الرئيسية / ثقافة ومعرفة / “القذائف الحضارية” فوق الشرق الأوسط
1916831_1160356787310702_5275402838234539197_n

“القذائف الحضارية” فوق الشرق الأوسط

المقدمة

راج مصطلح “النهايات” في الفكر العالمي منذ أن بدأت البشرية تتقدّم نحو الألفيّة الثالثة وراح القرن الحادي والعشرون يتّخذ تسمية قرن الدين. وصار من المتيسّـر قراءة الكثير من المؤلفات الواسعة الإنتشار[1] والأبحاث والأدبيات التي تقول بـ”نهاية التاريخ” وإنهيار الإيديولوجيات والأفكار اليسارية وزوال القوميات مقابل يقظة الأديان والمذاهب الدينية أو صحوتها، وخصوصًا في البلدان العربيّة التي سبق لها أن استلهمت روح الفكر القومي من الغرب واعتنقته بفجاجته، إن لم نقل إستوردته، وهي لم تكن قد إنخرطت بعد أو حتّى خبرت الثورات الصناعية والتقنية ومفاعيلها الحضارية. ومع حلول عصر العولمة والإنفتاح الشامل، طغى الفكر القائل بتراجع أو إنتفاء سيادة الدول بمعناها التقليدي إلى حدود المغالاة المبشّرة بـ “نهاية العالم” وسقوط الحدود والدول وحتّى الإنسان بانتماءاته الضيّقة الإيديولوجية أو الدينية. كان من الطبيعي أن يكون لهذا المناخ الفكري والعملي القوي والمتعدّد المعاني والصيغ والتسميات والوقع تأثيراته الكبرى على التوجّهات الفكرية والسياسية في العالم كما في البلدان العربية والإسلامية. وهنا مفارقتان:
– المفارقة الأولى التي فرضها مناخ النهايات ومشتقّاته، شيوعه وحصوله والمغالاة فيه إلى حدود إنهيار الكثير من بلدان الشرق الأوسط والمجتمعات والأنظمة المرتكزة إلى الأحزاب القومية والإسلام، في ثقافاتها ودساتيرها، ليس على المستوى النظري والتحليلي وحسب، وإنّما بصفتها مجتمعات بارزة في معضلات من الإختلاط المعقّد بين السلطات الدينية والعقلية والأسطورية. وقد دفعت تلك المعضلات إلى اختلاط من نوعٍ آخر أكثر خطورة هو شيوع ثقافة تبرير الفشل المزمن والإخفاق، لا بل تقبّل الإنهيارات بإعادة إطلاق فكرة المؤآمرة والإستنتاجات القطعية الكثيرة التي أسقطت حاجات الشعوب العربية وصدقيتها المزمنة في التغيير والتبديل والتي أفرزت بعض مظاهرها وقائع “ثورات الربيع العربي” وأحداثها ونتائجها الكارثية على العرب والمسلمين. وعلى الرغم من التشظّيات الداخلية الفظيعة السياسية والمذهبية، سرعان ما تمّ رسم هذه الرغبات والحركات في مجرى الخط الدموي الممتدّ من العراق إلى تونس فمصر وليبيا وسوريا ولبنان واليمن وغيرها الزاخر “بالوحوش أصحاب الخدود الحمراء”[2] وكأنّها مستجدّات دبّرت في الخارج لتنمو وتأخذ مداها المتوسّع تحت عنوان ما عرف بالفوضى الخلاّقة التي أفرغت من معانيها لكثرة إستعمالاتها.
– المفارقة الثانية أنّ هذا التفكير لا الفكر المسكون بالمؤامرات والمخطّطات، قد يستمدّ دعائمه أو تبريره وشعبيته، من مقولات لا تنتهي في مفاعيلها ترتبط بالعلاقات التاريخية المعقّدة والمزمنة بين الغرب والعرب والمسلمين وبينهما نكبة “إسرائيل” والتحوّلات الغامضة التي أحدثتها إطلاق فكرة “الدولة اليهودية،” لتبلغ ذروتها لدى بعض السياسيين وفي طليعتهم، مثلًا، رونالد ريغن الرئيس الأميركي الأسبق للدولة العظمى عندما قال “بأنّ نهاية العالم المحكوم بالشيطان قادمة حتمًا”[3]. أو قوله مخاطبًا جماعةً من اليهود:”حينما أتطلّع إلى نبوءاتكم القديمة في العهد القديم أجد نفسي متسائلًا عمّا إذا كنّا نحن مَن سيرى نهاية العالم واقعًا فعلًا”. إنها قطعًا نهاية تنطبق على زماننا الحاضر[4] والأمثلة متعدّدة في هذا المجال. وهنا تشتدّ وطأة هذه المفارقة الثانية ليس على مستوى المضامين الهائلة المغمّسة بـ”النهايات” التي يستخدمها أهل السلطة غالبًا لأغراضٍ ضغوطات آنية مصلحيّة، بل على مستويات إنبعاثها في حبر بعض الغرب وأدبياته، مع أنّنا كنا نتصوّر بأنّ الفكر قد هاجر نهائيًّا في الغرب من الدين إلى الإنسان، وما عاد يألف مثل هذه التفسيرات التي تحمل التنبؤآت أكثر ممّا تحمل من الوقائع والتحليلات المقبولة.
وظهرت الكتابة العربيّة كما النضال المرتبك مسائل ومحاولات ممكنة وضرورية وقد تستمرّ في التاريخ، لكنها بدت غير جديرة بالتغيير أو بالفعل بل بردود الفعل المتناقضة على إيقاعات أحداث “ثورات الربيع العربي”. وهنا برزت الفروقات بين الدول المرشّحة للتغيير وكأنّها كائنات سياسية لا تموت. وبانت الشعوب وكأنّها مجتمعات أخلاقية، مع أنّها وجدت كشعوب قبل أن توجد الدول والأنظمة، إلاّ أنّها بقيت أسيرة تلك الدول وغيرها من الدول البعيدة، وحافلة بالمعتقدات والتباينات حول المقدس والخير والشر ونسق القيم والأعراف، ونجدها ظاهرة في ردود فعل تجمع القبائل والعائلات والدين والتركيبات الطبقية والطائفية المتكلّسة والعادات اليومية وأساليب الحياة المختلفة. بدا الصراع والتشظيات والحروب والثورات العربية مظاهر ممكنة أيضًا وقد تستقرّ قرونًا، إذا إقتضى الأمر، بصفتها الجديرة بالخرائب من جهة، ومفسحة المجال الواسع لإمتصاص الثروات والثورات من جهة مقابلة.
قد يمكن تفسير ذلك بأنّ “الثورات” قد آلت بالإجمال إلى شيوع التطرّف الذي أنتج جاذبيّة ملحوظة بالإسلام ليس على مستوى ردود فعل شرائح المسلمين في البلاد الإسلامية، بل على مستوى ردود فعل هؤلاء تجاه جاذبية العالمية التي راحت تخبو، بعدما بات ممكنًا إختراق الإسلام بالقيم والأفكار الغربية من ناحية، وبالسخط والتهديد اللذين راحا يقويان في بعض عواصم الغرب حيال المسلمين من ناحية ثانية. برز همّ البحث عن الذات الوطنية والقومية مجدّدًا محكومًا بمناخ النهايات غير المحسومة التي راحت تجدّد الأدبيات والأفكار البالية المتكرّرة بين العرب والمسلمين أو بين المسلمين أنفسهم بمذاهبهم ومدارسهم وإجتهاداتهم المتنوّعة المختلفة، وفي ضوء حظوتهم بكنوز السماء بمعنى الدين وكنوز الأرض بمعنى النفط والغاز. لكن الغرابة التاريخية أو معضلة الخروج ممّا نحن فيه.
وخصوصًا تلك الفصائل الإسلاميّة المقيمة في الماضي بتشدّدها وكأنّها جاهزة لخدمة الغرب في حروبه الخارجية المثمرة عبر حروبهم الداخلية الموكولة بتدمير بلادنا بإسم الدين، سواء كانت هذه الفصائل من نتاج الثقافة الإسلامية أو غربية رفضت الغرب أو تمّ تصديرها من خارج ودفعها نحو أرض العرب والمسلمين لتشغل فكر العالم تحت عنوان الإرهاب. وهنا سؤال أوّل:

1- لماذا النقزة من فكرة “النهايات”؟
لثلاثة أسباب من بين أسباب أخرى، أوّلها أنّ “النهايات” في تفسيراتها توصّل المجتمعات المتديّنة وغير المتديّنة مباشرةً بالحركات الألفية Millénarisme وأهوالها والتي لازمت محاولات التغيير في ما حقّقته الأديان أو ما سبقها ويستمرّ معها إذ تضع البشرية كلّها يدها على قلبها كلّما إقتربت الأزمنة من لحظة عبور المئة أو ألف سنة، وللمصادفة فإنّ اللحظات التي تقوى فيها الأصفار في ترتيب الأزمنة وتساوقها الرتيب، غالبًا ما تكون مصحوبة بالأزمات والصراعات والحروب[5].
السبب الثاني وهو الأهمّ، هو أنّ مصطلح “النهايات” عرف الضوء ربّما كنوعٍ من الإقرار بفشل الفكر الفلسفي في حل المعضلات والأسـرار وإيجاد أجوبة مقنعة على الأسئلة الفلسفية الصعبة، ولكن هذا الجزء المظلم والحزين من الكلمة وجد ضالته، بل كان مرتبطًا منذ الأساس الطبيعي بتعاليم الأديان كلّها، إذ تعني “نهاية التاريخ” انتظار الخلاص الوشيك الذي يعمّ الأرض، وإستعادة الفلسفة الرواقية بتجليّاتها السلبية التي قالت بأن العالم ينتهي “بنار تلتهمه”، وما يتبقّى من التاريخ لا يتجاوز تدوين ما كان حاضرًا أو متبقيًّا بعد طي صفحاته. وهذا ما نجده عند الهنود حيث سيظهر”سيفًا” مطهّرًا العالم من أدرانه عبر”السنوات الكبرى”. ونجده في فكرة “المخلص” في إيران و”ميترا” منظّم الكون ومنقذه الذي ليس هو سوى “الافشتا الإيرانية” القديمة الذي يعود يومًا فيضرم نارًا تلتهم الكون. ونجده أيضًا مع بوذا “مخلص العالم”، إذ يتّخذ سحنة البشر عندما يعمّ الجور، وللمصطلح جذوره الفكرية الضاربة في العهد القديم حيث الاعتقاد بمجيء المسيح المخلّص المنتظر عند اليهود في التوارة أو عودته في آخر الأزمنة بعد قيامته لدى المسيحيين. ومثله ظهور الإمام المهدي المنتظر قائم القيامة عند الشيعة الذين يعتقدون بأنّه سيعود إلى العالم ليملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت جورًا، ومثله أيضًا “ماني” الذي ادّعى أنّه المسيح الثاني الحامل لـ”ديانة الخلاص”[6].
أمّا السبب الثالث، فربّما يكمن في أنّ السياسة والإستراتيجيات الدولية التي حملتها “فلسفة” العولمة ومشتقاتها ووسائلها الإتصالية المتفجّرة على مستوى الكرة الأرضية، جاءت مغرية وليّنة وغير مفروضة لتجذب شعوب الأرض وتقودها منصاعةً بشكلٍ ناعمٍ نحو حتميّة التغيير. إنّها ظاهرة ثقافية إنسانية هائلة، دخلت من الباب الحضاري التواصلي الكبير الذي تزاحمت عبره أنساق القيم الجديدة التي جاءت تؤسّس لفكرة القطبية السياسية الوحيدة وتعميم كلّ ما له علاقة بحقوق الإنسان والديمقراطية والحريات والعدالة ونسف الأفكار الشمولية مهما كانت جذورها ضاربةً في الأعماق. وبإختصار، بدت الديمقراطية الحرّة الإيديولوجيا المنافسة والقوية الوحيدة في الساحة العالمية بوجه الفكر والأنظمة الشمولية.
قد تكون فكرة النهايات، ومهما كان وقعها على الشعوب الطريّة، مسائل مألوفة ربّما حسمتها بل رسّختها العقائد الدينية والإيمان بها، لكن وقعها على المستوى التاريخي للشعوب والأوطان بقيت قضايا حملت وتحمل الخوف الكبير من التحوّلات الكبرى التي قد تصل إلى حدود الفناء أو الإفناء. لا يمكن لها أن تشكّل قطيعة نهائية مع الماضي، بل على العكس جاءت تفرض ردود فعل التشبّث بالماضي بعد نبشه وغسله وإستعماله أداة تحديث وتحدٍّ مع الإستمرار في توليفات صعبة بين الماضي والمعاصرة والتجديد والحداثة. فبعدما جرّب العرب شعارات مكافحة الإستعمار والإستقلال الوطني وأفكاره، ثم فتنوا بفكرة عدم الإنحياز والحياد الإيجابي أثناء الحرب الباردة والوحدة العربية ومعظم الأفكار القومية التي جرى توطين بعضها، سقطت أو راحت تسقط الشعارات والأحزاب والأفكار والإيديولوجيات التي كانت تقدّم نفسها ركائز راسخة للنهوض العربي في العديد من الأوطان العربيّة.
وقد يكون هذا الأمر طبيعيًا لأنّ تحويل الصراع إلى حقول القيم المقدّسة والأحقيات الدينية، بدأ أكثر مرارة من الصراعات حول الممتلكات والآثارات والثروات العربيّة. وبدأ المؤمن يغضب ويقاتل، إذ تنتهك حرمات مقدّساته أكثر من الوطني الآخر، عندما تهان كرامته الوطنية أو يتمّ الإعتداء على دولته لا أن تدمّر معالمها. وهنا سؤال ثانٍ:

