الرئيسية / إضاءات / هذا هو الصحافي العجوز الذي فضح الفيفا
andro

هذا هو الصحافي العجوز الذي فضح الفيفا

كانت أكبر قصة صحافية تتصدر الأخبار العاجلة، بينما الصحافي المسؤول عنها يغط في نوم عميق داخل منزله شمال إنجلترا.

لم يلتفت الصحافي أندرو غينينغز إلى رنين هاتفه إلا بعد فجر 27 ماي، الذي خرجت فيه الشرطة السويسرية في غارة مفاجئة على فندق فخم في زيورخ، وألقت القبض على 7 من كبار مسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا، ووجهت إليهم وآخرين تهماً بالفساد المالي والاحتيال.

أصيب كل المستيقظين في هذا الوقت المبكر بالذهول، لكن حتى لو كان غينينغز تكبد مشقة النهوض من فراشه، لم يكن الذهول لينال منه لأنه الرجل الذي أشعل فتيل التحقيقات بكتاب له صدر في 2006 بعنوان “مخالفة! العالم السري لفيفا: الرشاوى وتزوير الأصوات وفضائح التذاكر”، متبوعاً بفيلم وثائقي عرضه في برنامج “بانوراما” على شبكة “بي بي سي” في نفس العام، ثم كتاب آخر عام 2014، هو “قانون الصمت: عائلة الجريمة المنظمة لفيفا برئاسة سيب بلاتر”.

وقال غينينغز من مزرعته في شمال إنجلترا: “بدأ هاتفي يرن في السادسة صباحاً، فأغلقته للحصول على قسط آخر من النوم، فما يحدث في هذا الوقت سيظل هناك حتى وقت الغداء، أليس كذلك؟”.

ويعتبر غينينغز (71 عاماً) أحد دعاة الصحافة المنهجية البطيئة، إذ ظل يبحث على مدار نصف قرن وراء قصص معقدة حول الجريمة المنظمة، وفي الثمانينات، كان يتحرى حول رجال الشرطة الفاسدين، وتجارة الهيروين التايلاندية، وغوغاء الإيطاليين في التسعينات، ثم التفت إلى المجال الرياضي، وفضح فساد اللجنة الأولمبية الدولية.

وعلى مدى السنوات الـ15 الماضية، ركز غينينغز على الاتحاد الدولي لكرة القدم، وبينما كان صحافيون آخرون يتفرجون ويكتبون مقالات حول نتائج كرة القدم أو السيرة الذاتية للاعبين، كان الصحافي المخضرم يحقق في الصفقات القذرة التي تقوم عليها اللعبة الأكثر شعبية في العالم.

وكتب سيمون جنكينز في صحيفة “غارديان” البريطانية الأسبوع الماضي: “يجب أن يعود الفضل في هذه الملحمة إلى العمل المتعمق لمراسل وحيد هو أندرو غينينغز”، مشيراً بوجه خاص إلى فيلمه “الثقب الجميل: الفساد وكأس العالم”، الذي عُرض على بي بي سي.

وخلال مقابلة هاتفية صباح الثلاثاء مع صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، وصف غينينغز بلاتر بأنه “رجل ميت يمشي على قدمين”، وبعد ساعتين أعلن بلاتر أنه سيتخلى عن منصبه بعد أيام فقط من إعادة انتخابه.

وقال غينينغز: “أنا أعلم أنهم عصبة من المجرمين، عرفت ذلك لسنوات عدة، سرقت هذه الحثالة الرياضة الشعبية، لذا من الجميل أن نرى الخوف على وجوههم”.

صحافي مولع بالوثائق
وُلد غينينغز في إسكتلندا، وانتقل إلى لندن عندما كان طفلاً، وكان جده لاعباً في فريق كرة قدم بارز بلندن هو “كلابتون أورينت”، الذي يُسمى الآن “ليتون أورينت”، لكن غينينغز لم يهتم كثيراً بهذه الرياضة، لاهتمامه بالصحافة.

وبعد الانتهاء من المدرسة، انضم غينينغز لصحيفة “صنداي تايمز” في لندن، حيث تدرب الصحافة الاستقصائية، لكن عندما لم تقم هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” بنشر فيلمه الوثائقي على الفساد داخل شرطة إسكتلند يارد، استقال وانضم إلى برنامج منافس يسمى “ما يحدث في العالم”، وحوّل تحقيقاته حول الشرطة إلى كتابه الأول وفيلم وثائقي بعنوان “علاقة سكوتلاند يارد بالكوكايين”.

يقول غينينغز: “أنا مولع بالوثائق، إذا حصلت على الوثائق الخاصة بك، فسأعلم كل شيء عنك، هذه الأعمال الصحافية سهلة، فعندما نعثر على بعض الفاسدين المقززين، نعمل عليهم ونتحقق من حكايتهم، هذا ما نقوم به، بقية وسائل الإعلام تتعامل معهم ببساطة، وهذا خطأ، مهمتنا هي التحقيق، والحصول على الأدلة”.

