الرئيسية / إضاءات / كل ما تحتاجون إلى معرفته عن ملف العسكريين اللبنانين
العسكريون اللبنانيون

كل ما تحتاجون إلى معرفته عن ملف العسكريين اللبنانين

دخل 16 من أسرى العسكريين اللبنانيين، في الأول من ديسمبر، إلى الأراضي اللبنانية، بعد 16 شهراً أمضوها مخطوفين لدى جبهة النصرة وتنظيم داعش. وبعد يومين من المفاوضات، في ظل غياب تام للطرفين المعنيين بالتفاوض عن إعطاء أي إيضاحات إضافية للإعلام، اقتصرت المعلومات على بعض التسريبات التي أكدت جدية إتمام هذه الصفقة، وهذا ما أعطى جرعة تفاؤل جديدة لأهالي العسكريين المعتصمين في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، منذ أن خُطف أبناؤهم.

وقد بدا واضحاً أن أحد شروط التنفيذ هو إحاطة العملية بسرية تامة، وطلب جبهة النصرة من الوسيط القطري ضمانة دولية لخروجهم الآمن من جرود عرسال. حصلت عملية التبادل صباحاً من أعالي جرود عرسال، بين الجانبين في وادي حميّد، وأشرف عليها المدير العام للأمن العام اللبناني اللواء عباس إبراهيم، على رأس موكب من 20 سيارة. كما تسلّمت دورية من الأمن العام والصليب الأحمر جثة الجندي محمد حمية، بينما توجهت سيارة الإسعاف، التي تقل الجثمان إلى مستشفى بيروت العسكري، لإجراء فحوص الحمض النووي.

هكذا خُطف العسكريون من عرسال

في الثاني من أغسطس 2014، قاد الإرهابيون عمليتين الأولى أدت إلى اقتحام حاجز للجيش اللبناني في منطقة وادي الحصن وأسر عناصره، بعدما استولى على كل الأعتدة والآليات العسكريّة الموجودة بداخله. والثانية اقتحموا خلالها مبنى مخفر درك عرسال. نتج من العملية الأولى أسر: محمد يوسف، خالد مقبل حسن، محمود عمار، عبدالرحيم دياب، إبراهيم مغيط، سيف ذبيان، حسين الحاج حسن، مصطفى وهبي، علي زيد المصري، خالد السيد، عباس مدلج، والأخيران أعدما لاحقاً. ونجم عن العملية الثانية أسر كمال مسلماني ومدين حسن وخالد صلح ورامي جمال وطانيوس مراد.

هنا بدأت حكاية ملف العسكريين باحتجاز جبهة النصرة 18 عسكرياً لبنانياً، وتنظيم داعش 11، وبدأت المفاوضات التي تولتها بعض الدول، كما بدأت معاناة أهالي العسكريين.

ماذا عن المفاوضات ولماذا تأخرت؟

شهدت قضية العسكريين معوقات عدة، فكان خط الوساطة للإفراج عنهم نشط محلياً وإقليمياً بين تدخل قطري ووفود زارت لبنان أكثر من مرة للتفاوض مع تنظيم داعش وجبهة النصرة لإطلاق سراح العسكريين. وعاش الأهالي خلال هذه الفترة على الوعود والآمال، إذ كانت الأخبار المتداولة بمطالب داعش والنصرة في تسليم مناطق كان قد سيطر عليها حزب الله والجيش السوري في القلمون، منها قريتا المعرة وفليطة السوريتان الحدوديتان مع لبنان. بالإضافة إلى إطلاق 5 نساء من السجون اللبنانية متهمات في عمليات إرهابية، وبين إطلاق معتلقين لدى النظام السوري.

تحكمت أكثر من عقدة بملف المفاوضات، سواء عبر محاولة أمير النصرة في القلمون أبو مالك التلي تجزئة ملف التبادل على مرحلتين أو أكثر، أو عبر وضع شروط تعجيزية مثل إطلاق عدد كبير من المعتقلين من السجون السورية، فضلاً عن شروط ميدانية تتعلق بمنطقة وجود النصرة في جرود القلمون.

