الرئيسية / إضاءات / أحمد بن جلون.. ثائر محترف!!!
BEN JALOUNE AWSA

أحمد بن جلون.. ثائر محترف!!!

لا أجد أفضل من هذه الصفة (ثائر محترف) بمعناها الإطرائي. استعيرها من عنوان كتاب للمفكر السوري، مطاع صفدي، لتوصيف اجمالي للمسار الحياتي والسياسي والنضالي، للراحل احمد بن جلون ,الذي ودع هذه الحياة فجر يوم الاثتين، الثاني من شهر فبراير، عن عمر الثالثة والسبعين عاما.
لا يمكن لاحد ان يجادل او يشكك في المسلك السياسي الصادق للراحل، حتى الذين خالفوه وابتعدوا عنه،دون ان يخاصموه او يعادوه، لأنه كان انسانا صادقا في عنفه الثوري الدائم، تغلب عليه فطرته الميالة للصراحة حتى ولو كانت جارحة، حيال اصدقائه ورفاقه اولا وفي مواجهة الخصوم السياسيين. كلما اقتربت منه نسيت ما يفرقك عنه، يتجنب استفزاز من لا يشاطره الرأي.
وهذا الاتحادي المتشدد بمبادئه، غبر المجامل او المتردد، يعكس بشكل من الاشكال، جانبا من الوجه المأساوي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على مدى مراحله واطواره، نجاحاته واخفاقاته، امتداده وتراجعه.
هو التنظيم اليساري الجماهيري العريض، تجسدت فيه في وقت من الاوقات امال شرائح اجتماعية من المغاربة، في التغيير واقامة مجتمع عادل سياسيا واجتماعيا ومجاليا؛ لكن رهانات التأسيس والانطلاق التي كلفت الحزب ضحايا عديدين في الطريق الثوري، تتراءى الان وكأنها حلم وسراب تلاشى تدريجيا، اما بسبب عاديات الزمن ومكر السياسة والتواءات اهلها، او لان المعول عليهم من جيل المناضلين الخلص، غيبهم الموت او تشاجروا واختلفوا فيما بينهم، ليس على منافع شخصية وانما تنافسا على من يخدم الشعب اكثر من الاخر. فيهم من انسحبوا من ساحة النضال، مكرهين، منكسرين، منكفئين على ذواتهم تعذبهم الحسرة والاسى ومرارة الاحساس بالإخفاق وعدم التناسب بين حجم التضحيات وضعف الحصيلة العامة.
وتشاء الاقدار ان يختطف الموت في وقت متقارب، فارسين اتحاديين، يمثلان الجيل المقاوم والمؤسس للحزب ( محمد منصور) والجيل الثاني الذي انتمى اليه، احمد بن جلون، الذي تحمل بدوره عذاب النضال مثل منصور، مع فارق ان الثاني ذاق الامرين على يد الاستعمار الفرنسي ( نجا باعجوبة من تنفيذ احد احكام الاعدام ) اما الراحل بن جلون، فلم يكن عقابه اخف وهو بدوره افلت لحسن حظه من مقصلة النظام، بعد ان سلمه نظام فرانكو، في صفقة سياسية غامضة.
يتقاسم الرمزان : المقاوم محمد منصور، والمناضل احمد بنجلون، بعض الصفات والسجايا، في طليعتها الثبات على المبدأ الاتحادي النقي والاخلاص له. كل واحد بطريقته واسلوبه وتكوينه. محمد منصور، ظل الضمير الحي للاتحاديين، يلوذون اليه كلما اشتدت عليهم المحن وكثرت الخلافات والصراعات بين التيارات والاشخاص. انحاز دائما، اي منصور، لوحدة العائلة الاتحادية في تنوعها وغناها واجيالها. حافظ دائما على الرصيد النضالي للحزب وربما احس دائما انه مؤتمن عليه، لا يطعن في امانته تيار او جماعة حزبية. لم يكن منصور متحمسا ولا منحازا لاحد ولكنه كان عنيدا بصمته القوي، عندما يتعلق الامر بقضايا مصيرية بالنسبة للوطن قبل الحزب.
مات،محمد منصور، قرير العين، طاهر السيرة. حمل معه الكثير من اسرار المقاومة رافضا ان يتاجر بها ليحصل على مجد شخصي او مكاسب.
احمد بن جلون، هو الاخر يمكن تشبيهه ببطل ثوري تراجيدي. سيرته النضالية بمنعرجاتها وصراعاتها مع الذات والرفاق، تصلح لينسج منها عمل روائي، يحمل الكثير من القسمات الفنية والمفارقات الدرامية. يترك الانطباع عند من لا يعرفه انه متصلب وعنيد، لا يقبل الحوار الا اذا كان متأكدا انه سينتهي بترجيح اطروحات، ولا ينقص من الراحل في شيء، القول بانه كان كذلك اجمالا، انما تحديدا في مجال المعترك السياسي لا غير. بعيدا عن ذلك تجد نفسك في حظرة انسان مؤدب، رفيع الاخلاق، اقرب ما يكون الى الخجل، محب للنكتة والفرفشة والمرح، والغناء في اللحظات الرائقة، لطيفا ورحيما في الحكم على مخالفيه في الرأي حينما يكونون غائبين، لكنه يتحول الى أسد وهو يواجههم بالحقائق كما يراها، وجها لوجه بدون اقنعة الرياء والمداهنة.
كثيرون رأوا في الراحل، سي احمد، صورة الحزبي المتجهم، وربطوا بينه وبين الفكر الاشتراكي العلمي الذي كان يعتقد انه خلاص المغرب. اكاد ازعم انه كان يغلب الجانب الاخلاقي، قبل المادي الماركسي، في تحليلاته ورؤاه السياسية او لنقل انه حاول المزج والتوفيق بينهما، وهنا مربط خلافه مع بعض رفاقه في قيادة الاتحاد الاشتراكي الذي تفجر عنيفا عام 1983، فوقعت القطيعة التي تضرر منها التنظيم ولم يستفد منها حزب “الطليعة” الذي اسسه الراحل لاحقا، ولا انتشرت جريدة ” الطريق ” التي كلفته عناء ماديا ومعنويا.
في هذا السياق، لازمت احمد بن جلون، نزعة انسانية تمثلت في نأيه عن استغلال اسم ورصيد شقيقه عمر بن جلون، لا يذكره الا اذا اقتضت الضرورة ذلك، مميزا بين رابط الاخوة العائلية والحزبية. وهذا الموقف كان يكبره في اعين من عرفوه.
افتقده المشهد السياسي المغربي منذ الحادث المؤلم الذي تعرض له وهو ينزل من القطار، فصمت كثيرا وعانى من حزن والم ممض. لم يرض بصورة المناضل القاعد. تمنى ان يظل دائما فارسا مغوارا في ساحة النضال، لا يعيبه ان يتبعه قليلون او كثيرون. المهم عنده ان يؤدي الرسالة السياسية التي انتدبته الاقدار لها.
سي احمد، انسحبت بهدوء وفي غفلة منا وعنا. لم تقم جلبة حول شخصك الا وانت تخوض المعارك التي آمنت بعدالتها.
يرحمك الله….