الرئيسية / إضاءات / غزل فوق الجليد وترليونات في الأعماق.. فمن الرابح؟
روسيا

غزل فوق الجليد وترليونات في الأعماق.. فمن الرابح؟

السجال الخفي بين موسكو وواشنطن وخلافا لما تؤكدانه على المستوى الرسمي لم يقتصر على تقاسم النفوذ في العالم القديم، بل اتسع ليطال القطب الشمالي بثرواته الهائلة، فالفوز هناك للأقوى.

وفي آخر الخطوات الأمريكية المتأخرة في نزال القطب الشمالي مع موسكو، قام الرئيس باراك أوباما قبل ثلاثة أشهر بزيارة إلى ألاسكا رآها المراقبون تعبيرا عن تمسك واشنطن بنيل حصة لا بأس بها من كعكة القطب الدسمة، فيما اعتبرها آخرون خطوة دعائية مقتبسة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي اعتاد الجميع على رحلاته ونزهاته إلى أراضي روسيا الشاسعة وغاباتها.

كما يتضح مما يصدر من تصريحات عن صناع القرار في واشنطن، أن الولايات المتحدة قد أغفلت المد الروسي شمالا وصارت تلهث متأخرة كمن فاته الركب في غفلة. ففيما دأبت هي على تسيير الحملات العسكرية الجرارة، وحشد التحالفات الدولية والإقليمية “لإرساء الديمقراطية في هذا البلد ومكافحة الإرهاب في ذاك” على امتداد شمال إفريقيا والشرق الأدنى، عكفت روسيا مستفيدة مما لديها من خبرات وطاقات صناعية كامنة على إعادة توسيع وجودها في منطقة القطب الشمالي، وأطلقت جملة من المحطات القطبية بين ثابتة وعائمة وعلمية عملا بتقليد ترعاه منذ عقود.

وبالوقوف على التطورات الأخيرة وما يشهده العالم من تحولات، يبدو أن القطب الشمالي صار ساحة حرب باردة لن يربحها سوى القطب القادر على شق الجليد وتحطيمه بالكاسحات، وترسيخ حضوره بالغواصات وأجهزة العوم العميق في ظروف تشبه تلك السائدة في الكواكب البعيدة.

وفي هذا السياق، تبقى روسيا حاضرة بقوة في تصريحات المسؤولين الأمريكيين الداعية إلى تطوير الأسطول الأمريكي من كاسحات الجليد لتقليص الفجوة التي تفصل الولايات المتحدة عن روسيا في هذا المجال. فروسيا تملك حاليا 40 كاسحة جليد، كما أنها تواصل تصنيع 11 إضافية، فيما يمتلك الأسطول الأمريكي من هذه السفن ذات الأهمية الاستراتيجية 3، منها اثنتان فقط تصلحان للاستخدام.

روسيا وفي آخر تطور على الحلبة القطبية أعلنت الصيف الماضي عن إطلاق مناورات واسعة النطاق بمعايير الظروف الشمالية تمثلت في تدريبات أجرتها قوات تكتيكية مشتركة، وسفن وغواصات تابعة لأسطول الشمال في منطقة شبه جزيرة تايمير في الدائرة القطبية الشمالية. وشارك في المناورات زهاء ألف فرد مزودين بعربات الإنزال والزحافات، والجرارات المجنزرة والطائرات بلا طيار.

ولمس المراقبون في مناورات موسكو الفريدة من نوعها هذه، رسالة معبرة تؤكد من خلالها إصرارها على ضمان أمن العمق الروسي شمالا حتى القطب، وتأمين الملاحة البحرية الشمالية والنشاط التجاري والاقتصادي الروسي عبر طرق الشمال البحرية، كما أبرزت حدة الصراع الدولي الوليد على منطقة منسية دأب الروس على غزوها واستكشافها منذ عشرات السنين.

ويجمع الخبراء كذلك، على أن هذه المنطقة ستتحول إلى حلبة للمبارزة بين كبريات دول العالم على غرار إفريقيا في القرن الماضي، حيث تطمع الدول الصناعية بالاحتياطيات الطبيعية الهائلة المكدسة في القطب الشمالي الأمر الذي قد يشعل نزاعات بحرية تصلح لتكون مادة للخيال العلمي.

فقبل اندلاع نزاعات كهذه، أعدت روسيا جميع الوثائق اللازمة عملا بالقانون الدولي للبحار لإثبات ملكيتها على مناطق شاسعة هناك. وأثبتت عبر بعثاتها العلمية ورحلات الغوص العميق لأجهزة العوم الفريدة التي تم تصميمها خصيصا لهذه الأغراض، ملكيتها لمساحات تساوي مساحة الولايات المتحدة بأكملها وتحتوي على ثروات طبيعية وبيئية تعادل إجمالي الناتج القومي لكل من الصين والولايات المتحدة مجتمعتين، أي ما يقدر بـ 30 تريليون دولار.

وبالوقوف على هذه التطورات التي لا يوليها الإعلام الغربي حقها في التغطية، يتضح أن واشنطن بعد أن سلت سيفها وأمعنت في تخويف العالم، عكفت روسيا على إحراز الانتصارات الواحد تلو الآخر على مرأى من الجميع، واحتارت أمريكا في أمرها ولم تعد تعرف كيف تعيد السليل إلى غمده، إذ أيقنت لنفسها أنه لم يعد بتارا، بل غطاه الصدأ وتراكمت عليه طبقة سميكة من الهزائم الجيوسياسية والإخفاقات.

وبذلك تكون فرضية صقور الحرب وأصدقائهم التي تجزم بأن واشنطن برعت في إشغال روسيا واستفزازها في هذه البقعة من العالم أو تلك لاستنزافها قد انهارت، وأن المنشغل كان واشنطن وحلفاؤها إذ كلفت “مساعي” نشر الديمقراطية و”تحرير” الشعوب من “نير” أنظمتها تريليونات من الدولارات، وأضرت بالعلاقات الاقتصادية على امتداد العالم وأشعلت نار نزاعات كان الإرهاب الرابح الأوحد فيها.

جليد الشمال الأزلي صار يذوب بوتيرة غير مسبوقة، والكثير من القوى الدولية أخذت تتصارع فيما بينها مسبقا “لتقاسم فروة دب لم يقتل بعد”، واستدركت واشنطن من جهتها وبعد فوات الأوان، أن روسيا قد سبقتها إلى هناك، وأخذت تجمع لنفسها من المساحات والثروات بما يساوي حصتي “الدب والأسد” معا.

والسؤال، متى ستكف واشنطن عن سياسة هز الأكتاف، وتعاطي المنشطات لنفخ عضلات تلوي بها أذرع الدول التي تقوى عليها، فيما ظهر أنها ليست إلا مظهرا من مظاهر الكمال الجسماني الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، ليتأكد من خلال ذلك أن موسكو أحسنت في مشاغلة الولايات المتحدة التي أمعنت في مغازلة الإرهابيين في العالم كما يؤكد كبار المسؤولين الروس وعلى رأسهم فلاديمير بوتين.