولد بونا، سيدي محمد، مستشار سابق للرئيس محمد ولد عبد العزيز، مرجع سابق.
16. ولد المختار السالم، أحمد سالم، نقيب الصحافيين الموريتانيين، مقابلة مع الباحث، 7 يونيو/حزيران 2015.
17. ولد حجبو، شيخنا، رئيس حزب الكرامة (كتلة الأغلبية، الموالاة)، مقابلة مع الباحث، 8 يونيو/حزيران 2015.
18. المختار، محمد، مدير الصحافة المكتوبة والعلاقات الخارجية في وزارة العلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني، مقابلة مع الباحث، 10 يونيو/حزيران 2015.
19. الحافظ الغابد، محمد، مدير أخبار قناة “المرابطون”، مقابلة مع الباحث، 5 يونيو/حزيران 2015.
20. ولد مولاي علي، الحسن، مدير إذاعة التنوير، مقابلة مع الباحث، 5 يونيو/حزيران 2015.
21. ولد محمد ناجم، اعمر، مسؤول العلاقات الخارجية في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، مقابلة مع الباحث، 7 يونيو/حزيران 2015.
أحمد الهادي، رياض، عضو رابطة الصحافيين الموريتانيين، مرجع سابق.
22. ولد حننا، صالح، رئيس حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني (كتلة المنتدى، معارضة مقاطِعة)، مقابلة مع الباحث، 8 يونيو/حزيران 2015.
23. قانون رقم 2010-045 صادر بتاريخ 26 يوليو/تموز 2010 يتعلق بالاتصال السمعي البصري، ص 5.
24. زرن، جمال، بن مسعود، معز، إعلام الخدمة العامة في الوطن العربي.. الخصائص، والرهانات، والتحديات: هيئات الإذاعة والتليفزيون مثالًا (اتحاد إذاعات الدول العربية، تونس، 2014)، ص 32.
25. ولد حرمة، عبد السلام، رئيس حزب الصواب، (كتلة المعاهدة، معارضة محاورة)، مقابلة مع الباحث، 8 يونيو/حزيران 2015.
26. الحافظ الغابد، محمد، مدير أخبار قناة “المرابطون”، مرجع سابق.
27. ولد محمدو، عبد الله، رئيس مجلس إدارة قناة الساحل، مقابلة مع الباحث، 5 يونيو/حزيران 2015.
28. ولد مدو، الحسين، أستاذ الإعلام والنقيب السابق للصحفيين الموريتانيين، مرجع سابق.
29. مَنَحَت السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، المعروفة اختصارًا بـ”الهابا”، حتى اليوم عشر رخص لمتعهدي الاتصال السمعي البصري لإنشاء قنوات ومحطات إذاعية، وتضمَّنت رخص الجيل الأول، بتاريخ 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، خمس محطات إذاعية وقناتين تليفزيونيتين، وهي: إذاعة صحراء ميديا، وإذاعة كوبني، وموريتانيد ميديا، وإذاعة التنوير، وإذاعة نواكشوط، وقناة الساحل، وقناة الوطنية، وتم خلال هذه المرحلة تقديم 17 ملفًا لإذاعات خاصة، و9 ملفات لقنوات تليفزيونية، وقرَّر مجلس السلطة العليا إعطاء رأيه بالموافقة على 5 ملفات إذاعية وملفين لتليفزيونات تجارية حرة. أمَّا الجيل الثاني فشمل ثلاث قنوات تليفزيونية خاصة، وهي: شنقيط، والمرابطون، ودافا، بتاريخ 3 يناير/كانون الثاني 2013.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية أحصت في تقريرها لعام 2013 بشأن الصحافة المكتوبة والإلكترونية أن هناك 204 مؤسسات إعلامية، من ضمنها 100 صحيفة ورقية و77 موقعًا إخباريًّا، و28 صحيفة ورقية لها واجهة إلكترونية. ولاحظت السلطة أن 11 صحيفة توقفت نهائيًّا عن الصدور، في حين ظهرت 11 صحيفة جديدة خلال عام 2012، بينما تحوَّلت 7 صحف ورقية إلى مواقع إلكترونية إخبارية، وصُنِّف ما يزيد على 46 صحيفة في إطار الإصدارات الضعيفة التي لم تصدر إلا مرة واحدة أو اثنتين خلال عام 2012.
السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، تقرير نشاطات 2011 و2013، ص 5-42.
30. ولد بتاح، محفوظ، رئيس حزب اللقاء الديمقراطي (كتلة المنتدى، معارضة مقاطعة)، مقابلة مع الباحث، 8 يونيو/حزيران 2015.
31. الحافظ الغابد، محمد، مدير أخبار قناة “المرابطون”، مرجع سابق.
32. ولد امحمد، حمود، رئيس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، مرجع سابق.