2- هل حقًّا نحن في قرن الدين؟
يمكننا، في هذا المجال، الإشارة إلى كلمة جابت الكرة الأرضية ومازالت تنقل عن أندريه مارلو (1901-1976) الوزير الأسبق للثقافة في فرنسا الذي عنون للقرن الحادي والعشرين الحالي قبل نصف قرنٍ من الوصول إليه (وتحديدًا في العام 1955)، بأنّه “سيكون قرن الأديان والصراعات الدينية وأقصد بالأديان (حسب قوله هو) بصفتها أقنعة سياسية لحروب مصالح الدول المتشبثة بمصالحها في المناطق المستحوذة عليها. وسيستخدم الغرب الترسانة الأيديولوجية كأمضى سلاح بين يديه لاحقًا بهدف التدمير والتغيير، خصوصًا في الدول الإسلامية، الفقيرة منها والغنية، وكل بلد بحسب ظروفه أو تناقضاته السوسيولوجية وتكويناته الدينية والإتنية”[7].
كان لابدّ من التدقيق العلمي في هذه الكلمة القويّة الشهيرة التي لم يثبتها هذا المفكّر الفرنسي الملحد “مارلو” في مقابلة معه في مجلّة “لوبوان” الفرنسية، حيث أنكر ما نقل عنه لكن مصوّبًا لا مصحّحًا إذ قال: “لقد نقل عن لساني بأنّ القرن الحادي والعشرين سيكون قرن الأديان. أنا لم أقل هذا قطعًا لأنني لا أعرف ذلك، لكنّني لا أستبعد إمكان حدوث يقظة روحيّة لا على مستوى البلاد الإسلامية وحسب، بل على مستوى الكرة الأرضية”[8].
قد يكون الفكر الديني عائقًا في وجه الديموقراطية ولا يولّد إجتماعات حرّة، خصوصًا عندما يكون التاريخ السياسي لهذا الدين حافلًا بتنافر المذاهب وإختلافاتها، وهو ما ينطبق على الديانات التوحيدية وخصوصًا اليهودية حيث السعي إلى السيطرة على الحياة الإنسانية الخاصة والعامة مع أنّ الناس المؤمنين لا يتساوون إلاّ عند إصطفافهم في المعابد حيث يتقدّس المكان إلى حدٍّ كبير، بالمعنى النظري لا الواقعي. وهنا يمكن التمييز الجذري بين عالمين:
عالم الغرب “المسيحي” الذي لا يتمثّل المسيحيون به دينيًا في الشرق، بل يتمثّل معظم هؤلاء به في كلّ ما أفرزه الخروج من الدين، فيبدون لا غربيين ولا شرقيين.
أمّا العالم الثاني “الاسلامي” فقائم منسجم بـ”أهدنا الصراط المستقيم إيّاك نعبد وإيّاك نستعين”. ويعني التلفّظ بها بطلان كنوز الأرض، وهذا ما يفضح نوايا الدول وسلوك الأنظمة والفصائل “المعاصرة” التي تتجاوز بكثير المضامين. يعتبر فوكوياما، في هذا المجال أنّ” اليهودية والإسلام ملائمان للديمقراطية … والإسلام لا يقلّ عن المسيحية في إقامته لمبدأ المساواة الإنسانية العامة، ولكن من الصعب تكيّفه مع المذهب الليبرالي الذي يسمح بالحقوق العالمية وفي رأسها حرية الفكر والديانة فتركيا نفّضت عن نفسها إرثها الإسلامي وها هي تعود إليه بعد إصلاحات كمال أتاتورك مؤسّس الدولة التركية الحديثة ومثلها الحركات القومية في مصر وسوريا ولبنان والعراق”[9].
سواء كان مارلو، بجملته هذه، قد عنون للقرن الحادي والعشرين بالصراع الديني ومخاطره أم لا، إلاّ أنّ جملته تلك ظهرت وقائع ماثلة في ديار العرب والمسلمين ودول أخرى من العالم، كما في أذهان النخب وخصوصًا العربيّة منها. ووجدت أصداءها العمليّة والدينية والثقافية والسياسية والإجتماعية والعلمية وحتّى التجارية في نصوصهم لتتّخذ دمغتها القصوى المستعادة وأهميّتها بعد صدور كتاب “صراع الحضارات” لصموئيل هنتغتون في العام 1993.
أثار هنتغتون جدلًا كبيرًا في أوساط منظري السياسة الدولية بكتابته مقالة بعنوان “صراع الحضارات” في مجلة الحضارات” فورين آفيرز، وهي جاءت ردًا مباشرًا على أطروحة تلميذه فرانسيس فوكوياما المعنونة بـ”نهاية التاريخ والإنسان الأخير” الذي جادل فيها أنّه وبنهاية الحرب الباردة، ستكون الديمقراطية الليبرالية الشكل الغالب على الأنظمة حول العالم، لكنّ هنتغتون من جانبه اعتبرها نظرة قاصرة، وجادل بأنّ صراعات ما بعد الحرب الباردة لن تكون بين الدول القومية وإختلافاتها السياسية والإقتصادية، بل ستكون الاختلافات الثقافية المحرك الرئيسي للنزاعات بين البشر في السنين القادمة، وهي ستكون دينية وثقافية بين الحضارات الكبرى في العالم التي عدّدها بكونها غربيّة كاثوليكية بروتستانية وأميركية لاتينية ويابانية وصينية وهندية وإسلامية وأرثوذكسية وأفريقية وبوذية. وركّز هنتغتون على الإسلام معتبرًا أنّ حدوده ومناطقه الداخلية دموية. واستغرق في صراعات المسلمين مع الأديان الأخرى مقدّمًا أمثلة الصراع في السودان بين جنوبه وشماله، وبين الهند وباكستان والصراعات داخل الهند نفسها بين المسلمين والهندوس. وتساءل هنتغتون ما إذا كانت الهند ستبقى دولة ديمقراطية علمانية أوتتحول إلى دولة هندوسية على صعيد سياسي. ورفع الأغطية عن مشاكل الهجرة الإسلامية في أوروبا وتنامي العنصرية في ألمانيا وإيطاليا ضد المهاجرين من شمال أفريقيا وتركيا، ومشاكل المسلمين التركمان في الصين، وصراعات المسلمين الآزيريين مع الأرمن، وصراعات المسلمين في آسيا الوسطى مع الروس، وصراعات المسلمين الأتراك في بلغاريا وغيرها من الصراعات، لكنه حدّد الصراع بأنه واقع حتمًا بين “العالم المسيحي” بقيمه العلمانية من جهة، و”العالم الإسلامي” بقيمه الدينيّة[10].
كان من الطبيعي، إذن، أن يتّجه الفكر الإسلامي في ردود فعله وفق محاور أو مواقف ثلاثية التوجه:
أوّلًا، إعتبار هذا الصراع الديني قائمًا أصلًا ويمكن إحياؤه، بعد مئوية من تقاطر القيم الغربيّة إلى الشرق الأوسط وهطولها كما الأمطار، وهو صراع في طور التحقّق وغير ممكن التحكّم بسلبياته أو إيجابياته في عصر الإتّصال، إذ ربطت معظم الأحداث الكبرى التي حصلت في الشرق الأوسط به أي بالغرب مثل سقوط الشاه رضا بهلوي وعودة الإمام الخميني من فرنسا بالثورة الإسلامية إلى طهران فالعالم (1/2/1979) الذي أيقظ الصراع بين السنة والشيعة ثمّ إجتياح أفغانستان من الروس(27/12/1979) الذي أيقظ حماسة المسلمين وإنخراطهم في القتال، وكذلك نشوب الحرب الإيرانية العراقية(22/9/1980) التي دامت عقدًا كاملًا، أوغزو صدّام حسين للكويت (8/2/1990) ثمّ عاصفة الصحراء (16/1/1991)، وصولًا إلى ربطها كلّها بالحدث الأضخم الذي هزّ العالم أعني سقوط البرجين(11/9/٢٠٠١) وما تلاه من أحداث جاءت بموجب القرار الدولي 1337 القاضي بمكافحة الإرهاب عنوان القرن. وما أن تقول الإرهاب بعد ذلك، حتّى يدرك السامع بأنّ المقصود هو المسلمون والإسلام أيضًا. يمكن فهم هذا الإحياء، في ضوء وعينا الموضوعي لمدى الجروح التي أصابت المجتمعات الإسلامية سواء في إلتآمها التقليدي أو في مجاراتها للغرب بقيمه لا بإستيراد تقنياته وحسب، وهو يختصر تاريخًا طويلاً من العبث العسكري السياسي والإقتصادي المزمن بها.
وثانيًا، إعتبار هذا الصراع مبعث توجّس ورعب بعدما نظر الغرب إلى المسلمين بعين حمراء عقب كارثة البرجين، وبسبب ما سيخلّفه هذا المناخ من كوارث ودماء في بلاد الشرق الأوسط بشكلٍ ضاعف القول المقبول والمنشور أحيانًا بالمؤامرة. الغريب في هذا التوجّه الثاني، أنّ النظرة القومية إلى هذه الصراعات الدينية والمذهبية لم تأخذ في إعتبارها مسؤولية القسط الأكبر عمّا يمكن أن تولّده تلك الأحداث وما سيليها من تداعيات لم تكن في الحسبان.
وقد يكون الإعتبار الثالث الليبرالي المستغرب الأكثر دقّةً والأدنى وعيًا في النظر إلى هذه الصراعات ذوات الصبغة الدينية والمذهبية بكونها ستشكّل أملًا كبيرًا وسجّادةً حمراء ترفع الأغطية الكثيرة عن الأنظمة الراتعة في إستبداديتها، لتعيد تشكيل المنطقة وفق مناخ أو نظام عالمي جديد في عصر الإنفتاح والتواصل وخرق الحجب السميكة وذلك كلّه عبر الإنقلابات والحراك الحزبي والشعبي.

3- السجّادة الحمراء نحو التغيير:
لا يمكننا الجزم بمدى إدراك العرب والمسلمين الكامل لمعاني إيقاظ الصراعات الدينية والمذهبية وأبعادها الذي حلّ عاملًا هائلًا مساعدًا في دفع التغيير. يبدون وكأنّهم أغفلوا عاملًا إستراتيجيًا وأساسيًا كان يقوم في إستراتيجيات الغرب وفي رأسه الولايات المتحدة الأميركية، يهدف إلى خلخلة الأنظمة الشمولية ومحاولة نسفها، ليس في رقعة العرب والمسلمين، بل في العالم. وهنا يجب الإعتراف بأنّ الأزمات التي حلّت بالعديد من الأنظمة الإستبدادية لم تحصل منذ سقوط جدار برلين (9/10/1989) كما يشاع، على الرغم من أنّ هذا العام الشهير شكّل محطّة بدايات السقوط النهائي للفكر اليساري بعد مرور مئوية ونصف تقريبًا على البيان الشيوعي الأوّل. وشاءت الظروف أن يقع في العام عينه، العيد المئوي الثاني للثورة الفرنسية. في ذلك العام، قامت روسيا بإنتخاب نوّابها ورئيسها، وتبعتها بعد عام إنتخابات أخرى في جميع الجمهوريات الـ15 الإشتراكيّة، ليصل فيلق التغيير إلى الصين التي عمّتها مظاهرات المطالبين بإقامة نظام ديموقراطي.
وبالعودة إلى الوراء، يمكننا أن نخطو بهدوء ربع قرنٍ لنذكّر بإنهيار العديد من الحكومات والأنظمة المستبدة في جنوبي أوروبا وأميركا اللاتينية وشرقي آسيا وأفريقيا.
لنأخذ أوروبا أوّلًا، فنتذكّر في العام 1974، سقوط حكومة “كايتانو” بإنقلاب عسكري في البرتغال الذي دخل إلى المناخ الديمقراطي مع إنتخاب عالم الإجتماع “ماريو سواريز” رئيسًا للوزراء في 1976، وسقط حكم الجنرالات الذين قبضوا على اليونان بين عامي 1967 و1974 تاريخ الإنتخاب الشعبي لحكومة “كارامنليس”، وفي العام 1975 توفي الجنرال “فرانسيسكو فرانكو” في إسبانيا فاتحًا الطريق نحو الديموقراطية في 1977، وفي العام 1983 سقط الإرهاب العسكري الذي تحكّم بتركيا خلال ثلاث سنوات لتأخذ البلاد طريقها نحو الإنتخابات الحرّة وتعدديّة الأحزاب. وبالإنتقال إلى أميركا اللاتينية، شهدنا في عقدٍ ونصف الكثير من التحولات من الأنظمة الإستبدادية إلى التجربة الديموقراطية حيث عادت في 1980 الحكومة الديموقراطية في البيرو بعد اثنتي عشرة سنة من الحكم العسكري. وساهمت حرب الفوكلاند في 1982 في إسقاط حكم الجيش في الأرجنتين وقيام حكومة الرئيس “الفونسين” الذي إنتخب من الشعب، ومثلها سقطت الحكومات العسكرية في الأورجواي في1983 والبرازيل في1984، وباراغواي وتشيلي ونيكاراغوا وبيرو وكولومبيا. ومع بداية التسعينيات لم يبق سوى كوبا التي لا تسير وفق نظام الإنتخابات الحرّة. ونجد التحوّلات عينها في شرقي آسيا حيث سقطت ديكتاتورية “ماركوس” في الفيليبين في 1986 لمصلحة “كورازون آكينو” المستمدّة من الشعب، وتخلّى الجنرال “شون” عن السلطة في كوريا الجنوبية قبل إنتخاب “رو تاي وو” رئيسًا، وبعد رحيل “شيانغ شنغ كو”، في العام 1988 في تايوان، راجت الأفكار الديمقراطية السريّة التي أوصلت إلى البرلمان الأهلي، وكان من تداعيات ذلك، إسقاط الحكومة الإستبدادية في بورما عبر الحركات الديمقراطيّة. أمّا في أفريقيا فقد أعلنت حكومة جنوب أفريقيا، في بداية العام 1990 إطلاق سراح “نيلسون مانديلاّ” والإعتراف بالكونغرس الأفريقي الأهلي[11] .
نمت تلك التجارب الديمقراطية وتحصّنت بشعوبها بسبب الخبرات السابقة القاسية التي راكمتها تلك الشعوب عبر ممارسات الأنظمة الإستبدادية من ناحية وتقاليدها الدينية، بشكلٍ عام، من ناحية أخرى. ولهذا يمكننا إعتبار تلك التجارب السجادة الحمراء الواسعة التي أسّست لثقافة كونية شاعت، وهي مستندة بشكلٍ ملحوظ وفعّال، إلى وسائل الإعلام والإتصال والتواصل الإجتماعي، ويمكن إختصارها بأنّ إعتقادًا خاطئًا سقط أو هو يسقط تدريجيًّا، لكون عقول أهل السلطة المسكونة بالقدرة على الحكم بالقوّة إنتهى، وهو ما يمكن أن يلصق بالحكّام المستبدّين فقط، “هؤلاء المرضى الذين يحكموننا” وهو عنوان لكاتب فرنسي[12]. وغالبًا ما تترسّخ سلطات هؤلاء بفعل الأقارب والمستشارين والأتباع ورجال الأعمال والسياسة والمحاسيب المسترخين والمرسّخين لفكرة شرعية سلطات زعمائهم، مع أنّ الواقع قد يفاجيء أحيانًا فيفرز عكس ذلك، فتصيبهم الدهشة والمفاجأة عند حراك التغيير وهم في غمرة نشوتهم في سلطات الحكم وأسرّته. غالبًا ما تأتي النتائج كارثية دموية بسبب التشبّث بمرضهم، وخصوصًا أولئك الحكّام الذين يعملون لإكتساب قدرٍ بسيط من الشرعية الديمقراطية عن طريق اللجوء إلى الإنتخابات المخطوفة تحت وهج الدماء والضحايا، وبدافعٍ من التحدّي أو إظهار التنازلات لقوى التغيير، لكنّ غالبيتهم تقع ضحايا الإخفاق في توليف تركيبة جديدة شرعيّة لسلطاتهم الدائمة أو للحفاظ المؤقّت عليها.
يمكن القول، أنّ مناخات التعارض بين فلسفة القوة وصيغ الإستبداد قويت إلى حدّ كبير، مع أنّها لم تسقط الكثير من الأنظمة والأحزاب الديكتاتورية المعاصرة التي ما عادت تحظى بتأييد قطاعات الشعب. وكان من الطبيعي أن تلفح تلك المناخات العامّة المنطقة العربية والإسلامية التي أفرزت “ثورات الربيع العربي” التي تمّ إجهاضها لرفض شعبي متأصل للغرب وأميركا تحديدًا ولبروز الدين والمذاهب، ممّا يجعلنا لا في قرن الصراعات الدينية وحسب، بل في مذابح الصراع المذهبي ومحارقه وفنونه في القتل والإلغاء، وبما يعيدنا إلى أدبيات العهد القديم وأساطيره الحافلة لا بتشويه صور الأديان بل بتشويه صورة منبعها الأصلي.
لست منغمسًا في التركيز على مجموعة من مشاريع المتغيّرات والتحوّلات الكبرى التي تسكن عقول الطبقات الخارقة الدوليّة التي تحلم بحكم البشريّة وقيادتها أو دفعها بعد تحلّلها نحو ما يتجاوز الفوضى، وذلك بهدف تبيان إشكاليات الإعياء في الحكم الذي وصلنا إليه والذي قد يذهب نحو ما يتجاوز الحروب والصراعات في وقائعها وأحداثها الضخمة.
فما هو موقع المسيحية والإسلام بعد في ذهن هذا الغرب؟ ومن يستطع تحديد الغرب والشرق وكيف ستتمّ، إذًا، صيانة أو تنقية المذاهب والهويات وملامح المستقبل المحكومة بالغموض والإجتهادات والخلافات؟ وكيف نعبر فوق هذه المتراكمات وعبرها نحو تخليص التشابك في ما بين الأديان الدسمة مثل اليهودية والإسلام والأديان الفاقدة الدسم كالمسيحية والقوميات المتراجعة؟ وأين هي دروب الغرب والعرب و”إسرائيل” في ما يحصل من متغيّرات؟ أسئلة مشروعة تحتاج لأطروحات، وقد يكون من المبكر الخوض أو التنبؤ بأجوبتها، لكنّ معضلة تجديد القراءة في العروبة والإسلام تبدو ماثلة مجددًا في النظرة العربيّة إلى الأمام.

