الرئيسية / ثقافة ومعرفة / الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.. سياسة نفض اليدين
obama111

الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.. سياسة نفض اليدين

بقلم: العميد الركن نزار عبد القادر

ما أكثر خبراء السياسة الأمريكيّة في لبنان والعالم العربي، نلتقيهم في كل المناسبات وفي كلّ مكان. ويحاول بعضهم التأثير على سامعيه أو قارئيه في كثير من الأحيان بالإيحاء بأنه على علاقة وثيقة بصنّاع القرار الأمريكي وصولًا إلى الحلقة الضيّقة من طاقم الأمن القومي في البيت الأبيض. ولا يتورّع بعضهم عن ربط آرائه بمصادر المعلومات الديبلوماسية أو الإستخباراتية، هذا إذا أراد التواضع أمام سامعيه أو قارئيه.
للأسف الشديد، يشارك عدد من الإعلاميين وكتّاب الرأي في هذه المقاربة العشوائية والكاريكاتورية حول الاستراتجية الأمريكية في العالم، وفي الشرق الأوسط بصورة خاصة.
في المقابل، يجد جهابذة الاستراتجية الأمريكية من أمثال هنري كيسينجر وزبغنيو بريجنسكي وأنطوني كوردسمان صعوبة في تحليل أو تبرير القرارات الاستراتجية والخيارات التي تعتمدها الإدارة الأمريكية في علاقاتها الدولية، وخصوصًا في مجال التعامل مع أزمات الشرق الأوسط البالغة التعقيد والمليئة بالتناقضات. ويجد هؤلاء الخبراء في السياسة الأمريكية حرجًا في تبرير الأسباب التي تدفع الإدارة الأمريكية إلى إجراء تغيير في الأولويات السياسية في منطقة الشرق الأوسط، كالإنفتاح على إيران على حساب العلاقات الأمريكية والخليجية، أو في تعليل الظروف التي سهّلت تدخلاً عسكريًا أميركيًا، كما حدث في ليبيا أو التي حالت دون ذلك، كما يحدث الآن في سوريا واليمن.
شَهِدت منطقة الشرق الأوسط وجنوب غرب آسيا حروبًا متتالية، بعضها داخلي وبعضها الآخر خارجي، وقد أدّت الولايات المتحدة دورًا أساسيًا أو ثانويًا فيها، ومن دون إستثناء. لكنّ المفارقة الكبرى بأن الولايات المتحدة قد وجدت نفسها خلال هذه الفترة في حالة صدام وعداء مع معظم اللاعبين في هذه الأزمات والحروب، كإيران والعراق والقاعدة وطالبان، في الوقت الذي كانوا في عداءٍ مستشرٍ مع بعضهم البعض. خاضت الولايات المتحدة حربًا مثيرة للجدل ضدّ العراق، واستمرّت في صراعٍ قاسٍ مع إيران، وبذلت جهودًا متواضعة لحلّ الصراع العربي– الإسرائيلي، وحرّمت القاعدة من أن يكون لها ملاذ آمن، بعد أن أسقطت حكم طالبان في أفغانستان، ولكنها تسبّبت بالفوضى وعدم الإستقرار، وطال ذلك مناطق واسعة في باكستان.
في كانون الثاني العام 2008، قام الرئيس جورج بوش الإبن بجولة كبيرة في الشرق الأوسط، وخلال رحلته وجّه إنتقادات لاذعة لإيران واتهمها بأنّها “دولة مارقة”، وطالب إسرائيل والفلسطينيين بحلّ الخلافات القائمة بينهما، ووعد المملكة العربيّة السعودية بمزيدٍ من عقود الأسلحة المتطوّرة مع مطالبتها بالحفاظ على أسعار متدنّية للنفط. وتحدّث الرئيس بوش بتفاؤل حول مستقبل العراق، مشجّعًا القوى السياسيّة هناك للتوجّه نحو بناء حكم ديمقراطي. وعلى الرغم من الإستقبالات اللائقة التي لقِيَها من الحكّام فقد اتسمت مشاعر الشعوب وردّات فعلها بقدرٍ من التشاؤم والنقد لسياسات بوش.
لم تتغيّر العناوين الأساسية التي مرّرها الرئيس جيمي كارتر لحليفه رونالد ريغان في كانون الثاني العام 1981 عن السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي تضمّنت أفغانستان وإيران وفلسطين عن تلك التي مرّرها الرئيس جورج بوش لخلفه باراك أوباما، مع إضافة عنوان العراق عليها. والآن يمكن لأوباما أن يسلّم خلفه في العام 2016 القضايا والعناوين نفسها مع إضافة سوريا وليبيا واليمن.
حصلت بعض التغييرات في شكل القضايا القديمة والتي توارثها عدد من الرؤساء، ولكنّها لم تتغيّر في الجوهر، مع دخول بعض اللاعبين الجدد إليها، وبالفعل فلم تنجح الولايات المتحدة في حلّ أيّ من القضايا المزمنة الموروثة، كما يبدو بأن الأزمات الجديدة الطارئة مرشّحة للبقاء لسنوات طويلة من دون حلّ.
يبحث كل رئيس جديد عن تغيير الخيارات والأولويات التي اعتمدها الرئيس الذي سبقه، فيضع روزنامته الخاصة، فهو يريد أن يكتب صفحته الخاصة في التاريخ، ويسعى بالتالي إلى أن يتغاضى عن الماضي وأن يرسم الطريق نحو مستقبلٍ أفضل، لكن غالبًا ما يصطدم هذا الرئيس بالوقائع وتعقيداتها وبعامل ضيق الوقت لإنجاز ما يريد. هذا ويدرك رئيس الولايات المتحدة ومعه إدارته بأن مواجهة التطوّرات المهمّة بأبعادها الخارجية والداخلية تستدعي خلط الأوراق من جديد، وهذا الأمر سيزيد حتمًا من تعقيدات الوضع ويجعل من الصعب على الولايات المتحدة، كقوّة خارجية، أن تجد اللغة والخيارات المناسبة لمواجهة المواقف الطارئة بما يتناسب مع مصالحها ومصالح مختلف حلفائها، مع كلّ ما يسود من تناقضات بين هؤلاء الحلفاء، ولو كانوا في حالة تحالف على غرار دول مجلس التعاون الخليجي.
في مواجهة الأوضاع المعقّدة السائدة في الشرق الأوسط، يبقى السؤال مركّزًا على الآتي: ما هي أفضل الخيارات التي يمكن أن تعتمدها الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها وحفظ أمنها، وتراعي مصالح الحلفاء الإقليميين وتطلّعاتها، وتكون مقبولة من القوى الدولية الأخرى؟ في كثيرٍ من الأحيان تصبح الخيارات المختارة عرضة للسقوط، من خلال وقوع حدث طارئ في دولةٍ غير رئيسة.
تدعو الدروس المستقاة من التجارب الأمريكية الماضية إلى إدراك حدود القوّة والقدرة على استعمالها للسيطرة على الأحداث، ومنع إنزلاقها نحو حالٍ من عدم الإستقرار والفوضى. إذ عندما بدأت عملية النهب بعد دخول القوّات الأمريكية إلى بغداد، قال وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد «إن ما يحدث يؤشّر إلى حقيقة المنطقة كاملة».
في ظلّ الوقائع والحقائق التي تحيط بالاستراتجية الأمريكية في الشرق الأوسط بكل ما تحمله من آمال وما تتسبّب به من خيبات أمل على مستقبل المنطقة، فلقد بات من الضروري أن يتعلّم الأمريكيون أن يعيشوا مع منطقة لا يمكن التنبّؤ بأَحداثها، وبأن على شعوب الشرق الأوسط أن تتعلّم كيف تتعامل مع دولة عظمى كالولايات المتحدة، بحيث لا يمكن التنبّؤ بما يمكن أن تحقّقه من خيارات ووعود في ظلّ قُصْر الدورة السياسية لعهود الرؤساء الأمريكيين.
هذا ويستدعي البحث عن مرتكزات الاستراتجية الأمريكية وتطوّرها، تمهيدًا للتعرّف إلى الاستراتجية التي يعتمدها الرئيس باراك أوباما تجاه منطقة الشرق الأوسط، وعلى ضوء خياراته للإنسحاب من المنطقة عسكريًا والإنفتاح على إيران بعد عداءٍ دام أكثر من ثلاثة عقود ونصف، أن نقسّمه إلى عناوين عدّة: أوّلًا، تطوّر الاستراتجية الأمريكية في الشرق الأوسط؛ ثانيًا، مرتكزات الاستراتجية الأمريكية؛ ثالثًا، هل لدى أوباما استراتيجية كبرى؟؛ رابعًا، استراتيجية الأمن القومي للعام 2015؛ خامسًا، التعديلات بعد الإتفاق النووي مع إيران؛ سادسًا، الخيارات والتعديلات بعد قمّة “كمب دافيد” مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي؛ سابعًا، الخروج ببعض الإستنتاجات المختصرة.