33. زرن، بن مسعود، إعلام الخدمة العامة في الوطن العربي، ص 33.
34. ولد مدو، الحسين، أستاذ الإعلام والنقيب السابق للصحفيين الموريتانيين، مرجع سابق.
35. ولد مولاي علي، الحسن، مدير إذاعة التنوير، مرجع سابق.
36. ولد محمدو، عبد الله، رئيس مجلس إدارة قناة الساحل، مرجع سابق.
37. محمود أبو المعالي، محمد، مدير إذاعة نواكشوط الحرة، مرجع سابق.
38. المختار، محمد، مدير الصحافة المكتوبة والعلاقات الخارجية في وزارة العلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني، مرجع سابق.
39. قانون رقم 2010-045 صادر بتاريخ 26 يوليو/تموز 2010 يتعلق بالاتصال السمعي البصري، ص 16.
40. ولد عبد الله، المختار، المدير العام المساعد للتليفزيون الموريتاني، مرجع سابق.
41. المختار، محمد، مدير الصحافة المكتوبة والعلاقات الخارجية في وزارة العلاقة مع البرلمان والمجتمع المدني، مرجع سابق.
42. ولد بونا، سيدي محمد، مستشار سابق للرئيس محمد ولد عبد العزيز، مرجع سابق.
43. الحافظ الغابد، محمد، مدير أخبار قناة “المرابطون”، مرجع سابق.
44. ولد المختار، أحمد سالم، نقيب الصحفيين الموريتانيين، مرجع سابق.
45. ولد حننا، صالح، رئيس حزب الاتحاد والتغيير الموريتاني، مرجع سابق.
46. ولد امحمد، حمود، رئيس السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية، مرجع سابق.
47. أحمد الهادي، رياض، عضو رابطة الصحفيين الموريتانيين، مرجع سابق.
48. ولد حامد، موسى، عضو نقابة الصحفيين وناشر صحيفة بلادي، مقابلة مع الباحث، 7 يونيو/حزيران 2015.
49. شومان، محمد، “كلاب الحراسة”، اليوم السابع، 17 أغسطس/آب 2015، (تاريخ الدخول: 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2015):
http://www.youm7.com/story/2014/8/17/%D9%83%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%A9/1823285#.Vjx6zzahfNM
50. ولد عبد الله، المختار، المدير العام المساعد للتليفزيون الموريتاني، مرجع سابق.
51. بنت مود، مريم، مديرة إذاعة الشباب، مقابلة مع الباحث، 10 يونيو/حزيران 2015.
52. ولد حجبو، شيخنا، رئيس حزب الكرامة، مرجع سابق.
53. ولد حرمة، عبد السلام، رئيس حزب الصواب، مرجع سابق.
54. أحمد الهادي، رياض، عضو رابطة الصحافيين الموريتانيين، مرجع سابق.
55. ولد مدو، الحسين، أستاذ الإعلام والنقيب السابق للصحافيين الموريتانيين، مرجع سابق.
56. ولد المختار، أحمد السالم، نقيب الصحفيين الموريتانيين، مرجع سابق.
57. “بالفيديو.. رئيس موريتانيا يقطع البث المباشر بعد مشادة مع صحفي”، مفكرة الإسلام، 27 مارس/آذار 2015، (تاريخ الدخول: 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2015):
http://islammemo.cc/akhbar/arab/2015/03/27/237395.html
58. Habermasm, J. The Structural Transformation of the Public Sphere, An Inquiry into a category of Bourgeois Society (Polity Press, Cambridge, 2015), 22-57.
59. ولد عبد الله، المختار، المدير العام المساعد للتليفزيون الموريتاني، مرجع سابق.
60. المختار، محمد، مدير الصحافة المكتوبة والعلاقات الخارجية في وزارة العلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، مرجع سابق.
61. بنت مود، مريم، مديرة إذاعة الشباب، مرجع سابق.
62. ولد محمد ناجم، اعمر، مسؤول العلاقات الخارجية في المرصد الموريتاني لحقوق الإنسان، مرجع سابق.
63. ولد بتاح، محفوظ، رئيس حزب اللقاء الديمقراطي، مرجع سابق.
64. ولد حرمة، عبد السلام، رئيس حزب الصواب، مرجع سابق.
شكر خاص: يتوجَّه الباحث بالشكر والامتنان لمكتب قناة الجزيرة بنواكشوط للمساعدة العلمية التي قدَّمها للباحث في إجراء المقابلات الشخصية لمجتمع الدراسة؛ فلولا هذا الجهد لما عرفت الدراسة طريقها للنشر؛ كما يشكر الباحث جميع المشاركين في هذه المقابلات وحرصهم على التعاون والتفاعل.

* باحث بمركز الجزيرة للدراسات / مركز الجزيرة للدراسات