الرئيسية / سلايد شو / في قداسة مبدأ “الوحدة الترابية”..
pizap.com14395561907041

في قداسة مبدأ “الوحدة الترابية”..

يتلفت أبناء الوطن العربي شرقا وغربا فلا يطالعون إلا ما يدمي القلب ويحزّ في النفس، على حال أخوة في الدين والوطن تكالبت عليهم المصائب في كل من العراق وسوريا واليمن وليبيا. وتزيد نفوسهم انقباضا وهم يتحسبون لما تحبل به الأيام لكثير من الدول العربية الأخرى، التي تحاول أنظمتها الترويج لحالة من الاستقرار المصطنع، كونه لم يؤسس على حالة ديمقراطية حقيقية، بما تفترضه من تعددية سياسية وانخراط مختلف القوى السياسية داخل إطار العملية التداولية السلمية على السلطة، ورضى الجميع بما تفرزه صناديق الاقتراع. وهنا يحق للمغاربة أن يفخروا أن هذا الشرط الأخير غير متحقق إلا في بلادهم حصريا، من بين الدول العربية قاطبة.
أهم هذه المصائب التي تتهددنا، والأدهى أننا نحثّ الخطى نحوها بتسارع، يتجسد في كون الكثير من أقطارنا العربية تسير باتجاه موجة أخرى من التفتيت، حيث نقف على أعتاب دولتين في اليمن وثلاثة في العراق ومثلها في ليبيا، وأربعة في سوريا، وربما نشهد بعدها انتقال هذه العدوى إلى دول أخرى قد تبدو بعيدة حاليا عن هذا المصير. لقد سببت المؤامرات الغربية في “سان- ريمو” و “سايكس- بيكو”، جرحا غائرا في الذاكرة الجمعية لأبناء الوطن العربي، عندما مزقت نسيجا مجتمعيا لطالما كان وحدة واحدة على مدى قرون، يستطيع أهله التنقل والتجارة والتزاوج فيما بينهم دون حدود أو حواجز، على رغم تباين واختلاف لهجاتهم ودياناتهم ومذاهبهم وأعراقهم، لأنها ببساطة أمة صنعها الإسلام وفق فلسفة إلهية، تعتبر أن هذه الأرض كلها هي “أرض الله”، وأن ما عليها من شعوب وقبائل هو بهدف الغنى “والتعارف”، وأن أساس التمايز بين أبنائها هو “التقوى”.
وعلى مدى عقود الاستقلال في مختلف الأقطار العربية، لم تنجح الدولة القطرية نتيجة تبعيتها للغرب واستبداد أنظمتها وتحالف لوبيّات العسكر والمال فيها، في تأسيس مواطنة حقيقية تبني على ما بين المواطنين من مشتركات ترسّخت على مدى قرون عمر “الدولة- الأمة”، وتستطيع أن تستغل ما بينهم من تباينات عرقية ودينية ولغوية ومذهبية وجهوية في خلق حالة من الغنى والتنوع، لفائدة الوطن والمواطن، فراكم ذلك ما نجده الآن من خنادق ومعسكرات وأسوار بين أبناء الوطن الواحد، مما يوشك أن يترجم عبر ما يبشروننا به من أشكال “قزمة” من “الدولة- الطائفة” و “الدولة- القبيلة” و “الدولة- المذهب” و “الدولة- العرق” و “الدولة- الجهة”.. وغيرها من الأشكال المسخ.
مما تقدم، يمكننا أن نفهم عمق فلسفة وبعد نظر بلد كالمغرب، يرتقي بالوحدة الترابية إلى مرتبة “القداسة” على قدم المساواة مع مكوني اللحمة الوطنية الآخرين، والتي تبقي مجتمعة البلد مستقرا والمواطنين آمنين، ونقصد: الإسلام والملكية. إن الوحدة الترابية هي شيء أعمق بكثير من مجرد جغرافيا، إنها مبرر وجود وضامن حياة، لاسيما بالنسبة لبلد عاش بدون التعرض لانقطاع تاريخي ولا حكم خارجي منذ أزيد من أربعة عشر قرنا، وهو الأمر الذي يشكل حالة عالمية وإنسانية فريدة، مع اختزان ذاكرته لأشكال راسخة من “الدولة- الإمبراطورية” بشكل لا نبالغ إن قلنا أنه يتجاوز بكثير تراث بغداد “العباسية” و دمشق “الأموية” و القاهرة “الفاطمية”، بل وحتى الدول الإمبراطورية المجاورة، ونقصد طهران “الفارسية” و اسطنبول “العثمانية”، وهي كلها عواصم وحواضر لدول إمبراطورية بسطت نفوذها على ما يتجاوز حدودها بآلاف الأميال، لعقود وقرون لا تقارن بأي حال “بالإمبراطورية الشريفة”.
وهنا نقول، إن جريمة النظام الجزائري، وهو يقف خصما معلنا لوحدة المغرب الترابية، تحت حجة “حق تقرير المصير” لمكون مجتمعي هو جزء أصيل من “الدولة- الإمبراطورية” بل والدولة القطرية المغربية، لا تكمن في كون موقفه هذا مناف لحقائق التاريخ والجغرافيا، ومتنكر لروابط الدم والنضال بين الشعبين الشقيقين، ومعاند لقواعد القانون والجوار، ومقطع لأوصال منطقة المغرب الكبير بأكملها، بل يتعدى ذلك كله ليرقى إلى مصاف كونه مخالفة شرعية وخيانة وطنية، في حق المغرب، وقبلها في حق الجزائر. إن مساندة حق كل مكون اجتماعي في تأسيس دولة المذهب أو القبيلة أو الجهة أو العرق، إهدار واضح لمصالح المواطنين بشكل يبرر اعتباره مخالفة لصريح المقاصد الشرعية، وتفتيت لأوطان لطالما سعت قوى الهيمنة لإنجازه ليسهل لها تأبيد سيطرتها على مقدرات وطننا العربي، الأمر الذي يجعله دون جدال خيانة وطنية.