4- معضلة التجديد في العروبة والإسلام
يمكن الإقرار بمسلّمة، هي أنّ الإسلام قد حمى العرب وخلّصهم من براثن الجاهلية وتقاليدها، لكنّ العروبة أصيلة أو مستوردة أو مختلطة، ناهضت المسلمين وسايرتهم عبر محاولات تخليصها من حكم المسلمين. وهذه العروبة “المنقرضة” أو “المستحيلة” اليوم، باتت غير قادرة، في رأينا، على المساهمة في حماية نفسها أو حماية المسلمين. هل تساعد هذه التوصيفات على القراءة المتجدّدة في العروبة والإسلام؟
سأحاول القراءة، لكنّني أكاد أجزم بأنّ النصوص الدينية والإسلامية تحديدًا هي هي، لم ولن تتغيّر مهما تقاتل العرب والمسلمون ودمّروا فيها بلادهم وحضاراتهم، ومهما مطّت تركيا أو إيران أو الدول الإسلامية الأخرى الأعناق ومن خلفها أو أمامها العالم كلّه للبحث عن”إسلام معتدل” أو “إسلام غير معتدل” أو البحث في تحديث النصوصٍ الدينية أو تعديلها بهدف عصرنتها أو لملمة ” فكر التنوير” وغيرها من المسمّيات الرائجة. الإسلام شيء والمسلمون يبدون أشياء آخرى. إنّهم وكأنهم رقع من البشر “بازيليين” من Puzzle أي فرق وفصائل كثيرة التنوّع والألوان والإجتهادات، صعبة التركيب والجمع وسهلة الإقتتال والتفتيت والتفرقة، وخصوصًا في زمنٍ سهلت فيه الفضائيات إجتهادات الفقهاء والعلماء الكثر وإستسهالهم في تفسير الدين والمواقف والتحليل والتحريم. يصيب دينهم ما أصاب معتنقي الأديان الأخرى من تجارب مريرة وتشظّيات عبر التاريخ، وخصوصًا المسيحيين الذين أخرجوا الدّين بحروبهم وتشظّياتهم في الغرب خروجًا نهائيًا أو نصفيًّا أو غامضًا أو هم لم يخرجوا نهائيًا بعد كونهم عادوا محكومين بالسلطات وأطماعها.
لقد أورثت الثورات الدينية وصراع السلطات والأنظمة في الغرب بمختلف معانيها دماء يصعب كيلها، سفكت ولم تبلغ اليباس النهائي بالرغم من مرور قرن كاملٍ. ما يتغيّر في بلادنا، إذًا، هم المسلمون لا الإسلام إذ ينبشون أو يدفعون دفعًا إلى النبش في تواريخهم الغنيّة وصراعاتهم المذهبية القديمة والكثيرة في النصوص والنفوس في الوقت الذي ينبش فيه العالم كلّه عمّا في أرضهم[13].
فاللسان الذي بدأ متدثرًا أو متعثّرًا في القراءة والإفصاح، ألحّ في أن يزملوه أي يغطّوه كي تنبثق الكلمات في العتمة والهدأة ثم تنتشر في الذاكرات وفوق الألسنة والنصوص غير المنقّطة أو المحرّكة لاحقًا مع الخليفة عثمان بن عفّان تحقيقًا عمليًّا مكتوبًا ومقروئًا وتطبيقًا نهائيًّا لوحدانيّة الخالق في كلمته الثالثة والأخيرة في شؤون الدين والدنيا. الأخيرة نعم، حيث الإقفال النهائي لباب السماء في وجه البشر الذين ما عادوا يصطفّون أو يتقاتلون في غنى الأديان وطقوسها وأدوارها ومفاضلتها في بناء الحضارات كما في تحديد الغيب بعدما أصاب الفلسفة نكبة الفشل في إيجاد أجوبة قطعيّة منذ ما قبل الفكر الإغريقي وحتّى معه وبعده. سالت السماء بحلّتها المضيئة وشمسها ونجومها في النص القرآني النهائي الموصول بالعهدين الجديد والقديم، ومال البشر إلى تحديد الكون والمعرفة والحكم من دون دراسةٍ أو معرفةٍ نقديّة أو علامات إستفهام كتلك التي خبرتها المسيحية في الغرب.
أن تقرأ وأنت أمّي محاولة، بل مهمّة إعجازيّة، تلتهم معظم العقول والأعمار، وأراها أيضًا تلتهم الفكر الديني المسيحي الباهت أو تبعثه مجدّدًا كما تتشظّى في العالم الإسلامي. أن تقرأ مجدّدًا أو جديدًا بحثًا عن العروبة في مدى الإسلام الفائر في الكرة الأرضية، يعني أن تقرأ تلك العلاقات غير المستقرّة بين العروبة والمسلمين، إذ يستحيل علينا تعليق ملامح المستقبل العربي أو الإسلامي بمسمارٍ مماثل لمعبد دلفي في أثينا حيث الجملة الأبرز: “أعرف نفسك تعرف العالم”. لقد ذوت العروبة. هل نقول إنتهت؟ وأخفق العرب على الرغم من مكوناتهم السماوية والنبوية في الكتابة والقول، وعلى الرغم أيضًا من مقوّماتهم الفكرية والسياسية والدينية، في أن يتركوا لنا لوحة واضحة نثبّتها فوق بوابة العرب والمسلمين قبل الدخول إلى مساحات المنطقة التي تغوص أكثر فأكثر في الرمال والدماء.
قد تتكرّر ظاهرة الرؤوس في قراءة النصوص، بعدما يخضعها الباحث للحذف والتغيير والتمزيق كون النوايا في التغيير محكومة بأرض شاسعة من الأنظمة والجماعات العربية والإسلامية المتنوعة، كما هو محكوم بمخزون من اللاوعي الغامض في زمن تطغى عليه ظاهرة تقطيع الرؤوس وتعليق الأجساد فوق الجذوع البريّة تحت رايات الدين وباسمه في دولة الخلافة “المتجدّدة”. كيف إلى التوفيق، إذًا، بين النصوص وبينها وبين الرؤوس؟

