الرئيسية / إضاءات / حركة تنوير الليبية: مواجهة الرصاص بالعمل الثقافي
حركة تنوير 1

حركة تنوير الليبية: مواجهة الرصاص بالعمل الثقافي

( رصيف 22ــ أحمد نظيف)

في ليبيا اليوم لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص. يعاني المواطن في سبيل إيجاد مكان آمن هرباً من المعارك بين الميليشيات والقبائل المتناحرة. وفي هذا المشهد يتحول الحديث عن الثقافة والفنون ضرباً من السخرية والعبث. ولكن برغم كل ذلك، توجهت مجموعة من الناشطين الليبيين إلى إشعال شمعة داخل النفق بدلاً من الاكتفاء بلعن الظلام

فبينما كانت الأطراف السياسية المتناحرة منهمكة في تصفية تركة نظام القذافي، توجهت مجموعة من الشباب الليبيين إلى الفضاء العام ونشطت في الثقافة مؤسسة “حركة ليبية اجتماعية ثقافية توعوية لا تعنى بالسياسة” تحت اسم “حركة تنوير”، في فبراير 2013.

أحمد البخاري، أحد مؤسسي الحركة تحدث لرصيف22 عن ظروف التأسيس: “نحن مجموعة من الشباب الليبي المتنوّر، اجتمعنا في أحد الأيام في مقهى في وسط العاصمة الليبية وقررنا أن نقوم بخطوة طال انتظارها منذ زمن. ومن مبادئنا وأفكارنا خرجت الحركة. أعضاء الحركة هم كتّاب وصحافيون وباحثون وفنانون، وما يجمعنا هو أننا جميعاً متنوّرون، ومن هنا انبثقت الحركة، حركة تنوير”.

وأضاف: “بدأت الحركة سنة 2013. أول نشاطاتها كان “مهرجان الكتب المستعملة” الذي لاقى صدى واسعاً، ونقلته معظم القنوات الليبية والعربية والعالمية. ومنه انطلقت الحركة في نشاطاتها الفنية والثقافية. كان هدفنا هو إيصال القيم والأفكار التي نؤمن بها عن طريق الفن والثقافة، فأقمنا محاضرات عن التسامح وتقبل الآخر وحقوق الإنسان وعصور التنوير الأوروبي، ونظمنا الحفلات الشبابية كحفلات الستاند أب كوميدي، ورسمنا رسوماً ساخرة. نشاطاتنا جميعها تركزت في العاصمة طرابلس، وكان أحد أهدافنا تشجيع الفنون الشبابية الحديثة، وإعطاء مساحات لكل الثقافات والأفكار ووجهات النظر”.

الثقافة كحل للأزمة:

في ظل ما تعيشه ليبيا اليوم من أزمة على كل الأصعدة وانهيار أمني كبير، ينطلق أغلب الفاعلين في النشاط العام من السياسية ويسندون توجهاتهم بميليشيات مسلحة. على خلاف ذلك يعتقد القائمون على “حركة تنوير” أن أولى لبنات عملية الإصلاح يجب أن تتوجه إلى نشر الثقافة وتوعية المجتمع وعدم وضع كل البيض في سلة السياسة، وذلك لتأسيس قاعدة شعبية متماسكة وقابلة لنموذج حكم ديمقراطي يقبل الآخر في مجتمع متنوع عرقياً وطائفياً كالمجتمع الليبي.

في هذا السياق قال أحمد البخاري: “حركتنا هي حركة ليبية اجتماعية ثقافية توعوية، هدفها غرس القيم المدنية والهوية الليبية وقيم تقبل الآخر. نؤمن بأن المعرفة هي الحل للنهوض بنا من جديد، ولكل مشاكلنا وأزماتنا. هدفنا هو إعادة صياغة العقل الليبي. غايتنا هي تنمية التفكير الناقد، وتشجيع الإبداع والابتكار والخروج عن المألوف، وحلمنا هو الارتقاء بالحس الجمالي والفني والإنساني للأمة الليبية”.

وعن رؤيتهم للمستقبل، قال: “مجتمع ليبي يؤمن بثقافة قبول الآخر، وفق هوية ليبية تحترم جميع الفروق العرقية والمذهبية والفكرية، وترتكز على المواطنة”. ولوضع هذه الرؤية والأهداف في حيز الفعل، توجهت الحركة، منذ تأسيسها، إلى تنظيم العديد من النشاطات الثقافية والفكرية والمبادرات المتعلقة بالكتاب والفنون وعلم الاجتماع والورشات التدريبية الموجهة للشباب.

