الرئيسية / إضاءات / مجزرة باريس … والنفاق الأممي!
هجمات باريس
هجمات باريس

مجزرة باريس … والنفاق الأممي!

مازالت مجزرة باريس تتفاعل دولياً، بتغطية واسعة وضخمة من قبل وسائل الإعلام العالمية والعربية، تحليلات متلاحقة، وأخبار على مدار الساعة، مؤتمرات صحفية، تصريحات…

مما لا شك فيه أن هذه الجريمة النكراء التي قضى فيها أكثر من 130 مدني، هي فعلٌ مدان من كافة الشرائع السماوية والأرضية، وتعد جريمة بحق الإنسانية.

ولكن السؤال الذي يمكن أن يوجّه لوسائل الإعلام ولقادة الدول الكبرى منها والصغرى، هل دماء الباريسيين أغلى من دماء الأتراك، اللبنانيين، أو السوريين…؟؟

تفجيرات باريس

أنقرة، بيروت، دوما:

شهد الشهر الماضي مجازر متلاحقة في مختلف أنحاء العالم ولكنها لم تشهد هذا الزخم الإعلامي، والإدانات والتصريحات والمؤتمرات الصحفية التي نشهدها اليوم مع أحداث باريس، ففي العاصمة التركية أنقرة قضى في تفجير إرهابي استهدف تجمع لحزب كردي معارض أكثر من 100 شخص مدني، وفي بيروت وتحديداً في برج البراجنة قضى أيضاً من أهالي الضاحية الجنوبية أكثر من 100 مدنيا بتفجير إرهابي، وفي مدينة دوما بريف دمشق قتل ما يزيد عن 200 مدنيا في غارات جوية للطيران الروسي، كما كان هناك أحداث إرهابية أخرى في مختلف أنحاء العالم لم تتلق نفس الاهتمام كما حدث في إفريقيا قبل أيام.

غارات روما بريف دمشق
غارات روما بريف دمشق

الدم الباريسي!

ظهر النفاق الأممي إلى العلن مع هجمات باريس الإرهابية التي قام بها تنظيم داعش، لتظهر سياسة المكيالين في التعامل، وكأن الدم الباريسي الأوروبي أغلى من دماء باقي البشر في أنحاء المعمورة.

فمع اللحظات الأولى للتفجير هرعت وسائل الإعلام لتغطية الخبر، وهو أمر طبيعي ومطلوب، ولكن ما حدث من مبالغة في إلقاء التهم، وتقسيم البشر إلى صنفين (إرهابي وغير إرهابي)، أمر مثير للسخرية.

تفجيرات برج البراجنة
تفجيرات برج البراجنة

السياسيون:

التنديدات والتصريحات والمؤتمرات التي حدثت خلال الساعات القليلة الماضية وأطلقها بعض السياسيين الأجانب والعرب، كشفت حالة النفاق الكبير الذي يعشيه هؤلاء، ودليل حيّ على التفاوت في قيمة الحياة البشرية، فحياة اللبنانيين مثلاً الذين قضوا في برج البراجنة ببيروت لم ترقى لأن تكون على مستوى الحدث، وأرواح السوريين الذي قتلوا ويقتلون كل يوم لم تحرك مشاعرهم..

لتأتي ردود الفعل من أشخاص يفترض أنهم قادة المجتمع ومثقفيها، ولكن تصريحاتهم كانت أقل بكثير من مستوى الحدث، بعضهم يريد طرد العرب، وآخر يريد طرد المسلمين، وثالث يطالب بإيقاف اللجوء، ورابع يندد، وخامس يريد أن يقتل، وسادس وسابع وثامن وتاسع وعاشر يريد أن ينتقم…

ولكن تجدر الإشارة إلى أن بعض ردود فعل السياسيين كانت على مستوى الحدث، ولم تتصف بالمبالغة أو الغموض أو اغتنام الفرصة لتمرير أجندة، وربما التصريحات الألمانية أكبر مثال على ذلك.

تفجيرات أنقرة في تركيا
تفجيرات أنقرة في تركيا

حتى الفيس بوك؟

الدم الباريسي الغالي، تفوق على دماء الأتراك واللبنانيين والسوريين وغيرهم، إعلامياً، وسياسياً، وحتى فيس بوكياً.

فالأخير فعّل خدمة safety check مباشرة بعد الأحداث، كما فعل خدمة الصورة مع العلم الفرنسي، وهو الأمر الذي لم يفعله في أي حدث إرهابي آخر، لنعود إلى مقولة (الدم الباريسي هو الأغلى).

وغاب المنطق

الجنون الذي اجتاح وسائل التواصل الاجتماعي لم يقل خطورة عن سابقه (الإعلامي والسياسي)، فغياب المنطق، والجهل في الحضارات والأديان كان حاضراً بقوة، قضية الجواز السوري الذي قيل أنه وجد بالقرب من أحد أشلاء الانتحاريين استحوذت على التعليقات الأكبر، فيما كانت صورة أحد الأشخاص يحمل القرآن وتقول أنه أحد منفذي التفجيرات كانت أضخم مثال على الجهل، فهذه الصورة أوضحت الجهل الكبير والتسرع من جهة والنفاق واستغلال القضية من جهة أخرى، حيث اتضح لاحقاً أن الصورة لشخص كندي (من الديانة السيخية) تم تعديلها ببرنامج (الفوتو شوب) لتناسب الحملة الشرسة والغبية على الحضارات الإنسانية.

11

كلمة أخيرة:

في هذه المقالة المختصرة استعرضت غيض من فيض مما حدث بعد التفجيرات الباريسية من جنون إعلامي وسياسي وفيس بوكي، ولكن عليّ أن أشير أخيراً أن الجريمة الفرنسية في باريس، عمل مدان، وعمل إرهابي جبان، ولا يمكن قبوله أبداً، ولا يمكن قبول أي تبرير له مهما كان، ولكن أيضاً حرمة الروح البشرية يجب ألا تقتصر على الباريسيين، بل يجب أن تمتد إلى كافة البشر في أنحاء المعمورة، ويجب أن تعامل بنفس القيمة.

الرحمة للقتلى والشفاء للجرحى في سوريا ولبنان وتركيا وفرنسا وفي كافة أنحاء المعمورة.