الرئيسية / إضاءات / تاريخ المستشفيات والطب.. بين حضارة الماضي واليوم
3532

تاريخ المستشفيات والطب.. بين حضارة الماضي واليوم

لعل أقدم المباني التي خصصت للطبابة في التاريخ هي المعابد المصرية الفرعونية واليونانية، في اليونان كان دار الاستشفاء (أو المستشفيات) هو معبد الإله أسقليبيوس إله الشفاء والصحة وصاحب الثعبان المقدس والذي هو شعار الطب إلى يومنا هذا.
1850
كان ذلك المعبد (الاسقليبية كما كان يسمى) مكاناً للتعافي والنصيحة، ولم تكن تلك المعابد تقدم أكثر من الغذاء والمأوى والصلاة. وبالرغم من بساطة ما تقدمه إلا أنها كانت خدمات لا يمتلكها الجميع. فالفقر والتشرد كان شائعاً في تلك العصور. وبالتالي فما قدمته تلك المشافي كان أكثر مما هو متاح في منازل المرضى (وهنا تكمن مهمة المستشفى إلى يومنا هذا! تقديم ما هو غير متاح في منزل المريض).

كانت تلك الخدمات تاريخياً مجانية وأتت كلمة Hospital المرادفة لكلمة مستشفى في الزمن المعاصر من كلمة hospitality وتعني الضيافة.

التطـوّر الطبيعـي للإنسـان من العصـر الحجـري إلى العصـر الرقمـي! – صـور

المستشفى والدين

منذ أول تدوينة عن مباني الاستشفاء وإلى يومنا هذا فإن المستشفيات غالباً ما تكون مرتبطة بمعبد ديني بشكل مباشر أو غير مباشر، فدور الرعاية تاريخياً تكونت من مبنى هو المعبد أو هو مبنى ملحق به. والمطببون والممرضون هم كهنة ذلك المعبد وخادموه.

ولقد ارتبط العلاج والشفاء الجسدي بالشفاء الروحي منذ القدم وكانت جل الممارسات “الطبية” هي علاجات روحانية بالصلاة والموسيقى والتبرك بالآلهة وتقديم القرابين في بعض الحالات. كل الخدمات كانت تتم عبر كهنة المعبد وأساقفته.

كان السحر أحد العلاجات المستعملة بشكل يومي بالإضافة إلى أدوية الأعشاب البدائية. كان الطب ضمن العلوم الرصدية ولم تكن هنالك أي معلومات فيه أكثر من مشاهدات عن ترابط الأعراض ببعض الأمراض.

أحياناً كانت تلك الترابطات لتصنع علاقة بين الأعراض وبعض المشاهدات الكونية، من هنا مثلاً جاء اسم الإنفلونزا التي جاءت أساساً من كلمة “influence” والتي تعني نفوذ ويقصد بها نفوذ حركات النجوم على صحة المجتمع.

المستشفى في تلك الأزمنة لم يرتبط حقيقة بالشفاء بقد ما ارتبط بفراش الموت والتوبة، وكان الداخل إليه مفقوداً والخارج منه مولوداً.

البيمارستان: مفهوم ثوري في الصحة والعلاج

ما الذي تتوقع أن تراه حين تدخل اليوم إلى أي مستشفى؟ أطباء وممرضات وتقنيون يركضون حولك في كل مكان. نعم! أكاديميون وتقنيون بدل الكهنة. كانت هذه لحظة دخول العلم إلى المستشفى ورقد رافق هذه الثورة تحول في المقاربة العلمية في الطب من العلوم الرصدية إلى العلوم التجريبية والتطبيقية.

والبيمارستان كلمة فارسية معناها «محل المریض»، أوجد البيمارستان منذ عهد الساسانيين وتميز عن باقي دور العناية بأنه ملحق بأكاديمية علمية بدلاً من دار عبادة. وجاء العصر الإسلامي ليستثمر في جلب الأطباء المعالجين وإدخال الطب العلاجي والعلم التطبيقي إلى هذا المكان، فكان بيمارستان دمشق المؤسس عام 707هـ أول مستشفى إسلامي وانتشرت المستشفيات في العالم الإسلامي بشكل لافت..

يبنما بقي الطب والعلاج أسير الكنائس والمعابد في أوروبا وباقي العالم. لقد كان الأطباء المسلمون أول من فرق بين المستشفى العام ودور العجزة والمصحات التي تعزل فيها المجانين والسجون وأصحاب الأمراض الخطيرة مثل الجذام‫.

كانت البيمارستانات في العصور الوسطى دورا للعلاج وكانت أيضاً معاهد لتدريس الطب. لقد كان البيمارستان الأساس الحقيقي للمستشفيات المعاصرة‫. فيها كان التركيز على العلاج والتعافي بدل التطبيب والرعاية الروحية.

ومنذ تأسيسه بدأ التمييز بين مختلف أنواع الأمراض النفسية والباطنية والمعدية، ويرجع الفضل للأطباء المسلمين في تأسيس والتمييز بين المصحات النفسية والمستشفيات العامة والمدارس والجامعات الطبية.

كان البيمارستان ينقسم إلى عدة أقسام بينها قسم للأمراض الباطنية وآخر للجراحة وقسم للكحالة (أمراض العيون) وقسم للتجبير، كما كان لكل مريض سرير وفرش كامل خاص به (آنية الطعام والغطاء واللباس لمنع انتشار الأوبئة، وأعطاؤه بعض الخصوصية في الرعاية).

