الرئيسية / إضاءات / كيف خرج حزب العدالة والتنمية رابحا وحيدا من انتخابات السابع من أكتوبر؟!
حزب العدالة والتنمية

كيف خرج حزب العدالة والتنمية رابحا وحيدا من انتخابات السابع من أكتوبر؟!

سؤال ضخم، ضخامة الزلزال السياسي الذي ضرب الساحة الحزبية المغربية، وأفرز رابحين وسبعة خاسرين، وإن شئنا الدقة أكثر، أفرز رابحا حقيقيا واحدا هو حزب العدالة والتنمية، على حساب ركام حزبي سياسي خاسر، لاسيما مع مراعاة أن فوز حزب الأصالة والمعاصرة “الرقمي” كان “بطعم الهزيمة”!!. وقبل الخوض في محاولة قراءة وفهم ما حدث، من المفيد إجراء استعراض رقمي للنتائج، عادة ما يبرر لمعظم “نجوم التحليل السياسي” الظهور على شاشات التلفزيون، من أجل المساهمة في حملة التخمين وقراءة الطالع السياسي الحزبي للمشهد السياسي المغربي.

رقميا، أفرزت الانتخابات التشريعية المغربية لعام 2016، مقارنة بسابقتها التي جرت عام 2011، خروج حزبين فائزين فقط من أصل الأحزاب الثمانية الكبيرة، هما العدالة والتنمية الذي تصدر المشهد بمقاعده ال 125 (ربح 18 مقعدا إضافيا)، وغريمه الأصالة والمعاصرة بمقاعده ال 102 (ربح 55 مقعدا إضافيا). أما ما تبقى من أحزاب فكانت الخسارة هي مصيرها جميعا: الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية (ناقص 19 مقعدا)، التجمع الوطني للأحرار (ناقص 15 مقعدا)، الاستقلال (ناقص 14 عشر مقعدا)، التقدم والاشتراكية (ناقص 6 مقاعد)، الحركة الشعبية (ناقص 5 مقاعد)، والاتحاد الدستوري (ناقص 4 مقاعد). طبعا لم نتحدث عن مقعدي فيدرالية اليسار الموحد، والمقاعد الخمسة للأحزاب الثلاثة الصغرى، لأنها لا تشكل عدديا قيمة تذكر، كما أن معظمها إن لم يكن كلها ليست أحزابا بالمعنى السياسي للكلمة.

لكن والحالة هذه، تبرز العديد من الأسئلة، يمكن استعراض أبرزها، ومحاولة الرد عليها سريعا، حيث لن يتسع مقال واحد للحديث حول مختلف أوجه ما حصل في تلك الليلة الفارقة، مع تأجيل الإجابة على التساؤل المركزي الوارد في العنوان حتى النهاية:

  • بأي معنى خسر الأصالة والمعاصرة، على الرغم من نجاحه في مضاعفة مقاعده تقريبا؟

لم يدخل الحزب رهان الانتخابات التشريعية كباقي الأحزاب التي تليه، بما فيها حزب الاستقلال، من أجل الحفاظ على موقعه في الحياة السياسية، أو الاحتفاظ بمقاعده النيابية، أو حتى بهدف زيادتها. لقد دخل برهان أوحد: الفوز بالانتخابات وتشكيل الحكومة المقبلة. وقد تحدث بهذه اللغة المتفائلة، بل والواثقة، حتى دقائق قبل إعلان وزير الداخلية محمد حصاد الخبر المفجع: لقد خسر الرهان. ومع ذلك، فالكرة الآن في ملعب الحزب، من أجل النظر إلى نصف الكأس الملآن، ورؤية موقعه في صدارة إدارة الشأن المحلي، وقدرته على تشكيل معارضة بناءة في البرلمان بغرفتيه، لكن بالمقابل، محاولة فهم الأسباب التي حالت دونه وتحقيق مبتغاه، تحديدا خطابه الجماهيري، طريقة اختيار مرشحيه، أداء قياداته، شعاراته الانتخابية (تحديدا التحذير من أخونة الدولة، والتخويف من زعزعة استقرار المملكة)، إذا ما أراد معاودة الكرة مرة أخرى بعد خمس سنوات مع حظوظ أقوى بالفوز.

  • كيف نقرأ خسارة ما تبقى من أحزاب؟

هناك دائما فرصة للعب بالأرقام للتهرب من دفع ضريبة الفشل السياسي. ومن هنا تنشأ خطورة القراءة الرقمية، وعقمها في آن. لقد دقت تجربة الانتخابات المحلية لعام 2015 ناقوس الخطر لدى جميع الأحزاب التي خسرت اليوم، لكن أيا من قياداتها (أفرادا وهيئات سياسية) لم يحترم المنطق ويتحمل مسؤوليته، وآثروا التفكير بطريقة أنانية، حتى لو دفعت أحزابهم الثمن. ولآنها أحزاب شاخت وتكلست، فلم يكن ممكنا دفع قياداتها إلى دفع ثمن فشلهم، والقيام بعملية تغيير من الداخل، ليبقى الخيار الوحيد دائما، الانشقاق وتفريخ أحزاب هامشية أخرى، مع مزيد من إضعاف الأحزاب الأم. لقد كان درسا بليغا ذلك الذي تلقاه حميد شباط وإدريس لشكر زعيمي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي قبل عام من الآن، وتجرعا، ومعهما حزبيهما، هزيمة كان ينبغي أن تدفعهما للاستقالة لو تم احترام الحد الأدنى من المنطق السياسي، لكنهما كابرا ونجحا في كسب عام آخر، مراهنين مراهنة كان واضحا منذ البداية أنها مستحيلة: تحقيق النصر في تشريعيات 2016 على أنقاض هزيمة 2015!!! المفجع أن بنية الحزبين العريقين لم تستطع دفعهما، والفريق الذي يمثلانه داخل الهيئة القائدة لهما للاستقالة، وبالتالي نفهم مدى منطقية ما جرى البارحة. السؤال الآن، مدى قدرتهما على الاستمرار في اللعب بالأرقام، والهرب من القراءة السياسية لما وقع في الاستشارتين الانتخابيتين، وبالتالي تحمل دفع فاتورة الهزيمة بشجاعة، بدلا من الطمع في أن تمدهما المشاركة الحكومية المحتملة في الحكومة الثانية لبنكيران، بمزيد من الأكسيجين الذي يمكن أن يطيل عمر حياتهما السياسية.