5- أزمنة النصوص والرؤوس:
أ- مميزات النص: للنص الإسلامي والنصوص اللاحقة له في بلادنا سلطات، أوّلًا، ورهبة خاصّة في الذهن العربي. هي مقدّسة ولا تنفتح إلاّ على السماء أو في لا وعينا بحثًا عمّن يكشف الأسرار أو يمدّ حبره وعنقه تحت حدّ السيف. هي قائمة محفورة في الذاكرات المتتالية أبدًا، والسبب أنّ رحمها الأوّل هو الذاكرة التي لا تلحن ولا تجفّ ولا تتغيّر. كلّها النصوص الأبدية خرجت من الشفاهية أو الشفاه اللامتناهية لترقد في رحم ذاكرة الخالق. أحيانًا كثيرة يتخطّى اللسان أو السلوك مقام الذاكرة وهذا طبيعي، وأحيانًا يتراجع السلوك ويكرّر اللسان ما في الذاكرة التي تبقى صورة طبق الأصل عن النص المثال، وهنا تقتحم الذاكرة عقل العالم لتقويمه عبر تقويم سلوك ساكنيه وفق مقتضيات المثال الأعلى. هكذا تسقط معظم الإعتبارات والخصوصيات والبصمات لكلّ مخلوق، إذ لا تفريق بين ذاكرة وأخرى، وهذه ظاهرة توحيدية فريدة تلفظ أو تجرف في طرائقها ومناهجها وأساليبها في الحكم معظم الأفكار المقيمة والمستوردة حتّى فكرة النسبيّة بصفتها المظلّة التي فلشها آنشتاين فوق رأس المعرفة حفاظًا على التنوّع والنسبية ووجهات النظر والفردانية Individualisme بمعانيها وأبعادها وتجلياتها السياسية المعاصرة. ولا ننسى أنّ التنوّع يقودنا علميًّا حتّى إلى تفكيك أعضاء الجسد الإنساني وخلاياه إلى بصمات ودمغات خاصّة بكل مخلوق على وجه الأرض حاضرًا ومستقبلًا وحتّى تحت التراب.
كتب الروائي المبدع البرازيلي باولو كويلو “أنّ عاقل العقلاء قد أسدى بالنصيحة التي ترى بأنّ سرّ السعادة البشرية قائمة في التأمّل بعجائب هذا العالم من حولنا، من دون أن ننسى نقطتين من الزيت كرمزٍ للإيمان يجب الإحتفاظ بهما في قعر الملعقة التي نحملها”[14]، وأضيف إلى النقطتين، نقطة زيت إسلامية ثالثة تهدف إلى تليين مسألتي العقل والنطق والتآلف والإبداع عند شاغليها من فصائل المتطرفين وتقريبهم كي يحسنوا الخروج من أثواب الكائنات الإسلاميّة المفترسة أو من حجارة جدّهم قايين نحو الكائن الأعلى والأرقى والأوحد حتّى آخر الأزمنة. لماذا؟
لأنّ منطق التغيير والتطوّر يكون إلى الأمام لا إلى الوراء، وهو ليس في الدوران الرتيب الذي نعيشه مع هذه الفصائل الذين يستخدمون الحاضر بإبداعاته التقنيّة كلّها فيشطبونه في أساليب حكمهم ليعيدونا إلى ما قبل الإسلام، أعني إلى الجاهلية التي نقّاها الإسلام من حيوانيتها ووضّبها وضمّها إليه بصيغةٍ أقرب إلى الإنسان. يمكننا، على سبيل الإطمئنان وترطيب المناخ العاصف، الإشارة إلى فرضيّة شائعة فوق الألسنة المتجذّرة في مواقفها القومية، ترى بأنّنا أمام مظاهر إسلامية دموية عابرة في زمنٍ سياسي وإقتصادي دموي عابر.
ب- سلطات النصّ: للنص سلطات لا سلطة واحدة، حتّى ولو أفرغ أو أخرج هذا النص عن محتواه الإنساني، فكتابات الكثير من العرب حافلة بتماهياتها مع الإسلام ولها منزلة لدى المؤمنين تطمح إلى زرقة السماء وتنعكس على الأحكام. ولنتذكّر، مثلًا واحدًا، أنّه حتّى عندما دار دولاب مطبعة “غوتنبرغيّة” في لبنان ومصر، إهتزّت مفاصل المسلمين خوفًا على الحرف العربي إذ يجوز نسخ النص ولا يجوز فيه الطبع ولا الطباعة التي تذكّر بنابليون بونابرت وحملته العسكرية وحضارته الكتابية في الشرق العربي من الباب المصري. وعلى الرغم من تمكّن نابليون بمباركة الأزهر، من إدخال المصريين إلى السياسة التي حرموا منها في أثناء الحكم المملوكي، عمد حكم الخلافة الإسلامية في اسطمبول فأصدر الباب العالي فرمان عدم طباعة الحروف العربية والتركية لسلامتهما من دنس الغرب وتقنياته[15]. فلا نعجب إن نحن رأينا كاتبًا أو إنسانًا عربيًا يقطع رأسه أو يده أو لسانه أو يصلب أو يغمر بالمياه خنقًا أو يحرق إن خرج عن النص أو تجاسر للتمكّن من إسقاط همزةٍ في النص بحثًا عن الصيغ الديمقراطية أو المعتدلة في الإسلام، وخصوصًا إن كان من منابع دينية غير إسلامية فإنّه بالوضع الطبيعي مخيّر بين إعتناق الإسلام أو دفع الجزية لدولة الخلافة وإلاّ القتل. ولا نعجب أيضًا إن دارت حروب أورثت قتلى ومذابح ومآسي وتهجيرًا ومدافن جماعية عند طباعة نصوص الإسلام أو حتى دساتيرهم وخطبهم وتصريحاتهم ومناقشتها والمجادلة فيها.
كانت المشكلة الكبرى سياسيّة وما زالت تتلطّى في القراءات والتفسيرات الخلافية القديمة والحديثة أو المحدثة للنصوص، لأنّ التزاحم والتقاتل ثابت في فضائل الزعم بالحفاظ على نقاء النص الأوّل قولًا وحكمًا. أليس هجوم داعش وجبهة النصرة وغيرهما من الفصائل على المكتبات وإحراقها في سوريا والعراق وليبيا وتونس ومصر وأينما وقعت تحت أيديها، هو نوع من السلوك الإيماني المعلن الذي يرضيها، إذ تمحو التاريخ وتتصوّر أنّها تقفز بممارساتها إلى الوراء أي إلى بدايات الإسلام وما قبله. وهنا سؤال يحمل إجابته: إذا كان المسلمون أصحاب الدين قد أصابتهم التفرقة والعداوة والتجزئة في تفسيرات النصوص والأحقّيات في تطبيقها على مستوى الأنظمة والأحكام، فهل يتصوّر مفكرو الغرب مدى الأوهام في الطروحات عند توصيف الإسلام معتدلًا أو غير معتدل أو مدى تداعياتها على الغرب وعلى المسلمين؟
للجواب عن هذا السؤال، يترافق الكلام عن النهايات مصطلحات جديدة وغنيّة مثل “المجتمع الصناعي”، و”ما بعد الصناعي” و”المجتمعات الرقمية” و”عصر التكنولوجيا الذكيّة والمعلومات”، وكلّها تطحن العالم أو تمهره بالدور المتزايد للمعلومات والكشوفات التقنيّة والخدمات العابرة للقارّات التي تصبّ في مصلحة الصناعات الثقيلة والبحث عن الأسواق.
نحن أمام تقديس سلطات العلم الذي يبرز الباب المشرّع للتغيير. ولو أدرنا الظهر للعلم ونظرنا إلى الحروب والصراعات بأنّها أدوات فتّاكة في إنهيار بعض الأنظمة والدول، فإنّنا لا نغفل بأنّ هذه الدول ستجد نفسها منصاعة إلى إعادة إعمار نفسها وتلقّف الحضارت التقنيّة وقبول المتغيرات الإجتماعية التي تنتج عنها. ذلك لسبب بسيط هو أنّ الإستيراد لن يكون بديلًا للإنتاج والإنخراط الإجتماعي في العصر. وكذلك التطبيق والإستهلاك المكثّف للتكنولوجيا لا قيمة له إن لم يحمل عبره رياح التغيير وقيمه وآلياته في مسائل الحكم والتنظيمات الإجتماعية.
هكذا تتساوى “النهايات” بما تحمله من مظاهر كارثية بمتعة “البدايات” وأعظم ما فيها، في قناعتهم التقليدية، تخليصها ممّا علق بها من الغرب عبر التاريخ، على إعتبار أنّها ليست من جريان فكر المسلمين وأقلامهم ومحابرهم بل هي من صناعة العالم الغربي الحديث. أحيانًا قد يؤدّي العلم بمكتشفاته الخطيرة إلى إحياء التجمّعات الدينية والإنسانيّة التي تطالب بلفظ المعاصرة والتكنولوجيا وشرورهما، حتّى في أرقى المجتمعات الغربيّة، لكنّ تأثيراتها تبقى هامشية أمام طاحونة التكنولوجيا العالمية.
ج-النص المضاف إليه: النصوص الحاسمة في العروبة قادتنا إلى السدود الكثيرة والدماء الغزيرة والأراضي الرطبة التي تتلقّف بعطش ملحوظ حبوب التشظّيات الدينية والمذهبية النائمة. لم ترشدنا في جرأتها المستمدّة من تجارب الغرب إلى تجارب عربيّة حاسمة واثقة من مضامينها ولم تولّد واقعًا جديدًا بل مجموعات هائلة من المفكّرين والقرّاء الجدد الذين تيبّس جديدهم ولم يضف إلى قراءة القديم كثيرًا، إذا اعتبرنا الجديد في هويته نوعًا من الإضافة إلى ما هو قديم. كان المحصول الفكري، حصر التجديد بنسبه إلى قديم أصلب، طودي، غيبي صعب الإدراك إلاّ بالخوف والتوارد والجمود. بقي المضاف في لغتنا العربيّة، مثلًا، على ثباته وأرسخ من المضاف إليه ولو كان الإسم الأوّل أي المضاف يختصر تجارب البشرية المتطورة، وبقيت “كان” من أخوات “أصبح” أفعالًا ناقصة حتّى ولو سبقت أفعال المستقبل أفعال الماضي، والأمثلة اللغوية كثيرة في المجال الذي يتساوى فيه الحاضر والمستقبل بالماضي بل يرفدان منه في الأزمات بإعتباره مخزن الحضارة في الدين والدنيا.
أمّا المتغيّرات التي نزهو بها ونستوردها بكونها عصريةً فهي خارجية شكليّة لا يجوز أن تمسّ المضمون ولا تشوّه الثقافة. يستمرّ الداخل الأبدي هويّة المراوحة والقفز القائم فوق تحوّلات الأزمنة والأمكنة. أليس ثمرات التلاقح والتلاقي مع الآخر شكلي مشابه للحاء الشجر الذي لا يلتصق بالجذوع ولا يطاول الجذور، على قاعدة هزيلة أنّ أجسادنا جبلت بزيت السماء وهي تستهلك القشور الخارجية المستعارة علامة التحديث لا الحداثة ولا ما بعدها أو تلفظها في عودة نرجسيّة إلى زمن الحكم الأوّل في الإسلام.
يربك النصّ أيّ نص إذ يخوض في لملمة بقايا العروبة المتحلّلة بين أصابعنا منذ بدايات القرن الحادي والعشرين في قراءات جديدة، لكن مهلًا! هي قراءات قديمة عادت تلبس ثياب “الجديد” من رماد محمّد بو عزيزي الذي كتب جسده إحتراقًا لا نصوصًا في ساحةٍ من ساحات تونس، ليعلن “ثورة” ربيعها الأخضر شالًا يغطّي عواصم العرب والإسلام بسواده المعشوق أصلًا، ولتتوإلى “الثورات” إلى العواصم الأخرى تتفتّت بين الإبهام والسبابة، مثلها مثل زهور الياسمين التي تتّشح بالسواد المصفوف بين جروح تونس وسوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا. سيطول الإنتظار قبل أن ينتهي الدخان الذي ما زال ينبعث من قبر هذا الشهيد التونسي على مقربة من تمثالٍ لإبن خلدون. هذه نصوص أولّدها بثيابٍ موحّدة لأنّه على الرغم من أنّ تلك النصوص تمطّ أعناقها، في غفلةٍ، فإنّها تطمح إلى تلمّس الوحدة والتوحّد والفرادة في أرض العرب والمسلمين وهو ما يسقط مجدّدًا في الصعوبة أو في دوائر المستحيلات.

6- مقارعة المستحيلات؟
أسئلة الحفر بين العروبة والإسلام: ماذا يعني بعد أنّنا عرب؟ ما الإثبات الجديد؟ الجنس والدم أم المولد والنشأة والمواطنة ونسق القيم في نقاط الزيت الثلاث للأديان التوحيدية؟ من نحن ومن هم مع الوعي للهموم القومية الكبرى بين النحن والهم؟ هل هناك بعد شعب عربي واحد أم شعوب وقبائل تنطق بالعربيّة وتتناحر وفي خلدها إنهيار سدّ مأرب؟ وهل بقي من العروبة والوحدة العربيّة والقومية أكثر من كلماتٍ محشوّةً بالأحلام المستحيلة؟ وكمثال واضح بسيط، أليست اللغة العربية هي الوحيدة في الدنيا، التي إن نقل أي نصّ إليها إنكليزي أو فرنسي أو صيني فهو واقع تحت ما يسمّى بـ”التعريب” لا بالترجمة كما سائر الأمم على إعتبار أنّه يتّخذ صفة العروبة بعد نقله؟ هل ستقوى العربيّة لغة للجسد العربي الفريد بأبعاده العضوية والنفسية والإجتماعية والحضارية؟
وبعربيّة أوضح وأسئلة شاخت، ونطرحها مجدّدًا على الداخل العربي، بعد فكرتي البعث لميشال عفلق والعلمانية لأنطون سعادة ومعظم النصوص والتجارب التأجيلية التي كانت تدور بين العروبة والإسلام وفيهما وحولهما: لماذا لا يزال بعض المسلمين ينتظرون من عرب الأقليّات الملفوفة بالخوف والهجرة والإقتلاع، التخلّي عن ألحفتهم حتّى يستووا عربًا، كما يطالب في المقابل الغرب ومعظم الأقليات أن يتخلّى المسلمون عن إسلامهم حتّى يتمكّنوا من الفكرة القومية أو الأمّة بمعانيها القومية أو يتمكّنون من الحضارة؟ ما هي ثمار المنظّمات والروابط والأحلاف الإسلامية وماذا أضافت إلى ثقافة جمع الدول العربيّة؟ ألم نبلغ معًا بعد إستحالات الدمج أو الفكاك أو بين العروبة والإسلام؟ وما هو دور الغير أي الغرب في هذا الميدان التاريخي الطويل من تشابك المذاهب والأديان الذي لا حدود له؟ وعندما نتلفّظ بالغرب، فأيّ غرب نقصد؟ أهو الغرب المسيحي مع أنّ المسيحية قد ذوت في الغرب، كما أشرنا، أم هو الغرب برؤسائه ومصانعه وشركاته العابرة للقارّات والمتجاوزة لسلطات الدول عند قياس السلطة، وإمبراطوريات الإعلام، والمستثمرون وأصحاب الأسهم العالمية، والسلطات التكنولوجية، وأباطرة النفط، وصناديق المال، ونخبة القادة العسكريين وحتّى كبار رجالات المافيا والإرهابيين الدوليين؟ أين تظهر مسيحية الغرب في كلّ تلك التجمعات التي تحصر العالم بين مآزق الإنتاج ومحن الإستهلاك الإنسانية، وكلاهما ينحصر في البحث عن الأسواق مهما كانت هويّات شعوبها مسلمةً أم مسيحية أم بوذيّة؟
كيف يريدنا العالم أن ننظر إلى الإسلام بين حدّي الحداثة والتحديث، وأين يقع الإرهاب في هذه الخارطة العالمية المعاصرة التي تشغل الكثيرين في البحث المرتجل عمّن يحمي المسيحيين أو غير المسلمين في الشرق وهم لا يجدون عصا تؤمّن حمايتهم، في زمن التفسّخات المذهبيّة والدينية ، ولا مهمات لهم وطنيّةً أو قومية سوى إعادة تسلّم مهمّاتهم الجوهرية هذه في تطيين الشقوق بين المذاهب في الشرق والغرب؟
لم تعد تحمل صفة عربي معنى موحدًا إذا كان الفلسطينيون يميلون إلى إستعمالها ليتميّزوا بها عن “الإسرائيلي” تحت الإحتلال أو ليتمايزوا بها عن دول أوروبا والغرب. يستعملها الخليجيون بصفة إسلامية طاغية، بينما يستعملها الجزائريون ملاذًا لمناهضة الغرب وتحديدًا لفرنسا الإستعمارية التي سحبت من ألسنتهم شرايين النطق بالعربيّة. ويستعملها المصريون رمزًا خجولًا وحنينًا متجدّدًا لكنوز الإرث الفرعوني وأيضًا لعروبة جمال عبد الناصر المتجدّدة يرهبها الإخوان المسلمون، أو تستعملها بعض دول العرب في القارة الإفريقية كالصومال بحثًا عن فكّ عزلة هذا البلد المسلم غير العربي وسط عالم أفريقي معاد له، ويستعملها اللبناني ليحدّد بها أكثر من معنى ومعنى وهو لم يتوصّل بعد إلى الإتّفاق على حصرها بعروبة الوجه أو العقل أو اللسان أو الموقف[16].
تتجاوز الأسئلة المتجددة أحيانًا صرامة الأجوبة البحثيّة الصعبة، لأنّها وسائل لتجديد النقاش ومواكبته في جروح العرب المتلاحقة. وما محاولات مقاربة أجوبتها السـريعة سوى ملامح لما يمكن تسميته بعروبة الإستحالة. “هناك في التاريخ مشكلات كبرى مزمنة تقوم حلولها في أن تبقى مشكلات أبدية وخارج دوائر الحلول النهائية الجذريّة. وأفصح مثالٍ على ذلك هو نكبة فلسطين المزدوجة أوّلها في العام 1948 وما قبلها، وثانيها عندما وقعت في نصوص العرب والمسلمين الدائرية ومواقفهم الملتبسة المتجددة في جدل مستحيل ألّفه العروبيون والإسلاميون والمسيحيون والمسلمون منذ أكثر من ألف عام”[17].
إستندت هذه المحاولة بالبحث عن العروبة المستحيلة إلى ظهور قديم متجدّد أو إستغراق في ” فكرة إنتفاء وجود العربي إن لم يكن مسلمًا، وقد ينتفي كذلك وجود القومي العربي الأصيل حتّى ولو كان مسلمًا أحيانًا أخرى. وتعود هذه المسائل البدهية إلى طبيعة العلاقة الفكرية الجدلية التي تربط العروبة بالإسلام، وخصوصًا مع جهوزيتنا لإستقبال الألفية الثالثة حيث نتوقّع هطول المصطلحات المستوردة القائلة بالديمقراطية وأخواتها لا كمصطلحات، بل كوقائع وتحديّات كبرى لفكر العرب”[18].وهذا ما نشهده مع إفرازات وآليات العولمة وأدواتها الإتّصالية ونهضتها وكأنّها “دين توحيدي وثقافي وحضاري جديد صادم بعنف البلاد الموحلة في الماضي الديني والتاريخي السحيق”.
وإذا كان الإعتقاد المستمر والمتزايد بأنّ الديمقراطية هي المنبع الشرعي الوحيد للسلطة في العالم الحديث، فكيف يمكننا أن نقرأ أو نفهم مستقبل الإسلام مثلًا، من النداء الذي أدمنه أيمن الظواهري الرجل الثاني لتنظيم القاعدة في كلّ مناسبة مخاطبًا حماس أو الإخوان المسلمين الاسلاميين أو زعماء الأحزاب السياسية في مصر وأيّدوا الجيش المصري في الاطاحة بالرئيس المصري السابق محمد مرسي: “إسرائيل تقصفكم في صدوركم، وخناجر الداخل تطعنكم في ظهوركم وتنازلتم فارتضيتم الديمقراطية بدلًا من الشريعة، ثمّ ارتضيتم الحكومة بدلًا من الديمقراطية… يجب أن نقر بأنّ الشرعية ليست فى الانتخابات والديمقراطية ولكن الشرعية هي الشريعة التي سنعمّمها في العالم” [19]. من يمكنه أن يحصي النداءات المماثلة التي تغرق وسائط التواصل الإجتماعي بحرفيّة عالية؟