1- تطوّر الاستراتجية الأمريكية

في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تفضّل البقاء في حالة من العزلة عن أوروبا وآسيا، وكان همّها منصبًّا على تكوين ذاتها، بالإضافة إلى نشر نفوذها بين الدول الأمريكية، ورفض أي تدخّل أوروبي في نصف الكرة الغربي، وهذا ما كرّسته من خلال “عقيدة مونرو” والتي قالت فعلاً برفض أيّ تدخّل أو هيمنة أوروبية في القارّة الأمريكية.

خلال القرن العشرين تبدّل هذا الوضع (أي العزلة) وعرفت الولايات المتحدة صعودًا متسارعًا لموقعها ودورها كقوّة دولية مؤثّرة على المستوى العالمي. فتمثّلت الإندفاعة الأمريكية الأولى في نهاية الحرب العالمية الأولى، بينما حدثت الثانية مع إنتهاء الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن الماضي.
في المحطّة الأولى تميّز الدور الأمريكي في السياسة الدولية بالمذكّرة التي قدّمها الرئيس وودرو ويلسون والتي تضمّنت 14 نقطة إلى مؤتمر باريس للسلام العام 1919، والتي تحدّثت عن رفض الطموحات الأمبراطورية والإستعمارية الأوروبية كلّها. وكانت هذه المذكّرة بمنزلة بيان للتوجّه الإيديولوجي الأمريكي، والذي يرسي المبادىء الأساسية لاستقلال الدول وتقرير مصير الشعوب. وكان هذا بمثابة إعلان عن تعهّد أميركي لإعادة النظر في قواعد السياسة الدولية.
هنا لابدّ من التذكير بحدوث حالة الكساد الإقتصادي التي ضربت الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين، وما خلّفته من تأثير سلبي على موقع أمريكا الدولي. لكن صعود ألمانيا النازية، ومن ثم إندلاع الحرب العالمية الثانية قد دفعا أوروبا للنظر إلى أمريكا كالقوة الوحيدة القادرة على نجدتها في الحرب ضدّ ألمانيا النازية وحلفائها.
بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية وجدت أمريكا نفسها في مواجهة الإتحاد السوفياتي والذي أصبح يمثّل خصمًا منافسًا على المسرح العالمي، هذا بالإضافة إلى تقديمه البديل الإيديولوجي للشعوب للنظام الرأسمالي الأمريكي. إمتلك الإتحاد السوفياتي في أواخر أربعينيات القرن العشرين المساحات الواسعة كلّها في أوروبا وفي البر الآسيوي، وعدد السكان، وعناصر القوة الصناعية بالإضافة إلى نظام يجمع ما بين المثاليات والعناصر المادية ليقدّمها كبديل منافس “للحلم الأمريكي”.
في هذه الفترة من المواجهة مع الإتحاد السوفياتي تركّزت الاستراتجية الأمريكية على قاعدتين:
– القاعدة الأولى: الردع النووي، من خلال زيادة المخزون الأمريكي من القنابل النووية، وتوسيع الأسطول الجوّي القادر على اختراق الأجواء السوفياتية لإلقاء مئات الرؤوس النووية ضدّ المدن والأهداف ذات القيمة العالية.
– القاعدة الثانية: استراتيجية التطويق والإحتواء من خلال إقامة الأحلاف العسكرية مع الدول المحيطة بالإتحاد السوفياتي من أوروبا، إلى الشرق الأوسط، إلى شبه القارّة الهندية والشرق الأقصى ومنطقة الباسفيك. هذا بالإضافة إلى السيطرة على الاوقيانوسات والبحار والممرّات المائية، من خلال بناء بحريّة متفوّقة منتشرة حول العالم. وتأتي هذه الاستراتجية في سياق تطبيق أجزاء من مختلف نظريات الحرب الشاملة.
كان من اللافت جدًا إشتداد الصراع بين أمريكا والإتحاد السوفياتي لكسب النفوذ في الشرق الأوسط، وذلك بدءًا من أواسط الخمسينيات. وبلغ هذا التنافس أوجّه بعد حرب 1967 بين إسرائيل والدول العربية. وكانت الولايات المتحدة قد سعت إلى إقامة علاقات قويّة مع المملكة العربية السعودية من خلال الإجتماع الشهير على طراد أميركي، بين الرئيس روزفلت والملك عبد العزيز آل سعود في العام 1947. وسعت الولايات المتحدة في خمسينيات القرن العشرين، وخصوصًا في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور إلى توثيق علاقاتها مع الدول الشرق أوسطية، كما سعت إلى ربط هذه العلاقات بحلف إستراتيجي يجمع دول الشرق الأوسط ودول جنوبي غربي آسيا، أطلق عليه إسم “حلف بغداد”، ومن ثم عاد وتغيّر الإسم إلى “حلف السانتو”، وذلك ضمن الاستراتجية الأمريكية الشاملة لاحتواء الإتحاد السوفياتي، ونفوذه في المنطقة. وكانت نقطة التحوّل الأساسية لدخول الولايات المتحدة إلى المنطقة قد انطلقت من الموقف الأمريكي الصارم الذي اتخذه الرئيس أيزنهاور تجاه الغزو البريطاني والفرنسي والإسرائيلي لمصر العام 1956، وطلبه الصارم بسحب قواتهم فورًا عن الأراضي المصرية في سيناء وقناة السويس وبور سعيد.
سقط التحدّي السوفياتي لأمريكا بعد ما يقارب ثلاثة عقود، وذلك لأسباب ترتبط بطبيعة النظام الإشتراكي، وعقم الإيديولوجية التي طُبّقَت في الداخل، في ظلّ ارتكاب مجموعة واسعة من الأخطاء الكبرى في السياسة الخارجية، بالإضافة إلى الفشل البيروقراطي والكساد الإقتصادي-الإجتماعي، مع ما رافق ذلك من إنتفاضات داخل دول أوروبا الشرقية، ومن عداء مستشرٍ مع الصين. لقد انفجر الإتحاد السوفياتي من الداخل، وتحرّرت بذلك الدول والشعوب كلّها التي ضمّها ستالين بعد الحرب العالمية الثانية إلى الإتحاد بصورة قسرية، وكانت قد سبقتها للإنفكاك عن التحالف مع الإتحاد السوفياتي دول عديدة من شرق أوروبا.
كان الشعور السائد في العام 1991 بعد تفكّك الإتحاد السوفياتي، بأنّ الإنتصار الذي حقّقته الولايات المتّحدة سيطول أمده، وبأنه لن يكون هناك من منافسٍ آخر لها، وبأن العالم قد أصبح محكومًا بقطبٍ واحد، وبأننا بالفعل قد وصلنا إلى “نهاية التاريخ”، وبأن الزمن قد توقّف. هذه الحالة قد دفعت القادة في أمريكا إلى تسويق فكرة بأن القرن الحادي والعشرين هو قرن أميركي بامتياز. وكان الرئيس بيل كلينتون في خطاب بداية رئاسته الثانية في 20 كانون الثاني العام 1997 قد قال: «في آخر خطاب لتولّي سلطة الرئاسة في القرن العشرين، دعونا ننظر إلى التحديات التي تنتظرنا في القرن المقبل… في فجر القرن الحادي والعشرين… تقف أمريكا منفردة كالأمّة اللاّزمة لإدارة العالم». وجاء بعده الرئيس جورج بوش الإبن ليقول «لقد اختار اللـه أمتنا، وبتفويض من التاريخ بأن تكون نموذجًا للعالم» (28 آب 2002).
إلا أنّ رؤية الرئيسين كلينتون وبوش لم تتحقّق، حيث حصلت تحوّلات متسارعة كان من أبرزها صعود الصين الإقتصادي، والمديونية الأمريكية، بالإضافة إلى دخول حربين في أفغانستان والعراق، والشكوك التي تولّدت جرّاء الأخطاء الكبيرة لسياسات الرئيس بوش، قد سرّعت في تراجع الدور الأمريكي في السياسة الدولية. وتسبّب الركود الإقتصادي الذي شهدته الولايات المتحدة في عامي 2008 و2009 في إضعاف الثقة الدولية بقدرات الولايات المتحدة على قيادة العالم إقتصاديًا وسياسيًا، كما أثار الكثير من الشكوك حول صدقيّة الدعوات للعدالة الإجتماعية وأخلاقيات التعامل المالي وإدارة الأعمال التي تروّج لها أمريكا منذ عقود. لقد شعرت الشعوب والدول بأنها قد خُدِعَت، من قبل أمريكا، وبأن الحلم للإنضمام إلى “الحلم الأمريكي” قد تحوّل إلى كابوس.
من هنا يتبيّن بأن هناك ترابطًا مباشرًا ما بين قوة أمريكا في الخارج، وقدرتها على القيادة وبين تمكّنها على مواجهة المشاكل الداخلية التي تواجهها. ويدفع هذا الترابط المباشر العديد من المفكّرين الأمريكيين الكبار إلى القول بأن القدرة على تحسين الأداء وإجراء الإصلاحات الضرورية في النظام الداخلي تشكّل المنطلق الصحيح والفاعل لإعادة تأهيل أمريكا لأداء دورها الشامل في العالم. وبأن سلوك هذا الطريق يتطلّب عمليّة تقويم شاملة، وإتخاذ مجموعة واسعة من الإجراءات، ولا مجال لتفصيلها في هذا البحث.