وتميز البيمارستان بوجود المياه الجارية داخل مبناه وبالإيوانات المنفصلة عن بعضها، والتي تتوضع حول صحن مركزي ما يمنح كل إيوان خصوصيته وتهويته الجيدة من 3 جوانب و يساعد على احتواء العدوى.

استمرت البيمارستانات في العمل حتى أواخر القرن التاسع عشر لكنها تأخرت علمياً وتطويرياُ واستحالت في النهاية إلى أماكن لحجز المرضى النفسيين والمجانين. أكملت مشافي أوروبا عصر التنوير مسيرة البحث والتطوير العلمي التي قادت إلى ماكان.

مشافي الأمس واليوم
2641
مع تطور العلم والتشخيص تطورت مباني وأقسام المشافي إلى ما بلغته اليوم. ورغم استمرار وجود المشافي العامة (والعامة هنا لا تعود على الملكية بالضرورة بل لعموم الحالات التي تعالجها) إلا أن ظهور المشافي الاختصاصية كان حتمية ضرورية للتطور الطب وتعمق الاختصاصات الطبية.

فنرى اليوم مشافٍ خاصة بالتوليد وأخرى بأمراض العيون وغير ذلك. شهد الطب في العصر الحديث تطورات علمية وتقنية أدخلت تعديلات كبيرة على بنية المستشفى. عوامل الحد من انتشار العدوى ألغت فكرة العنابر وانتقلت إلى فكرة الغرف الفردية والمزدوجة للمرضى. التقنيات المستخدمة في التشخيص كالمخابر ووحدات الأشعة ألحقت نفسها بالمستشفى كما تكونت وحدات خاصة بالتعقيم والتخلص من النفايات العضوية.

لكل مشفى اليوم العديد من الموظفين الإداريين المعنيين بمعايرة الجودة ومتابعة شركات التأمين و دراسة الجدوى الاقتصادية في عملها. لم يعد المستشفى مكاناً للتداوي والنقاهة فقط بل هو معني بالتعليم والبحث وخدمة العملاء وحتى الترويح والتسلية. أعداد الأسرّة في المستشقيات لعدد المواطنين زادت بشكل ملحوظ.

بين الواقع وجنون الأطباء: هل ستتم زراعة رأس أحدهم في جسد ميت فعلياً؟!

لكن مع تطور الطب وارتفاع مستوى رفاهية المعيشة للكثير من المواطنين في العديد من دول العالم؛ ناهيك عن تزايد أعمار المرضى وتعقيد حاجاتهم؛ بدأ توجه جديد يتركز حول العيادات الخارجية والخدمات الطبية في المنازل.

الكثير من الأمراض بات يمكن علاجها ومتابعتها عبر زيارات قصيرة للعيادة الخارجية بديلاً عن الإقامات الطويلة في المستشفيات، من مرض الإيدز المخيف إلى مختلف أنواع السرطانات؛ بات تشخيص وعلاج الكثير من هذه الأمراض ممكناً دون دخول المستشفى.

وبات من الممكن تجهيز بيوت المرضى المزمنين للتعافي في منازلهم بدل البقاء في المستشفى، و حتى الأمراض التي كانت تتطلب تعافياً طويلاً باتت مدة الإقامة في المستشفيات فيها قليلة نسبياً.

على سبيل المقال، خفضت فترات الإقامة في المستشفيات بشكل ملحوظ من متوسط إقامة تبلغ 4 أسابيع لمرضى الاحتشاء القلبي في خمسينيات القرن العشرين إلى متوسط 3 أيام في الوقت الحالي لذات المرض، وباتت غرف الإسعاف واجنحة جراحات اليوم الواحد وسيلة للتقليل من حاجة المريض للبقاء في المسشفيات عبر التداوي الفعال والسريع والجراحات المجهرية وقليلة الغزو minimally invasive.

ملامح مستشفيات الغد
بكل تأكيد فإن أحجام مباني المستشفيات وعدد العاملين فيها سينخفض بشكل ملحوظ. سيكون بالإمكان الاعتماد على معدات تقنية صغيرة لتحل محل المخابر العملاقة وأجهزة الأشعة المخيفة.

ستتحول الكثير من هذه التقنيات نحو الأجهزة المحمولة و لربما تكون مدمجة في سرير المريض. ستقل عدد الحالات التي تحتاج دخول المستشفى بتطور التشخيص المبكر والعلاج قليل الغزو. لربما تحول المستشفى إلى غرف متناثرة في أنحاء المدينة أو مقطورة متنقلة تذهب إلى المريض بدل أن يدهب لها.

وستكون الحاجة لها قصيرة الأمد، ستستبدل أذرعة الروبوتات عالية الدقة أنامل الجراح الماهرة والمهتزة أحيانا وستغنيك الكثير من التطبيقات الذكية عن الحاجة لرؤية الكثير من الاختصاصات الطبية.

هل أنت مستعد للمستقبل؟ ما عليك إلا أن تستمر في العناية بنفسك. اغتسل بشكل جيد. تأكد من أخذ المطاعيم الطبية.، توقف عن التدخين وعش حياة سعيدة هنيئة. هذه كانت وصفة العافية لآلاف السنين ولم تتغير. هل هي صعبة المنال؟ ربما! لكن القرار سوف يبقى دوماً ملكك.