7- “ثقافة” العنف في بلاد العرب:
تتجاوز “ثقافة” العنف كلّ ما يمكن أن تحمله مشاهد العنف. وعندما يلوذ الفكر الشمولي والسلوك القاطع التكفيري ويستقوي بالدين، فأمر لا يمكن قياسه وتعليله لأنّ العنف يجرّ العنف والمشهد يأكل المشهد التالي المشابه أو الأعنف إلى درجة الإعتياد، وربّما الإدمان أو إدارة البصر كليًّا إلى مستوى الغياب التام أو الفصام الإجتماعي أو الأعمى عمّا يدور من حولنا. قد يصيب التحليل شيوع فكرة رمي المسؤوليات على الغير بمعنى الأنظمة، والجامعات ومراكز الأبحاث في الغرب تستغرق في الإسلام وتلهث فيها الدبلوماسية على ظاهرة التمكّن من الشرق الأوسط بحثًا عن معاينة الشقوق لتوسيعها بهدف حفر الخنادق في أرض العرب، بما يسهل الحروب التقليدية والإستباقية. لكن الحروب على الإرهاب تتجاوز بكثير القدرات والغارات الجويّة والبحرية والبريّة العسكرية للدول مهما عظمت، وتتجاوز حروب العصابات أيضًا لأنّ التشوّه قد يكون مقيمًا في بلادنا في الأصل ويتّضح عند رفع الأغطية عن مناهج التعليم الرسمي والديني في أرجاء الوطن العربي.
وإذ تحضر العقيدة و”تتجدّد” و”تتقدّم” وتتأصّل وتقدّس عبر مناهج غسل الأدمغة وقولبة الأجيال الناشئة ودفعها نحو الإرهاب والتكفير، تبدو معضلات المستقبل العربي والإسلامي مسؤولية كبرى أشدّ تعقيدًا من التلهّي فقط بعصر طغيان المرتزقة والجيوش الجاهزة للإستيراد أو ما يعرف بالمجموعات القتالية على طريقة الـ Delivery، بحيث تتداخل أدوات القتل بين الداخل والخارج وتضيع خطوط التماس فتصبح مبهمة المعالم بين الشرق والغرب. هذا الإختلاط العنفي في المكان الإسلامي الذي يفقد قيمته بالنسبة للمقاتلين، يشجّع على المزيد من أساليب إنتاج التطرّف والتكفير الذي قد يتجاوز الأجيال القادمة. ليس البحث في نتائج التكفير بل التفكير في مكامنه ومناهجه لأنّ الحروب عابرة وتداعياتها ثقيلة في الحضارة.
وعلى سبيل المثال، وفي إطار التجديد الديني في مصر، طرح الدكتور عدنان الأمين الخبير في شؤون المناهج التربوية، مسألة تتجاوز الإرهاب ومفاعيله الخطيرة الآنية الحاصلة بصورها العنفيّة عندما تناول متابعًا “ظاهرة عربيّة تدمج تعليم الدين واللّغة العربيّة من خلال معلّمٍ واحد، وهي مشبعة في المادتين بنصٍّ ديني وأحاديث نبوية وإجتهادات دينية تزوّد المتعلّم بإطار شبه تكفيري هكذا نفهم، دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى إصلاح ما في الأزهر بعد صدور مقالات عن التعليم الأزهري المنشورة في مجلة الثقافة الجديدة المصرية وتظهر مضامين هذه المقالات أنّ التلامذة يتعلمون أفكارًا وقيمًا كتبت ووضعت، وكان لها نفوذ في الإسلام في القرنين الثالث والرابع الهجريين، أي قبل ألف عام هجري من يومنا هذا وهي أفكار تقارب مثلًا سؤال القبر وعذابه، أهوال يوم القيامة، حكم المرتد، حكم تارك الصلاة، تشبيه المرأة بالعبد، وبالعداء لغير المسلم التلامذة يتخرّجون من هذه المدارس ليحكموا على الناس وفق الخلفية الفكرية المتطرفة التي تعلّموها في الكتب ويميل البعض الأخر إلى إكمال دراستهم في الأزهر ليصبحوا شيوخًا مشبعين بهذا الفكر”[20].
تندرج هذه المسائل التي تتطلّع إلى المستقبل عبر ورش وأفكار في “تجديد الخطاب الديني”، المصطلح الذي يتردّد منذ سنوات حكرًا على القيادات الدينية الإسلامية والمرتبط أساسًا بالأزهر، خصوصًا بعدما ألحّ الرئيس عبد الفتّاح السيسي على شيخ الأزهر أحمد الطيّب على اعتماد إستراتيجية مكافحة الإرهاب ومواجهة الأفكار المتشدّدة عقب عزل الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي. واللافت أيضًا، أنّ قيادات كنسيّة راحت تدعو بدورها إلى ضرورة تجديد الخطاب الديني المسيحي، بعدما أوقف بطريرك الأقباط البابا تواضروس الثاني العظة الأسبوعية التي كان بدأها سلفه البابا الراحل شنودة الثالث منذ ستينيات القرن الماضي، معتبرًا أنّ الخطاب الديني المسيحي، يحتاج أيضًا إلى تجديد وخصوصًا أنّ هناك تشدّدًا ملحوظًا مسيحيًا، ويمكن رصد جماعات مسيحية تتشدّد في الأمور الحياتية. يركّز الكهنة على الطقوس ويستفيضون في التعليم الوعظي الذي يتطلّب تنقية وهدوءًا ينسحب على الخطاب كما على مدارس الأحد والتعليم الكنسي المنفتح والبعيد من التعصب والإنغلاق عبر فكر وطني مستنير، لأنّ الشباب الذين يتبعون كنيسة ما لا يمتلكون بالضرورة الحقيقة كلها[21].
تتضافر المسؤوليات عند تضاعف خلفيات العنف وإختلاطه أو غموضه بين الداخل والخارج، الأمر الذي يبدو جليًّا، عند سوق مثال آخر على المستوى الخارجي الغربي وذلك بعد نكبة العراق في العام 2003. فقد نشرت صحيفة “الديرشبيغل” الإلمانية المعروفة بصدقيتها تحقيقًا يفيد “أنّ عملية مخابراتية دبّرت بعناية بين الموساد الإسرائيلي والسي.آي.إي وبعض الخبراء العرب والغربيين بالإسلام وبلاد المسلمين. إتّخذت العملية إسم Le nid des Frelons أي “عش الزنابير”، لأنّ “الفريلون” حشرة إلمانية دقيقة جدًّا تسمّى Guepe ولسعات أنثاها مؤلمة جدًا. وقد لا يتمكن الملسوع من إحتمال مخاطرها لأنّها تورث القيح والتورّم في الأجساد التي تقتضي بعد اللسع بتر الأعضاء الملسوعة….بدأ تطبيق أعشاش الفريلون في سجون أميركا السريّة والعلنية وأهمّها “أبو غريب” و”بوكا” في بغداد هناك 6 من 7 من قادة داعش، تمّ تأهيلهم هناك، ومنها تخرج أبو بكر البغدادي بعدما أقام فيه من 2004 إلى 2009″، حيث أنّ الحلّ الوحيد للحفاظ على الدولة اليهودية هو خلق عدو متطرف على حدودها وتوجيهه ضد الدول الإسلامية التي ستتقاتل معه كما ستتقاتل في ما بينها على وجوده”[22].
قد يتنكّب الكثير من المسلمين في التجنّد لإرادات الغرب أو للإسلام نحو عصوره الأولى، وهو ما يساهم في إشاعة الفوضى في العنف عبر الدعوات إلى الحكم الذي يلتمس صيغًا تطبّق الأصول الإسلاميّة الأولى في عواصم عرب “الثورات العربيّة” ومدنها، ويقوى البحث عن صورة مستقبل المسلمين على أطيافهم فكلّهم مهدّدون بالدم والخرائب، ويغريهم تفجير الأحقاد والضغائن التي كان يفترض بالتغيير الحضاري الشكلي أن يساهم في القضاء عليها. وتقوى المبالغات الهائلة التي تتوخى الربط الوثيق بين بعض المسلمين إن لم نقل بينهم وبين ظاهرة الإرهاب التي تتقدّم على كلّ المظاهر الخطيرة الأخرى التي تحمل في نتائجها على الدول ما يمكن إستلهامه من صراع إثنين لا يحسم إلاّ بصيغٍ ثلاث من النتائج: قتل أحد المتنافسين أو قتل كليهما أو إمتثال أحدهما مجدّدًا بدلًا من الإستمرار في مواجهة الموت العنيف.
يظهر العالم كلّه، إذًا، وكأنّه مسكون بهموم الإرهاب الإسلامي الذي يتّخذ عنوان القرن، مستثمرًا فيه إلى درجة تلطيخ الإسلام والشرق العربي. لكن مهلًا. ربّما يبدو الإرهاب في دورانه العنفي هذا تكتيكًا سياسيًا وإستراتيجية متجدّدة تخدم الغرب أكثر منه عدوًّا فعليًا للغرب على إعتبار أنّ فروقًا غامضة ما زالت قائمة، في عصر تدفّق المعلومات، بين عين الشرق وعين الغرب في النظرة إلى هذا العنف المتمادي. وإلاّ، كيف يمكننا تفسير برودة الغرب وميوعته وتردّده حيال هذا العنف المتجدّد في بلاد العرب والإسلام؟
لو قرأنا بنقرة إصبع، مثلًا، إحصائيات الأمم المتّحدة، فإنّ عدد الأشخاص الذين يموتون سنويًا في العالم، بسبب مرض الإيدز شارف الـ3 ملايين بحيث أنّ الذين يموتون في الـ24 ساعة بسبب الأعمال الإرهابية يساوي عدد الذين يموتون بالإيدز خلال عام. ولو أضفنا الذين يموتون بالإنتحارات اليومية على أرصفة الغرب وتحت القطارات وفي الغرف المنعزلة فوق السطوح، أو أضفنا أعداد الذين يموتون بحوادث السير أو بالتدخين أو لنقص الغذاء والطبابة والتلوّث أو بالأمراض المعاصرة لذوى الموت أو أفرغ العنف من وقعه على الغرب. لكن ما يعرف بالإرهاب أو الموت على يد الإرهابيين فيتجاوز، في التقدير، صدمات الموت كلّه الحاصل فوق الكرة الأرضية. هذا موت يتّخذ صفة الإسلام و”اللـه أكبر”، لكنّه يفرّغ الأديان والإنسانية من معانيها عن طريق القتل الذي تمارسه أخطر 47 منظّمة إرهابية في العالم وعلى رأسها القاعدة ومتفرعاتها، تتحمّل 75 بالمئة من الأعمال الإرهابية في قارة آسيا والعالم وبرعاية الكثير من الدول في العالم[23].
لسنا بصدد التخفيف من وقائع الإرهاب، بقدر ما نحاول إظهار المعضلات التاريخية المتكرّرة والجديدة لتوصيف إنهيار العروبة وتشويه الإسلام عبر الإرهاب والتكفير، بهدف الدفع إلى عصرنة الدين والفكر ودفع العلاقات في ما بينهما، بين أن تكون علاقة دمج أو فصل أو توفيق أو ذوبان. هناك قناعة تموت ترى في العروبة صفةً قبلية المنبع قوميّة الشكل وجدت قبل الإسلام، وتستمرّ معه تخصّ العربي مهما كان دينه ومذهبه. وهناك مزاج شعبي عربي وإسلامي خطير يمكن ملاحظته في أكثر من عاصمة عربيّة. فعندما يميل العنفيون أكثر فأكثر إلى إلتماس الدين في تبرير الإرهاب، يميل الكثيرون ربّما أيضًا إلى الكفر، وأبسط وجوهه العمليّة الميل المسكوت عنه والمعلن أحيانًا إلى فكّ عقدة الصراع العربي الإسرائيلي التاريخية نشدانًا للسلام والإستقرار. وقد لا نعرف بعد إن كان للعروبة حضور باهر في المستقبل على إعتبار أنّ العلاقات الغامضة المبهمة التي إستيقظ فيها التاريخ المذهبي من كبته، تجعل من طبيعة هذه العلاقة بعيدةً من اختلاط الماء بالزيت ولا كاختلاط الخمرة بالماء بل كليهما معًا. وعند هذا المنعطف تظهر على السطح الأفكار المرتجلة حول إستحالات الإستقرار والتفاهم والتعايش والعيش المشترك بين سكّان رقعة الشعوب الإسلامية، وهو ما بات يظهر في الخطاب العربي والدولي تقسيمًا ودويلات ومشاريع فدرالية مستعادة بعدما كان همسًا أو جهرًا مسنودًا إلى مستوردات الغرب السياسية والإعلامية.