2- مرتكزات الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط

تتوجّه أي استراتيجية أميركية في الشرق الأوسط إلى خدمة المصالح الحيوية الأمريكية في المنطقة، وهي: النفط وإسرائيل ومحاربة الإرهاب. ويعتقد معظم الأمريكيين بأن علاقات بلادهم مع الشرق الأوسط تقوم أساسًا على الحصول على النفط، واستمرارية تدفّقه بأسعارٍ رخيصة. هذا صحيح، ولكن لو لم يكن الشرق الأوسط مصدّرًا للنفط، فإنه كان سيبقى من المناطق المهمة للسياسة الأمريكية لأسباب جيوستراتيجية. أما السبب الثاني لاهتمام أمريكا بشؤون الشرق الأوسط، فإنه يعود وبعمق إلى وجود إسرائيل في المنطقة، وذلك نظرًا إلى اهتمام الأمريكيين بأمن إسرائيل وبقائها. ويعتقد ڤالي نصر الباحث والمستشار السابق في الخارجية الأمريكية للشؤون الباكستانية بأن«أمنيات الرئيس جورج بوش الإبن بتغيير سلوكية العرب تجاه إسرائيل قد شكّلت سببًا أساسًا لشنّ الحرب ضدّ صدام حسين». إن ما دفع قوى اليمين (المحافظون الجدد) إلى استعجال اتخاذ قرار الحرب على العراق قد استند إلى وجود حالة من التطرّف، والعداء لأمريكا، وإشهار العداء لإسرائيل وتهديدها.
حاولت إدارة باراك أوباما في البداية جعل آسيا المحور الأساسي للاستراتيجية الأمريكية، مع ما يعني ذلك من تجنّب الدخول في أزمات الشرق الأوسط، والتي كلّفت أمريكا خوض غمار حربين قاسيتين في أفغانستان والعراق، مع ما ترتّب على ذلك من أثمان باهظة بالأرواح والأموال. لكن الوقائع أثبتت بأن القول بالتخلّي عن الشرق الأوسط، مع كل ما يفرضه ذلك من تحدّيات في مجال الطاقة وأمن إسرائيل ومواجهة الإرهاب هو هروب إلى الأمام، من أجل تجنّب مواجهة الوقائع والتحوّلات التي تعترض مسيرة السياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة.
في فترة الحرب الباردة حاولت أمريكا منع السوفيات من مدّ نفوذهم إلى المنطقة، كما كانت تخشى من مخاطر إتخاذ قرار عربي بقطع النفط لأسباب سياسية تتعلّق بالصراع مع إسرائيل ومساندة أمريكا والغرب لها. وبالفعل فقد حدثت “صدمة النفط” العام 1973 بقرار من المملكة العربية السعودية. هناك من يروّج في أمريكا بأن واشنطن تستطيع حل مشاكلها في الشرق الأوسط من خلال تأمين المزيد من مصادر الطاقة، ومن خلال تطوير وسائل الضخ من مخزون كندا والمكسيك، وبأنه في العام 2020 يمكن أن تصبح أمريكا مصدّرة للنفط. وعلى الرغم من أن الإحتياطات الأمريكية والكندية تتعادل مع الإحتياط النفطي لدى دول الخليج كلّها بالإضافة إلى إيران وليبيا، فإن القول بضرورة السعي لاكتفاء أميركي ذاتي في حقل الطاقة هو “حلّ لمشكلة خيالية”.
إن الطاقة الموجودة في الشرق الأوسط هي ضرورية للصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، وإن أي انقطاع في الحصول عليها سيكون له ارتدادات هائلة على سوق الطاقة وأسعارها وعلى الإزدهار العالمي، وسيتأثر بذلك جميع المستهلكين والمنتجين على حدٍّ سواء. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الأمر هو جزء أساسي من السياسة الداخلية الأمريكية، فالشعب الأمريكي والقوى السياسية يعيران أمن إسرائيل واستقرارها أهمية خاصة.
من هنا فإن الولايات المتحدة ستتابع مساندتها السياسية والعسكرية والإقتصادية لإسرائيل، وذلك على الرغم من كل ما يثيره ذلك من عقبات لتحقيق المصالح الأمريكية مع الدول العربية، ومن مشاعر العداء لأمريكا لدى الشعوب العربية والاسلامية. وعليه فإن حل القضية الفلسطينية سيؤمّن المصالح الأمريكية بشكل كامل في العالمين العربي والإسلامي.
في ظلّ التحوّلات الجارية في العالم العربي وفي ظلّ تنامي التيارات الإسلامية والجماعات الإرهابية، فإن التوصّل إلى حلّ لقضيّة حقوق الفلسطينيين سيسهم في معالجة الأزمات الخطيرة الراهنة، وفي نجاح الحرب على الإرهاب، والحدّ من موجة التطرّف التي تسود المجتمعات العربية والإسلامية. من هنا تبرز أهمية أن يبادر الرئيس أوباما إلى وضع كامل ثقله الرئاسي من أجل إطلاق مبادرة جديدة لتحقيق تسوية سياسية شاملة بين العرب وإسرائيل. لكن يبدو بأن ذلك لن يحدث خلال ما تبقّى من ولايته.
هذا وتدرك الولايات المتحدة بأن الإرهاب والتطرّف المتفشيين في مختلف أرجاء المنطقة وخصوصًا في العراق وسوريا واليمن وليبيا ومصر، باتا يشكّلان حالة خطرة جدًا وبأن خطورتهما لا تُقتصَر على أمن هذه الدول واستقرارها، بل تتعداها إلى كل المنطقة والعالم. ومن البدهي توقّع وصوله إلى أوروبا والولايات المتحدة في المستقبل المنظور. ويبدو بأن هذا الخطر قد أدركته الولايات المتحدة، ولكنها مازالت تتعامل معه بحذر، حيث يبدو بوضوح بأن الرئيس أوباما لا يريد الدخول مباشرةً في أيٍّ من الحروب الدائرة الآن في الدول العربية كالعراق وسوريا واليمن وليبيا، وبأن أقصى ما يمكن توقّعه من أمريكا سيقتصر على العمليات الجوية ضدّ الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، مع إرسال المدرّبين لمساعدة الجيش العراقي والبشمركة الكردية على زيادة طاقاتهما القتالية.
في الحقيقة يبقى النفط وأمن إسرائيل وتفوّقها في قلب الاستراتجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وذلك على الرغم من الإتهامات التي تُوجَّه إلى إدارة أوباما باعتماد استراتيجية “اللامبالاة ونفض اليدين” من الأزمات والحروب كلّها التي تشهدها المنطقة. وإن التحوّلات الخطيرة الجارية تفترض أن تقوم الولايات المتحدة بإعادة نظر شاملة في استراتيجيتها في المنطقة مع ضرورة الإلتزام المتواصل والعاقل بالبحث عن حلول تحقّق الإستقرار وتعيد تصحيح الخلل الحاصل في موازين القوى داخل الدول وعلى المستوى الإقليمي وخصوصًا بين إيران والدول العربية، وهذا الأمر قد تحوّل إلى قضية ضاغطة وملحّة بعد الإشاعات التي تتردّد في المنطقة عن وجود صفقة أميركية – إيرانية على حساب الدول العربية.
إن المخارج التي يعتمدها الرئيس أوباما ليبرّر عدم تدخّل أمريكا في أزمات المنطقة وحروبها، لا تشكّل خيارًا مقبولاً من حلفاء أمريكا في المنطقة وخصوصًا مجلس التعاون الخليجي، “فالقيادة من الخلف” هي مرفوضة من قبل هؤلاء الحلفاء.
والآن، ماذا عن الربيع العربي، والذي وصفه أمير سعودي بأنه لا يعدو كونه “وجع رأس”، وبأنه بعيد كل البعد من كونه إنتفاضات شعبية ضدّ الظلم والإستبداد أو للمطالبة بالإصلاحات السياسية والإقتصادية والإجتماعية، إلى أنه مرشّح للإستمرار بتفاعلاته الأمنية والإجتماعية والسياسية. من هنا تشكّل الأحداث التي تشهدها دول الربيع العربي حراكًا سياسيًا فعليًا، يحدث لأوّل مرّة منذ قرون. فقد فجّر المجتمعات وفتح ميدانًا خصبًا للصراعات بين مختلف التيّارات والشرائح السياسية والإجتماعية والدينية والقبلية، وذلك تحت شعارات التغيير والبحث عن حلول للأمراض المزمنة في داخل المجتمعات العربية. لكن هناك مخاطر حقيقية من أن يستمرّ هذا المزيج المتفجّر من الصراعات الدينية، والقبلية، والتنافس على السلطة والنفوذ بين مختلف التنظيمات المسلّحة، وبما يدفع المجتمعات إلى حالة من الفلتان والفوضى تهدّد المصالح الأمريكية، بما في ذلك تدفّق الطاقة وأمن اسرائيل، وتنامي التيّارات الإرهابية وانتشارها إلى خارج المنطقة.
في مواجهة الحالة الراهنة يمكن باختصار وصف الاستراتجية الأمريكية التي تعتمدها إدارة أوباما بالتردّد وبعدم الحسم. فهي تسعى إلى منع تعميم حالة الفوضى في مصر واحتواء تداعيات الإنقلاب على سلطة الإخوان المسلمين، ومتابعة إحتواء إيران، واستكمال الملفّ الخاصّ بضبط برنامجها النووي، ومتابعة التنسيق مع تركيا، ومساعدة دول مجلس التعاون الخليجي على بناء قدراتها الدفاعية والأمنية. هذه الاستراتجية سقفها الأعلى يتركّز على العمل الحيوي الذي يقوم به التحالف الدولي بقيادة أميركية ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وعلى متابعة الملفّ النووي الإيراني على أمل الإنتهاء منه لتحقيق المزيد من الإنفتاح على إيران. لكن يبقى السؤال المحرج: هل تكفي هذه الاستراتجية الأمريكية للردّ على التداعيات الجيوستراتيجية على المستوى الإقليمي في حال استمرار تفشي التطرّف والإرهاب، وتوسيع فجوة الخلاف السنّي – الشيعي وقيام إيران في زيادة نفوذها في مختلف الدول العربية بدءًا من لبنان ومرورًا بسوريا والعراق وصولاً إلى مختلف دول مجلس التعاون الخليجي؟.

