الرئيسية / ثقافة ومعرفة / (سجلماسة) .. كمحطة للتواصل الحضاري .. بين ضفتي الصحراء
سجلماسة

(سجلماسة) .. كمحطة للتواصل الحضاري .. بين ضفتي الصحراء

بقلم: حسن تاوشيخت

مدخل

تعتبر سجلماسة ثاني مدينة إسلامية تشيد بالغرب الإسلامي بعد القيروان وعاصمة أول دولة مغربية مستقلة عن الخلافة بالمشرق والمتمثلة في إمارة بني مدرار الخارجية الصفرية. فقد أجمعت بعض المصادر التاريخية أن سجلماسة بنيت سنة 140هـ/757م وقد أهلها موقعها الاستراتيجي كهمزة وصل أساسية بين مختلف مناطق شمال أفريقيا وبلاد السودان الغربي من جهة والمشرق الإسلامي من جهة ثانية، على التحكم ولمدة طويلة في تجارة القوافل بل وعلى لعب الدور الريادي في تنظيم شبكتها، الشيء الذي جعل اسم سجلماسة يرتبط في الكتابات العربية بتجارة الذهب وبالتالي تؤثر بشكل فعال في بلورة حضارة عربية إسلامية بأفريقيا جنوب الصحراء.
كما كان لهذا الدور التجاري المتميز الأثر الإيجابي على ازدهار سجلماسة في مختلف نواحي الحياة: فمن الناحية السياسية بسطت سجلماسة نفوذها على عدة مناطق من بينها درعة، أغمات، أحواز فاس، . . . قبل أن تصبح إقليماً متميزاً تابعاً للإمبراطورية المغربية حيث ظلت مجالاً حيوياً ونقطة انطلاق لكل الدول التي تعاقبت على حكم المغرب. في المجال الاقتصادي انتعشت الفلاحة بفضل نظام متطور للري وتطورت الصنائع وأصبحت المدينة البوابة الرئيسية للسيطرة ليس فقط على التجارة العالمية بل وعلى الحكم المركزي. في الميدان الاجتماعي أضحت سجلماسة مركز استقطاب حيوي ساهم في تحول حياة عيش السكان من الاستغلال الرعوي والزراعي المتنقل إلى حياة أكثر استقراراً تعتمد فضلاً عن الفلاحة، على التبادل التجاري والحرف، مما جعلها تحتضن أجناساً متنوعة ومختلطة. على الصعيد الحضاري عرفت المدينة تطوراً عمرانياً كما اعتبرت منبراً ثقافياً حراً لتبادل الرأي بين العلماء والمفكرين.

1- سجلماسة كمحطة استقطاب وتواصل اجتماعي
شيدت مدينة سجلماسة سنة 140هـ/757م من طرف خوارج مكناسة الصفرية في قلب واحة خصبة كانت عبارة عن مراعي يؤمها عدد من الرحل لتبادل منتوجاتهم في إطار موسم تجاري سنوي، فأصبحت بسرعة فائقة مركز استقرار بشري وميناء نشيطاً في تجارة الذهب. واستوطنت المدينة ساكنة مختلطة بالرغم من اختلافاتها العرقية والمذهبية فقد ساهمت وبطرق شتى في بناء المدينة وفي نموها الاقتصادي والسياسي والثقافي.

أ- العناصر السكانية بسجلماسة
يمكن التمييز داخل هذه الساكنة بين العناصر الرئيسية التالية:

– الأمازيغ: وهم من السكان الأصليين بالمنطقة ويتكونون من المجموعات الثلاث التالية:

* زناتة: وتشمل قبائل مكناسة التي يرجع إليها الفضل في تأسيس سجلماسة وفي خلق أول نواة للاستقرار بالمنطقة بل واستطاعت أن تكون إمارة سياسية لمدة قرنين من الزمان [الدويلة المدرارية 772-976م]، ثم قبائل مغراوة والتي تحكمت في سجلماسة ابتداءً من سنة 976م وإلى غاية دخول المرابطين للمدينة بصفة نهائية عام 1054م. وأخيراً نجد قبائل بني مرين التي استقرت بالمنطقة منذ بداية القرن 13م.

*صنهاجة: وتمل العنصر الأكبر كثافة بالمنطقة وعرف معظمها الاستقرار مع سيطرة المرابطين على سجلماسة بزعامة أبي بكر بن عمر اللمتوني ويوسف بن تاشفين سنة 1054م.

* مصمودة: استقرت في الغالب مع تحكم الموحدين على سجلماسة ما بين سنة 1139 و1145م وكانت القبائل المصمودية بالرغم من قلة عدد أفرادها تبسط نفوذها على دواليب التجارة والجندية والقضاء والإدارة.

– العرب: ترجع بداية استقرار الفئة الأولى منهم إلى عهد الفتوحات الإسلامية خلاف النصف الثاني من القرن السابع الميلادي وهي الفئة التي يعود إليها الفضل في نشر تعاليم الدين الإسلامي بالمنطقة وإن اتخذ مع ظهور إمارة سجلماسة الطابع الخارجي الصفري. أما الفئة الثانية فتتمثل في قبائل بني هلال وبني معقل والتي كانت في أول الأمر تعيش على نمط الترحال قبل أن تستقر بالمنطقة وتتكيف مع الحياة العامة المحلية. الفئة الثالثة هي الشرفاء والذين لم يظهروا بالمنطقة حسب أغلب المصادر التاريخية إلا خلال النصف الثاني من القرن 13م عندما وصل إلى سجلماسة المولى الحسن الداخل جد الأسرة العلوية سنة 1265م فاستقر بالمدينة وخلف بها ذريته التي استطاعت توحيد المغرب تحت رايتها ابتداءً من النصف الثاني من القرن 17م.

– الأندلسيون: وقد استوطنوا سجلماسة منذ نشأتها بل هناك من المصادر التاريخية ما يؤكد أنهم ساهموا في تشييد هذه المدينة. إلا أن عددهم لم يكن مهماً سوى عقب فشل ثورة الربض بقرطبة سنة 818م، حيث استقبلت سجلماسة أفواجاً من الفارين وكان من بينهم الحرفيون، التجار والعلماء والذين لا شك قد لعبوا دوراً هاماً في الأحداث التي عرفتها المدينة خلال فتراتها المتقلبة بين الازدهار والتدهور.

– الأفارقة: يرجع أصلهم بدون شك إلى أفريقيا جنوب الصحراء وقد جلبوا إلى المنطقة بواسطة تجارة القوافل. وربما لعبت كثافة هذا العناصر عند بداية بناء سجلماسة الدور الحاسم في تعيين أحد أفرادها وهو عيسى بن يزيد الأسود كأول حاكم للمدينة ما بين 757 و772م.