8- التمايز والإندماج:
تظهر الصورة الذهنية العامة حتّى الآن، وكأنّه يتمّ تنظيف الأذهان من ركام العروبة المتلاشية لتستبدل بتشظيات إسلامية وتنوّعات إرهابية إلى أمد طويل، والأوطان أسواق لبيع الأسلحة، ومعها تشتدّ التعقيدات التقليدية بين العروبة والإسلام. وتحفّز التشوّهات الحاصلة والإنقسامات المتفاقمة على تجليس التاريخ “الثوري” الربيعي في مكانٍ ما من الأدمغة نحو يقظات قوميّة/إسلامية يعاد تشكيلها في مصر، مثلًا، بالإستناد إلى التجربة الناصرية وفي العراق وسوريا بالإستناد إلى منطق الثورة الإسلامية في إيران المتصالحة أو المتفاهمة نوويًّا مجدّدًا مع الولايات المتّحدة الأميركية. هي عودة شاقّة إلى زمن القوميات التقليدية بقدر ما هي حنين يقوى ويشتدّ أو يضعف ويتراخى على إيقاعات القتل المتنقّل. ويفرز هذا المناخ ضرورة التذكير بالمقولات المعروفة التي حفل بها القرن الماضي والتي تحصر علاقات العرب والمسلمين في أربع وحدات جغرافيّة وفي توجهين فكريين:
أ- النمط التمايزي النظري: أوصل هذا النمط أحيانًا العروبة والإسلام إلى درجة الإنفصال التام. كبّل النمط إشكاليات الموضوع بجدليات ونظريات لم تفض إلى نتائج حاسمة. وبقي التمايز صارخًا في القول كما في النصوص على الرغم من الحروب التي أورثها هذا التمايز، وهي لم تخلّص الفكر من إرث هذه الجدليّة المتراكمة.
يكاد ينحصر هذا النمط في البقعة التي عرفت بـ”الهلال الخصيب” أي لبنان وسوريا والعراق وفلسطين. وقد أدّت كثرة المذاهب والأفكار إلى دفع الفكرة القوميّة إلى حدود العلمنة وحتّى الإلحاد، واحتلّت العروبة العلمانية حيّزًا كبيرًا من الحضور الفكري والحزبي السياسي والإجتماعي. وقد ارتكز المسيحيون في هذا الأمر على قاعدة النزاع مع العصبيّة الإسلامية/ التركيّة في الأساس يلجأون إليها لأدنى الأسباب في ترسيخ فكرتهم المستحيلة.
ب- النمط الإندماجي: وينسحب على منظومة الخليج العربي حيث كادت تنتفي مظاهر الإلتباس بين العروبة والإسلام إلى حد كبير لأنّ الثقافة الإسلامية على مستويات الإجتماع والجهر هي السند والأساس وهما من منبع ديني واحد. لم يتغيّر هذا النمط بل إزداد تشدّدًا وتلاحمًا في الدين وخصوصًا بعدما أعلنت إيران الثورة نفسها دولة إقليمية عظمى قبل زمن “ثورات الربيع” العربي، وجهدت لأن تبرز وكأنّها تحتضن، نيابةً عن العرب والمسلمين أجمعين، نكبة فلسطين. هذا المستجد الإيراني والحضور الغربي والأميركي الذي تبلور في التفاهم النووي مع إيران بعد دزينةٍ من السنوات في المفاوضات الشاقّة، ربّما زاد في الشروخ ليس بين الخليج والأقاليم الأخرى، بل بين دول الخليج التي سبق وأن مدّت أيديها غربًا نحو المغرب العربي وشرقًا نحو الأردن بهدف توسيع الرقعة الخليجية وتحصينها.
يقوى هذا النمط الإندماجي إلى حدود بقاء غياب مفهوم العربي غير المسلم في بلدان المغرب العربي والربط بين اللسان العربي والإسلام، على الرغم ممّا أنجزته وسائل الإعلام والإتّصال والتلفزيونات وشبكات التواصل الإجتماعي من تسهيل التقارب بين أبناء العرب، الأمر الذي ربّما عجزت عنه جامعة الدول العربية عبر تاريخها وأنشطتها ومؤتمراتها الكثيرة، فإنّنا ما زلنا نجد اليوم نخبًا تعتمرهم الدهشة إذ يدركون أنّ عربيًّا غير مسلم يتكلّم العربيّة. قد يمكن فهم هذا الإلتباس المستمر في بلدان المغرب العربي الذي يرى العروبة في الإسلام والإسلام في العروبة والتي نعزوها إلى التجانس الجغرافي والتجارب الإستقلالية المتقاربة. قد يفهم العربي الشرقي العقل المغربي العربي الذي لبس عقل الغرب ومنطقه، وقد يفهم أيضًا الحدّة القائمة في طبعه ومعانيها، ولكنّه لن يفهم قطعًا تلك الإندماجية الفكرية المعاصرة مع الدول الإسلامية، إلاّ إذا نظر إلى الغرب بصفته مستعمرًا وكلاهما مسكون بقسط من ردود الفعل التاريخية البيزنطية والصليبية والأوروبية وتصدمها حقبة رابعة تتجاوز الكلّ في خطورتها هي حقبة بعث اليهودية وتركيزها في دولة “إسرائيل” ويرعاها الغرب.
يمكن حصر الوحدة الجغرافيّة الرابعة في مصر التي لم تحسم عبر تاريخها الطويل المصالحة أو التوفيق في إشكاليات العلاقة بين قوميتها المتعددة الأشكال والصيغ والتحولات الممتدّة من جذور الفرعونيّة إلى صيغ الحكم العسكري، وفق الحكّام أوّلًا ولعروبتها وإسلاميتها وفي قلبها الأزهر ثانيًا ولمشرقية الأقباط وعروبتهم أو تمغربهم. أمّا السودان الذي كان أوّل الداخلين لا إلى التمييز بين العروبة والإسلام فحسب، بل إلى تقسيم جنوبه عن شماله، فقد يذكّرنا كيف كان أعضاء الحزب الشيوعي السوداني المرموق يفتتحون جلساتهم بقراءة الفاتحة والصلاة ثم الإنصراف إلى مناقشة شؤون الأمة العربيّة.
يمكننا، بهذا المعنى، أن نفهم الفكر النقدي العربي اليوم الذي يطالب مثلًا، بـ”تأسيس العقل النقدي قبل تجديد الفكر الديني وربطه بثورة المعلومات الذي هي بحاجةٍ إلى الفكر النقدي وذلك بالتركيز على المقاصد العليا في الإسلام والقيام بثورة معرفيّة تركّز على مناهج التعليم العتيقة البالية سواء في المعاهد الأزهرية التي تخصّصت في تعليم الفكر الديني أو في مؤسّسات التعليم المدني الزاخرة بقشور العلم والتي لا محلّ فيها لفكرٍ ديني مستنير”[24].
طبعًا ليس من المتعسّر إبتكار طرائق لتأسيس الفكر النقدي بهدف التخفيف من معضلات الإندماج والتمايز والتطاحن السياسي بين بلاد العرب والمسلمين، وصولًا إلى تجديد الدين وربطه بتجديد ثورة المعلومات إلاّ عبر الوقوع دائمًا ومجدّدًا، بالمعنى الفكري، بتقليد ثورات الغرب وهذا نوع محكوم بـ”اليوتوبيا” أو الوقوع في المستحيلات إلى حدّ كبير، إن تناولنا الدين كدينٍ ونص. فقد تكون العواصف التغييرية التي حملتها رياح العولمة، قد تركت آثارًا كبرى وهي تحفر تحوّلات كبيرة إقتصادية وطفيفة ثقافية ومعرفية، لكنّ مفهوم الحدود والهويات بالمعاني السياسية وصيغ الحكم والتعاون والإنفتاح تبقى جامدة حراكها عسكري، وتعصى على التغيير الجذري التي تحملها تلك الرياح.
تتقدّم أحيانًا، بهذا المعنى، ملامح صحوة فكرية مقابل الصحوة الإسلامية تركّز على إشاعة الأفكار الجريئة التي تطرح أسئلة التنوير، وتجديد الخطاب الديني والفكر الإسلامي، وتحرير الدين من التوظيف السياسي، والتمييز بين الدين والسلطان، ونقد الخلافة كقاعدة لإستقراء الإجتماع البشري، وتعميم الحوار، وتنقية المناهج الدينية بهدف تخليص الدين وأهله وإنقاذهم ممّا يلحق بهم من “ثوراتهم” الغامضة والمتحيّرة الهويات في الشرق والغرب قبل رمي كوارثنا بالمطلق على الغرب وإنتظار الحلول السحرية من خلف الحدود، وكأنّنا في زمن النهضة العربيّة الثانية[25].
الغريب أنّ ما يراه الغرب بقيمه وأفكاره سيرورة تنوير وإنخراط في فعل التغيير، مازال يراه الكثيرون في بلادنا بوصفه عدوانًا دهريًا لا ينقطع، لكن، “لا بدّ للثورات، مهما كانت كاسحة، من أن تتعزّز وتترسّخ، وصولًا، في آخر المطاف، إلى التحوّل من لحظة نشوةٍ دينية مفرطة إلى زمن تعقل وإنفتاح قابل للإستدامة”[26]. فالولايات المتّحدة، كما يرى هنري كيسنجر، على سبيل المثال، وخصوصًا بعد إنسحابها من أفغانستان” كفّت عن التعامل مع التوازن الداخلي المعاصر في الشرق الأوسط بوصفه مشكلة عسكرية غير أنّه لن تلبث أن تجد نفسها مضطرّة لمضاعفة نشاطها الدبلوماسي (وهو ما حاصل الآن بعد التفاهم النووي مع إيران) من أجل إقامة نوعٍ من النظام الإقليمي منعًا لإستشراء الفراغات، التي، من شأنها، بالضرورة، أن تجرّ جميع البلدان هناك إلى نوعٍ من المجابهة الإقليمية”[27].
لقد تغيّرت الدنيا كثيرًا بعد 1424 سنة من الرسالة، وما زالت الفصائل الإسلامية المتنوعة تتقاتل وتقاتل أو تجاهد تحت راية النصوص والإجتهادات الكثيرة، وتفتح بلادنا العربية ملاعب للعالم كله شرقًا وغربًا، ملاعب تذابح ومدارج مصالح تتزاحم فوقها الدول وهي لم تقدّم سوى تفريغ المنطقة من الفكرة القومية ومحاولات مسح الحداثة وما بعدها بإعتبارها مفروضة على المجتمعات العربية والإسلامية وتسمين الفكر والممارسات الطائفية التي تريد عبرها إلتهام الطوائف الأخرى. ويتمادى الجهاديون الإسلاميون في تمزيق المجتمعات وتفكيك الدول بحثًا عن رؤى ثورة عالمية قائمة على أصولية دينهم. هم يدركون أو يتناسون وهم لا يعرفون قشرة إسلامهم أو قشرة الفكرة التوحيدية التي تعود إلى الكنعانيين، وقبل ذلك بعصور، أنّ من يريد أن يتبع اللـه، لا يتبعه حاملًا حياته وموته وحياة الآخرين وموتهم في خطاه، بل يتبعه في الجماعة، بمعنى البحث عن الإنسان، لا الجماعة بمعنى جماعاتهم التي لن تصل إلى صيغة الإنسان الحرّ المفرد. لن تقوى جماعة وتعود إلى كهوف الماضي في هذا الشرق حيث دسم السماء طافح في النصوص ثمّ تخرج بسيوفها على البشر لتقول: أنا الجماعة.
إنتشر الإسلام بقوّةٍ هائلة عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا منذ القرن السابع، مقودًا بحماسة دينية هائلة حملت صيغة للنظام الكوني. وتغيّرت الظروف كثيرًا بعد تاريخ طويل من التفاعلات والعداء بين المجتمعات الإسلامية وبينها وبين المجتمعات غير المسلمة، لكنها تعود في الحادي والعشرين لتقدّم نفسها مجددًا أمام مسمّيات قديمة مثل”دار الحرب” كتوصيف للأقاليم المأهولة بغير المسلمين تطلّعًا إلى أن يصبح العالم كلّه نظامًا أحاديًا يتناغم مع الرسالة.
بالمقابل، عاشت المسيحية تواريخها الصليبية المريرة وإعتمدت الغزو والهداية القسرية دائبةً على رفع شأن رسالتها الكونية وجعلت فتح العالم هدفًا نهائيًا، لكنّ تلك الروح الصليبية ذوت في الغرب متّخذةً صفاتٍ علمانية تبنّت فيها التمييز بين “ما لقيصر” “وما للّـه”، وتبدو أيضًا صفات أقلّ دوامًا أو نهائيةً من الفرائض الدينية. وصارت المسيحية مفهومًا فلسفيًا وتاريخيًا بعيدًا من أن يكون نظامًا دوليًا”[28] .

إلى أين من هنا؟
إلى أمرين:
– الأوّل إنّني حاولت أن أظهر ما هي البنى الفكرية القمعية في السجن ولكنني لا أقول كيف يجب أن ينظّم السجن. ليس على الباحث أن يتنبّأ ويشرّع ويسنّ القوانين. إنّ دوره هو إظهار أنّه بإمكاننا دائمًا أن نثور لنغيّر الأوضاع المفروضة علينا، وأنّ أسبابًا تدعونا دائمًا وأبدًا إلى الإنتفاض والخروج من السجن العربي الكبير إلى سجن عالمي، ربّما هو أقسى منه لكنّه أوسع. إنّه التحفيز بالإنسان وبحريّته توصّلًا إلى البحث عن عالم هو بحاجة دائمة إلى البحث على حدّ ما كتب الشاعر الفرنسي رينيه شار. لست طالبًا النجاح في معايير الجامعات والمذاهب والنظريات، بقدر إستعمالها للتركيز على حريّة الفكر والقول والفعل بموضوعية متقنة، دونما التهوّر نحو أذيّةٍ جسدية أو حذف من الوجود.
– الأمر الثاني وهو فرضية جديرة بالتفكير والتأمل لا بل بالفعل، ترى بأنّ العرب والمسلمين واقعون، في عصر العولمة، تحت مرمى ما يمكن تسميته إصطلاحًا بـ”القذائف الحضارية”.

