الرئيسية / ثقافة ومعرفة / أم البنين..امرأة تركت بصمتها في تاريخ المغرب
تاريخ المغرب

أم البنين..امرأة تركت بصمتها في تاريخ المغرب

لم يقتصر دور المرأة من القدم على المهام التقليدية المتمثلة أساسا في تربية الأطفال والاهتمام بالبيت، حيث حاولت كسر الطابع النمطي للمرأة والبروز في مجالات عدة طبعت معها تاريخ المغرب .

تعد فاطمة الفهرية من أشهر النساء اللواتي تركن بصمتهن في تاريخ المغرب عموما وتاريخ مدينة فاس خصوصا، حيث اشتهرت بتشييدها لأول جامعة عرفها العالم، جامع القرويين.

تنحدر فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري، من سلالة فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان عقبة بن نافع الفهري القرشي، والتي نزحت وهي في سن صغيرة رفقة أهلها وسط أفواج العرب القادمين من مدينة القيروان إلى أقصى المغرب قبل أن تستقر في مدينة فاس.

نزوحها إلى المغرب

عرف المغرب خلال عهد المولى إدريس الثاني “الأصغر” نزوح عرب كل من تونس والأندلس باتجاه فاس التي لم تكن قد شيدت بعد، حيث أن تزايد أعداد المهاجرين الوافدين في تلك الرقعة من الأرض دفع بإدريس الثاني لتشييد فاس سنة 192ه، حيث جعلها عدوتين يفصل بينهما نهر “سبو”، سميت الأولى بالأندلس كناية على سكانها القادمين من بلاد الأندلس، والثانية “عدوة القرويين” التي خصصت لعرب تونس، حيث ضمت حينها قرابة 300 منزل.

جاءت فاطمة الفهرية رفقة والدها المدعو محمد بن عبد الله الفهري الذي اشتهر بثروته الطائلة، والذي لم يكن لديه سوى ابنتين هما مريم وفاطمة الفهرية التي ازدادت غنا بعد أن وورثت عن زوجها أخيه فيما بعد.

 بناء القرويين

ارتأت الأختان إلى استغلال الثروة الطائلة التي ورثتاها في التقرب أكثر من الله، حيث اختارتا بناء مسجدين يكونان صدقة جارية لهما بعد وفاتهما، فبنت مريم مسجد الأندلس في الفترة ذاتها التي شيد فيها مسجد القرويين على يد شقيقتها، والذي أصبح بعدها أول جامعة في العالم و منارة فكرية مميزة.

ولبناء الجامع، قررت أم البنين تخصيص ثروتها بالكامل لهذا الغرض، حيث ضاعفت حجم الجامع الذي كان يعرف حينها بـ “جامع الشرفاء” وتعيد بنائه مستعينة بالتراب والرمل المستخرج من حقل محيط بالجماع لبناء هذا الأخير.

اختارت فاطمة الفهرية شراء الحقل من أحد أفراد قبيلة “هوارة” التي كانت معروفة حينها بالمنطقة، عاقدة العزم على ألا تأخذ تراباً أو مواد بناء من غير الأرض التي اشترتها بحر مالها، ليستخرج منها الرمل الأصفر الجيّد والحجر الكذّان والجصّ الذي استعمل في بناء الجامع.

ولعل قرار الفهرية استعمال المواد المستخرجة من أرضها فقط، جاء بغية إبعاد كل شبهة قد تشوب بناء مشروعها الذي ظل خالدا إلى يومنا هذا.

إلى ذلك، التزمت أم البنين بالصوم طيلة مدة البناء، حيث قررت أن تنذر ألا تفطر يوما إلى أن تنتهي أعمال البناء في الجامع الشهير الذي تم سنة 245هـ.

دور الجامع

ولعب جامع القرويين دورا هاما ومحوريا في تاريخ المغرب ، حيث كانت ابرز القرارات السياسية التي همت البيعة والحرب والسلم تخرج عادة بتوقيعات علماء القرويين، كما أن أوقاف القرويين كانت تكفي لمساعدة المغرب في ظل الأزمات الاقتصادية التي عرفها في تلك الفترات.

وبفضل جامع “فاطمة الفهرية”، تحولت فاس إلى قبلة علمية تستقطب آلافا من طالبي العلم، وتنافس المراكز العلمية التي كانت مشهورة حينها كقرطبة وبغداد.

ولعل مبادرة فاطمة الفهرية العظيمة، ظلت خالدة في عدد من الكتب، حيث قال عنها بن خلدون في مقدمته “فكأنما نبهت عزائم الملوك من بعدها”، في وقت تحولت فيه إلى مشيدة جامع القرويين، أول معهد ديني وأكبر كلية عربية في بلاد المغرب الأقصى.

إقر أ أيضا:مساجد لها تاريخ… جامع القرويين بفاس