الرئيسية / إضاءات / حلقات مفقودة من تاريخ المساجد المغربية
مساجد المغرب

حلقات مفقودة من تاريخ المساجد المغربية

عن موقع/ موضوع

كان المسجد ولا يزال ذلك المكان الذي يذكر في معناه التثقيف العلمي الإسلامي في كل أطواره إلى جانب إقامة الشعائر الدينية الإسلامية في جميع أشكالها وصورها، فنحن ندرك مكانة المسجد الدينية حين نستمع أنى القرءان الكريم يتحدث عن هذه المكانة ويقول «إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله واليوم الآخر وأقام الصلوة وآتى الزكوة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين » وندرك مكانة المسجد العلمية حين نسمع رسول الله (ص) يتحدث عن هذه المكانة قائلا «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعمله فهو منزلة المجاهد » « ابن ماجة » ونكاد ندرك أن مكانة المسجد العلمية تكاد تكون راجحة حين نحدث فيما نحدث به عن رسول الله (ص) أنه خرج ذات يوم من بعض حجره فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين، أحداهما يقرأون القرءان وأخرى يتعلمون ويعلمون فقال النبي (ص) كل خير، هؤلاء يقرأون القرءان ويدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم وهؤلاء يتعلمون ويعلمون وإنما بعثت معلما » « ابن ماجة »، فالمسجد الحرام في مكة والمسجد النبوي في المدينة والأزهر وعمر بن العاص والزيتونة والقرويين وغير هذه من مساجد الإسلام في بلاد الإسلام في الشرق وفي الغرب ظلت منذ نشأة الإسلام والثقافة الإسلامية تلك الأمكنة التي لا يفترق عند ذكرها العلم عن العبادة في أذهان المسلمين وتواريخ المسلمين وتراجم رجال الإسلام العلماء والمتعبدين.
وفي المغرب الإسلامي كما في المشرق الإسلامي كانت حركة بناء المساجد تتابع حركة انتشرت في ربوع مغربنا منذ الفتح الإسلامي يكاد لا يحصيها عد سواء في ذلك مساجد المدن ومساجد القرى، وسواء في ذلك ما أسسه الملوك ورؤساء الدول وما أسسه الأفراد والجماعات والزهاد والعباد والقرئون والعلماء، وقد أدت هذه المساجد واجبها في نشر الحركة العلمية والثقافة الإسلامية بمختلف ألوانها وأشكالها مما حفظ للمغرب مكانته العلمية بين مختلف الأمم الإسلامية فإذا وقفت اليوم وزارة الأوقاف المغربية إلى إحياء هذا الثرات العلمي الزاخر، وما أداه للمغرب من خير علمي وافر، وذلك بتعدادها كلها أو بعضها وإحياء تواريخ مؤسسيها وعلمائها، وعلى الأخص في البوادي المغربية حيث لا يزال تاريخ الكثير من هذه المساجد مجهولا، فإنها تكون بهذا العمل قد قامت بأحسن ما تقوم به وزارة إسلامية في بلاد الإسلام فيها تاريخ حافل كالمغرب.
وهذا أحد تلك المساجد المجهولة التي أسسها أحد صلحاء هذه الأمة الذاهبين، ورجالها الذين أتوا مالهم يتزكى وما لأحد عندهم من نعمة تجزي إلا ابتغاء وجه ربهم الأعلى، فأدوا لأمتهم ولدينهم من خدمات ما أدوا، ثم انتقلوا إلى ربهم وهم أولئك الجنود المجهولون.
أكتب تاريخ هذا المسجد مساهمة مني لوزارة الأوقاف فيما أرجو أن توفي فيه من أداء هذا الواجب، وتأدية لما على من دين نحو هذا المسجد الذي في ساحته كان مسقط رأسي، وفيه حفظت كتاب الله، وفيه تعلمت كما تعلم الكثيرون من أبناء هذه الأمة الذين سلكوا طرق القبائل إلى هذا المسجد يطلبون العلم والتعلم ـ ما شاء الله أن أتعلم من مختلف العلوم الإسلامية التي كانت تدرس في هذا المسجد وقتذاك.