9- “القذائف الحضارية” فوق أرض العرب:
تبقى معضلة الإندماج بين الشعوب في الشرق الأوسط ، بشكلٍ عام، كما في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي، تستقطب وتتطلّب جهودًا جبّارة لم تنجح لكونها تلامس بلادًا لها حضارات متمايزة كثيرًا عند التجديد أو التحديث في التطبيق. ولهذا بقي الإنتباه الغربيّ والأميركي منصبًّا في استراتيجياته المتنوعة على تلك المناطق بشكل حثيث. فهل تقع بلاد العرب والمسلمين في الشـرق الأوسط في مرمى “القذيفة الحضارية” الثالثة أم أنها ما زالت بلادًا تتحمّل تداعيات القذائف الثلاث؟ وما معنى القذيفة الحضارية، بل كيف تكون المدافع والحروب مخازن لقذائف “حضارية” تتجاوز الحروب والخرائب وكوارثها الإنسانيّة؟
ليست الأسلحة الفتّاكة ولا المدافع الميدانية أو الطائرات هي التي تطلق قذائفها وصواريخها فقط فتحدث خرابًا وتهدّم أوطانًا. ولا المذابح ولا القتل أو الموت الذي يفرّغ من معانيه وآلامه وأحزانه إلى حدٍّ كبير في الحروب هو الذي يستحضر المستقبل. الحرب هي الفعل القاسي والنتيجة هي الأقسى. هناك المدافع الفكرية أو الحضارية التي تسبق الحروب المقرّرة وترافقها. لها أمكنتها وأزمنتها وأسبابها وثمارها، لكنّ نتائجها محكومة بمسارات الموت وتداعياتها مصحوبة حكمًا بالتغيير. تألف المدافع العسكرية الشعوب والأوطان تتعقبها عبر التاريخ لتعقبها أو تصاحبها المدافع الحضارية. وتظهر المتغيرات إجمالًا، بعدما تضع الحروب أوزارها وتستقرّ الدماء والنفوس. تطلق تلك المدافع أفكارًا وتأمّلاتٍ وعبرًا تقلب وجه العالم والناس، وتغّير الحضارات إغراءًأ وإقناعًا وتشكيكًا بعد أن كانت محوًا وتغييرًا وهدمًا وإعادة بناء. هي قذائف غالبًا ما تأخذ وقتها عقودًا وأزمنة ولها مفكروها وفلاسفتها ومؤسسوها ودولها. قد تصبح السياسة والسياسيون والدول والأنظمة نتوءآت قابلة للتعديل والتجديد وربّما للموت، لكنّ الأهمّ في قذائف من هذا النوع مدى الإدراك الفكري والوطني والقومي لما قد تظهره تلك عبر الأجيال والأزمنة، وهذا موضوع بحثٍ منفصل لا على المستوى المادي بل على المستوى الإنساني الدموي في الشرق والغرب على السواء.
في ضوء ما تقدّم، يمكن الإفتراض أنّ العالم قد عرف، عبر التاريخ البشري الحديث، قذائف فكرية أو “حضارية” بين قوسين بالطبع، لعدم إستقرار نهائي وتاريخي لمفهوم الحضارة، ولأنّها تحمل الوجه الآخر للحروب التي تختلط فيها المحارق والتأثيرات الماديّة بالتحولات والتفاعلات الفكرية والثقافية. ونحن ربّما نشهد أزمنة مشابهة طويلة مستقرّة، وويلاتها الآنيّة واقعة في بلاد العرب والإسلام، وقد تستغرق زمنًا طويلًا متقطّعًا بحروب كبيرة وصغيرة مختلفة الهويات، لكنّنا لن نجازف قطعًا بمدى ما ستتركه تلك القذائف سلبًا أو إيجابًا.
كانت القذيفة الثوروية الأولى على يدّ مارتن لوثر[29] الذي كتب في 1517 وهو في التاسعة والعشرين، 95 أطروحة على باب الكنيسة في ويتنسبرغ في إلمانيا مؤكّدًا علاقة الفرد المباشرة بالرب مولّدًا مناخًا من التنوّع السياسي والديني في أوروبا. وفي خلال 55 سنة أي بدءًا من العام 1509، عمّت معه حركة الإصلاح الديني في إلمانيا، وأسوج والنروج والدانمرك وسكوتلندا ثمّ حملها يوحنا كالفينوس إلى فرنسا وسويسرا ثمّ انتقلت إلى إنكلترا فأميركا الشمالية وتشعّبت الحركة إلى تشظّيات من الكنائس التي تختلف عن بعضها البعض في عقائدها وطقوسها. لقد نسفت تلك “القذيفة” مفهوم النظام الإمبراطوري البابوي لتحلّ مكانه الدولة والسلالة. وبما يشبه الحريق الشرق أوسطي المندلع في زماننا هذا، حصلت حرائق وجرى صراع مماثل بين الكاثوليك والبروتستانت. وغرقت الدول بتحالفات طائفية كان يجري إستحضارها كأدوات للتضامن والتحريض والقتال. ما من فريقٍ إلاّ جرى التخلّي عنه عند أحد منعطفات الحروب من قبل حلفائه الطبيعيين. يمكن الإقتراح بأنّ هذه “القذيفة” الأولى كانت في أساس مرحلة التبشير وحركة الإصلاح الديني بقيام ثورتين اجتماعيتين، أسهمتا في تغير خريطة البشرية، هما الثورة الإنجليزية والثورة الفرنسية التي يمكن إعتبارهما قذيفةً حضارية ثانية، وكانتا ثورتي أفكار بالدرجة الأولى.
في بحثه الطويل عن النظام العالمي الجديد، يطرح هنري كيسنجر النظام “الوستفالي” كطبعة أبدعتها ثلاثون سنة (1618- 1648) من الحروب في الإمبراطورية الرومانية المقدّسة (إلمانيا اليوم) وثمانون عامًا من الحروب بين إسبانيا وجمهورية الأراضي السبع الواطئة المتّحدة التي تزاوجت فيها النزاعات السياسية والدينية وقضى فيها ربع سكّان أوروبا بسبب القتال والمرض والجوع. ومضت أميركا بهذه الطبعة بوصفها الإطار المناسب لنظام دولي، بعدما صارت الكنيسة الضحيّة الخفيّة لتلك المحارق، إذ منعت الكنيسة عن قرار إعادة أملاكها، ومكّنتها من إخراج الإصلاحات البروتستانتية الهائلة. أفضت كلّها إلى معاهدة وستفاليا باللغة الفرنسية والتي تمّ التوقيع عليها في العام 1648. وعدّت أوّل إتفاق دبلوماسي في العصر الحديث أرسى نظامًا جديدًا في أوروبا عنوانه المباشر إستيعاب الواقع الدموي المرّ، وعنوانه السياسي حق مبدأ سيادة الدول على أراضيها، والإقرار بحقّ كل طرف بإختيار بنيته الداخلية وعقيدته الدينية بعيدًا من أيّ تدخّلٍ، وترك حريّة الأقليّات بممارسة طقوسها بسلامٍ ومن دون أيّ إكراه[30].
يمكننا التذكير، في هذا المجال، بالوثيقة الريادية الإنكليزية الأبرز في مجال حقوق الإنسان والحريات وتقييد السلطات المطلقة، التي سبقت لوثر، وعرفت بالـ Magna Carta Libertatum أو الماجنا كارتا بمعنى الميثاق الأعظم للحريّات الصادرة في العام 1215, والتي حدّت من حريّات ملوك الإنكليز وسلطاتهم المطلقة في الحكم، مع العلم، أنّها وثيقة إستلهمت روح الميثاق الذي سبقها, وكان قد أصدره ملك بريطانيا هنري الأوّل بعد تسلّمه العرش في العام 1100, قيّد بالقوانين سلطات المسؤولين سواء أكانوا من رجال الدين أو من النبلاء.[31] شاع مبدأ التعدّدية وسيادة الحريّة والمساواة مفهومًا ومنطلقًا حضاريًا، إنجذب إليه الكثير من المجتمعات في سائر القارّات بوصفه دعامة لمستقبل النظام الدولي. وحصرت السلطات الدينية في إطار الوظائف الكنسيّة ليطلق نابليون بونابرت من فرنسا في 14 تمّوز من العام 1789 “القذيفة” الفكرية أو الحضارية الثانية التي زعزعت الأنظمة القديمة في فرنسا, وألغت الفكرة الملكية من جذورها. وفي تجويفتها عبّأ هذا القائد العسكري معظم الفكر التغييري الديمقراطي وإعلان حقوق الإنسان والأفكار التي راكمتها فلسفات التنوير وأحلامها وقصائدها ومنطقها “وهدم بذلك صرح الطين والوحل وبعثرت كومة الغبار التافهة عن الإنسان لتضعه على الطريق الصحيح”[32]على حدّ قول ديديرو.
كانت الملكيات قد وظّفت الدولة لخدمة سلطاتها ومصالحها، لكنّ الثورة الفرنسيّة وظّفت الشعب وقادته لتنفيذ ثورتها. لقد هزّ نابليون العالم بفكرة إعادة تنظيم العالم وفق مرجعيّة غير دينية على الإطلاق “وهي المرجعيّة المسيحيّة التي توّجته إمبراطورًا في 1804، حيث رفض تناول المشروعيّة من سلطة البابا رأس الكنيسة، وخصوصًا عندما تناول التاج الإمبراطوري من يدي البابا ليضعه هو ينفسه فوق رأسه متوّجًا نفسه إمبراطورًا”[33]. أصابت تلك “القذيفة” المسيحية في الصميم، وهي لم تفرغها من مضامينها وطقوسها، لكنّ شأن الدين تراجع من بعدها في أوروبا. ولم تعد البابوية قوة سياسية عظمى، بل تقدّم الأمراء وبرزوا أسيادًا لعقائد رعاياهم ومستقبلهم وإستقرارهم.
كان من نتائج هاتين القذيفتين والثورات والتحولات التي أعقبتها الدساتير الجديدة التي أقرّت بحقوق الأفراد ولاسيّما حق الإنتخاب وإضعاف الحكم الفردي وتوطيد النظم الديمقراطية، أن شاعت روحهما في سائر بلاد أوروبا والعالم.
مجدّدًا نسأل: أننسى أنّ نابليون قد جاء بحملته إلى بلادنا من مصر وأنّنا منذ ذلك التاريخ نعلّم أجيالنا ونقرأ في الكثير من كتبنا وكراريسنا بأنّ النهضة العربية التي أعقبت عصور الإنحطاط العربي قد تمّ تحديد تاريخها منذ العام 1789 تاريح حملة بونابرت إلى الشرق؟
هل يمكن إعتبار الثورة البولشفية قنبلة “حضارية” ثالثة؟ نعم ولا.
كانت دوافع وظروف دولية ومحليّة مماثلة للثورة الفرنسيّة دفعت إلى إطلاق ما نتردّد في تسميته بـ”القذيفة” الثالثة أي “الثورة البولشيفية”، بعد قرنين تقريبًا (1917)، إذ وضعت مساحات شاسعة من آسيا وأوروبا أعني الإتحاد السوفياتي وبلدان أوروبا الشرقية في عدائيّة قسرية مطلقة مع الدين دامت عقودًا سبعة. لا يمكن الركون إلى تسمية هذا التحوّل من الأرتوذكسيّة إلى الشيوعية بـ”القذيفة بالثالثة” موضوعيًا، لأسباب متعددة تاريخية، أوّلها أنّ روسيا الواقعة في أوروبا والمسترخية بين قارّتين من دون أن تكون منهما وفيهما تمامًا، أضاعت قبلتها الدينية الخاصة أعني القسطنطينية وبعدها سقطت الإمبراطورية الرومانية بأيدي المسلمين في 1453، حيث تحوّل القيصر إلى حاكم مطلق ورمز عالمي يتطلّع إليه المسيحيون في العالم آملين بإستعادة بيزنطية، حالمين بكنيسة كونية عظمى تبسط عظمتها على كوكب الأرض. صحيح أنّ روسيا جذبت طموح نابليون بفعل وسعها وغموضها القارّي، وصحيح أن قيصرها ألكسندر قد صبّ جيوشه في قوالب حديدية ساعدت في دمار نابليون وهتلر على السواء، إلاّ أنّ الأصح، أنّ التمهيد لعالمٍ جديد ديني طامحٍ للتعجيل بمجيء المسيح دفع تلك القوّة الماركسيّة إلى إلغاء الكنيسة وتفريغها، ثمّ ما لبثت أن وقعت، بعد سبعة عقود، مجددًا في ما يشبه الدين بعد إنهيار المنظومة الإشتراكية في العالم عبر ما سمّي بـ”البريسترويكا” التي تعني إعادة البناء عبر برنامج الإصلاحات الاقتصادية، الذي أطلقه ميخائيل غورباتشوف رئيس الإتحاد السوفياتي (1991) وصاحبت فكرته سياسة الشفافية ومحاربة الفساد.
هذا التحوّل بين عقائد الدين واللادين، تدفع إلى إعتبار تلك “القذيفة الثالثة”، بأنّها لم تستغرق في التاريخ لإستبداديتها في فلسفة الحكم، ولأنّ التفكير بتجهيزها بدأ أميركيًا وعالميًا مع نهاية الحرب العالمية الثانية وطيلة الحرب الباردة. وضعت تلك “القذيفة الثالثة” العالم كلّه لا الإتحاد السوفياتي وحسب في مناخ جديد، وبدأ العالم وكأنّه يعيش طورًا إنتقاليًا يواجه فيه معضلات خاصة وغامضة تتأرجح فيها بين الإستقرار والتقدّم وهواجس الحروب العالمية الجديدة لكن بطبعاتٍ متشظّية.
هذه المعضلات الحضارية تنعكس اليوم أكثر تعقيدًا في البلدان العربية والإسلامية وما خلفهم من قوى ومصالح وأطماع إلى درجةٍ لا يتّضح فيها إن كانت بلادًا واقعة تحت المدفع أو القذيفة الرابعة، أم أنّ قاطنيها ما زالوا يعانون من تداعيات المدفع أو القذيفة الحضارية الثالثة التي ساهم المسلمون في إطلاقها وشكّلوا أدواتها البارزة في قصم ظهر النظام الشيوعي لإلحاده.

الخاتمة
في ضوء ما تقدّم، يتيه الباحث فوق الدروب الكثيرة الوعرة ومتفرّعاتها. يبرز أوّلها بالعودة إلى نخل النظريات والأفكار والأسئلة التي تخمّرت في جغرافية واسعة غنيّة مثل بلدان الهلال الخصيب المخضّب بدمائه، أو يسلك ثانيًا في الممرّات الضيّقة نحو لبنان أو لإجتيازه نحو سورية والعراق بحثًا عن معاينة ركام الفكر العلماني والبعثي أو ركام “الربيع العربي وثوراته”، مطالبًا بصحوة المسلمين في الشرق الأوسط، أو يقظة الأقليّات وإمكانات إقتلاعهم من معظم الأقاليم.
دفعت هذه الحالة في العودة إلى الإسلام لا إلى تخفيف الأدرينالين في دماء الأطراف المتصارعة، بل إلى يقظة التاريخ الدموي والصراعات المطمورة تغذّيها يقظات إسلامية معلنة وخفية قائمة في إجتهادات لا تنتهي في أصول الحكم وأحقياته في بلاد المسلمين الأخرى من المغرب إلى أقاصي آسية مرورًا بالمملكة العربيّة السعودية وبلدان الخليج لا علاقة لها بروح الدين الإسلامي، بقدر ما لها علاقة بتشابكات الأنظمة والمصالح السياسية والبحث عن نظام عالمي جديد ما زال غامضًا.
تتقاطع الدروب المتشعّبة في التغيير في عصر العولمة، ويمحو معالمها الكثير من العشب البرّي اليابس والشوك بالمعنى الفكري والإيديولوجي في أسئلة كثيرة تزاحمت في ما يمكن تسميته بتجدّد الدين أو إحيائه أو التديّن الجديد العابر زلازل في دروب الشرق والغرب، أو في قراءات متجدّدة أيضًا أطمح إلى محو الفروقات الفكرية الجوهرية نهائيًا بين الشرق والغرب إلى درجة محو ملامح حدود العظمة الدولية، بعدما سقط مصطلح العالم الثالث نهائيًا، وسقط معه الفكر التوفيقي والمنظومات التي تتوخّى عدم الإنحياز، كما راحت تسقط معه مفاهيم العظمة الدولية الأحادية التقليدية.
تتداخل النهايات بالبدايات. وقد تسترخي “القذائف الحضارية”، وتتمدّد حقولها فوق أرض العرب والشرق الأوسط، بصرف النظر عن مفاعيلها الدموية في البقع الملتهبة، حتّى بروز خطّ الزلازل التي نسمع وقعها اليوم في أرضنا ومن حولنا وفي العالم، وكأنّنا أمام مشروع يتطلّع إلى أخذ الإسلام من الخلف، فيما يضرب أهل هذا الدين ويتشظّون على شواطيء المتوسّط، توخيًا إلى ضمّ روسيّا إلى الكثلكة بهدف تبشير آسيا، ويتحقّق الحلم الأكبر بنقل البابا إلى القدس ليصالح الشرق ويصالح الإسلامي آنئذٍ دين إبراهيم. تمرّ أزمنة دموية طويلة متقطّعة، نتذكّر عبرها، بأنّ يأس الكنيسة الغربيّة المزمن من مصالحة الشرق الأرثوذكسي حدا، ربّما، بالعمل الحثيث على تفتيت الشرق الأوسط والمسلمين في شتّى الأمم”[34].