هذا الكلام يعبر، بشكل أساسي، عن شعار غينينغز: “خذ وقتك وتعمق في البحث ولا تثق بمن يعتلون السلطة”، إذ قام بتطبيق نفس المنطق على عصابات التهريب الدولية للمخدرات والمافيا الإيطالية.

في مجال الرياضة، بعد فضح إسكتلند يارد، اقترح عليه زميل في برنامج “ما يحدث في العالم” أن يحقق في أعمال اللجنة الأولمبية الدولية، وسرعان ما أصبح غينينغز، الذي لا يعلم الكثير عن هذه الرياضة، غارقاً في الشؤون الداخلية للجنة الأولمبية.

وعن ذلك قال: “عندما نظرت إلى اللجنة الأولمبية الدولية، اكتشفت أن رئيسها، خوان أنطونيو سامارانش، رجل فاشي، في الوقت الذي كانت الصحافة الرياضية العالمية تتملقه، وكان سامارانش يعتقد أن الجانب الخاطئ فاز بالحرب العالمية الثانية، واعترف أنه كان وزير الرياضة للديكتاتور الإسباني فرانشيسكو فرانكو، لكنه زعم أنه لم يكن فاشياً في قرارة نفسه”.

وكتب غينينغز ثلاثية حول 3 انتهاكات في اللجنة الأولمبية الدولية، هي المشروعات عديمة الجدوى والرشاوى والمخدرات، وبلغت التحقيقات ذروتها في الفضيحة التي أحاطت بدورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2002 في سولت ليك سيتي، حيث تم طرد العشرات من أعضاء اللجنة الأولمبية الدولية أو التحقيق معهم في انتهاكات.

وقال إن معظم المراسلين الرياضية لم يقتربوا من هذه المواضيع خوفاً من فقدانهم لإمكانية التواصل مع كبار المسؤولين والرياضيين، أو لأن الأمر ببساطة كان يتطلب الكثير من الوقت والجهد، وعندما تقاعد سامارانش في عام 2001، قرر غينينغز تحويل تركيزه، وعن ذلك قال: “بحلول ذلك الوقت، كنت على علم بأن هناك شيئاً نتناً جداً في فيفا”.

البحث عن معركة
من التحقيقات السابقة ودراسة الجريمة المنظمة، عرف غينينغز أنه سيحتاج إلى مصادر لفك أقفال رابطة كرة القدم السرية.

يقول غينينغز: “أنتم تعرفون أنه إذا كانت هناك أي علامة عن الفساد في الطبقة العلوية لأي منظمة، فهناك أشخاص جيدون في الطبقة الوسطى من الإدارة، وهؤلاء الناس مرتبطون بأقساط منازل ولديهم أطفال يحتاجون إلى مصاريف المدرسة، إنهم مجرد موظفين، ولديهم حس بالأخلاق السليمة، لذا كان عليّ أن أساعدهم على تسليم الأدلة لي من الباب الخلفي، وهذه الأدلة في شكل وثائق”.

لذلك قرر الإسكتلندي نصب كمين في أحد المؤتمرات الصحافية الأولى لبلاتر بعد انتخابه في عام 2002، يقول: “ذهبتُ إلى المؤتمر الصحافي في مقر فيفا بمدينة زيورخ، ورأيت كل الموظفين على الجانبين، وقلت في نفسي ها هم جميعاً، علي أن أبلغهم بالرسالة أنني هنا، سأعبر الطريق لإشعال معركة، إنني أريد هذه المعركة فأنا أبحث عنها”.

وإذا كان من الممكن أن نعزي سقوط بلاتر إلى لحظة ما، فربما هي تلك اللحظة التي أعقبت انتهاءه من خطابه، وحوله المراسلين المتملقين الذين يرتدون زياً رسمياً وقمصان حريرية، حينها أمسك غينينغز الميكروفون وبادره بسؤال مثير للغضب عمداً: “سيد بلاتر، هل أخذت رشوة من قبل؟”.

ويتذكر غينينغز كيف انفض المراسلون من حوله في تلك اللحظة، وكيف دار في خلد بعض الموظفين أن يساعدوه لغضبهم مما يحدث في فيفا.

وحصل غينينغز على نتيجة ذهبية من سؤاله المفاجئ، إذ نفى بلاتر الحصول على رشوة في أي وقت، مما أعطى غينينغز عنواناً كبيراً، وبعد وقت صغير جاءه مسؤول رفيع في فيفا يحمل معه حزمة رائعة من الوثائق، هكذا بدأ الأمر واستمر تدفق الأدلة.

وكشفت تلك الوثائق البذخ غير المعقول للجنة التنفيذية لفيفا، وعلى رأسها بلاتر، وذكر غينينغز أن بلاتر أجاز لنفسه سراً الحصول على مكافأة بالملايين، “لا يعرف السيد بلاتر معنى رحلة مقررة، فلم يسافر الرجل عبر رحلة مقررة واحدة لمدة 40 عاماً، فلديه دائماً طائرة خاصة للخروج من زيورخ، بل يستطيع استئجار واحدة حتى لو كان ذاهباً للتسوق في مركز تجاري محلي”.