3- هل لدى أوباما استراتيجية كبرى للمنطقة؟

لقد أثار التدخّل العسكري الأمريكي في ليبيا من أجل إسقاط العقيد معمّر القذافي نقاشًا واسعًا في الولايات المتّحدة حول وجود استراتيجية خاصّة بالرئيس أوباما أو ما يمكن أن يسمّى بـ”عقيدة أوباما” للتدخّل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. جاء هذا التدخّل العسكري في وقتٍ نعى فيه العديد من خبراء السياسة الخارجية الأمريكية وجود مثل هذه الكفاءة الاستراتجية لدى إدارة أوباما. وكان المعلّق الأمريكي في صحيفة “واشنطن بوست” جاكسون دياهل قد رأى «أنّ هذه الإدارة تتميّز بعدم وجود استراتيجية كبرى لديها، أو بعدم وجود أيّ خبراء إستراتيجيين في داخلها»، في الوقت نفسه تحدّث خبير العلوم السياسية جون ميرشايمر في كانون الثاني العام 2011 في “الناشيونال إنترست” عن أنّ الأسباب الجذرية للمشاكل التي تواجهها أمريكا بأنها قد «اعتمدت استراتيجية كبرى سيّئة بعد الحرب الباردة». وذهب المؤرخ نيال فرغسون في تفسيره لما تواجه أمريكا صعوبات في تعاطيها مع قضايا الشرق الأوسط، في مقال نشرته مجلّة “نيوز ويك”، بأن كل ذلك يعود «لافتقار إدارة أوباما إلى استراتيجية كبرى متماسكة، وهذا ما يثير العديد من الهواجس لدى عدد كبير من قدامى خبراء صنع السياسة الخارجية». وجاء التعليق الأقسى من مايكل هيرش في “ناشيونال جورنال” من خلال قوله «العقيدة الحقيقية لدى الرئيس أوباما هي في أن لا عقيدة لديه البتّة، ويبدو بأن ذلك مرشّح للإستمرار.
لكن إذا لم يكن لدى الرئيس باراك أوباما استراتيجية كبرى واضحة المعالم، هل يجب وضع ذلك في خانة الخطأ الكارثي أو الفادح؟ كان الرئيس جورج بوش الإبن قد وضع استراتيجية مفصّلة ومتماسكة بعد هجمات 11 أيلول، لكن تلك الاستراتجية الكبرى لم تحقِّق النتائج المرجوّة، وقد تسبّب تنفيذها بأضرار فادحة لأمريكا وبعض حلفائها الإقليميين.
بالنسبة إلى الدول الكبرى قد لا يكون من الضروري وجود استراتيجية كبرى مكتوبة ومعتَمدة، وفق ما يتحدّث عنه بعض الخبراء الإستراتيجيين، وإن كلّ ما تفرضه الضرورة يتمثّل بتوافر عناصر القوّة لديها، وخصوصًا القوّة العسكرية والقوّة الإقتصادية. إلا أنّه يبقى من الأفضل في ظلّ الحاجة لمواجهة المتغيّرات المتسارعة والخطيرة وجود استراتيجية كبرى ومتماسكة، لأن في ذلك رسالة واضحة عن الأهداف والنوايا، ويجب أن يسمعها جيّدًا الداخل والخارج على حدٍّ سواء.

وفي رأينا فقد أخطأ معظم هؤلاء الخبراء الذين رأوا بأن إدارة أوباما تفتقر لوجود استراتيجية كبرى، حيث يمكن الإجتهاد والقول بأن استراتيجية الرئيس كانت في عدم الإعلان عن استراتيجية واضحة المعالم، وهي تتلخّص بالتخلّص من المشاكل كلّها التي أورثتها له الإدارة السابقة، وبالتالي الدفع بكل هذه المشاكل إلى الحلفاء الإقليميين لتحمّل أوزارها، مع كل ما يمكن أن ينتج عن ذلك من عواقب وخيمة. وهنا نبادر إلى السؤال: هل الحرب الجارية في اليمن هي النموذج لما هو مطلوب من حلفاء أمريكا؟
يتطلّب التعمّق في هذا النقاش والحرص على إصدار أحكام واقعية أو عادلة الإتفاق على تعريف مفهوم الاستراتجية الكبرى. في رأينا يتطلّب وضع استراتيجية كبرى لدولة عظمى بحجم الولايات المتحدة، وفي منطقة تواجه التحوّلات والتعقيدات التي تواجهها منطقة الشرق الأوسط إعتماد إحدى المقاربات الآتية:

أوّلاً: تحديد المصالح الوطنية الرئيسة في المنطقة، ووضع المخطّطات العملانية اللازمة لتحقيق هذه المصالح أو حمايتها.
ثانيًا: وضع خطة استراتيجية تشرح الوضع العام السائد وارتقابات تطوّراته، وتربط ما بين السياسات السابقة والمستقبلية الكفيلة بمواجهة التحدّيات المقبلة.
ثالثًا: رسم إطار عام لتحرّك مختلف الديناميات المؤاتية أو المتعارضة مع الأهداف والمصالح المنوي تحقيقها، وإبلاغ ذلك للقيّمين على تنفيذ السياسة الخارجية/الأمنية كوسيلة، لإعلامهم بموقف إدارة الدولة أو الرئيس وسلوكيتهما.
يشبّه بعض الباحثين الصعوبة التي يواجهها رئيس دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة ومسؤولياتها في محاولته لتغيير الاستراتجية التي يَرِثُها عن الرئيس الأسبق، بالصعوبة التي يواجهها قبطان حاملة طائرات ضخمة إذا ما أراد الدوران بالحاملة 180 درجة، حيث يبقى الأمر ممكنًا على أن تجري العملية ببطء.
من هنا تبدو الصعوبات الكبرى التي تواجه الرؤساء الأمريكيين في محاولاتهم لوضع عقيدة خاصة بهم، تميّزهم في مقارباتهم العقلانية عن الرؤساء الذين سبقوهم.
يبقى العنصر الأساس عند الحديث عن الاستراتجية الكبرى لدولة ما متمثلاً بحجم القوة العسكرية والإقتصادية التي تملكها هذه الدولة، والتي تنوي إستعمالها لتحقيق الأهداف والمصالح التي حدّدتها هذه الاستراتجية. فالعقلانية التي تصاغ بها الاستراتجية أو الأهداف والمصالح التي تسعى إلى تحقيقها ليست مهمة في ظلّ غياب عناصر القوة اللازمة لتنفيذها.
من هنا يبدو من الطبيعي قياس أهمية الاستراتجية انطلاقًا من توافر عناصر القوّة العسكرية العملانية والجهوزية الاستراتجية. وهذا الأمر يدفعنا إلى التمييز ما بين الاستراتجية التي يمكن أن تعتمدها دولة أوروبية تجاه منطقة الشرق الأوسط وتلك التي تعتمدها الولايات المتحدة، والتي تملك جهوزية عسكرية وعملانية دائمة وموزّعة على مختلف دول المنطقة، بالإضافة إلى وجود بحري فاعل في المياه الدولية القريبة من دول المنطقة.
يذهب بعض المؤرّخين إلى الحديث عن النتائج الكارثية التي نتجت عن إعتماد استراتيجية سيئة، وعن ضرورة التأكّد دائمًا من وجود استراتيجية عاقلة ومتماسكة لتفادي الفشل. بينما يؤكّد التاريخ ودروسه عكس ذلك. ولنأخذ هنا كمثال الحرب الأمريكية على العراق من أجل إسقاط نظام صدام حسين كمقدّمة للتخلّص من “حكم دكتاتوري ظالم”، وكدعم لمسيرة الحرب على الإرهاب، وكعنصر تغيير سياسي في الدول المجاورة. وقد وضعت إدارة بوش، وبمساعدة جهابذة اليمين الأمريكي المحافظ الخبراء والقيادات كلّهم في مؤسّسات الدولة الأمريكية، استراتيجية كبرى لتنفيذ هذه المهمة، ودعت حلفاءها الكبار للمشاركة في الحرب. إنتهت الحرب، بعد أن كلّفت تريليون دولار، من دون أن تحقّق النتائج المرجوّة داخل العراق أو في دول الجوار، فالعراق يشكو من الفوضى، ويواجه مخاطر التفتّت، في الوقت الذي بقيت فيه إيران وسوريا على عدائهما للسياسة وللوجود الأمريكيين في المنطقة، مع إرتفاع محسوس لمشاعر الكراهية لأمريكا لدى معظم شعوب المنطقة.

4- استراتيجية الأمن القومي للعام 2015

أصدرت إدارة أوباما ما أسمته استراتيجية الرئيس للأمن القومي، والتي تتحدّث عن دور أمريكا في قيادة العالم، وهذا يعني الوسائل التي تستعملها الولايات المتحدة لمواجهة التحديات الشاملة كلّها من أجل الدفاع عن المصالح والقيم الأمريكية، وتحقيق رؤية واشنطن لمستقبل العالم.
كانت إدارة أوباما قد أصدرت أول استراتيجية لها للأمن القومي في العام 2010، وفي الفترة التي كان يسعى فيها أوباما إلى إنهاء الحربين اللتين بدأتهما إدارة الرئيس جورج دبليو بوش في العراق وأفغانستان، وإلى معالجة الوضع الإقتصادي والمالي المتردّي، وبالتالي الخروج من حالة الكساد التي ضربت أمريكا العام 2008. ويبدو بأن توقيت صدور تلك الاستراتجية جاء ليؤكّد بأن لدى الرئيس أوباما رؤية مستقبلية للدور القيادي الذي يجب أن تضطلع به الولايات المتحدة على المسرح العالمي. لكن بدا واضحًا بأنّ إدارة أوباما جادة في إنهاء الحرب في العراق وأفغانستان، وبأنها لن تتدخّل عسكريًا في أيّ أزمة مستجدّة.
قدّمت مستشارة الرئيس للأمن القومي سوزان رايس استراتيجية الرئيس للأمن القومي للعام 2015 في مؤسّسة بروكنز، معتبرة بأن هذه الاستراتجية تتضمّن ما يجب القيام به في المدى القريب من أجل تحقيق الأمن الأمريكي في المدى البعيد من خلال القول بوجود «قيادة أميركية قوية ومتواصلة، هي حجر الأساس في عملية بناء سلام أقوى وإزدهار أشمل حول العالم».
وتحدّثت رايس عن دور هذه القيادة الأمريكية القوية متسائلةً كيف كان للعالم أن يواجه آفة “إيبولا” في غربي أفريقيا، مع إمكان إنتشار الوباء إلى مختلف أنحاء العالم، وكيف كان بمقدور روسيا أن تهرب من مسؤوليتها عن تفجير الحرب في أوكرانيا لولا توافر هذه القيادة الأمريكية القوية. تدفع الآن روسيا ثمنًا باهظًا لخروجها على القانون الدولي. وأضافت رايس لولا الولايات المتحدة لما حدثت مواجهة “داعش” من قبل تحالف دولي يضمّ ستّين دولة. ولولا هذه القيادة لما أمكن التوصّل إلى إتفاقيات دولية بخصوص المناخ، ولما مورست الضغوط الكافية على إيران لتقديم تنازلات بشأن برنامجها النووي.
هذا وعدّدت رايس أربع طرق لممارسة أمريكا لهذه القيادة القوية والمحصّنة:

أ- سنقوم بتحقيق أمن الولايات المتحدة، وشعبها، وأمن الحلفاء والشركاء من خلال:
(1)- الحفاظ على دفاع وطني، الأفضل تدريبًا وتجهيزًا وقيادة في العالم.
(2)- تحصين أمن أمريكا الداخلي لحماية الأمريكيين من الإرهاب ومن الكوارث الطبيعية.
(3)- السعي نحو عالم خالٍ من الأسلحة النووية، والتأكّد من عدم وصول أي مواد نووية إلى الأيادي الشريرة.
(4)- تطوير كل القدرات الشاملة لكشف ومنع انتشار، والردّ بسرعة على كل أنواع التهديدات البيولوجية مثل “فيروس إيبولا” من خلال اعتماد أجندة صحية شاملة.

ب- سنعمل على تطوير إقتصاد قوي وخلاّق، وتنمية الإقتصاد الأمريكي ضمن نظام الإقتصاد العالمي الحرّ والمنفتح على بعضه من خلال:
(1)- تقوية نظام الطاقة الأمريكي، وتحقيق الوصول إلى مصادر الطاقة كلّها وذلك من أجل تقوية النمو الإقتصادي والتطوّر على المستوى العالمي.
(2)- تنفيذ أجندة التجارة الدولية وخصوصًا ما يعود منها للتجارة مع دول الباسفيك والأطلسي، وشراكة الإستثمارات، وبما يزيد من خلق فرص عمل للأميركيين وتقاسم الإزدهار مع الآخرين.
(3)- العمل من أجل محاربة الفقر، وتحقيق الأمن الغذائي، ووقف آفة الموت والمجاعة، وذلك بتطبيق برنامج الرئيس للطوارئ والمساعدات.

ج- سنحترم وسندعو لاحترام القيم الدولية في أمريكا وحول العالم من خلال:
(1)- التمتّع بأعلى درجات المسؤولية في العيش ضمن متطلّبات قيمنا الذاتية مع القيام بكل ما هو ضروري للحفاظ على أمن شعبنا وحلفائنا.
(2)- إعتماد الجهد لمحاربة الفساد والحضّ على احترام مبدأ الشفافية في الحكم والتمسّك بمبدأ المساءلة.
(3)- قيادة المجتمع الدولي لمنع التجاوزات على حقوق الإنسان وحماية حقوق المرأة، والعنف الجماعي.

د- سنقود الجهود الدولية لتحقيق السلام والأمن وأفضل الفرص عبر التعاون القوي مع الآخرين من خلال:
(1)- تقوية تحالفاتنا وشراكتنا مع الحلفاء والأصدقاء، والإستمرار في دورنا القيادي في الأمم المتحدة وبقية المؤسّسات المتعدّدة الأطراف.
(2)- الحفاظ على الإستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من خلال محاربة الإرهاب، ومنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وتخفيف أسباب النزاعات القائمة ومعالجتها.
(3)- دعم الإستمرار في الحفاظ على الإزدهار وتسويقه وتثبيت الأمن والديمقراطية في نصف العالم الغربي مع ضرورة تحقيق الإنفتاح على كوبا، كخطوة لتوسيع إرتباطاتنا.