– أهل الذمة: وقد ساهم هذا العنصر بشكل جلي في التطور الاقتصادي للمنطقة وخاصة في التجارة وسك العملة والنسيج والصناعة الجلدية، ولكن يبقى تاريخ استقراره مجهولاً. فبعض الروايات التاريخية تقول إنهم أتوا من المشرق خلال عهود قديمة قبل الإسلام وبعضها الأخر لا يستبعد أن يكون مجيئهم من شبه الجزيرة الأبيرية خلال القرنين 14م و15م.

– الحراثون: وهم فئة ملونة تميل بشرتها إلى السواد، أصلها غير معروف بدقة وربما تكون بقايا الأجناس البشرية الأفريقية القديمة من الجيتول أو النوميديين أو الأثيوبيين، وعلى كل حال فهذا العنصر شكل عصب الحياة الاقتصادية السجلماسية وتعاطى خاصة للفلاحة “الخماسة” ومن هنا ربما اشتق اسمه.
خلاصة القول أن ساكنة سجلماسة بالرغم من تشكلها الفسيفسائي استطاعت التأقلم والتواصل فيما بينها وداخل محيطها الجغرافي وذلك من خلال تنظيم محكم يراعي التوازن الطبيعي والاجتماعي ويوفر الاستقرار السياسي والاقتصادي. يتضح هذا التنظيم من خلال ثلاث مستويات أساسية.

الاستغلال المكثف للأراضي الفلاحية واعتماد سقي محكم.

– تنشيط الحرف والصنائع المختلفة.

-تفعيل تجارة القوافل بتحويل سجلماسة إلى محور للتواصل بين مدن العالم المتوسطي وممالك جنوب الصحراء.

ب- الحكم الأفريقي لسجلماسة
لما استطاع أبو القاسم سمكو بن واسول المدراري الصفري خلق نواة الدويلة الخارجية بسجلماسة سنة 140هـ/757م، عين عيسى بن يزيد الأسود كأول حاكم للمدينة. وهنا يطرح السؤال بحدة عن دوافع هذا الاختيار من طرف أبي القاسم بينما كان هو المؤهل لهذا المنصف بفعل كونه الزعيم الروحي بل والقائد السياسي والعسكري لخوارج مكناسة الصفرية ببلاد المغرب. فالدوافع تبقى غامضة ويمكن مناقشة بعضها كما يلي:

– ربما حاول أبو القاسم تَجَنُّبَ الصراع بين مختلف الفصائل المكناسية والتي أبان كل واحد منها عن طموحه بالانفراد بالسلطة.

– ربما أراد أبو القاسم من هذا التعيين تحقيق مبدأ أساسي من مبادئ الخوارج والمتمثل في المساواة بين كل المسلمين وأحقية كل واحد منهم ليكون أميراً وحاكماً مهما كان جنسه أو لونه.

– ربما يعود الأمر إلى الكثافة السكانية للعنصر الأفريقي بسجلماسة في ترجيح تعيين زعيمهم عيسى، خاصة إذا علمنا أن معظم قبائل مكناسة لم تستقر بعد بالمنطقة خلال هذه الفترة التأسيسية.

– والدافع الأساسي ربما يكون اقتصادياً أو تجارياً محضاً، حيث أراد أبو القاسم من هذا العمل أن يدشن أو يشجع تجارة القوافل مع أفريقيا جنوب الصحراء وبالتالي تسهيل نشر الإسلام فيها.

ومهما يكن الأمر فإن عيسى بن يزيد الأسود بويع من طرف كل سكان سجلماسة وحكم عليها مدة 15 سنة من 757 إلى 772م، فقام بعدة منجزات تهدف إعطاء سجلماسة المكانة اللائقة بها كعاصمة إمارة ناشئة ومن ذلك تنظيمه لقنوات الري، تشييده للحدائق والبساتين، توطينه لقبائل الرحل… إلا أن هذه الأعمال ستذهب سُدّى مع وصول القبائل المكناسية التي لم تستسغ أن يحكمها زنجي فثارت ضده فقتلته سنة 772م وبايعت زعيمها أبا القاسم سمكو.

2- سجلماسة كمحطة للتواصل التجاري مع بلاد السودان
مع تشييد سجلماسة في موقع محوري يربط بين مختلف أجزاء شمال أفريقيا وبين هذه ومناطق جنوب الصحراء فضلاً عن المشرق الإسلامي، كان لهذا الموقع وتنوع البضائع المتبادلة وتركز عدة صنائع واستقرار التجار الوافدين عليها من كل الجهات، كلها حوافز خلقت من سجلماسة بحق عاصمة الذهب والقوافل التجارية. ومعظم المصادر التاريخية تعبر عن هذا الدور الاستراتيجي الذي لعبته سجلماسة في عهودها الزاهرة. يقول ابن حوقل[1] في هذا الصدد: “كانت القوافل تجتاز المغرب إلى سجلماسة وسكنها أهل العراق وتجار البصرة والكوفة والبغداديون… فهم وأولادهم وتجارهم دائرة ومفردتهم دائمة وقوافلهم غير منقطعة إلى أرباح عظيمة وفوائد جسيمة ونعم سابغة قلما يدانيها التجار في بلاد الإسلام سعة حال”. وكان تجارها على اتصال كبير مع تجار أوروبا وآسيا، بل وسافروا بأنفسهم إلى بلاد السودان وإلى بلاد الكنانة عن طريق الصحراء. وقد استفاد السجلماسيون من ذلك فأصبحوا من كبار التجار وجمعوا ثرورة هائلة وفي هذا يؤكد ابن فضل الله العمري: “إن السجلماسيين كانوا أغنياء ويتاجرون مع بلاد السودان، فهم يصدرون إلى هاته البلاد الملح والنحاس ويستوردون منها بالمقابل الذهب”[2]. فكيف كانت وسائل التواصل المعتمدة وما هي الطرق المستعملة”

أ- وسائل التواصل: لقد كانت القافلة الوسيلة الملائمة إن لم نقل الوحيدة التي اعتمدت في التجارة العابرة لضفتي الصحراء الكبرى وكانت تتشكل هذه القافلة أو القوافل من الرئيس أو القائد العارف بخبايا الطرق والمحطات بشكل خاص ويستعين في غالب الأحيان بمرشدين يجيدون اللغة العربية وبعض اللغات الأفريقية بطبيعة الحال ويتقنون أيضاً أسرار النجوم والفلك حتى لا يضلوا السبيل في فيافي المعجبة الكبرى وفي دجى الليالي. كما يرافق القافلة بعض التجار أو وسطاؤهم، فالعلماء والفقهاء وكذلك الخدم هذا فضلاً عن العشرات من حيوانات النقل وخاصة الجمال.

