الرئيسية / ثقافة ومعرفة / الإرهاب في العراق.. الجذور والمسبّبات

الإرهاب في العراق.. الجذور والمسبّبات

بقلم: مصطفى العاني

كان الغزو الأمريكي للعراق في مارس 2003، نقطة التحول في تاريخ تطور ظاهرة الإرهاب في العراق. فعبر ليلة وضحاها تحول بلد شبه خال من ظاهرة الإرهاب إلى واحد من أكبر وأهم المراكز الإرهابية في العالم. وهذه ظاهرة تستحق الاهتمام لمن يحاول دراسة ظاهرة انتشار الإرهاب وتوسع قاعدته، فالمثال أو التجربة العراقية تعتبر من أغنى التجارب في العالم بهذا المجال، ولا يوجد مثيل لها حين تحولت البلاد إلى “أكاديمية للعمليات الإرهابية” تصدر تجاربها إلى جميع أنحاء العالم.

البداية كانت مع الإرهاب الإيراني – الطائفي

كان أول إرهاب في العراق بالمعني الحديث للكلمة قد بدأت بوادره مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979م، فقد شهد العراق ولأول مرة سلسلة من العمليات الإرهابية تمثلت في هجمات مسلحة، وعمليات اغتيال مسؤولين، وعمليات تفجيرات عشوائية، وغيرها من أنواع الممارسات الإرهابية.
فقد شهد العراق خلال الثلاثة عقود الماضية نوعين من الممارسات الإرهابية المعروفة، الأول هو ما يطلق عليه مصطلح “الإرهاب المخابراتي” أي النشاطات الإرهابية التي تنظم من قبل أجهزة مخابرات رسمية لدولة أخرى، والتي تقوم بالإشراف على هذه النشاطات وتمويلها. والنوع الثاني هو ما يصطلح عليه باسم “الإرهاب الأيديولوجي” والذي يمارس من قبل جماعات أيديولوجية لها أهدافها ومطالبها الخاصة، والتي قد تكون أو لا تكون مدعومة من جهات خارجية.
وكانت بداية أعوام الثمانينيات تمثل بداية ما يسمى حقبة “الإرهاب الشيعي المنظم” والذي تم دعمه ورعايته من الخارج من قبل قيادات الثورة الإسلامية في إيران، وتحت إشراف عناصر مرتبطة بالمخابرات الإيرانية التابعة للثورة الإسلامية. كان هدف هذا النوع من الممارسات الإرهابية هو المساهمة في تصدير الثورة الإيرانية إلى العراق عبر تهديد النظام القائم وإضعافه.
من الممكن حصر أهم العمليات الإرهابية التي تم تنفيذها من قبل التنظيمات الشيعية المرتبطة بإيران ضد الأهداف العراقية، وكان “حزب الدعوة الإسلامية” الحاكم اليوم في بغداد يمثل أكثر هذه الجماعات الإرهابية نشاطا لحساب أجهزة المخابرات الإيرانية. في أبريل 1980، قامت الخلايا الإرهابية المرتبطة بالثورة الإيرانية بتنفيذ أول هجوم إرهابي وقع في جامعة المستنصرية في بغداد واستهدف اغتيال السيد طارق عزيز أحد قيادات حزب البعث الحاكم في العراق.
وخلال أعوام 1981 – 1982، قامت تنظيمات الإرهاب المرتبطة بإيران بتنفيذ عدة هجمات إرهابية كان أبرزها الهجوم الانتحاري الكبير على مبنى السفارة العراقية في بيروت في يناير 1981، ثم الهجوم الانتحاري على مبنى وزارة التخطيط في بغداد في حزيران 1982. واستمرت العمليات الإرهابية بوتيرة متقطعة خلال سنوات الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) حيث تم استخدام الإرهاب كوسيلة لدعم المجهود العسكري الإيراني. لذا شهد العراق عددا ملحوظا من الهجمات الإرهابية ذهب ضحيتها عدد كبير من المواطنين الأبرياء. العناصر التي كانت تنفذ هذه العمليات كان أغلبها يتلقى التدريب والدعم من قبل أجهزة المخابرات الإيرانية، لذا فإن هذه العناصر لم تكن تعمل لحساب جماعات أيديولوجية بل لحساب دول ومن أجل تحقيق أهدافها.