5- هل من تعديلات بعد الإتفاق النووي؟

لابدّ من تفحّص ما قاله الرئيس أوباما لطوماس فريدمان في المقابلة التي أجراها معه في البيت الأبيض في 4 نيسان 2015 بحثًا عن أيّ تغيير يمكن أن يحدث في السياسة الخارجية الأمريكية على ضوء الأحداث المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط والحروب في اليمن والعراق وسوريا وليبيا. وكان أوباما قد سارع في بداية المقابلة إلى تفسير تبدّل مواقفه تجاه بورما وكوبا وإيران بأن سياسة الإنفتاح المترافقة مع البحث عن تحقيق الحاجات الاستراتجية الأمريكية، يمكن أن تخدم المصالح الأمريكية في هذه الدول الثلاث بشكل أفضل من الإستمرار في سياسة العقوبات والعزل التي اعتمدتها أمريكا في هذه الدول منذ عقود. وأضاف الرئيس أوباما بأن أمريكا بقوّتها المتفوّقة، تحتاج إلى الثقة بنفسها من أجل ركوب مخاطر مدروسة ليتسنّى لها فتح مجالات جديدة مهمّة كتحقيق إتفاق ديبلوماسي مع إيران، يسمح لها بالإحتفاظ ببعض منشآتها النوويّة، مع تأكيد وقف مسيرتها لبناء سلاح نووي لفترة عقد كامل أو أكثر.
ويقول أوباما «لدينا من القوة ما يكفي بما يسمح لنا اختبار مثل هذه الأفكار من دون أن نعرّض أنفسنا للخطر، وهذا ما لا يدركه الناس». إن الإعتقاد السائد هو أنه «لا يمكن ردع إيران ليس صحيحًا، خصوصًا وأننا سنحتفظ بالخيارات كلّها، وأننا بحلّ المسائل العالقة بالديبلوماسية، يجعلنا أكثر أمنًا وأمانًا وفي وضع أفضل لحماية حلفائنا». وأعاد أوباما تأكيد تعهّداته كلّها بالدفاع عن إسرائيل وحمايتها من أيّ هجوم من إيران وغيرها. وتوجّه إلى الشعب الإسرائيلي قائلًا: «لا حلّ ولا خيار لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي أفضل من المبادرة الديبلوماسية التي اعتمدناها، وهذا سيجري إثباته مستقبلاً».
عن تأمين الحماية لحلفاء أمريكا من الدول السنيّة كالمملكة العربية السعودية والدول الخليجية الأخرى يقول أوباما «لديهم أعداء خارجيين حقيقيين، ولكن لديهم أيضًا تهديدات داخلية»، تتمثّل بوجود الشباب المهمّشين والعاطلين عن العمل، وبوجود إيديولوجية مدمّرة بالإضافة إلى وجود إعتقاد بأنه لا تتوافر قنوات شرعية للتظلّم. ورأى أوباما أن الولايات المتحدة يجب أن تعمل مع هذه الدول وأن تقول لهم «كيف يمكن أن نبنيَ قدراتكم الدفاعية ضدّ التهديدات الخارجية، ولكن كيف يمكننا أن نقوّيَ الجسم السياسي في هذه الدول من أجل إشعار جيل الشباب السنّة بأن لديهم خيارًا غير الدولة الإسلامية أو (داعش)». وأضاف «أعتقد بأن الخطر الأكبر لا يتمثّل بإمكان حصول غزو إيراني، ولكن مصدره سيكون من حالة عدم الرضى الشعبي من الداخل». شدّد أوباما على أنّ رسالته للإسرائيليين تؤكّد بأن اللجوء إلى الخيار العسكري ضدّ إيران لن يحقّق الغاية المنشودة، وقد يؤخّر الإنجاز النووي لبعض الوقت، ولكنه سيشكّل دافعًا قويًا لإيران لتسريع عمليات التخصيب للحصول على عدّة أسلحة نووية.
ويبدو بوضوح بأنّ موقف أوباما من الدول العربية يتلخّص بأنه ليس مستعدًا لإجراء أي تغيير في إستراتيجيته تجاه المنطقة، خصوصًا لجهة السماح بأيّ تدخّل عسكري أميركي على الأرض لاحتواء “الأزمات المتفجّرة” في عدة دول عربية. يقول أوباما «بالنسبة لحلفاء أمريكا من الدول السنيّة العربية نحن على استعداد لتقوية قدراتهم العسكرية، في المقابل عليهم أن يبدوا استعدادًا لاستعمال قوّاتهم البرّية لحل مشاكلهم الإقليمية». ويعتبر أوباما بأن حديثه مع الدول الخليجية سيتركّز بالأولويّة على بناء قدرات دفاعية فاعلة. أما في الشأن السوري فقد عبّر أوباما عن وجود رغبة أميركية للذهاب إلى سوريا والتدخّل من أجل معالجة الوضع. لكن السؤال الأساسي كان يتمحور على أسباب عدم قيام العرب بعمل ما لحماية حقوق المدنيين من الإنتهاكات، ومحاربة الأسد ومنعه من استكمال مخطّطه. وشدّد على أنه يجب طمأنتهم على أنه لن يكون هناك من تهديد خارجي حقيقي، وهذا سيسهّل فتح حوار مع إيران.
وبعيدًا من كلّ ما حدث في الماضي فقد رأى أوباما «الآن إن المصالح الأمريكية الحقيقية ليست في استغلال الثروات النفطية في الشرق الأوسط، وليست في السيطرة على مناطق جغرافية محدّدة، مصالحنا هي في تحقيق السلم والحياة المستقرّة، وعدم تعريض أصدقائنا لأيّ هجمات خارجية ولعدم إلقاء البراميل المتفجّرة على الأطفال، ومنع عمليات التهجير الجماعي للسكّان المدنيين». لكن يبقى السؤال المحوري: كيف يمكن تحقيق ذلك؟
في الواقع ليس هناك أيّ تغيير في مواقف الرئيس أوباما أو في استراتيجيته تجاه منطقة الشرق الأوسط، وفق ما حاول التسويق له طوماس فريدمان. ويبدو بوضوح بأن أوباما قد أراد من هذه المقابلة توجيه تطمينات وتقديم شروحات وافية لإسرائيل ولأصدقائه في أمريكا وللكونغرس الأمريكي بأن الخيار الديبلوماسي يبقى أفضل الحلول لاحتواء الجهود الإيرانية لامتلاك سلاح نووي، وإذا فشل هذا الحلّ فإنه سيكون جاهزًا لاعتماد الخيار الأنجع لتحقيق هذا الهدف. وكان أوباما واضحًا في أجوبته حول عدم سماحه بتدخّل عسكري أميركي واسع في منطقة الشرق الأوسط، وبأن كل ما سيسمح به هو تنفيذ عمليات تؤمّن مشاركة الأطراف كلّها في العملية السياسية التي تحقّق مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، بين جميع الأفرقاء سواء كانوا شيعة أو سنّة أو أكرادًا أو إسرائيليين أو فلسطينيين. وشرح أوباما بأن العودة عسكريًا إلى العراق قد جاءت على خلفية العمل على الإبقاء على عراق موحّد ومنع قيام خلافة إسلامية في العراق وسوريا.
لكن جاءت أحداث اليمن وسيطر الحوثيون على معظم المحافظات بدعمٍ من إيران لتفرض تشكيل تحالف عربي – إسلامي بقيادة المملكة العربية السعودية وإطلاق حرب جوية تحت إسم “عاصفة الحزم” في محاولة لاحتواء المدّ الإيراني إلى الجزيرة العربية. هذه التطوّرات الدراماتيكية بالإضافة إلى الشكوك التي ولّدها الإتفاق الأمريكي – الإيراني حول الملفّ النووي قد وسّعت فجوة الإنقسام بين دول مجلس التعاون الخليجي وبين الولايات المتحدة. وفي محاولة حثيثة لاحتواء التدهور الحاصل في هذه العلاقات دعا الرئيس أوباما إلى قمّة خليجية – أميركية تُعقَد في كامب ديفيد.