مؤسس المسجد:
مؤسس هذا المسجد هو جد جميع أبناء الزاوية التاغية السيد أحمد التاغي الحمداوي المتوفى ما بين سنة 1268 ـ 1276، كما يعلم ذلك من ظهير التوقير والاحترام المسلم إليه من قبل السلطان محمد بن عبد الرحمان وهو ولى عهد، وظهير التوقير والاحترام المسلم لأولاده بعد موته من قبل هذا السلطان وهو سلطان، ولد الشيخ في فخد أولاد عبو من قبيلة حمداوة حيث نشأ وحفظ القرءان بالقراءات السبع ثم اتصل بالشيخ العربي بن المعطي الشرقاوي وأخذ عنه طريقة التصوف واتخده شيخا له يكثر من زيارته ويشاوره الشيخ أحمد التاغي في الإرشاد والتعليم لمختلف الطلبة والأتباع الواردين عليه من جميع جهات المغرب، وقد كان يتكفل بإطعامهم وإسكانهم وتعليمهم، مما جعل الكثير من قريته يعاديه من أجل ذلك بحجة أنه يحسن إلى الغرباء ويترك الأقربين، وقد حملته مضايقة أقاربه لطلبته على الرحيل إلى بلدة «طاع الله » على الحدود بين قبيلة حمداوة والمذاكرة حيث اشترى ملكت نزل فيه مع طلبته واستمر هناك يعلمهم ما شاء الله أن يستمر، إلى أن رحل ألى المكان الذي هو موضع الزاوية التاغية الآن على بعد نحو ثلاثة كيلو مترات جنوب قصبة ابن احمد، وهناك أسس مزرعته وبنى مسجده وانسل ذريته ذ، واستمر يعلم القرءان بالقراءات السبع للواردين عليه من مختلف القبائل المغربية حتى لقى ربه، وقد كان لهذا الشيخ حظوة لدى السلطان عبد الرحمان بن هشام حيث تعرف عليه في إحدى رحلاته إلى مدينة أبي الجعد مع عمه السلطان سليمان حين وجده هناك صحبة الشيخ العربي بن المعطي، والمتواترة لدى المسنين من حفدته أن السلطان عبد الرحمان بن هشام هو الذي أعانه إعانة كبرى على بناء مسجده بالشكل الذي هو عليه الآن حيث يحتوي على مسجد للصلاة والتدريس، وخمسة بيوت لإسكان الطلبة يقطع النظر عن التجديد الذي كان يباشر به خلال السنوات الفارطة وبيدي الآن ظهير التوقير والاحترام وإسقاط الكلف الذي سلمه إليه هذا السلطان سنة 1250، وقد جاء هذا الظهير بلفظ : « … أسقطنا على ماسكه الأستاذ السيد أحمد التاغي جميع الكلف المخزنية والوظائف السلطانية، فلا يطالب بقليل منها ولا كثير لاشتغاله بإقراء الطلبة وتصدره للأخذ عنه قراءة السبع المشاهير ».