مقاومة الاحتلال العسكري الأمريكي

حين حدث الغزو العسكري الأمريكي للعراق في مارس 2003م، وعملية إسقاط النظام واحتلال الدولة، ظهرت بعد أيام معدودة من الاحتلال بوادر حركة مقاومة المحتل في المدن الرئيسية في العراق، وخاصة العاصمة بغداد. فخلال شهر أبريل عام 2003، تم تسجيل ظاهرة بروز عمليات قنص راح ضحيتها عدد محدود من جنود الاحتلال الأمريكي. وخلال تلك الأيام لم يقم أي تنظيم أو جماعة منظمة بإعلان المسؤولية عن عمليات قتل جنود الاحتلال.
وبعد فترة لم تتجاوز الشهرين برز اسم تنظيم إسلامي جهادي جديد هو تنظيم أو “جماعة التوحيد والجهاد” الذي أعلن مسؤوليته عن عمليات مهاجمة قوات الاحتلال الأمريكي. ولكن العمليات ضد قوات الاحتلال لم تكن حكرا على هذا التنظيم، فمما لاشك فيه أن هناك أفراد أو جماعات ساهمت بهذا الجهد دون أن تكون جزءًا من مجموعة منظمة، ومهمات التنظيم استغرقت وقتا لتبرز حركات منظمة تقود عمليات مقاومة الاحتلال.
ومنذ اليوم الأول لبداية عمليات المقاومة المسلحة لقوات الاحتلال الأمريكي برز خلط متعمد بين حق مقاومة الاحتلال العسكري وهو حق شرعي مصون في القوانين والشرائع الدولية، وتهمة ممارسة النشاطات الإرهابية. فقد تم وسم عمليات مقاومة الاحتلال بكونها ممارسات إرهابية.
ومما يجدر الإشارة إليه أن العراق، وفي ضحى عملية الغزو والاحتلال الأمريكي للبلاد، كان من الدول القلائل الخالية من أي تنظيم إرهابي أو عناصر إرهابية. وحتى أن السجون العراقية كادت تخلوا من العناصر الإرهابية. فطبيعة المجتمع العراقي، وخلو المجتمع من نزعات التطرف الديني أو العنصري، وظاهرة التعايش بين مكونات المجتمع المختلفة، وطبيعة نظام الحكم القائم في حينه منعت نشوء البيئة الحاضنة للفكر الإرهابي أو لأي جماعات تمارس النشاطات الإرهابية. وكانت هذه ميزة واضحة ربما انفرد بها العراق دون الدول الإقليمية الأخرى.
تعود جذور وأصول تنظيم داعش الراهن إلى تنظيم التوحيد والجهاد في العراق الذي كان أحد أهم الجماعات المبادرة في مقاومة الاحتلال الأمريكي إلى حركة التمرد التي قادها بعض القيادات الوسطى في تنظيم القاعدة بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001. حيث وفي بدايات عام 2002، قامت بعض العناصر الجهادية المتواجدة في افغانستان بالانشقاق عن قيادة أسامة بن لادن – أيمن الظواهري بسبب الاختلاف حول كيفية التعامل مع نتائج اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، وكيفية مواجهة الحملة الأمريكية – الدولية على التنظيم.
وكان الجهادي الأردني أبو مصعب الزرقاوي أحد أهم عناصر هذه المجموعة المنشقة والتي قررت الانفصال عن التنظيم الأم في أفغانستان، حيث توجهت أولا إلى جنوب افغانستان وأسست نفسها بشكل مستقل في مدينة هرات الأفغانية قرب الحدود الإيرانية، ثم دخلت بعد ذلك الحدود الإيرانية بشكل فردي. ولكن مع ارتفاع احتمال الغزو الأمريكي للعراق في بداية عام 2003، رحلت هذه العناصر إلى داخل المنطقة الكردية في شمال العراق واستقرت في حماية جماعة إسلامية كردية في موقع قريب من الحدود العراقية – الإيرانية.
وخلال شهر مارس 2003، وعندما أصبح الغزو الأمريكي وشيكا دخلت هذه العناصر التي قارب عددها العشرون عنصرا إلى العاصمة بغداد والتي مثلت النواه الأساسية لتنظيم سيصبح متناميا خلال الفترة اللاحقة. وقد تولت هذه المجموعة الصغيرة، حال دخول قوات الاحتلال، مهمة قتل الجنود الأمريكان بعمليات بسيطة أغلبها يعتمد على عمليات القنص المنفرد في شوارع العاصمة بغداد.
خلال فترة قصيرة برز اسم تنظيم التوحيد والجهاد ليدل على نشاطات هذه المجموعة، ما كان يفرق هذه المجموعة عن باقي المجموعات العراقية التي انخرطت في مقاومة جيش الاحتلال هو عمق البعد العقائدي. فتنظيم التوحيد والجهاد تكمن جذوره العقائدية في تنظيم القاعدة الرئيسي الذي ارتكب اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، وما سبقها من عمليات الاعتداءات الإرهابية كعمليات الهجوم على السفارات الأمريكية في نيروبي ودار السلام في أغسطس عام 1998، والتي راح ضحيتها أكثر من 200 من المدنيين الأبرياء.