في المدة الأخيرة، أطلقت الحركة أحد أهم مشاريعها، وأكثرها تأثيراً، بعنوان: “مشروع التوثيق الإلكتروني للكتاب الليبي” الذي يهدف إلى حفظ وأرشفة الكتب الليبية في شتى المجالات المعرفية. وقالت الحركة إنها “أطلقت هذا المشروع استشعاراً منها بالخطر الذي يهدد مصير مئات الكتب الليبية الورقية القديمة والنادرة التي بدأت بالاندثار والاختفاء، لتلفها والتوقف عن طباعتها منذ زمن”. وتتعاون الحركة في مشروعها الجديد مع عدد من المؤسسات البحثية ودور النشر الليبية لتزويدها بالكتب الورقية النادرة.

ويقوم المشروع على تحويل الكتب الورقية الليبية إلى كتب إلكترونية و”ترويجها عبر الوسائط الافتراضية التي أصبحت تشكل وسائط رائجة خاصة للقراء الشباب، فتواجد الكتاب الليبي يكاد يكون معدوماً في عالم الإنترنت، هذا عدا عدم وجود سوق حقيقية لإنتاج الكتاب الليبي على أرض الواقع. ويتضمن المشروع كذلك إضافة كل كتب الدفعة الأولى على موقع Goodreads ليستطيع القراء تداولها وإضافة التقييمات بخصوصها وزيادة مستوى التفاعل”

في مواجهة الرصاص :

يعتبر نوعاً من الانتحار الحديثُ عن المسرح والسينما وحرية التعبير وتحرير المرأة ونشر الفلسفة في مجتمع محافظ كالمجتمع الليبي الذي يحتكم في اللحظة الراهنة إلى السلاح لغةً وحيدة للنقاش. في هذا المناخ، تحاول “تنوير” التأقلم مع الوضع لتحافظ على وجودها التنظيمي وعلى نشاطها.

لا يخفي أحمد البخاري مخاوفه من الأفكار التي تحكم سلوك بعض الجماعات المسلحة في ليبيا وما ينتج عنها من مخاطر التصفية والاغتيال. وقال: “سنة 2013 كانت سنة مستقرة أمنياً نوعاً ما وكنا قد قمنا ببعض النشاطات. مع منتصف سنة 2014 ازدادت الأوضاع صعوبة بسبب تجدد المواجهات والاحتقان السياسي وارتفاع وتيرة الاغتيالات. واضطررنا للتوقف حتى تهدأ الأمور. الحركة تعلم أن هناك بعض الجماعات المعادية لأفكارنا ولما نقوم به. ولذلك نحاول الموازنة بين القيام بنشاطات والمحافظة على سلامة أعضائنا. الأمر طبعاً أشبه بالمشي على الحبل ونحن معرضون دائماً للمشاكل ومهددون بشكل مستمر. لكننا نصرّ على عدم التوقف”.

المشي على الحبل الرفيع لم يكن مجدياً دائماً. في 24 فبراير 2015، فقدت الحركة إحدى مؤسساتها انتصار الحصائري (35 عاماً) برصاص مجهولين، وعثر على جثتها وجثة قريبة لها في صندوق سيارتها، بعد بضع ساعات من فقدان المرأتين في العاصمة الليبية طرابلس. وكانت الحصائري وضعت نفسها في دائرة الخطر بسبب مشاركتها عام 2014 في العديد من التظاهرات المناهضة للميليشيات ودفاعها عن قضايا المرأة والتحرر وحرية التعبير.

في شهادته عن رفيقته الراحلة الحصائري، قال أحمد البخاري: “ماذا يمكن أن أقول عن انتصار؟ لا شيء يمكن أن يقال، سوى أنها أشجع إمرأة في ليبيا. انتصار كانت شعلة لا تنطفئ. لم تبخل على الحركة بأي مجهود، مناقشة بارعة، ناشطة حقوقية صلبة. حاملة ماجستير قانون ومحاضرة متخصصة في حقوق الإنسان. انتصار كانت زهرة طرابلس الحقيقية وكانت فتاتنا الرائعة في الحركة”.

وعن مستقبل الحركة ومستقبل ليبيا، قال البخاري: “المستقبل في يد الأجيال القادمة. إذا لم نقم بخطة مستعجلة لإنقاذهم فكرياً ومعرفياً فإن المستقبل سيكون مظلماً. من هذه الاقتناعات ستنطلق جميع مشاريعنا المستقبلية. أما في المستقبل القريب فسنحاول تفعيل الحركة من جديد بعد توقف اضطراري بسبب الحرب اللعينة”.