نفس الأمر يصدق إلى حد كبير على حزبي التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، رغم أنهما يوجدان في موقع أفضل نسبيا من سابقيهما، الأمر الذي يحتم على صلاح الدين مزوار ومحند العنصر، امتلاك الجرأة الكافية لمواجهة تبعات القراءة السياسية لما حدث.

أما الاتحاد الدستوري، فيجد نفسه مطالبا بإعادة النظر في موقعه السياسي، وتحديدا وجوده في المعارضة للسنوات الخمس المقبلة “بعيدا عن الدفء الذي يوفره التواجد داخل الأغلبية الحكومية”، إذا ما أراد تجنب اختفاء نصف مقاعده بعد خمس سنوات من الآن!! إعادة نظر يحتاجها رفاق بن عبد الله، الضامنين لتواجدهم داخل الحكومة المقبلة، لكن دون التهرب من محاولة فهم ما وقعوا فيه من أخطاء على صعيد الممارسة الحزبية والجماهيرية والانتخابية.

ونأتي الآن، للسؤال الأكبر: كيف تسنى للعدالة والتنمية الحصول على هذا النصر المؤزر؟

ربما تحتاج الإجابة الدقيقة على هذا التساؤل الضخم إلى ما هو أكثر من هذه القراءة السريعة، في هذه المساحة الضيقة، لكن المهم، هو الإشارة إلى أن النفس الطويل للحزب، واشتغاله الحقيقي على بنيته الحزبية، مؤسسته الإعلامية، هيئته الشبابية والنسائية، وعدم الاكتفاء بالنشاط مرة كل خمس سنوات كما تفعل معظم إن لم يكن جميع الأحزاب الموجودة في الساحة السياسية المغربية، والالتزام الكبير بضوابط انتخاب ممثليه في مختلف الاستشارات الانتخابية، هي عوامل أساسية من بين أخرى مهدت له طريق هذا الفوز العريض. يكفي أن نراقب كيف أدارت جميع الأحزاب المنافسة عملية اختيار ممثليها في اللوائح الوطنية من نساء وشباب، لندرك حجم الهوة التي تفصل العدالة والتنمية عن باقي منافسيه، على صعيد الممارسة السياسية، والذي يبرر له الأمل بتكرار هذا الإنجاز وزيادته عام 2021. إن خلو الأحزاب الباقية من منظمات شبابية ونسائية حقيقية، يجعل الساحة السياسية فارغة إلا من شباب العدالة والتنمية، في مقابل الشباب الرافض للعملية الانتخابية، أو العازف عنها، ناهيك عن تحويل العمل السياسي إلى تجربة نخبوية لبعض الكوادر المحترفة، وتحويل الاستشارات الانتخابية موعدا لاستقطاب الوجهاء المحليين، دون أن يكون لهم ارتباط حقيقي لا بالحزب ولا بالعمل السياسي برمته.

لقد استفاد العدالة والتنمية من ضعف منافسيه الكبار (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي) الذين أسهمت قيادتيهما في إضعافهما، بمقدار استفادته من الحملة الانتخابية “المرتجلة” لغريمه الأصالة والمعاصرة، والتي حاولت منافسته عبر شعارات انتخابية لا تعني المغاربة من قريب أو بعيد، ناهيك عن اعتبارهم لها “مستوردة” من سياقات عربية أخرى. وهكذا، توزع معظم المغاربة الذين هربوا من الأحزاب المنافسة ما بين “التصويت العقابي” لصالح العدالة والتنمية، نكاية في غريمه الأصالة والمعاصرة، وبين مقاطعة العملية الانتخابية برمتها، وهو الذي ربما يفسر جزئيا تراجع نسبة المشاركة في هذه الانتخابات عن سابقتها المحلية بحوالي عشرة بالمائة.

إن الفوز الانتخابي الكبير للعدالة والتنمية، يقوى أمله في تشكيل حكومة أكثر انسجاما، ولم لا، أوسع تمثيلية، يمكنها أن تضم علاوة على حلفائه المحتملين: الاستقلال والحركة الشعبية والتقدم والاشتراكية، كلا من الاتحادين الاشتراكي والدستوري، أو أحدهما، الأمر الذي يمهد الطريق أمام حكومة أقوى وأكثر حصانة في وجه المعارضة البرلمانية المحتملة.