ب- الطرق المستعملة: ربطت سجلماسة باعتبارها همزة وصل أساسية بين جهات سودانية مختلفة وعبر قنوات تاريخية طويلة، من أهم هذه الطرق مع تحديد المسافة التقريبية لها اعتماداً على مصطلح “المرحلة” التي كانت تقاس بها في تلك العهود والتي كانت ترتبط أساساً بالآبار نذكر ما يلي:

– سجلماسة – تاغزة: 20 مرحلة،

– سجلماسة – أودغشت: 51 مرحلة.

– سجلماسة – أوليل: 60 مرحلة.

– سجلماسة – غانة/كاو: 61 مرحلة.

– سجلماسة – بلاد التكرور: 90 مرحلة.

ج- البضائع المتبادلة: تشتمل صادرات سجلماسة على المواد الغذائية من قمح وتمر وعنب وملح…، ثم على المواد المصنعة من نسيج وحلي وفخار وجلد ومواد خشبية… وكذلك على مواد التجميل والتوابل من حناء وكحول وكمون وقرنفل ومواد علمية من كتب ومخطوطات… أما الواردات فهي متنوعة وتتحدد أساساً في ذهب غانا، جلد اللمط وريش النعام من أودغشت، حرير المشرق والفخار الأندلسي…
كانت سجلماسة بمثابة واسطة العقد في تجارة القوافل بالغرب الإسلامي. يقول الأستاذ مولاي هاشم العلوي القاسمي: “في القرن 3 و4هـ (9 و10 الميلادي) اتجه العالم الإسلامي نحو الطرق البرية وصارت الطرق البحرية مكملة لها فقط… وانشغلت القوات السياسية في الغرب الإسلامي بالصراع على هذه الطرق وتحولت المراكز الشمالية من الصحراء الكبرى إلى مكان للتنافس بين القوات المتصارعة عليها، فصارت غدامس، وركلة، تاهرت، سجلماسة، نول – لمطة وأودغشت مسرحاً للتنافس الساخن بين جميع القوات المغربية”[3]. فأمويو الأندلس كانوا يقبلون على منتوجات المغرب خاصة ذهب الصحراء عن طريق سبتة، فاس وسجلماسة حتى أن الدنانير الذهبية الأندلسية كانت تضرب باسم الأمويين في مدن مغربية مثل نكور وفاس وسجلماسة[4] مجموعة مهمة من هذه الدنانير الأموية والتي يعود تاريخ سكها إلى نهاية القرن 4هـ/ نهاية القرن 9م وبداية القرن 10م اكتشفت بالعقبة بالأردن في أبريل من سنة 1992 من بينها 29 من 32 ضرب بسجلماسة، مما يبرز أهمية هذه المدينة في محاور التواصل بين الشرق والغرب الإسلاميين. وبما أن سك النقود يدخل في مهام الدولة وأن رواج هذه النقود في التجارة العالمية دليل على الدور المباشر الذي تلعبه الدولة في هذه التجارة البعيدة المدى فإن مراقبة الطرق العابرة لسجلماسة تظل ضرورة ملحة للتحكم في المدينة. كما كان الفاطميون يتوصلون بحوالي نصف مداخلهم الجبائية أي ما يفوق 400 ألف دينار من سجلماسة. وتبقى إشارة أخرى إلى أن صراع خوارج بني مدرار مع باقي الإمارات الخارجية الممتدة من بلاد تامسنا غرباً إلى مشارف برقة شرقاً ومروراً بأباضية تاهرت، لم يمنعها من ربط علاقات تجارية ونفعية مع هذه الكيانات، إذ أن الحدود الإيمانية في القلوب بينما الحدود السياسية على الأرض.
وفي مشروعها الوحدودي للسيطرة على الغرب الإسلامي، حاولت الدعوة المرابطية منذ البداية التحكم على أهم المراكز التجارية حتى تتمكن من مضان قوة مادية ثابتة تستطيع بواسطتها تحمل نفقات تحركاتها العسكرية. وكانت سجلماسة من بين المراكز الأولى التي طبقت بها هذه الخطة الاستراتيجية. وقد عرفت المدينة مع السيطرة المرابطية نمواً كبيراً ارتبط أساساً بتجارة القوافل التي كان المرابطون يتحكمون في مختلف محطاتها وطرقها، مما نتج عنه استتباب الأمن وتنشيط الحركة، وتبوأت سجلماسة مكانة عاصمة إقليمية ذات الدور الحاسم في بناء دولة مرابطية مترامية الأطراف بل وشكلت جزءاً حساساً من شبكة الاقتصاد المالي للدولة خصوصاً بعد سيطرتها المباشرة على أهم مراكز جنوب الصحراء مثل تمبوكتو وأودغشت. ومنذ استيلائهم على سجلماسة سنة 450هـ/ 1045م ولمدة 30 سنة والمرابطون يضربون نقودهم بسجلماسة فقط وتحت اسم أبو بكر وحده، ثم أخذت بعد وفاته تسك بمراكش، أغمات، فاس، تلمسان، الأندلس وطبعاً بسجلماسة. فمن بين 77 عملة مرابطية الموجودة بالمكتبة الوطنية بباريس ينتمي حوالي نصفها أي 31 ديناراً إلى دار السكة السجلماسية. “بوقوعها على مفترق المحاور التجارية للإمبراطورية المرابطية، أصبحت سجلماسة كبيرة، عامرة ومزدهرة حيث كانت تصدر القطن والكمون والقرنفل، والحناء إلى بلاد السودان وإلى كل جهات الغرب الإسلامي”[5].
بفضل دورها الاقتصادي وبفضل مواردها المادية الضرورية للخزينة المركزية، يمكن القول أن الموحدين وضعوا سجلماسة كهدف أول في مخططهم السياسي ما بين 1139 و1145م وقبل أن يتمكنوا من السيطرة على العاصمة المرابطية نفسها، لذلك اتبعوا نفس السياسة المرابطية في احتلالهم لسجلماسة باعتبارها مفتاح التحكم في طرق التجارة الصحراوية، إلا أنه “مع السيطرة الموحدية أصبح التوازن التجاري المحقق بالغرب الإسلامي يعرف ظروفاً غير مساعدة لوعضية سجلماسة”[6] ذلك أن هذه الأخيرة فقدت ثقلها التجاري لفائدة مدن المغرب الأوسط وخاصة تلمسان وبجاية والتي حظيت بالأولوية من طرف عبد المؤمن بن علي وخلفائه من بعده فضلاً عن انشغالهم في إخماد التورات وخاصة بالأندلس، مما جعل سجلماسة تقع فريسة أطماع حكامها أو بعض الثوار الذين يريدون الانفراد بمواردها.
في عهد المرينيين [1255-1393م] ظلت سجلماسة من كبريات مدن المغرب ولكنها لم تعد تلعب ذلك الدور التجاري الهام، بل إن هذا الدور تقلص بشكل كبير نتيجة عدة عومل من أهمها بداية تحول الطرق التجارية نحو المحيط الأطلسي، سيطرة قبائل بني معقل على أهم المحاور والمراكز القوافلية وأيضاً إعطاء الأسبقية من طرف الدولة المرينية للطريق الغربي درعة – نول لمطة، فضلاً عن انشغال حكام بني مرين في مواجهة المشاكل السياسية والعسكرية الناتجة عن الزحف المسيحي نحو الأندلس وعن الصراعات الداخلية المختلفة والكثيرة. وكان لهذه العوامل وغيرها مثل الضرائب الثقيلة المتنوعة والصراعات القبلية، أن تعرضت مدينة سجلماسة للتدهور والاندثار مع نهاية الدولة المرينية وبالضبط حوالي 1393م.
جملة القول أن مدينة سجلماسة والتي ارتبط إشعاعها وكذا أهميتها بتجارة القوافل كانت نتيجتها المأساوية مع فقدان تحكمها في هذه التجارة. وهكذا كما بدأت إشراقة أنوارها التاريخية ومكانتها السياسية والاقتصادية مع طرق القوافل حوالي سنة 757م، انطفأت مصابيحها ودورها الريادي مع ظهور أهمية الملاحة البحرية في أواخر القرن 14م. فكانت خاتمتها المؤلمة أن غابت نهائياً ليس فقط من مسرح الحياة بل وأيضاً في الكتابات التاريخية.

