الرئيسية / إضاءات / ماذا بعد إعدام الشيخ النمر؟
السعودية

ماذا بعد إعدام الشيخ النمر؟

قطع إعدام الشيخ النمر شعرة معاوية بين إيران والسعودية. توعد المرشد الأعلى العائلة المالكة السعودية ب”انتقام إلهي”، وخرجت التظاهرات العارمة في طهران ومشهد، لتعتدي على البعثات الدبلوماسية السعودية حرقاً ونهباً.

ردت السعودية بقطع العلاقات وطرد الدبلوماسيين الإيرانيين من المملكة. هكذا بدأ العام الجديد على مؤشر تصعيد خطير في المواجهة بين قطبي الصراع في الشرق الأوسط.

أياً تكن ملابسات إعدام الشيخ النمر، الذي اعتبره الكثيرون، حتى من غير الشيعة كالأمين العام للأمم المتحدة، سجين رأي يستحق الرأفة، فإن الإعدام قد وقع ونحن الآن نتعامل مع تبعاته. وإذا كنا نتوقع تعاطف إيران مع رجل دين شيعي سعودي درس في حوزتها، وتبنى مفهومها السياسي في نظام الحكم، فإن رد فعلها زاد الأمر تعقيداً.

لقد مضى على المواجهة الإيرانية السعودية في المنطقة سنوات طويلة، كانت في غالبها حروباً بالوكالة. ولكننا ننظر الآن إلى تصاعد حاد في خطها البياني، سيصيب المنطقة التي تموج بالنزاعات السياسية/الطائفية بسيل جديد من سفك الدماء والتشنج السياسي.

ولكن لماذا حدث كل هذا؟ إن قراءة متأنية للمشهد، تظهر لنا مدى الإحباط الذي تشعر به المملكة السعودية من الانكفاء الأمريكي، والاستقواء الذي تشعر به إيران بعد اتفاقها النووي مع الغرب. لقد بدأت السعودية، التي عرفت برصانة سياستها الخارجية، بالتخلي عن تحفظها السابق، والميل إلى المواجهة في تعاملها مع إيران والقوى المرتبطة بها في المنطقة، بعد أن رأت أن إدارة أوباما زاهدة في التدخل ضد الأذرع الإيرانية الممتدة في المنطقة العربية. كما أن إيران، التي تنظر إلى السعودية على أنها المصدر الأول للأيديولوجيا الفكرية للتنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق، بدأت تشعر بحرية أكبر في المواجهة مع جارتها السنية بعد أن اعتبرت إدارة أوباما الاتفاق النووي معها إنجازاً لا يمكن التراجع عنه. وعليه، يمكننا أن نفهم مثلاً إطلاق إيران صواريخ بالقرب من حاملة الطائرات الأمريكية ترومان قبل بضعة أيام، كاستعراض للقوة لا تخطئه العين.

كل هذا يؤشر إلى أن أخطار المواجهة الإيرانية مع الغرب تراجعت، لأن الغرب يأمل الآن، في ظل المخاوف الأمنية المتزايدة من هجمات جديدة لداعش، أن يتعاون مع إيران، في حلحلة الأزمة السورية وصولاً إلى تقليص الخطر الداعشي على أمنه. ولعل هذا يفسر الدعوات الأمريكية والفرنسية والألمانية للتهدئة والحوار عقب قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. فليس من مصلحة الغرب أن تصرف أزمة عابرة كإعدام الشيخ النمر الانتباه عن أولويات الأمن الغربي.

أما السعودية فاعتبرت أن الشيخ النمر، الذي اعتقل مرات عدة في السابق، على خلفية مطالبته باستقلال المنطقة الشرقية، وتطبيق ولاية الفقيه، واعتراضه على تسمية الملك سلمان ولياً للعهد، ودعوته إلى التظاهرات ضد الحكومة السعودية، أصبح عنصر تحريض لا بد من الخلاص منه. وإذا كان كل قرار يقاس بمدى النفع من تطبيقه، فيمكننا القول إن السجن كان خياراً أفضل بكثير من الإعدام، وتفجير المواجهة بهذا الشكل. لكن لجوء السعودية إلى خيار الإعدام يؤشر إلى عدم رضى عن المكاسب السياسية الأخيرة التي حازتها إيران سواء في سوريا، بدعم من الحليف الروسي، أو في الرغبة الغربية في فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين. لذلك جاء خلط الأوراق بهذا الشكل ليفرض ضغطاً جديداً على إيران، قد يزيد من حدة المواجهات ويجعلها تعيد النظر في تورطها الزائد في شؤون الدول المجاورة.

