الرئيسية / سلايد شو / مصيبة ترك الأوطان رهينة تقلبات أسعار النفط
Algeria-money

مصيبة ترك الأوطان رهينة تقلبات أسعار النفط

بعد أزيد من نصف قرن على استقلالها النظري، لا تزال الدول العربية عموما رهينة الاعتماد على المورد الوحيد في موازناتها السنوية، والذي هو النفط والغاز في معظم الحالات. مورد تنتعش بانتعاش أسعاره أوضاع موازنات الدول العربية المختلفة، وتنتكس بانتكاسته أوضاع مختلف قطاعاتها، كون صادراتنا منه تكاد تكون هي البند اليتيم في هذه الموازنات الهشة.

ولو نظرنا إلى منطقتنا المغاربية التي تتوفر على كميات متفاوتة من النفط والغاز (باستثناء المغرب)، فسنجد أن الصورة لا تختلف كثيرا عن نظيراتها العربية. صحيح أن ليبيا والجزائر تمتلكان كميات أكبر من هذه الثروة مقارنة مع تونس وموريتانيا، لكن الصحيح أيضا أنها تشترك في عدم الاستفادة منها في تطوير اقتصاديات قابلة للبقاء والنمو وقادرة على الإجابة على تطلعات المواطنين.

ما يغيظ أكثر هو أن حكومات المورد الوحيد، وفي سنوات الوفرة وارتفاع أسعار النفط، وتدفق الدولارات إلى خزينتها، تتفنن فيما بينها في إهدار هذه الثروات كل بطريقتها، تارة بمراكمة ترسانة ضخمة من جميع أنواع الأسلحة بشكل يصعب تبريره سوى بما يكسبه المتنفذون على هامش هذه الصفقات من عمولات، كما هو الحال في الجزائر، وتارة تهدرها في صفقات “رشوة” اجتماعية، ذات المفعول سريع الزوال، كونها لم تأت في سياق تنموي متكامل، وهو ما حاولت عبره الجزائر وموريتانيا شراء “استثناء” مصطنع من تبعات موجة الحراك الاجتماعي التي هزت أركان معظم الدول العربية. أما ليبيا، فتتكفل ميليشياتها المختلفة بإهدار كل ما يمكن جنيه من موارد نفطية، في حرب نفوذ عبثية بين أمراء حرب هم أبعد ما يكونوا من السياسة وهموم المواطنين، بينما يهدر الاستقطاب التونسي سياسيا واجتماعيا، ناهيك عن هشاشة الأوضاع الأمنية، ما تراكمه سنوات الرخاء، رغم ضعف ثرواته النفطية.

ولتكتمل الصورة، تطالعنا أساليب هذه الحكومات في التعامل مع انخفاض الموارد الناجم عن انخفاض أسعار النفط والغاز عالميا، حيث تبدأ مطالبات المواطنين المقهورين أصلا بمزيد من شد الأحزمة، وتبدأ أخبار الموازنات التقشفية وتوقف مشاريع الرشوة الاجتماعية بالتوارد تباعا، ليجد المواطن نفسه خاسرا في الحالتين، حالة هدر موارد ارتفاع أسعار النفط، وحالة التقشف الناجمة عن انخفاض هذه الأسعار.

صحيح أن المغرب يعاني بدوره من تكلفة فواتير المحروقات، لكنه خلافا لجيرانه ينتعش بانخفاض أسعار النفط ويعاني من ارتفاعها. ولغياب هذا المورد الهام من هيكل اقتصاده، يكاد يكون الوحيد (وبدرجة أقل تونس) الذي نجح في تنويع مصادر دخله، وفي وضع أسس أكثر صلابة لاستقرار أوضاعه الاجتماعية، وإن كان ذلك قد تم بأثمان اجتماعية عالية تحملها المواطنون نتيجة رفع الدعم عن معظم السلع.

والآن، ومع الانخفاض الكبير لأسعار النفط، وترشيح مختلف التحليلات هذا الوضع للاستمرار حتى نهاية العام المقبل على أقل تقدير، يبدو الأفق مظلما بالنسبة لهذه الحكومات، لاسيما تلك التي تضع بيضها كله في سلة مداخيل النفط، متوجسة من تأثيرات هذا الوضع على استقرار الأوضاع فيها، ومؤملة أن تتكفل معجزة ما بتغيير هذا الوضع ولو جزئيا، ومفكرة في سيناريوهات بديلة لا تقل عبثا وخطورة، من قبيل إلهاء الرأي العام بأزمات ومشاكل مصطنعة تحرف الانتباه عن عقم سياسات الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال، والتي لا ديمقراطية صنعت ولا رخاء جلبت، بل وصار صعبا عليها حتى ضمان الكفاف لمواطنيها.