مصادر

[1]- قد يكون مؤلّف فرانسيس فوكوياما، “نهاية التاريخ”، الإشراف والمراجعة والتقديم د. مطاع صفدي، ترجمة، د. فؤاد شاهين جميل قاسم ورضا الشايبي، مركز الإنماء القومي، بيروت، لبنان، 1993 من المؤلفات التي راجت بالمعنى السياسي والفكري وترجم لمعظم اللغات. وقد إعتمدت في إقتباساتي من “نهاية التاريخ” ترجمة وتعليق الدكتور حسين الشيخ، دار العلوم العربيّة، بيروت، لبنان، 1993. وعندما كتب فوكوياما “نهاية التاريخ”، اعتبر ذلك بداية بزوغ مرحلة “البراغماتية”، وسيادة قانون المنفعة وإعلان موت الإيديولوجيات. وتختصر فكرة فوكوياما بـ”نهاية التاريخ” بما يمكن تسميته إنتصار الديمقراطية الغربية الحرّة الذي أوصد باب التاريخ حيث لن يعود أمام الغرب(أوروبا وأميركا) ما ينتظره من جديد، وخصوصًا بعد إنهيار الفكر الماركسي والميل العالمي نحو النظام الحر. هناك كتاب آخر: “نهاية العالم”، للدكتور عادل خيراللـه، دار ملينيوم للنشر والترجمة، بيروت، من دون تاريخ، اعتبر فيه بأنّ الإنسان يشارف النهاية بسبب مخاطر الأمراض الجديدة والتقنيات الهائلة التي تهدد العالم، خالطًا العلم بالأسطورة بالفكر السياسي الموجّه.
[2]- فرانسيس فوكوياما، المرجع نفسه، ص: 194
[3]- “الواشنطن بوست” Washington Post، 21 تشرين الأول/أكتوبر 1984، وكان قد صرّح به لمجلة People الأميركيّة في 6 كانون الأول/يناير 1983.
[4]- ورد هذا التصريح للرئيس الأميركي رونالد ريغان في جيروزاليم بوست Jerusalem Post في28 تشرين الأول/أكتوبر، 1982، مقتبس عن: “يوسف الحسن: البُعد الديني في السياسة الأميركية”، مركزدراسات الوحدة العربية، بيروت، 1990، ص 172.
[5]- لمزيدٍ من التفاصيل في الشروحات النظرية المعاصرة للحركات الألفية راجع:
Stephen Jay Gould, “Millenium, Histoire naturelle et artificielle de l’an 2000”, éd. duSeuil, 1998, pp.5-18
[6]- Marguerite-Marie Thiollier, “Dictionnaire des religions”, 3ème éd.,éd. Sycomore, Paris, 1984.
[7]- من حوار أجراه أحمد فرحات معه في باريس في العام 1975، ونشر مقاطع منه ثمّ نشره كاملًا في مجلة “الكفاح العربي” بيروت آذار/مارس1985بمناسبة 10 سنوات على رحيله. أنظر أيضًا:
[8]- Thompson Brian: “Nul n’est prophète”: Malraux et son fameux “XXIe siècle”», Revue André Malraux review, vol. 35, 2008 : «Malraux et les valeursspirituelle du XXIe siècle (I)», p. 68-81.
[9]- فرانسيس فوكوياما، المرجع نفسه، ص: 6-7.
[10]- Samuel P. Huntington, “Le choc des civilizations”, Paris, Odile Jacob, poches, 1996.
[11]- فرانسيس فوكوياما، المرجع نفسه، ص: 30-39، وأيضًا ص:55-66 .
[12]- Pierre accoce, “Ces malades qui nous gouvernent”, Paris,Stock, 1996.
[13]- Nassim elKhoury, “Introduction à la modernité Arabe”, éd. dar al-Hadatha, beyrouth, 1986. P.22
[14]- Paulo Coelho, “l’Alchimiste”, trad. Du portugais (Brésil) par jean Orecchioni, J’ai lu, p. 53)
[15]- كمال الصليبي، “تاريخ لبنان الحديث”، دار النهار للنشر، بيروت، لبنان، 1969، ص: 167.
[16]- غسّان سلامة، “الجامعة والتكتّلات العربيّة”، ندوة حول جامعة الدول العربية: الواقع والطموح، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 28 نيسان/إبريل- 2 أيّار/مايو 1982، تونس.
[17]- رياض نجيب الريّس، “المسيحيون والعروبة”، دار رياض الريّس للكتب والنشر، بيروت، لبنان، 1988، ص:81.
[18]- نسيم الخوري، “تفجير الحبر”، دار المنهل اللبناني، بيروت، لبنان، 2009، ص: 346 . نص بعنوان: “الديمقراطية المستوردة”
[19]- الأنباء، الثلاثاء 13 آب، 2013، وأيضًا الصحف والوكالات، ويعثر القارىء على الكثير من التصريحات والدراسات المشابهة التي تدور حول التناقض بين الديمقراطية والشريعة.
[20]- نظّم الدكتور عدنان الأمين رئيس “الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، في 7 تمّوز 2015، في مركز الهيئة في بيروت، لقاء متعدد الصوت عن “تعليم التكفير” تخلله قراءة لمجموعة من المقالات المنشورة في مجلّة الثقافة الجديدة المصرية، التي تصدر عن وزارة الثقافة المصرية، عدد آذار 2015، شارك فيها مجموعة من الأساتذة من خبرات متنوعة في موضوع الدين والمجتمع وما رصدوه عن تعليم التكفير في الكتب المدرسية في مدارس الأزهر والتي ينتسب إليها عدد كبير من أبناء مصر. ثمّ تطرّق الدكتور الأمين لتلك الظاهرة في مقابلةٍ له في صحيفة النهار،بيروت، أجرتها معه روزيت فاضل، 15 تموز، 2015.
[21]- للمزيد من التفاصيل راجع: أحمد رحيم، “قيادات كنسية تدعو إلى تجديد الخطاب الديني”، صحيفة الحياة، الأحد، 2 آب، 2015، ص:4
[22]- صحيفة الديرشبيغل، 6 آب/أغسطس 2014.
[23]- www.peyamner.com/Arabic/PNAnews.aspx?ID
[24]- أتصوّر أن الكاتب المصري السيّد يسين قد نشر مقالته بعنوان “تأسيس العقل النقدي قبل تجديد الفكر الديني” في صحيفة النهار، بيروت، 23 تمّوز، 2015، بعدما إطّلع على ما ورد في حلقة “تعليم التكفير” التي سبقت الإشارة إليها في الحاشية رقم 18، من دون أن يشير اليها.
[25]- هناك ظاهرة ثقافية مصرية ملحوظة وناشطة في نقد الفكر الديني يأخذ فيها أساتذة الجامعات المصرية حيّزًا ملحوظًا وتفتح لمقالاتهم الصحف المصرية صفحاتها . وقد يكون أستاذ الفلسفة الدكتور علي مبروك الكاتب في جريدة الأهرام مثالًا لافتًا في محاضراته ومنشوراته الجريئة جداَ في هذا المجال.
[26]- هنري كيسنجر، “النظام العالمي”، تأمّلات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة فاضل جكتر، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 2015، ص 222.
[27]- المرجع نفسه، ص، 209.
[28]- المرجع نفسه، ص، 11 –18
[29]- مارتن لوثر(1546-1483) هو زعيم الإصلاح الديني. بدأ من إلمانيا من رهبانيّة القدّيس الإوغسطيني. إنفصل عن الكنيسة في شوؤن الغفران وسلطات البابا والتبتّل وإكرام القدّيسين والنذور الرهبانيّة والمطهر والمقدّس. نقل التوراة إلى الإلمانية بأسلوبٍ رائع وغدت ترجمته من آيات النثر الإلماني البديع. راجع: Dominique et Michele Fremy, Quid 2013, Robert Laffont, Paris
[30]- للمزيد من التفاصيل راجع: المرجع نفسه وأيضًا هنري كيسنجر،المرجع نفسه، ص، 14 و 15و 28- 35 و 106-115.
[31]- إعتمدت هذه الوثيقة قانونًا عام 1225م، وما تزال النسخة التي صدرت عام 1297م، ضمن كتب لوائح الأنظمة الداخلية لـ إنكلترا حتى الآن. كان هذا الميثاق جزاء مهمًا من عملية تاريخية ممتدة أدت إلى حكم القانون الدستوري في الدول الناطقة بالإنكليزية وألهمت وثائق دستورية أتت بعدها من ضمنها دستور الولايات المتحدة.للمزيد من التفاصيل راجع: الوثيقة العظمى:
[32]- مقتبس عن: هنري كيسنجر، المرجع نفسه، ص، 47.
[33]- المرجع نفسه، ص،52.
[34]- نسيم الخوري، “عروبة الممكن وعروبة الإستحالة”، محاضرة ألقيت في نادي اللقاء الثقافي في 14 كانون الأوّل/ديسمبر 1980 ، دار الفن والأدب بإدارة المرحومة جانين ربيز ضمن سلسلة” العرب قراءات جديدة” وحاضر فيها غسّان تويني والمطران جورج خضر، بيروت، ونشرت على حلقتين في جريدة السفير، بيروت 23-24 كانون الثاني/يناير 1991، ثمّ جمعت المحاضرات ونشرت في كتاب بعنوان: المسيحيون العرب، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1981.

“The cultural missiles” above the Middle East
Professor Nassim el Khoury

The term “endings” in the world mentality has been popular ever since Humanity began to move forward towards the 3rd Millennium and the 21st century took the name of the century of religion.
We cannot confirm the extent of the full awareness of the Arabs and Muslims with regard to the significance and dimensions of awakening the religious and confessional conflicts, which formed a massive agent that assisted in pushing forward the change. They seem as if they have overlooked a basic strategic factor that resided in the strategies of the west, on top of it are the United Stated of America and which aims to convulse and dismantle comprehensive regimes, not only in the region of Arabs and Muslims, but in the whole world.
It is safe to say that the aspects of contradiction between the philosophy of power and the formulas of tyranny have gained strength to a large extent, although it has not succeeded in bringing down many modern dictatorships and parties that no longer enjoy the support of the people’s sectors. Moreover, it was normal for these general climates to affect the Arab and Islamic region that has produced the “revolutions of the Arab Spring” that were rejected by a popular refusal enrooted in the west, notably in the USA and by the emanation of religion and confessions, which outs us not only in the century of religious conflicts, but in the massacres of confessional conflict.
The interlacing paths of change intersect in the era of globalization with seismic action in both the East and the West with milestones being wiped off as a result of many thorns and weeds in the intellectual and ideological meaning of the word while many questions jostled in what can be named as the renovation or revival of religion, or the short-lived new trend toward religiousness. These paths intersect once again in renewed readings that aspire to eradicate major intellectual differences in a permanent manner between the East and the West to the extent of wiping off the boundaries of International mightiness after the term of “the third world” ceased to be valid permanently and brought down with it the conciliatory notion and non alignment organizations while bringing down the concepts of the traditional international unipolar mightiness.
« Les bombes civilisées » lancées par dessus du Moyen-Orient
Le Professeur Nassim el-Khoury

On ne peut affirmer complètement que les Arabes et les musulmans sont tout-à-fait conscients des significations et des répercussions de la réanimation des conflits religieux et doctrinaux qui forment aujourd’hui un facteur énorme servant d’aide à causer un changement. En effet, il parait qu’un facteur stratégique a échappé aux Arabes à ce niveau, un facteur basique au niveau des stratégies des pays de l’Ouest et à leur tête les États- Unis. Il s’agit d’un facteur ayant pour but la déstabilisation des régimes intégraux, cherchant à les détruire, non seulement dans les pays arabes, mais aussi à un niveau mondial.
On peut donc dire que l’opposition présente entre la philosophie de la force et les formes de despotisme se sont renforcées à grand titre, malgré le fait qu’elles n’ont pas réussi à renverser un grand nombre de régimes et de partis dictatoriaux modernes qui ne font pas l’objet d’un consensus des diverses classes du peuple. Il fut donc normal que ces climats généraux frappent les régions arabe et islamique qui ont été les concepteurs des « révolutions du Printemps arabe» qui furent avortées à cause d’un refus populaire enraciné de la part des pays de l’Ouest, notamment de l’Amérique et à cause de l’apparition des religions et des doctrines, chose qui nous rend non seulement au sein d’un siècle de conflits religieux mais aussi au sein des massacres et du brasier du conflit doctrinal.
Cependant, le trajet du changement, surtout à l’ère de la mondialisation, n’est point facile. Il s’agit d’un trajet rempli de porches et de ramifications. Un trajet dont les traits sont camouflés par des épines, au sens intellectuel et idéologique du terme, et ce à travers diverses questions encombrées au sein de ce qu’on appelle le renouvellement et la réanimation de la religion. De nouvelles lectures aspirent à supprimer d’une manière définitive, les différences intellectuelles de fond existant entre l’Est et l’Ouest au point d’effacer les aspects de la limite de la grande majesté internationale, après que le terme du tiers monde fut complètement annulé.

باحث وأستاذ مشرف في المعهد العالي للدكتوراه، الجامعة اللبنانية/مجلة “الدفاع الوطني” اللبناني