3- سجلماسة كمركز تواصل ثقافي
لقد اعتبرت سجلماسة عبر تاريخها الطويل مركز استقطاب للعلماء ورجال العلم والأدب فضلاً عن التجار وأصحاب الأموال، فساهمت بشكل فعال في النهضة المغربية الدينية والعلمية، بل وكانت إحدى الركائز الأساسية في بناء الحضارة المغربية. لذلك كانت بفعل عمقها التاريخي وثقلها الحضاري وبفعل ساكنتها المختلطة النشيطة وبفضل تفتحها على جميع التيارات الفكرية والمذهبية، كانت كعبة لتبادل الرأي ولحرية الاعتقاد وللتسامح الديني، حيث تمازجت بالمنطقة جميع المعتقدات الخارجية منها أو السنية أو الشيعية أو الصوفية كما شارك أهل الذمة بدورهم في هذه النهضة.
وإذا كانت سجلماسة قد حاولت أن تنوع من علاقاتها الثقافية سواء مع المشرق العربي أو مع المراكز الحضرية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، فإن ذلك لم يكن بالدرجة التي كانت لصلاتها المتميزة بالممالك الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء، إذ رغم صعوبة مسالك الصحراء الكبرى فإنها لم تكن أبداً حاجزاً كما يتصور البعض[7]. فمن المؤكد أن الحركة المرابطية التي قادها عبد الله بن ياسين منذ 439هـ/ 1048م من رباطه بجزيرة عند مصب نهر السنيغال، استطاعت أن تنشر الإسلام في أرجاء واسعة من السودان الغربي خصوصاً بعد فتحها لإمبراطورية غانة القديمة وسيطرتها على عاصمتها أودغشت[8] ثم على سجلماسة. وفي هذا العهد أيضاً أنشئت مدينة تومبوكتو التي أصبحت فيما بعد مركزاً للإشعاع الحضاري بالمنطقة، حيث أمها التجار وتدفق عليها العلماء من سائر أطراف العالم الإسلامي.
منذ هذه القرون الإسلامية الأولى إذن وضعت اللبنات الأساسية للتقارب بين سجلماسة وبين الضفة الجنوبية للصحراء الكبرى من خلال تنشيط حركة القوافل التجارية من جهة وتسيير رحلات العلماء والفقهاء قصد نشر الإسلام بين الشعوب الأفريقية وتفقيهها بتعاليمه السمحة. إن غنى هذا التواصل واستمراريته على مدى قرون عديدة يجعل من الصعب الإحاطة بمجموع الجوانب المشكلة له واستيعاب جل بواطنه وخفاياه، الشيء الذي يفرض علينا الاقتصار على استعراض بعض مظاهر التقارب الثقافي أو بمعنى أصح ملامسة بعض محددات تأثير سجلماسة على التشكيلة الثقافية للشعوب السودانية.
لقد كشفت الكتابات التاريخية والتحريات الأثرية عن وجود صلات قوية فعلاً بين سجلماسة ومدن جنوب الصحراء، حيث كانت الأولى تمدها بما تحتاج إليه من منتوجات متنوعة، كان من بينها خاصة المواد الغذائية، الفخار والألبسة المختلفة. فقد لفت نظر الجغرافيين العرب القدامى أن طابع العري شبه التام كان هو الغالب على سكان بلاد السودان، لكن مع انتشار الإسلام وتأثر السكان المحليين بالنمط المعيشي العربي بدأ تدريجياً تعميم ارتداء الأقشمة، بل ودخلت زراعة القطن إلى أودغشت من سجلماسة، بحيث تحولت إلى مركز هام لإنتاج النسيج مع منتصف القرن 11م.
من أبرز مظاهر هذا التأثير أيضاً اعتماد بلاد السودان لأنماط تخطيط المدينة العربية الإسلامية بأسوارها، بمساجدها، بأسواقها وبدورها وشوارعها،. . . وكذلك من حيث اتباع طرق البناء سواء بالطين أو بالحجارة. ويرجع الفضل الأكبر في ذلك إلى التجار والعلماء المغاربة الذين استقروا بحواضر بلاد السودان، حيث شيدوا منازل لا تختلف في شيء عن منازل فاس ومراكش وسجلماسة. فالأبحاث الأُثرية التي أجريت بموقع أودغشت أبرزت مدى التشابه التام بين مكوناتها العمرانية وتلك المكتشفية بسجلماسة حتى عرفت المدينتان بالشقيقتين.
وفي هذا الصدد يمكن استحضار إشارة تاريخية قدمها لنا ابن خلدون حيث تحدث عن أحد أعظم ملوك إمبراطورية مالي هو منسى موسى (بداية القرن 4م) الذي جلب من المغرب أحد العارفين بالهندسة المعمارية ويدعى إبراهيم محمد الأنصاري الساحلي المعروف بالطوينجي قصد بناء دار الإمارة. يقول ابن خلدون: “أطرف إبراهيم الطوينجي السلطان منسى موسى ببناء قبة مربعة الشكل استفرغ فيها إجادته… وأضفى عليها من الكلس ووالى عليها بالأصباغ المشبعة فجاءت من أتقن المباني ووقعت من السلطان منسى موسى موقع الاستغراب.. . حيث وصله العاهل بمبالغ سنية من المال.. . ” [9].
كما يمكن الحديث عن اهتمام المغاربة بنشر اللغة العربية في الأقطار الأفريقية وذلك من خلال تعريب الدواوين الرسمية واعتماد العربية في تسجيل العقود وفي فض المنازعات القضائية وفي كتابة المخطوطات والوثائق. كما قام المغاربة بنشر المذهب الصوفي ببلاد السودان وفي هذا المجال نكتفي بالإشارة إلى أثر الطريقة التجانية في تقريب الإنسان الأفريقي بعضه من بعض، بل وتعرف عن قرب بالعنصر المغربي فانصهر الجميع في بوتقة واحدة ملؤها الأخوة الإسلامية. وكلنا نعرف أبا العباس أحمد بن محمد التجاني الذي ارتحل من مسقط رأسه [عين مهدي بالسنغال] لطلب العلم بمدينة فاس فأصبح فقيهاً عالماً ملماً بالأصول والفروع عارفاً بالآداب وقد حج سنة 1186هـ/ 1773م، ثم عاد إلى فاس فصار شيخاً للطريقة التي تنتسب إليه، وله يرجع الفضل في تربية العديد من الأتباع في المغرب وأفريقيا السوداء على السواء، وفي عام 1278هـ 1882م ظهر أحد أتباع الطريقة التجانية بالسنيغال فأسس مملكة مستقلة ويتعلق الأمر بالحاج عمر الفوتي[2] الذي اعتمد في نشر تعاليم الإسلام على وسائل سلمية تتمثل في التجارة والتعليم بجانب حملاته الجهادية ضد القبائل الوثنية.