إنه من الخطر دائماً أن تمارس السياسة بناءً على شعور بالإحباط، فقد يقود ذلك إلى خيارات لا تخدم بالضرورة المصلحة السياسية لهذا الطرف أو ذاك. وبالنظرة النقدية عينها، يمكننا القول إن الرد الإيراني جاء وفق منطق الغوغائية الثورية التي طبعت إيران بعد الثورة الإسلامية مباشرة، وأعاد إلى الأذهان مشهد احتلال السفارة الأمريكية في طهران عام 1979.

إن الخطورة في التصعيد بين الدولتين تكمن في نفوذهما على قوى أخرى في المنطقة، وهذا ما سيجعل كرة اللهب تستعر أكثر فأكثر في العراق وسوريا واليمن. فقد تلقفت قوى محلية من بلدان عربية هذه الأزمة، وبدأت تدلي بدلوها فيها، رغم أنها لا تتعلق مباشرة بالأمن الداخلي لهذه البلدان. فرئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، ركب الموجة الطائفية وأدلى بتصريحات ضد السعودية في محاولة لتعزيز رصيده لدى الشارع الشيعي الغاضب. كذلك صدرت تصريحات حادة من الأمين العام لحزب الله اللبناني، السيد حسن نصر الله،  ضد السعودية استنكرها رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الشيخ سعد الحريري. وبدأت بوادر التوتر تُترجم فعلياً على أرض الواقع. إذ رأينا حرق مساجد سنية في محافظة بابل العراقية واغتيال إمام مسجد كنوع من الانتقام الأعمى لإعدام النمر. وقد نشهد أيضاً تشدداً في المواقف بين أطراف الصراع في سوريا على الخلفية نفسها.

ولكن رغم التشنج الذي يسود الجو في المنطقة، فإن الاحتمال لا يزال قائماً ​في أن الأمر ستتم معالجته سياسياً بعد أن تهدأ العاصفة، وينحدر الخط البياني للأزمة. إذ أبقت كل الدول الخليجية على علاقاتها الدبلوماسية مع إيران باستثناء البحرين، وهذا ما سيفتح المجال مستقبلاً للعمل الدبلوماسي. كما أن حلفاء الطرفين من القوى الخارجية أبدوا رغبة مشتركة في حل الأمور بالطرق السلمية وتجنب التصعيد، الذي لا يخدم مصالحهم. فقد عرضت موسكو الوساطة بين الطرفين، ودعا الغرب السعودية إلى الحوار مع إيران. كما أنه ليس من مصلحة دول خليجية أخرى كالكويت والإمارات وقطر وعمان أن تقطع علاقاتها مع إيران لأسباب متعددة داخلية وخارجية،  وهذا ما يؤهلها للعب دور الوسيط في المستقبل.

للمزيد:مزوار يُدين بشدة إحراق سفارة الرياض في طهران

لكن لحظة قبول الوساطة لن تأتي إلا عندما يدرك الطرفان أن التصعيد لا بد له من نهاية، وأنه لا يمكن أن يستمر الأمر هكذا مستنزفاً طاقات الجميع. فالبلدان النفطيان يعانيان من انهيار أسعار النفط، وهذه المواجهة الأخيرة سترتب أعباء اقتصادية جديدة عليهما، في ما ستتكلفه من تصعيد عسكري على جبهات عدة. إن الصراع على النفوذ في المنطقة لن ينتهي قريباً، لكن تكلفة إدامته ستنهك الجميع، وحينذاك سيكون للدبلوماسية صوت مسموع أكثر مما هو الآن.