الرئيسية / هكذا نراها / الجزائر… لا يصح إلا الصح

الجزائر… لا يصح إلا الصح

قطعا، لا تليق السخرية من الوضع الصحي للرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة. ذاك قدر اصابه وجميع الناس معرضون إليه أو لأسوأ منه؛ لكن منظر ه مغادرا مكتب تصويت وهو على متن دراجة متحركة، مدفوعة من المحيطين بالرئيس، يثير مزيجا من الشفقة والاستنكار . فهذه سابقة فريدة في التاريخ السياسي الحديث ، لم يعد ممكنا التستر عليها وعلى مثلها في عصر ثورة المعلومات.
لو كان بوتفليقة ،في العقد الرابع من عمره ، لصح القول بأن الحياة قهرته وحالت دون تحقيق طموح سياسي مشروع؛ اما وأن الرئيس المعاد انتخابه، يشارف العقد الثامن من العمر، فهذا أمر مثير للتندر حقا بل يصعب تسويغه واقناع الراي العام في الداخل والخارج به؛ خاصة وأن الجزائر الولود، كما يصفها ابناؤها ،واجهت ظروفا وتجارب سياسية اصعب وأعقد؛ من التي أوجدها مرض الرئيس؛ لكنها اهتدت في خاتمة كل مرحلة إلى مرشح وأكثر لقيادة البلاد؛ من المدنيين والعسكريين، ومن سائر الأجيال.
بعد وفاة الرئيس الثاني للبلاد هواري بومدين، توالى على المنصب الرئاسي: الشاذلي بنجديد، محمد بوضياف ، على كافي، ليامين زروال. وفي النهاية آل الدور، لمن طالما اعتقد انه حرم من تولي المنصب الرفيع، بعد وفاة بومدين، على اعتبار أنه كان الأقرب إلى روحه وفكره وسياساته ولماذا لا يقال مؤامراته.
لم يكن ميزان القوى عام 1979 في صالح بوتفليقة، لذلك فضل الانسحاب وفي نفسه ألم وكمد وغصة، فالذين كاوا يهابونه أو يتوددون إليه، حينما كان ظلا للرئيس الراحل، سرعان ما انفضوا عنه، أو وجدوا انفسهم ضمن المجموعة السياسية والعسكرية غير المؤثرة أو القادرة على الحسم.
ومثلما كانت السماء رحيمة بالرائد “سي عبد القادر المالي” في صراعه الأول مع الرئيس الراحل أحمد بن بلة، الذي كان على وشك اصدار قرار بإبعاده من وزارة الخارجية عام 1965، فإن حليفه، النائب الأول للرئيس ووزير الدفاع العقيد بومدين، أرسل في جنح الليل رئيس الأركان، العقيد الطاهر الزبيري، إلى “فيلا جولي” مقر اقامة أول رئيس للبلاد، واحد الأحرار الخمسة، حاملا رسالة تهديد ورد فيها بوضوح “سي احمد، لم تعد رئيسا، وانت في حالة اعتقال، فلا تحول المقاومة “…
حدث ذلك في الساعات الاولي من يوم 19 يونيو، فيما سمي لاحقا “انتفاضة انتع 19 جوان” بتعبير الراحل يومدين في خطبه الأولى.
وجد الرئيس المنقلب على الشرعية، في، بوتفليقة، حليفا مثاليا، متسما بحماسة الشباب، ذا خلفية عسكرية وشبكة علاقات مع جيش التحرير؛ لكن أهم ميزة تحلى بها بوتفليقة في ذلك الوقت هي فصاحته الخطابية وإجادته للغتين العربية والفرنسية اللتين أتقنهما حين دراسته في ثانوية “عبد المومن” بمدينة وجدة المغربية.
بحسبة بسيطة ، يستنتج الملاحظ، أن الرئيس المريض، قضى في ممارسة السلطة الحقيقية، أكثر من ثلاثة عقود: وزيرا للشبيبة والرياضة والسياحة ثم الخارجية، منذ استقلال البلاد إلى غاية وفاة بومدين؛ يضاف إلى هذا الرصيد الهائل في الحكم ثلاث عهدات رئاسية، بمعدل خمس سنوات في كل واحدة. أفلم يصب بالتخمة السياسية؟ ومن يتحمل توريطه في هذا الاختيار الخطأ بكل المعايير السياسية والأخلاقية.
ليس بوتفليقة، أحسن ولا أسوأ من في الجزائر، من قادة سياسيين له اشباه ونظائر. ومهما تكن أهمية الانجازات التي يزعم أنصاره أنه حققها ،وخاصة سياسة الصلح مع الجماعات الإسلامية المسلحة التي روعت البلاد خلال عشرية سوداء؛ مهما يكن، فإن الحصيلة العامة ليست مبهرة بل إن الأزمة السياسية والاجتماعية تفاقمت واصبحت البلاد مشرعة على كافة الاحتمالات السيئة لدرجة يمكن القول معها إن الضامن لاستقرار الجزائر ، هو بشكل من الأشكال “الخوف”، خوف الناس من عودة الحرب الأهلية.
وعدا سياسة الوئام الوطني، فإن سجل الرئيس زاخر بالثقوب السوداء والمناطق المعتمة. لم يفتح صفحات حكم الرئيس الأسبق بومدين ، وما شابها من إشكالات وصراعات وتجاوزات سياسية، تجلت في اختفاء غامض لعدد من القادة التاريخيين للثورة الجزائرية . لم يقم الرئيس بوتفليقة بنقد ذاتي لمسؤوليته المعنوية بخصوص اعتقال الرئيس بنبلة دون محاكمة او معرفة مكان احتجازه، لحوالي 14 عاما رغم المناشدات الدولية والإنسانية.
صحيح أن بوتفليقة كرم السجين السابق ، في الأخير قبيل وفاته ، كحيلة ذكية للإفلات من المساءلة .
ليس هذا مكان ولا وقت تقييم سياسة الرئيس الجديد القديم ، ولكن لا مفر من الإعراب عن نوع من الأسى والخيبة لما حل بالجزائر من “مرض” افقد نخبها القدرة على التمييز بين الخطأ والصواب ، ورضيت أن تدار شؤونها من فوق كرسي متحرك وكأننا في مستشفى وليس في قصر رئاسة .
عافى الله الرئيس وشفاه وهداه لما فيه خير بلاده والعرب والمسلمين أجمعين . آمين .