إلا أن هذه المفاوضات باءت بالفشل مرات عدة، خصوصاً بعد انسحاب قطر وعدم فوز “هيئة العلماء” بتفويض رسمي من الحكومة، وظهور وسيطين بلا ثقل يتناسب مع القضية هما: الشيخ وسام المصري، ونائب رئيس بلدية عرسال أحمد الفليطي، اللذان اقتصرت جهودهما على الأقوال. كل ذلك أقلق الأهالي، نتيجة التهديدات المتواصلة التي كانت تنشرها النصرة من خلال فيديوهات تحت عناوين مختلفة، يظهر فيها الأسرى في حال سيئة، يناشدون الدولة اللبنانية الرضوخ للمطالب.

لم يسكت أهالي العسكريين طوال تلك الفترة، فأقاموا اعتصاماً مفتوحاً ونصبوا خيماً في ساحة رياض الصلح في وسط بيروت، وأقفلوا الطريق. رافق ذلك تحركات على شكل إقفال طرق وإحراق دواليب في منطقة رياض الصلح وفي شوارع القلمون الشمالية. وخلال هذه الفترة سمح بزيارة عدد من الأهالي لأبنائهم في جرود عرسال، بحضور أمير القلمون أبو مالك التلي، عاد بعدها الأهالي بخيبة كبيرة بعد كلام التلي عن توقف سير التفاوض، رامياً المسؤولية  الكبيرة على عاتق الدولة اللبنانية وعدم جديتها.

ماذا عن المخطوفين لدى داعش؟

من الواضح أن مخطوفي داعش لا يحتاجون إلى سياسة تكتم، لأنهم في واقع الحال يعيشون العتمة على أحوالهم منذ زمن بعيد، وتفرض الدولة الإسلامية على ملفهم طوقاً محكماً، فلا تفاوض ولا وسطاء .أهالي العسكريين المخطوفين لدى داعش يحاولون إخفاء غصّتهم وخوفهم على مصير أولادهم، الذين انقطعت أخبارهم منذ نحو سنة كاملة، حرصاً على عدم إفساد الأجواء الإيجابية التي سادت خلال اليومين الماضيين عن إنضاج صفقة التبادل مع جبهة النصرة.

وكان الشيخ وسام المصري، خلال المفاوضات، ذكر بعض مطالب الدولة الإسلامية للإفراج عن العسكريين المخطوفين لديها وهي: تأمين اللاجئين السوريين من خلال إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تمتد من وادي حميد إلى جرد طفيل إلى عرسال، تأمين معدات مستشفى طبي معاصر مع مستودع أدوية متكامل لمعلاجة الجرحى والمنكوبين، إخراج كل النساء المعتقلات بسبب الملف السوري. وقد أكد اللواء عباس ابراهيم اليوم في تصريح له الاستعداد للتفاوض مع تنظيم داعش لتحرير العسكريين “إذا وجد من نتفاوض معه”.

هذا ما تضمنته صفقة التبادل

تضمنت صفقة تبادل العسكريين المختطفين إفراج جبهة النصرة عن ناهي أبو قلفوني وريان سلامة وجورج خوري من المؤسسة العسكرية، أحمد عباس، ومحمد طالب، وجورج خزاقة، وبيار جعجع، وإيهاب الأطرش، وعباس مشيك، وسليمان الديراني، ولامع مزاحم، ورواد أبو درهمين، ووائل حمص، وماهر فياض، وميمون جابر وزياد عمر من عناصر قوى الأمن الداخلي. وفي المقابل جرى الإفراج عن 13 موقوفاً وموقوفة في السجون اللبنانية، بينهم خمس نساء هن: سجى الدليمي طليقة أبو بكر البغدادي، التي أُوقفت على أحد حواجز الشمال في نوفمبر 2014، وجمانة حميد التي قُبض عليها أثناء قيادتها سيارة مفخّخة بنحو 100 كيلوغرام من المتفجرات في فبراير 2014، وعلا العقيلي زوجة القيادي في داعش أنس جركس، الملقّب بـ”أبو علي الشيشاني”، والتي أُوقفت في ديسمبر 2014 في منطقة الشمال، وزوجة شقيق جركس ليلى عبد الكريم النجار، بالإضافة إلى سمر الهندي. كما أُفرج عن شابين لبنانيين وآخريْن فلسطينيين و4 سوريين لم تصدر في حقهم أي أحكام قضائية لبنانية.