وفي جانب آخر من العلاقات الثقافية بين المغرب وبلاد التكرور، يكشف لنا الأستاذ محمد حجي[3] في دراسته لكتاب “الفتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور” لمؤلفه العالم الولاتي أبي عبد الله الطالب محمد بن أبي بكر الصديق البرتلي المتوفى عام 1219هـ/ 1805م عن الصلات الثقافية التالية:
تشابه المادة المدروسة لطلاب العلم بالتكرور خلال عهود ولاتة مع مثيلتها التي تدرس بفاس ومراكش، فاللغة المعتمدة هي العربية والمواد هي النحو العربي، التشريع الإسلامي، الحساب والفللك العربيين، الفقه والأصول مع التركيز على مختصر خليل بشروحه المعروفة بالمشرق والمغرب فضلاً عن ظهور شراح محليين مثل أحمد بابا السوداني، القاضي الطالب أبي بكر بن محمد الولاتي المحجوبي. وتدرس كذلك الأجرومية والألفية لابن مالك في النحو، كتاب الشفاء للقاضي عياش السبتي، كتاب دلائل الخيرات لمحمد بن سليمان الجزولي وغيرها.
المراكز العلمية المغربية التي يتردد عليها علماء وطلاب التكرور، حيث لا يكتفون بالدراسة بسوس ودرعة وتافيلالت وإنما يتابعون دراستهم العليا بمدن فاس ومراكش وتطوان، فكانوا يدرسون علوم القرآن والحديث واللغة العربية التي يتصل بعضها بالإمام محمد بن غازي الكناسي الفاسي وبعضها بالشيخ محمد بن محمد بن أبي بكر الدلائي.
الطرق الصوفية التكرورية استمدت جذورها من الطريقة الشاذلية عامة والجزولية بشكل خاص. فالتكروريون يداومون على قراءة أحزاب الإمام الشاذلي، أسماء الله الحسنى لابن عباد الفاسي، دلائل الخيرات للجزولي وغيرها. من أشهر المتصوفة ببلاد التكرور نجد عبد المالك بن عبد الله الركاني الشريف الحسني والذي وصل نفوذه إلى منطقة توات وكل الواحات الصحراوية الشرقية. كما يقدم لنا كتاب الفتح الشكور ترجمة لعدة علماء مغاربة أثروا روحياً بشكل واضح على سكان التكرور ومن هؤلاء يذكر الشيخ أبي المحاسن يوسف الفاسي، ابنه محمد العربي الفاسي وحفيده محمد المهدي الفاسي.
وكان يقيم ببلاد السودان العديد من التجار والفقهاء والعلماء المغاربة الذين كانوا يحظون برعاية خاصة من طرف الملوك السودانيين. ويذكر ابن بطوطة الكثير منهم في رحلته من بينهم والذين ينحدر أصلهم من سجلماسة: الفقيه محمد الفيلالي، إمام مسجد البيضان بمدينة كوكو على نهر السنيغال، والحاج محمد بن سعيد السجلماسي أحد كبار التجار وممثل السلطان أبي عنان المريني[10].
يمكن كذلك الإشارة إلى تأثير ثقافي مغربي على سكان بلاد السودان في مجال اعتماد نظام غذائي جديد يرتكز على المواد الفلاحية المستوردة من قمح وذرة وتمر وعنب وتبين ولحوم حمراء وغيرها والتي لم تكن معروفة قبل دخول الإسلام إلى هذه المناطق مما يزكي احتكاك أهل السودان بالعرب والمسلمين المقيمين هناك[11].
نفس الشيء ينطبق على الكثير من العادات الإسلامية التي ترسخت في المجتمع السوداني وفي هذا يذكر ابن بطوطة في رحلته: “فمن أفعال (السودان) الحسنة قلة الظلم.. . ومنها شمول الأمن في بلادهم.. . ومنها عدم تعرضهم لمال من يموت ببلادهم من البيضان (الأجانب).. . ومنها مواظبتهم للصلوات والتزامهم لها في الجماعات وضربهم أولادهم عليها.. . ومنها لباسهم الثياب البيض الحسان يوم الجمعة.. . ومنها عنايتهم بحفظ القرآن العظيم.. . “[12].
إن العثور على الفخار السجلماسي بعدة مواقع ببلاد السودان يطرح إشكالاً كبيراً حول الكيفية التي كان ينقل بها هذا الفخار وعبر مسافات طويلة وشاقة مخترقة بذلك أهوال المعجبة الكبرى. لا شك أن نقل الفخار بواسطة القوافل يعتبر مغامرة لا يمكن التكهن بنتائجها، وبالرغم من ذلك واعتباراً لملحاحية الطلبات والأثمان الباهظة فقد حاول التجار القوافليون أن يتحملوا كل المخاطر وأن يوصلوا تلك البضاعة الهشة إلى أصقاع أفريقيا السوداء. فكيف كانت تنقل هذه الأواني الفخارية ولماذا سكتت عن ذكرها المصادر التاريخية من خلال وصفها الدقيق لتجارة القوافل؟
إن صناعة الفخار السجلماسي استمدت وجودها من تأثير عنصرين رئيسيين، يتمثل أولهما في الخزف الأمازيغي ذي الأصول القديمة التي ترجع إلى ما قبل التاريخ. أما التأثير الثاني فيعود مصدره إلى المشرق العربي وقد وصل إلى سجلماسة عبر مرحلتين: الأولى عن طريق أفريقية والقيروان والثانية عن طريق الأندلس وفاس. ويتميز هذا الفخار بدقة صنعه ورقة سمكه وخفة وزنه وباعتماده على طين صلصالية بيضاء وعلى أشكال متنوعة من أقداح وقارورات وجرات وصحون وقناديل زيتية.. . ويزين بطلاء أخضر لامع وبأنماط هندسية بسيطة في الغالب. لقد أظهرت الحفريات الأثرية أن تقنية الفخار لا تعترف بالحدود السياسية وإنما اخترقتها وصنعت لنفسها المكانة التي تستحقها في كل البقاع التي وصلت إليها. ذلك أن هذه التقنية بعد أن كانت حكراً على الحواضر الكبرى بالعالم الإسلامي وكذا بالعالم المسيحي، سرعان ما احتضنتها أيادي الحرفيين المحليين والتي حاولت أن تكيفها مع الواقع الجديد فأخرجت منها أواني ذات طابع محلي أنتجت أول الأمر لتلبية الحاجيات المحلية ثم ما لبثت أن تضخمت صناعتها وأصبحت قابلة للتصدير. هذا ما وقع بلا شك لصناعة الفخار السجلماسي والتي تأثرت في البداية بنظيرتها المشرقية والأندلسية، قبل أن تؤثر بدورها في الفخار الأفريقي. وهذا الأخير عرف إنتاجه مع مرور السنين تطوراً وفائضاً أصبح من الضروري تصديره إلى الجهات الأخرى. والأبحاث بسجلماسة والمدن السودانية أبانت عن هذه الفرضية وعن المبادلات التجارية الهامة في مادة الفخار. قبل أن نبرز كيف كان ينقل هذا الفخار ولماذا سكنت المصادر العربية عن ذلك، يستحسن أن نذكر بإيجاز شديد أهم الأبحاث الأركيولوجية المنجزة بسجلماسة وببعض المواقع جنوب الصحراء:

لقد شهد موقع سلجماسة البعثات التالية:

البعثة الإيطالية: نظمت مؤسسة The Ludwig Keimer تحت إشراف Boris de Rachewiltz بعثتين إلى تافيلالت الأولى أثرية من 19 مايو إلى 3 يوليو 1971 والثانية اثنولوجية من 28 مارس إلى 7 مايو 1972. برمجت الحفريات بشمال موقع سجلماسة، حيث تم اكتشاف قنوات للري، بقايا أسوار، نافورة، مستحثات نباتية، عظام بشرية، لقى زجاجية وخزفية وبعض المجوهرات.

البعثة المغربية: في سنة 1974 قام المفتش المعماري بمكناس محمد بنشمسي بحفريات قرب المسجد، حيث تم ربط أسوار المسجد المبنية من الطين بالحقبة العلوية (القرن 17م).

أبحاث مركز الدراسات والبحوث العلوية بين سنتي 1991 و1992: تحت إشراف مديره لحسن تاوشيخت، وتركز البحث على الكشف والتنقيب عن السور الغربي للمدينة وعن مصانع الفخار السجلماسي.

البعثة المغربية الأمريكية: بدأت البعثة أعمالها برئاسة الباحث الأمريكي A. Messier Ronald في يونيو 1988 بتوقيع اتفاقية تعاون وشراكة بين المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث وجامعة ولاية ميدل تينيسي الأمريكية. وإلى حدود 1997 قامت البعثة بخمسة مواسم حددت أعمال الأولى منها في رسم خريطة مدققة للجزء الأساسي أو للمجال المركزي للمدينة الوسيطية “سجلماسة”. هذه الخريطة مكنت من تحديد الحفريات التي قامت بها البعثة فيها بعد:

– خلال 1988: الأسبار من 1 إلى 5 (Sij 88)

– خلال 1992: الأسبار من 6 إلى 20 (Sij 92)

– خلال 1993: الأسبار من 21 إلى 24 (Sij 93)

– خلال 1994: الأسبار من 25 إلى 36 (Sij 94)

– خلال 1996: الأسبار من 40 إلى 54 (Sij 96)

اكتشفت الحفريات التي مست الجزء الأوسط والجنوبي من الموقع الممثل في المسجد الجامع وفي السور الغربي فضاء السكنى ثلاث مستويات أساسية:

– المستوى الأول: قريب من السطح ويعود إلى الفترة العلوية، هذا المستوى ممثل بحفر الخزن “مطامر”، بأسوار طينية وبأحواض حجرية.

– المستوى الثاني: ممثل ببقايا أسوار سواء أكانت واقفة أو مسطحة على شكل أرضية مبلطة، وينتمي إلى الحقبة السعدية أي ما بين القرن 15 والقرن 17م.

– المستوى الأخير: ويتشكل من أسوار وأرضية طينية وحجرية، كما نجد في هذا المستوى عدة مخازن “مطامر” مثل السبر 9 على الخصوص حيث اكتشفت قصرية من الخزف زينت في الداخل بكلمة “الشفاء” والتي يمكن تأريخها بالفترة السجلماسية أي ما بين القرن 11 والقرن 14م.

أما أهم الأبحاث المنجزة بمواقع جنوب الصحراء فهي:

1- أبحاث رايمون موبي[13]: أنجز هذا المؤرخ المتخصص في أفريقيا الغربية في إطار مشروعه الخاص بالكشف عن خبايا اقتصاد غرب أفريقيا خلال العصور الوسطى، عدة أسباب ومسوح في المواقع التالية: ساني (10كلم شرق كاو في فبراير 1952)، كاو (سنة 1950-1952)، سوق إفورة أو تادمكة (سنة 1952)، كومبي صالح (عام 1952)، أزليك أو تكادة (سنة 1952) وأودغشت (سنة 1960). وقد توصلت هذه الأبحاث إلى حقيقة وجود تجارة مهمة في الفخار المغاربي في اتجاه بلاد السودان، هذا الفخار الذي يتميز بطلائه الأخضر اللامع وهو نفسه الذي كانت تنتجه معامل الفخار السجلماسي.

2- أبحاث سانتو – بارا بنهر السنيغال (عام 1978)[14]: والتي أشرف عليها ج. تيلمان، رافيس، ودونيس روبير وقد كشفت كذلك عن وجود أواني فخارية سجلماسية وخاصة في الأسباب التي يفوق عمقها 10 أمتار. وهي أواني تعود إلى القرن 11م أي أنها تتزامن مع أوج ازدهار سجلماسة خلال تحكم المرابطين في كل محاور ومراكز التجارة الصحراوية.