ولما توفي الشيخ تولى أولاده رعاية السمجد والإنفاق عليه وعلى الطلبة كما تولى التعليم من بعده ابنه الفقيه السيد المعطي، ولما توفى هذا تولى الإشراف على المسجد بعده ابنه السيد الحاج إدريس بن المعطي المتوفى سنة 1308، وفي عهد هذا تأسست الدروس العلمية بهذا المسجد، حيث أرسل إلى فاس لتلقي العلم والرجوع إلى نشره بعد التحصيل على بعثة علمية متركبة من ابنه الفقيه السيد الحاج الصغير وأربعة من أبناء أعمامه هم الفقيه السيد أبو شعيب بن محمد، والفقيه السيد محمد بن الجيلاني، والفقيه السيد الحاج العربي بن محمد، والفقيه السيد الحاج محمد بن محمد، وحين أنهى أفراد هذه البعثة تحصيلهم العلمي في فاس رجعوا إلى زاويتهم هذه وتصدوا لتدريس العلوم الإسلامية التي تخرجوا فيها على كثير من علماء القرويين في ذلك الوقت، وعلى الأخص منهم العلامة النوازلي السيد المهدي الوزاني الذي كان يزور الزاوية التاغية في كثير من الأحيان، ويحيى فيها بزيارته مجالس ومذكرات علمية، وبهذا أصبحت الزاوية التاغية ذات شهرة علمية في كثير من القبائل المغربية يتوارد عليها الطلبة من مختلف الجهات يسكنون ويطعمون ويعلمون، وقد أدركت ـ حين أنهيت حفظ القرءان وأخذت أتعلم العلم ـ من شيوخ العلم بهذه الزاوية شيخنا الفقيه القاضي الحاج العربي المتوفى سنة 1359، وشيخنا الفقيه الحاج محمد بن محمد الحاج بن عباس المتوفى سنة 1363، وشيخنا الفقيه السيد أبو شعيب المزمزي، وشيخنا الفقيه السيد أبو شعيب الإبراهيمي، وقد كانت الحصص اليومية التي كانت تعطى فيها دروس العربية والفقه والفرائض والتوحيد والمنطق ست حصص في اليوم، وفي هذا المسجد حذقت كما حذق رفقائي في الدراسة في ذلك الوقت مقدمة ابن آجروم وأتممت دراسة ألفية بن مالك وجزء العبادات ومعظم جزء البيوع من مختصر خليل وعلم الفرائض من مختصره ومتن ابن عاشر وجزء كبيرا من المنطق بشرح بناني، وقد كان يقوم بتدريس هذا الفن الأخير شيخنا القاضي الحاج العربي، وقد انتقلت بعد أن أصبحت لدى ملكة علمية إلى « رواية النواصر » بقبيلة أولاد حريز على بعد نحو 25 كيلومترا من الدار البيضاء حيث يوجد هناك المسجد الذي كانت له هو أيضا مكانة وشهرة علمية لا تقلان عن مكانة وشهرة مسجدنا هذا، وقد مكثت في هذا المسجد ما شاء أن أمكث قبل أن أرحل إلى مدينة مراكش ثم إلى فاس وأخذت عن كثير من شيوخ العلم به الذين أرجو أن تتاح لي فرصة للتحدث عنهم ومن مسجدهم هذا.
ومسجد الزاوية التاغية لا يزال يؤوى الآن الكثير من الطلبة المهاجرين إليه لحفظ القرءان على يد من لا يزال يشتغل بتحفيظه من الحفظة هناك، أما دراسة العلم فقد انقطعت مع الأسف بهذا المسجد منذ سنوات، وذلك بموت العلماء الأولين، وهجرة أبنائهم الآخرين إلى المدن تبعا لتغير الأحوال وتبدل الظروف التي جعلت مثل هذه المساجد في جميع أنحاء المغرب تنقطع منها دراسة العلم، ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
وبعد فلئن أتيح لبعض أماكن العلم في بادية المغرب من الشهرة السياسية ـ كالزاوية الدلائية مثلا ـ ما جعل مؤرخي المغرب يهتمون بذكرها، فإن الكثير من هذه الأماكن التي كانت لها شهرة علمية فقط، لا تزال حلقة مفقودة في تاريخ المغرب العلمي، وإنا لنرجو أن يكون ما قامت به « دعوة الحق » من رفع الستار التاريخي عن بعض المساجد المغربية وما قامت به في سبيل نشر العلم والمعرفة في ربوع هذه البلاد، الخطوة الأولى لسد هذه الحلقات المفقودة حتى يتكامل التاريخ المغربي في كل صوره العلمية والاجتماعية.