6- الخيارات والإلتزامات بعد قمّة كامب ديفيد

أعرب وزير الخارجية السعودي عادل الجبير عن رضاه التام عن النتائج التي أسفرت عنها قمّة كامب ديفيد بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي والتي انعقدت في 14 أيار 2015، واصفًا القمّة بأنها كانت “تاريخية وغير مسبوقة”. لكن وعلى الرغم من هذا التوصيف المتفائل للقمّة، فإن السؤال المحوري يبقى حول مدى نجاح أوباما في “طمأنة دول الخليج”، والتي تعتبر “معيارًا لقياس نجاح القمة أو فشلها”. وهل حصلت دول الخليج على الطمأنة المطلوبة في نهاية القمّة؟ الأمريكيون يقولون نعم، والأغلبية الساحقة من العرب، بمن فيهم الخليجيون يجيبون بالنفي أو بنعم تتقاطع مع “لكن”، وهي تضمر شكوى مريرة لدى الكثير من الخليجيين والسعوديين من خذلان واشنطن حلفاءها القدامى لمصلحة دولة تعيش فسادًا بتدخّلاتها في الدول العربية وبتمويلها تنظيمات إرهابية تشكّل تهديدًا للعرب والأمريكيين معًا.
يُجمِع عدد من الخبراء العرب والأمريكيين بأنه وفق ما جاء في البيان الختامي وتصريحات الرئيس أوباما اللاحقة، فإن إدارة أوباما أعطت دول الخليج ما تستطيعه في حدود الاستراتجية التي تتّبعها هذه الإدارة تجاه المنطقة، والتي يبدو أنها غير راغبة في توسيعها أو تطويرها، وإن هذا الأمر يتطلّب موافقة الكونغرس على مطلب دول الخليج الحصول على ميزة حليف رئيسي من خارج حلف “الناتو”، وذلك على غرار كوريا الجنوبية واليابان، أو على مطلب شراء أسلحة متطوّرة جدًا كالطائرة “أف-35” لأن هذا الأمر سيخلّ بالتوازن العسكري مع إسرائيل.
إختلفت آراء الخبراء الخليجيين والأمريكيين في تقويمهم لنتائج القمّة حيث اعتبر بعضهم بأن النتائج جاءت لصالح دول الخليج بشكل لافت وفي جوانب غاية في الأهمية، في ما رأى البعض الآخر بأن اللغة التي صيغ بها البيان المشترك لم تقدّم الكثير، “فالتحدّيات التي تواجه دول مجلس التعاون لا تتمثّل في غزو إيراني بقدر ما تتمثّل في ما تقوم به إيران من مشاكل وإرهاب وتخريب، بالإضافة إلى طموحاتها لتصنيع سلاح نووي، وإن الوعود الواردة في البيان لا تعالج هذه القضايا. قدّم البيان وعودًا إضافية من أوباما لا ترضي دول الخليج”، هذا الرأي قدّمه إليوت أبرامز الخبير في شؤون الشرق الأوسط في عهود إدارات أميركية سابقة، وأضاف أن “دول الخليج كانت تريد من الولايات المتحدة سياسة خارجية جديدة من شأنها إيقاف إيران، لكنّها لم تحصل على ذلك”.
السؤال الذي لابدّ من طرحه في ظلّ بعض التحليلات السلبية لنتائج القمّة، من قبل خبراء متخصّصين بشؤون السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، هو: لماذا لم يتجاوب أوباما مع المطالب الخليجية الداعية إلى إتخاذ مواقف أميركية واضحة وحازمة من التهديد الإيراني، والذي طاول الجزيرة العربية نفسها، وتجديد الإلتزامات الأمريكية السابقة بحماية أمن دول مجلس التعاون الخليجي واستقرارها؟
يبدو بأن لدى الرئيس أوباما خيارات وتوجّهات استراتيجية مبنيّة على قناعات وثوابت إعتمدها منذ خوضه معركة الرئاسة وقبل وصوله إلى البيت الأبيض. وقد جعل الرئيس من هذه الخيارات والتوجّهات المنطلقات الأساسيّة للسياسة الخارجية الأمريكية وللخيارات الاستراتجية المعتمدة في الشرق الأوسط.
يتحدّث عن هذه الخيارات التي اعتمدها أوباما وزير الدفاع السابق في حكومة أوباما ورئيس وكالة الإستخبارات المركزية الأسبق ليون بانيتا في كتابه “ما يستحقّ القتال” فيقول «خاض أوباما الإنتخابات على قاعدة إنتقاده لإدارة بوش في اعتمادها المفرط على القوّة العسكرية، وخصوصًا لجهة الخلط ما بين الإسلام والإرهاب. إذ كان من الأسهل على أوباما الخروج من حرب العراق، التي “شكّلت حربًا بالإختيار” كما سمّاها وذلك في معرض تفريقها عن الحرب في أفغانستان، والتي اعتبر بأنها “حرب الضرورة”»، لقد وافق على زيادة حجم القوى في الحرب من أجل إنهائها والإنسحاب، تاركًا وراءه أمّة مستقرّة لا مكان فيها للقاعدة.
ويعترف بانيتا في نهاية مذكّراته بأنه «من الشائع في واشنطن في هذه الأيام (عهد أوباما) القول بأن البلاد منقسمة إلى حدٍّ لم تشهده من قبل وبأن الحكومة تعاني خللاً وظيفيًا عامًا». ويتابع رؤيته في هذا الأمر ليقول «البلد يفكّر بأسلوب مختلف (عن الحكومة)، فالأمريكيون يهتمّون بالقضايا الكبرى، ويشعرون بالإحباط عندما يرَون بأنّ واشنطن غير قادرة على التخلّي عن القضايا الصغيرة لفترة طويلة من أجل التفرّغ لمعالجة المسائل الكبرى».
يحاول الأكاديمي والكاتب السعودي خالد الدخيل تحليل نتائج القمّة في مقال نشره في جريدة الحياة فيقول بأن «إدارة أوباما أعطت دول الخليج ما تستطيعه في حدود السياسة التي تتبنّاها حيال المنطقة، وفي حدود الاستراتجية الأمريكية التي لا يمكن توسيعها أو تطويرها من دون موافقة الكونغرس» ويضيف الدخيل عن السياسة التي تتبنّاها الإدارة «بأنه يمكن إتهام أوباما بالتناقض، لكن ليس بالغموض. كان الرجل واضحًا منذ بداية ترشّحه للمرّة الأولى العام 2007، عندما أكّد أنه لا يريد أن يكون رئيسًا عاديًا، لا يتجاوز إنجازه أن يكون إسمه ضمن قائمة رؤساء أمريكا. كان يطمح إلى أن يكون رئيسًا مختلفًا عن سواه، وهذا الإختلاف يكون بالإنفتاح على خصوم أمريكا التقليديين مثل كوبا وإيران».
في المقابل يرى وزير الخارجية السعودي عادل الجبير بأنّ القمّة قد حقّقت تفاهمات جيّدة في ما يتعلّق بالتدريب العسكري المشترك، وتقديم أنظمة متطوّرة، وتطوير منظومة الدفاع الصاروخي والقدرات الصاروخية الباليستية والإنذار المبكر، ومناقشة إنشاء قوّات للتدخّل السريع ومكافحة الهجمات السبرانية، وتعزيز العلاقات الاستراتجية العميقة بين الجانبين. وطمأن الرئيس أوباما زعماء دول الخليج “بأن الولايات المتحدة ستقف إلى جانبهم ضدّ الهجمات الخارجية” وبأنه أجرى محادثات صريحة بشأن إيران وتنظيم داعش وقضايا أخرى. وأضاف الجبير «وجدنا تفهّمًا كاملاً لدى الرئيس أوباما لخطورة التدخّلات الإيرانية في شؤون المنطقة، وإدراكًا جيّدًا لما تقوم به إيران من دعم للإرهاب وتحرّكات لزعزعة الإستقرار في دول المنطقة».
وأقرّ أوباما بأن التهديدات الإيرانية المزعزعة للإستقرار تشكّل تهديدًا أوسع من التهديد النووي. أما في الشأن السوري وهو من القضايا الحيوية عربيًا وسعوديًا وخصوصًا دور إيران وحلفائها في النزاع، وتقرير مصير سوريا مستقبلاً يقول الجبير «كان لدينا تفاهم واضح حول ضرورة تكثيف الجهود لدعم المعارضة السورية المعتدلة، واتفقنا على أهمية فتح المجال لحلٍّ سياسي لا يشمل الأسد، وأنه لا وجود لهذا الأخير في مستقبل سوريا. وهناك تنسيق حول تقديم مساعدات للمعارضة، سواء في برامج التسليح والتدريب». وهنا يبدو بوضوح بأن الولايات المتحدة مازالت على موقفها من عدم التدخّل في سوريا لإقامة منطقة آمنة، أو فرض منطقة حظر جوّي لمنع النظام من متابعة قصف المدنيين بالبراميل المتفجّرة.
إلى جانب التأكيد على الشراكة الوثيقة بين الجانبين في مواجهة التهديدات المشتركة والعمل على نزع فتيل الأزمات الإقليمية والتعاون للتصدّي للتهديدات، فإن النقاط الأبرز في الإتفاق هي:
– التعاون في مواجهة نشاطات إيران لزعزعة الإستقرار في المنطقة وتعزيز القطاع الأمني وبناء قدرات الدول الخليجية من أجل تمكينها من الدفاع عن نفسها.
– إتخاذ الخطوات التطبيقية لتطوير منظومة الدفاع الصاروخي والقدرات الصاروخية الباليستية في جميع أنحاء المنطقة وتطوير نظام للإنذار المبكر.
– ضمان توريد سريع للأسلحة التي تحتاج إليها الدول الخليجية، وإنشاء مكتب مشتريات للمبيعات العسكرية الخارجية، مخصّص لعمليات البيع لدول الخليج. واعتبر أوباما بأن العلاقات تدخل مرحلة جديدة إستنادًا إلى القرارات.
– ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية ومكافحة القرصنة واعتراض شحنات الأسلحة غير المشروعة إلى مناطق الصراع، مع ضمان تدفّق الطاقة من منطقة الخليج بتأمين حريّة الملاحة في مضيق هرمز. وكان اللافت أيضًا الإتفاق على إجراء إجتماعات وزارية وفنية لبحث الشؤون الخارجية والدفاعية والأمن والإقتصاد، وعقد قمّة مماثلة لقمّة كامب ديفيد العام 2016.
في مقابل هذه التعهّدات الأمريكية لدعم أمن دول الخليج واستقرارها، فقد حصل أوباما على وعد من القادة الخليجيين بدعم الإتفاق النووي مع إيران (في حال توقيعه). ويعتبر أوباما أنه بأمسّ الحاجة لمثل هذا الدعم لمواجهة الكونغرس الذي يحاول سنّ قانون حول ضرورة عرض الإتفاق للتصويت من أجل إسقاطه.
يبدو بأن القادة الخليجيين قد أجبروا أوباما على تغيير مواقفه السلبية من شكواهم والتي كان قد عبّر عنها لصحيفة “نيويورك تايمز” بقوله: ربما أن أكبر الأخطار التي قد تواجهها هذه الدول (الخليجية) لن تأتيَ من غزو إيراني، بل من عدم رضى من داخل هذه البلدان». وهذا يعني بأن أوباما يعتبر أن مشكلة أمن الدول الخليجية الرئيسة ليست في إيران بل في مقاومة هذه الدول لضرورات التغيير في الداخل، والإستجابة للتحوّلات التي تجري في المنطقة. ويبدو بأن أوباما قد قرّر على ضوء مجريات القمّة الإستدارة على هذا الموقف، وموافقة الرأي الخليجي القائل بأن ايران تشكّل تهديدًا فعليًا لهم وبأنه لابدّ من مواجهة التهديد، وبأنّ على الولايات المتّحدة أن تكون شريكًا في حماية الخليج من أيّ تهديدات خارجية.
يرى البعض بأن السياسة الخارجية الأمريكية تلامس المؤامرة في ظلّ الشعور بانحياز أوباما للإنفتاح على إيران على حساب أمن الدول العربية والخليجية واستقرارها. وجاءت قمّة كامب ديفيد لتقول بأن هذه السياسة الخارجية هي نتاج قرارات لا مؤامرات، وبأنها تتأثّر بعوامل ثلاثة: النظام السياسي الرئاسي الخاضع للرقابة والمساءلة من الكونغرس، والنظام الديمقراطي لجهة تبادل السلطة كل أربع أو ثماني سنوات، والتطوّرات والأحداث الخارجية المؤثّرة على مصالح أمريكا وأمنها. لابدّ من الإعتراف بأهمية دور الرئيس الأمريكي وشخصيته في صنع القرارات الخاصة بالسياسة والاستراتجية الأمريكية تجاه المنطقة، وبأن الأحداث قد تدفع أمثال الرئيس جورج دبليو بوش إلى شنّ حربين في العراق وأفغانستان، وقد تدفع أمثال الرئيس أوباما إلى اتباع سياسة نفض اليدين من أزمات المنطقة، ولو أدّى ذلك إلى نشوء صراعات تؤدّي إلى موت مئات ألوف المواطنين الأبرياء في سوريا وليبيا واليمن والعراق.
في تقويم موضوعي لنتائج القمة لابدّ من العودة إلى تصريح أدلى به الخبير الدفاعي والإستراتيجي الأمريكي أنطوني كوردسمان لصحيفة الحياة بتاريخ 15 أيار 2015 حيث قال «إن القمّة ترفع التحالف الإستراتيجي والتاريخي بين الجانبين» وإن الإتفاق النووي في حال إتمامه مع ايران «ليس تحوّلاً إقليميًا للولايات المتحدة والتي يبقى ثقلها استراتيجيًا في الدفاع عن دول مجلس التعاون الخليجي».
ويبقى الزمن وتطوّرات الأحداث المتسارعة وحدهما القادرين على إثبات مدى صدقيّة الرئيس أوباما في تنفيذ الإلتزامات التي صدرت في البيان الختامي الصادر عن قمّة كامب ديفيد مع قادة مجلس التعاون الخليجي.