3- أبحاث أودغشت بموريتانيا الشرقية (1962-1965)[15]: هذه الأبحاث أشرف عليها كل من جون دوفيس، دونيس وسيرج روبير، وقد كشفت عن أهمية أودغشت كمدينة كبيرة تضم ثلاث مجالات أساسية وهي: الأحياء السكنية، القطاع الحرفي ثم القطب المركزي حيث المسجد ودار الإمارة والأسواق. كما أوضحت الحفريات عن وجود عدة طبقات استراتيغرافية والمؤرخة ما بين القرن 7 و14م وحسب الباحث عدنان الوحيشي[16] يمكن الكلام عن أربعة طبقات: الأولى تسمى ما قبل حضرية بين القرن 7 و9م، الثانية هي الفترة الحضرية المبكرة (منتصف القرن 9 – منتصف القرن 11)، الطبقة الثالثة تدعى الحضرية الثانية (ما بين 1050 و1200م) والأخيرة هي مرحلة التدهور العمراني من منتصف القرن 12 إلى نهاية القرن 14م. فيما يخص المكتشفات الفخارية، تم العثور خلال هذه الأبحاث على كميات هائلة من إنتاج محلي وكذلك المستوردة من المعامل المغربية والأندلسية. وبذلك تأكد لأول مرة وجود تبادل تجاري نشيط في الأواني الفخارية بين ضفتي الصحراء. تقول دونيس ربير في هذا الصدد: “يجب أن نؤمن بأن طلباً مهماً وبيعاً مفيداً ألزم التجار بقبول المخاطرة في تلبية حاجيات وأذواق أفراد الجاليات الشمال الأفريقي القاطنة ببلاد السودان من الأواني الكمالية بل والقابلة للانكسار في أي وقت”[17] فالأواني المصدرة إلى أودغشت هي في معظمها ذات استعمالات منزلية (جرات، صحون، قارورات، فناجين وخاصة القنابل الزيتية) وهي كذلك مزينة بطلاء أخضر لامع ومصنعة بطريقة دقيقة. وكلها مميزان اختصت بها صناعة الفخار السجلماسي خلال ما يسمى بالعصور الوسطى. وقد أبانت بالفعل التحليلات المخبرية لبعض هذه القطع في مختبر الخزفيان بليون بفرنسا، أن أكثر من 50 في المائة من الفخار المكتشف بموقع أودغشت قد جلب من معامل سجلماسة. تقول دونيس روبير: “إن كثرة معامل صناعة القناديل الزيتية ذات الوعاء المخروط الشكل، يمكن أن تكون صناعتها الأساسية بسجلماسة وناحيتها وهي القريبة فعلياً من بلاد السودان”[18]. هذه الإشارة تم تأكيدها من خلال العثور بموقع سجلماسة على عدة أنواع مماثلة من هذه القناديل ذات الطلاء الأخضر.
وبصفة عامة فقد قدمت أبحاث أودغشت الدليل الواضع عن أهمية صناعة الفخار السجلماسي من جهة وعن أهمية هذا الفخار في تجارة القوافل الصحراوية من جهة ثانية ومن ناحية ثالثة عن مدى التأثيرات الفنية والتقنية لهذا الفخار سواء على نفسية السودانيين وخاصة الجالية المغربية هناك والذين كانوا يقبلون على شراء هذا الفخار بكثرة وبدون تردد في الأثمان، سواء على عقلية تجار القوافل الذين يغامرون بنقله قصد تلبية الطلبات المتعددة لهذا الفخار، أو على مستوى الحرفيين السودانيين الذين حاولوا تقليد هذه الصناعة بل وفي فترة لاحقة طبعوها بطابعهم الأفريقي المحلي وخاصة فيما يهم الأشكال والعناصر الزخرفية المعتمدة أساساً على الحزوز والنتوءات. فكيف كان ينقل هذا الفخار إذن؟
يمكن القول أن الفخار كان يصدر داخل أكياس من التين أو الصوف بحسب الحجم والشكل، وكانت هذه الأكياس تحمل على ظهر الجمال بشكل أو بآخر. لا شك ستكون هناك بعض الخسائر الناتجة عن انكسار بعض الأواني ولكن مع ذلك فتجار القوافل لم يعيروا اهتماماً كبيراً لذلك ما دام الربح المكتسب وخاصة من القناديل الزيتية يغطي كل الخسائر الممكنة. فالقناديل التي تتميز بحجمها الصغير وخفة وزنها وبثمنها المقنع، كانت بالفعل من الأواني الفخارية الأكثر طلباً وبالتالي الأكثر اكتشافاً بمواقع جنوب الصحراء. فالأبحاث بموقع أودغشت مثلاً أكدت أنه إلى جانب تجارة الذهب والعبيد كان هناك تبادل من نوع آخر يهم الفخار. فلا هشاشة الفخار إذن ولا وزنه الثقيل إلى حد ما لم يقفا حجر عثرة أمام هذا التبادل خاصة إذا علمنا أن الفخار كان من الأواني المنزلية الوحيدة أو المفضلة خلال تلك العهود. ورغم ذلك لا نعرف الكثير عن هذه التجارة من حيث النقل وأشكال البيع أمام الصمت الرهيب للمصادر التاريخية المكتوبة. فلا البكري أو الإدريسي أو العمري وغيرهم ممن وصفوا سجلماسة لم يشيروا ولو إشارة واحدة إلى الفخار السجلماسي، بل والأكثر من ذلك أن بعض الجغرافيين والرحالة الذين زاروا المنطقة مثل ابن حوقل، ابن بطوطة والحسن الوزان لم يذكروا بدورهم أي شيء عن ذلك، فأين يكمن السبب يا ترى؟
ربما يعود ذلك إلى طبيعة هذه المصادر نفسها التي تهتم بالأحداث السياسية والعسكرية أكثر مما تهتم ببعض الجوانب الاجتماعية والاقتصادية وخاصة منها الأنشطة الحرفية، ولكن لماذا وصف لنا ليون الأفريقي فخار مدينة فاس ولم يذكر فخار سجلماسة رغم أنه عاش بها أزيد من سبعة أشهر؟
نفس هذه المصادر وإن أشارت إلى المبادلات التجارية بين سجلماسة ومدن جنوب الصحراء فهذه الإشارات تبقى محدودة وتقتصر خاصة على البضائع ذات القيمة الاقتصادية الكبرى مثل الذهب والعبيد.
إن خصوصية صناعة الفخار ونمط عيش حرفييها ربما كانا من العوامل التي لا تجلب اهتمام المؤرخين القدماء، ذلك أن هذه الصناعة تعتبر بأنها حرفة وسخة، ذات أهمية سوسيو – اقتصادية ضعيفة ولا يمتهنها إلا البسطاء والعوام.
ربما يعود ذلك إلى العدد الضئيل من المنتوجات الفخارية المصدرة مقارنة مع مثيلاتها الأخرى، وهذا ناتج عن صعوبة نقل هذه المنتوجات عبر فيافي الصحراء وبالتالي فإن ثمنها كان باهظاً وتصديرها كان بطلب مسبق من بعض الشخصيات والعائلات الغنية ببلاد السودان. “إن صادرات البضائع الهشة مثل الرخام والفخار والزجاج تجعلنا نفكر في أنماط النقل والتي كانت جد فعالة خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الصعوبات التي يطرحها التنقل عبر الصحراء”[19].
يمكن اعتبار تموضع معامل الفخار السجلماسي خارج أسوار المدينة على بعد 6كلم من المركز النابض، من العوامل التي جعلت المؤرخين لم يهتموا كثيراً بهذه الصناعة من حيث وجودها وتجارتها.
فهذه العوامل منفردة أو مجتمعة وربما غيرها هي التي جعلت المصادر العربية “لا تشير أبداً إلى وجود الفخار كبضاعة متبادلة في تجارة القوافل بين ضفتي الصحراء، كما أنها لم تثر اهتمام الرحالة مثل ما أثارتهم المنتوجات الأخرى كالملابس والنحاس”[20].
نفس الملاحظات والتساؤلات تطرحها إشكالية تنقل الذخائر العلمية من كتب ومخطوطات ووثائق حيث تسكت عن ذلك كل المصادر التاريخية رغم القيمة الكبرى التي كانت تحظى بها هذه الذخائر في بلاد السودان.