خليط الإرهاب والمقاومة

كان من أهم نتائج الغزو العسكري الأمريكي للعراق والاحتلال الذي تبعة هو خلق بيئة خاصة حاضنة، ليس لنشاطات مقاومة الاحتلال فقط، بل تطور بيئة حاضنة عالية الكفاءة لنشاطات الإرهاب. فلم تمر فترة طويلة تقارب العام والنصف حتى تبنى تنظيم التوحيد والجهاد في اكتوبر 2004، اسما جديدا هو “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” وشهد التنظيم نموا سريعا في حجم عناصره وفي سعة نشاطاته. كان أهم عملية إرهابية نفذها التنظيم تمثلت بتنفيذ هجوم انتحاري كبير على مقر منظمة الأمم المتحدة في بغداد يوم 19 أغسطس 2003 م، أدى إلى مقتل 22 شخصا وجرح 100 آخرين. وكانت هذه العملية فاتحة لعمليات إرهابية كبيرة قام التنظيم بتنفيذها خلال السنوات اللاحقة.
الاحتلال الأمريكي للعراق، وسوء إدارة الدولة، وسياسة المحتل في تعميق التفرقة وتقسيم المجتمع حسب الولاءات الطائفية والقومية في العراق، وانتشار الفساد والسرقات، ومنح السلطة لعملاء المحتل ممن لا يحمل أي انتماء وطني أو عربي قومي، خلقت بيئة مثالية لحدوث تحول جذري في العراق رعاه الاحتلال، من دولة خالية تماما من العناصر والجماعات الإرهابية، وخالية من أفكار التطرف الديني والعنصري، الى دولة تقوم على أسس الانتماءات الطائفية والعنصرية، وظاهرة الامتيازات الطائفية والأقصاء لمكونات أساسية في المجتمع، وظاهرة التبعية لإيران، وتفكك كيان الدولة ومؤسساتها الأساسية وانهيار الخدمات الأساسية. هذه العوامل ساهمت بشكل مباشر وكبير في تطوير وانتشار ظاهرة الإرهاب في العراق، وحولت البلاد إلى واحد من أهم مراكز النشاطات الإرهابية في العالم.
تنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) القائم اليوم ما هو إلا امتداد متواصل لتنظيم “التوحيد والجهاد” الذي تأسس في الأيام الأولى لوجود الاحتلال الأمريكي للعراق في مارس 2003. فما شاهده التنظيم خلال أكثر من عقد زمني (2003 – 2014) أي حتى بروز اسم داعش هو تغير اسم التنظيم، وتغير قياداته فقط (نتيجة لمقتل القيادات). فتنظيم التوحيد والجهاد ، ومنذ نشأته هو تنظيم مستقل عن تنظيم القاعدة الأم، وهو في الأساس يمثل حركة انشقاقية على التنظيم الأم. تنظيم داعشأشد تطرفا، وأكثر عنفا، ويمتلك أجندات مختلفة عن التنظيم الأم. وإذا كان تنظيم القاعدة الأم هو نتاج الاحتلال السوفيتي لأفغانستان، فإن تنظيم داعش هو نتاج مباشر للاحتلال الأمريكي للعراق.
تقلب تنظيم داعش بين أسماء عديدة تعكس فترة تطوره، ومستلزمات البيئة العراقية والإقليمية التي يعمل من خلالها. ففي يناير 2006، تم إلغاء اسم التنظيم “تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين” والتحول إلى تنظيم جديد تحت اسم “مجلس شورى المجاهدين في العراق” ، وهو ائتلاف قاده التنظيم وضم تنظيمات عراقية أخرى مثل جيش الطائفة المنصورة، سرايا أنْصار التّوحيد، سرايا الجهاد الإسلامي، جيش أهل السنة والجماعة، وغيرها من التنظيمات المحلية التي تولت مهمة مقاومة الاحتلال.
وخلال شهر أكتوبر 2006، تم تغيير اسم التنظيم مرة أخرى إلى “تنظيم دولة العراق الإسلامية”، وهذا التنظيم تمكن من القضاء على باقي التنظيمات المحلية، وأجبر قياداتها وعناصرها على الاندماج بتنظيم الدولة بالترغيب أو الترهيب. وتغيرت الظروف مرةأخرى ليعلن التنظيم عن تغيير الاسم في يونيو 2014، إلى “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، المعروف بمصطلح “داعش”.
وجاء هذا التغير نتيجة لانطلاق الثورة الشعبية في سوريا في فبراير عام 2011 م، وقد تمكن التنظيم العراقي من التمدد إلى داخل سوريا في أوائل عام 2013 وقيامة بالسيطرة على عدد من المدن والقرى السورية، مما استوجب تغيير اسم التنظيم ليعكس الواقع الجديد لنشاطاته وامتداده الجغرافي.
فتنظيم “داعش” لم يأت من فراغ، فهو سليل التنظيم الصغير الذي تكون منذ الأيام الأولى للاحتلال العسكري الأمريكي للعراق. وسبب قدرة التنظيم على البقاء والتوسع رغم القوى المتعددة التي تفرغت لمحاربته، هو أن هذا التنظيم يمتلك خبرات عسكرية وتنظيمية وسياسية متراكمة، قد لا يمتلكها أي تنظيم إرهابي آخر (ومن ضمنه تنظيم القاعدة).

* آراء حول الخليج

loading...