وشملت بنود الاتفاقية شروطاً أساسية منها: فتح ممر إلزامي آمن بين مخيم اللاجئين وعرسال بشكل دائم، وهذا ما سيؤدي إلى تخفيف عملية الاحتقان بين اللاجئين والقوى الأمنية، تأمين إغاثة بشكل شهري للاجئين في عرسال من خلال الهيئات الإنسانية، إضافة إلى إجلاء الجرحى المدنيين وتسهيل دخولهم إلى مستشفيات عرسال، حيث سيتم الاطلاع على لائحة بأسماء الجرحى وتسوية أوضاعهم للمعالجة داخل الأراضي اللبنانية، وأخيراً تأمين المواد الطبية وتجهيز مستشفى عرسال، وجعل منطقة وادي حميد منطقة آمنة من خلال متابعة الأوضاع الانسانية والقانونية للاجئين.

أهالي العسكريين : “انتظرنا هذه اللحظة طويلاً”

الصورة رقم 2

لم تكن شقيقة الجندي جورج خوري تصدق أنها رأته بعد مرور سنة و4 أشهر على خطفه.  وقالت لرصيف22: “لم أكن لأصدق خبر التفاوض الجدي لإطلاق جورج إلا عند رؤيته حقاً أمامي”، مشيرةً إلى تجارب الماضي التي “كانت درساً قاسياً لنا بعدم الثقة المطلقة بأي معلومات، خصوصاً بعد المفاوضات الفاشلة التي تلاعبت بأعصابنا، فالشارع كاد يملّ حضورنا، لأننا لم نتركه طوال هذه المدة”.

أما أقارب الجندي بيار جعجع، فقد كانت الزغاريد خير دليل على فرحتهم وبديلاً كافياً عن الكلام. قالت إحدى قريباته: “دموع الحزن والفراق تحولت إلى دموع فرح بعد تداول خبر عودة جميع العسكريين، فقد عشنا أسوأ فترة بسبب إغفال الدولة اللبنانية هذا الملف، وعدم تحمل المسؤولية بشكل جدي”.

ولم يغب عن المناسبة السعيدة أهالي العسكريين الذين قتلوا على أيدي داعش، فجاءوا إلى ساحة الشهداء، برغم ألمهم الكبير، وأبوا إلا أن يتشاركوا هذه اللحظات مع أهالي العسكريين المحررين، لأنهم يعتبرون أن القضية واحدة والوجع واحد.

ردود فعل متباينة على الصفقة

الصورة رقم 3

وقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل منقسمة تجاه الصفقة، بين مؤيد ومعارض. فاعتبر البعض أن قبول الدولة اللبنانية بشروط “الإرهابيين” لإطلاق سراح المعتقلين من السجون اللبنانية هو ليس إلا رضوخ وتشجيع لعمليات الخطف. إلا أن الجانب الأكبر من الناشطين رحب بهذه الصفقة، كونها “الحل الوحيد أمام المتفاوضين”. وأطلقوا هاشتاغ على موقع Twitter #عسكرنا_حر، فكتبت سناء شاهين: ما تسأل كيف وليش، إذا إنسان قول الحمدلله ع سلامتهم، وافرح لفرحة أمهاتهم وعائلاتهم.

واعتبر البعض أن هذا الاتفاق هو الحل الأسلم بعد مرور 16 شهراً من المفاوضات الفاشلة، وقد تكون هذه الصفقة بادرة لإطلاق المختطفين لدى تنظيم داعش في الوقت القريب.

للمزيد:طليقة البغدادي حرة بعد صفقة تبادل أسرى “النصرة” والجيش اللبناني