وهدد بلاتر برفع دعوى قضائية ضد غينينغز بتهمة التشهير، لكن لم يفعل ذلك، إلا أن غينينغز استمر في بحثه المتعمق وراء الرئيس وزملائه المديرين التنفيذيين لكرة القدم، وفي بعض الأحيان، كان يشتبه أن هاتفه يخضع للتنصت، وأن جهاز الكمبيوتر الخاص به تعرض للاختراق.

في 2006، نشر كتابه الأول حول المنظمة، “لعبة مخالفة! العالم السري للفيفا: الرشاوى وتزوير الأصوات وفضائح التذاكر” واتهم فيه بلاتر وغيره من المديرين التنفيذيين الكبار بقبول الرشى.

لم ينكر المسؤولون التهم، بل دافعوا مادياً عن أنفسهم في بعض الأحيان، وقال غينينغز “لكمني نائب رئيس فيفا جاك وارنر، وبصق في وجهي” أمام الكاميرا.

في ذلك العام، وجّه غينينغز مزيداً من الاتهامات ضد فيفا على برنامج “بانوراما” الوثائقي الذي تبثه شبكة “بي بي سي”.

تسوية الملعب
أدى كتاب “لعبة مخالفة!” إلى الاهتمام بغينينغز، وفي عام 2009 ذهب إلى لندن لمقابلة 3 أشخاص بلكنة أمريكية، قدّموا أنفسهم له كوكلاء من مكتب التحقيقات الفدرالي، وأبرزوا له بطاقات العمل الخاصة بهم، التي تؤكد أنهم أعضاء في “فرقة مكافحة الجريمة المنظمة”.

كان غينينغز حريصاً على تقديم المساعدة، وبعد إجراء مكالمات هاتفية قليلة لمصادره، أرسل تقاريراً ماليةً سرية خاصة باتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي لكرة القدم (كونكاكاف)، إلى مكتب التحقيقات الفدرالي ومصلحة الضرائب، وأكدت التقارير التكليف بمهام “غامضة” بملايين الدولارات، حسبما ادّعى غينينغز.

ووضع غينينغز ثقته في مكتب التحقيقات الفدرالي بدلاً من زملائه الصحافيين، للبحث وراء منظمة مثل فيفا، ومعرفة مدى قدرتها على الاحتيال، واستخدم مصادره للبقاء ملماً بالتحقيقات لمدة 6 سنوات، وقال غينينغز إنه كان يعلم أن هيئة المحلفين اجتمعت العام الماضي للنظر في توجيه اتهامات، لكنه لم يكن على علم بالأشخاص الذين سيتم اتهامهم أو توقيت الإعلان عن ذلك.

وجاء الجواب بينما كان غينينغز يغط في نومه صباح الأربعاء 27 مايو (أيار)، إذ وصل مسؤولون سويسريون إلى فندق “بور أو لاك” في زيورخ، حيث كان كبار مسؤولي فيفا يجتمعون قبل الانتخابات، لتحديد ما إذا كان بلاتر سيبقى رئيساً للاتحاد الدولي.

وعلّق غينينغز قائلاً: “أليس هذا رائعاً، شخص يسترخي في أحد أفخم فنادق العالم، وجميع مصاريفه مدفوعة مسبقاً، وبينما ما زال النوم في عينيه يسمع طرقاً على الباب، ويخرج إليه ضابط شرطة ليسأله هل يمكنك ارتداء ملابسك”.

وأضاف غينينغز “لن يتمكنوا من الإقامة في فندق فخم مرة أخرى، فهم في طريقهم ليكونوا رهن الاعتقال بسويسرا، وسيخسرون مطالباتهم بتسليمهم إلى بلادهم، لأنني متأكد من أن وزارة العدل الأمريكية ستُحكم الأدلة في القضية، وسيضطر القضاء السويسري لترحيلهم إلى أمريكا”.

وبعد فترة وجيزة من حديث غينينغز لصحيفة “واشنطن بوست” وتعليقه على الاتهامات الموجهة لمسؤولي فيفا ووصفه لبلاتر بأنه “رجل ميت يمشي”، لم تمر 4 أيام على إعادة انتخاب سيب بلاتر حتى أعلن أنه سيترك منصبه كرئيس لفيفا، وسيتم عقد انتخابات في وقت لاحق هذا العام.

وبالنسبة للصحافي الذي يكمن وراء أكبر فضيحة رياضية في هذا القرن، قال غينينغز إنه يستطيع التقاعد قريباً بعد معرفته بأن تحقيقاته أدت إلى إحداث تغيير حقيقي.

وأبدى الصحافي المستقل سعادته بشاحنات الأقمار الصناعية التي تسد الطريق الفرعي المؤدي إلى مزرعته بين التلال، أملاً في عقد لقاءات حصرية معه.

وبعد سنوات من منعه من المؤتمرات الصحافية لفيفا، قال غينينغز إنه يتطلع إلى رؤية المديرين التنفيذيين المتهمين في محكمة أمريكية.

قال غينينغز: “يحدني الأمل أن أتمكن من تحمّل مصاريف السفر إلى نيويورك، والسماح لي بالاقتراب منهم لأقول مرحباً كانت رحلة طويلة، أليس كذلك؟”.