خاتمة عامة
لقد كانت سجلماسة مثال المدينة النموذجية التي قدمت الكثير للحضارة الإسلامية وساهمت بشكل فعال في بناء الشخصية المغربية المعروف عنها خصال التمسك بالأصالة مع الانفتاح على الجوانب الإيجابية للحضارات المجاورة وبالتالي التعليق بمبادئ التسامح والتواصل مع الآخر وحرية المبادرة والاعتقاد. وبهذه الجوانب الإيجابية وصلت مدينة سجلماسة إلى أعلى مستويات الرقي والتقدم وأثرت بشكل إيجابي على الأقطار المجاورة، إلا أن مصيرها المحتوم كان واثق الارتباط بتجارة القوافل الصحراوية، مما جعلها أتعس حظاً لما تحولت هذه التجارة نحو المحيط الأطلسي، حيث كانت نهايتها المؤلمة. ومع ذلك فإن دورها في التواصل الثقافي والاجتماعي استمر لعدة قرون أخرى إلى حدود الاحتلال الاستعماري حيث حاول بكل قواه تقويض عرى هذه العلاقات المتميزة بين سجلماسة والضفة الجنوبية للصحراء.

الهوامش:

[1] هاشم العيو القاسمي: مجتمع المغرب الأقصى حتى منتصف القرن 4هـ/ منتصف 11م، المحمدية، مطبعة فضالة، 1995، الجزء 1 ص376.
[2] دانييل أوستاش: “تاريخ النقود العربية”، البحث العلمي، عدد مزدوج 14-15، يناير – ججنبر 1969، ص138.
[3] Mohamed El-Mellouki: contribution a Petude de l’histoire des villes medievales marocaines: Sigilmassa des origins a 668H/1269J.C, These du 3 cycle, Aix-en-Provence , 1985, p307.
[4] نفس المرجع، ص294.
[5] Maurice DELAFOSSE: “Les relations du Maroc du Soudan a travers les ages”, in Hesperis, 1955; p153.
[6] dem. P:157.
[7] عبد الهادي التازي: “المغرب في خدمة التقارب الأفريقي العربي”، العلاقة بين الثقافة العربية والثقافات الأفريقية، تونس، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1985، ص124.
[8] Abdoulaye Elimane KANE: influences culturelles dans les rapports Maroc , Rabat , publ. instit. Des Etudes Africaines, 1922, p12.
[9] Mohamed HAJJI: “texte sahraoui nouveau traitant des relations culturelles entre le Maroc et les pays de Takrour aux XVII et XVIII siecles”, in Actes du IV eme Colloque Euro-Africain sur I’Histoire du Sahara et des relations transsahariennes entre le Maghreb et I’Ouest Africain du Moyen-Age a la fin de l’epoque coloniale, Bergamo (Italie), 1986, pp 188-190.
[10] رحلة ابن بطوطة المسماة تحفة النظار في غرائب الأمصار. شرح وتوثيق طلال جرب. بيروت، دار الكتب العلمية، الطبعة 1. 1987. ص702 و706.
[11] Abdoulaye Elimane KANE: op-cit; p.12.
[12] رحلة ابن بطوطة. ص698.
[13] Raymond MAUNY: Tableau geographique de l’Ouest Africain au Moyen-Age d’apres les sources ecrites, la tradition et l’archeologie. Dakar , I.F.A.N, 1961; n 61.587p.
[14] G. THILMANS, A. RAVISSE et C. ROBERT: “decouverte d’un fragment de poterie a Sintiou-Bara (fleuve de )’, in Notes Africaines, 1978; n 159. P.59-61.
[15] J. DEVISSE, D et S. ROBERT: Tegdaoust, recherché sur Aoudaghost, Paris , edit. Arts et Metiers Graphiques, 1978. 159 p. Campagnes 1960-1965, enquetes generales, Paris , edit Recherche sur les Civilisations, 1983,. 569p.
[16] Adnene LOUHICHI: la ceramique musulmane d’epoque medivale importee a Tagdaoust, etude archeologique, etude de laboratoire, paris1, these 3 cycle en Art et Archeologie, 1984. 309p (p.75).
[17] D.ROBERT-CHALEIX: “lampes a huile importees decouvertes a Tegdaoust, ler essai de classification’, in Journal des Africanistes. Paris 1983; T. 53; p.62.
[18] نفس المرجع السابق، ص91.
[19] Abdelaziz ALAOUI: Le Maghreb et le Commerce transsaharien (milien du XI-Milieu du XIV siecle) contribution a l’histoire economique, sociale et politique du Maroc medieval. Bordeau III, these 3 cycle en Etudes Arabes et Islamiques, 1983. 443p: pp.91-92.
[20] A. LOUHICHI: op-cit: p.75.

—————————————–
ندوة التواصل الثقافي والاجتماعي بين الأقطار الإفريقية على جانبي الصحراء
– تطوان: كلية الدعوة الإسلامية, 1998
نقلا عن بيبليو إسلام