7- الاستنتاجات

إذا كان دور الولايات المتحدة قد تراجع في قيادة العالم في بداية رئاسة أوباما بحجّة الركود الإقتصادي والنتائج “الكارثية” لحرب العراق وأفغانستان، فإنه في الوقت الذي لا يمكن فيه إنكار وجود مشاكل إقتصادية كبرى تواجه الإقتصاد الأمريكي، ولكن حقيقة الأرقام تثبت بأن هذا الإقتصاد مازال الأكبر في العالم. إن القول ببروز دول وأسواق قادرة على منافسة الإقتصاد الأمريكي، هو ضرب من الخيال ولا يمتّ إلى الواقع بصلة. لم يحدث هذا التراجع في الدور الإستراتيجي لأمريكا حول العالم بسبب الكساد الذي استمرّ أربع سنوات، إنما يعود السبب الفعلي إلى تراجع مستوى ثقة القيادة الأمريكيّة بنفسها وبقدرات أمريكا على استعمال ما تمتلكه من عناصر القوة والنفوذ.
إن ما يحصل في الشرق الأوسط منذ العام 2011 من أحداث عرفت تحت إسم “الربيع العربي”، قد فتح الأمل بحدوث تغيير إجتماعي وإقتصادي وسياسي. يضاف إلى ذلك صعود التيّارات الإسلامية، وانفجار الصراعات المذهبية، وانهيار موازين القوى الإقليمية، ومحاولات إيران السيطرة على عدد من الدول العربية هي: العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، هذه التحوّلات التاريخية قد خلقت أوضاعًا أكثر تعقيدًا في المنطقة، وإن معالجتها أو احتواءها يتطلّب حضورًا أميركيًا فاعلًا، وبدعم إستثماري دولي يشكّل الأساس لاستراتيجية شاملة، تشكّل “خطة مارشال” شرق أوسطية.
لابدّ من التساؤل: كيف يمكن للولايات المتّحدة التي حقّقت الإستقرار والإزدهار في مختلف أنحاء العالم منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية أن تخرج من الشرق الأوسط وتتركه ممزّقًا بفعل التحوّلات التاريخية، والهجمة الإيرانية لإعادة بناء أمبراطورية جديدة؟ تبدو الحاجة ملحّة لعودة أمريكا إلى المنطقة، من أجل تحقيق التوازن المطلوب والمساهمة في ضبط الحركات الإرهابية، وإعادة بناء الإقتصاد الذي يؤمّن فرص العمل المطلوبة، ويسهّل دخوله إلى الإقتصاد الدولي الشامل.
في ظل اعتماد أوباما سياسة نفض اليدين في منطقة الشرق الأوسط، ومع الإنقلاب الذي نفّذه الحوثيون ضد الرئيس عبد ربه منصور هادي وحكومته، توسّعت الفجوة في العلاقات الأمريكية – الخليجية بشكلٍ دراماتيكي، وسادت أجواء من الشكوك وعدم الثقة بين الحلفاء التاريخيين. وجاءت “عاصفة الحزم” بمثابة “جرس إنذار” بإمكان تدهور الأوضاع نحو حرب إقليمية بين إيران وتحالف إقليمي بقيادة المملكة العربية السعودية. والتقط أوباما الإشارة فدعا إلى قمّة كامب ديفيد، ليقدّم التزامات أميركية جديدة أهمّها الإلتزام بمواجهة أي خطر خارجي على دول الخليج، ولكن هذا الإلتزام سيتعارض حتمًا مع قرار أوباما الواضح بالإنفتاح على إيران، والتعاون معها في مجالات شتى بعد توقيع الإتفاق النووي.
لم يعد الوقت متوافرًا لإدارة أوباما من أجل تصحيح استراتيجيتها تجاه المنطقة، وهي لا تملك النيّة والشجاعة لذلك، ولابدّ من انتظار وصول رئيس جديد، يرسم استراتيجية كبرى قادرة على تصحيح المسار الراهن. وإن الزمن المتبقّى من رئاسة أوباما والأحداث المتسارعة في المنطقة، هي كفيلة بكشف مدى صدقيّة أوباما في تنفيذ الإلتزامات التي تضمّنها البيان الختامي للقمة.

* مركز البحوث والدراسات الإستراتيجية في الجيش اللبناني