للمزيد: “الجزيرة” والترويج لخرافة “حق تقرير المصير للشعب الصحراوي”
إن تغذية النزعة الانفصالية لدى مواطني منطقة معينة في المغرب بحجة أنهم يلبسون “دراعة” بدل “الجلابة”، أو يتحدثون “الحسّانية” بدل “الشلحة”، تعطي مطلق الحق في ممارسة نفس السلوك لدى أبناء المحافظات الجزائرية الثمانية والأربعين، بناء على ما بينهم من تمايزات لغوية وعرقية ومذهبية وجهوية، لأن ما يجمعهم ليس أكثر قوة ورسوخا مما يجمع أبناء الأقاليم الجنوبية والشمالية في المغرب، ناهيك عن أن الانسجام الحاصل في المغرب ما بين عربه وأمازيغه هو أمر تشهد أحداث “غرداية” ومن قبلها مناطق “القبايل” على افتقاده في الجزائر، مع التذكير طبعا بأن المغرب شمالا وجنوبا، شرقا وغربا هو سني مالكي أشعري دون أدنى تباين، عكس الجاري في الجزائر بين سنتها من مالكية وإباضية. من هنا نقول أن النار التي تلعب بها الزمرة الحاكمة في الجزائر، هي نار خطرة على برميل البارود الجزائري أكثر من كونها كذلك على المغرب، وأن عدم احترام قداسة وحدة المغرب الترابية يبقي الباب موصدا أمام أي شكل من أشكال التعاون بين الحكومتين لما فيه مصلحة البلدين والشعبين الشقيقين.
إن احتفال المغرب هذه الأيام باسترجاع إقليم “واد الذهب” بعد أربع سنوات من استرجاع “الساقية الحمراء” وبالتالي إكمال سيطرته على أقاليمه الجنوبية، يجسد المكانة التي لهذا الجزء الأصيل والعزيز من الكيان الذي لا تزال تختزن الذاكرة الجمعية للمغاربة أن حدوده الطبيعية هي من المحيط الأطلسي وحتى حدود السودان شرقا، ومن حدود فرنسا إلى حدود السنغال جنوبا، بل وأبعد من ذلك إذا راعينا حدود التأثير والإشعاع الديني في إفريقيا جنوب الصحراء، هو مناسبة حقيقية للفرح، ولتجديد العهد على الحفاظ على مقدسات المغرب الثلاثة: الإسلام والملكية والوحدة الترابية، لأن هذا الثلاثي هو وحده الكفيل بالوقوف سدا منيعا في وجه طوفان التقسيم والتشتيت وإهدار مصالح البلاد والعباد، والذي وإن بدأ في بغداد، فلن يقف إلا على أسوار وجدة وفكيك وبوعرفة !!!

للمزيد: لماذا لا يمكن للصحراء إلا أن تكون مغربية؟