الرئيسية / سلايد شو / انتصارات إيران.. وهزائم العرب
ايران

انتصارات إيران.. وهزائم العرب

كما كان متوقعا، نجحت إيران في الدخول الشرعي إلى نادي الدول النووية، وعقدت اتفاقا يحقق معظم ما دافعت عنه، مقابل إعطاء الغرب حق مراقبة تطورها النووي دون التأثير عليه. وكما كان متوقعا أيضا، بدأ كثير من “المحللين” في “الثغاء” تهويلا وتهليلا، في معسكرات متقابلة يشترك معظمها في شتم إيران، وتوعّد العرب بالويل والثبور وعظائم الأمور، وانبرى قليلون (تبعا لكون الشيعة عندنا أقلية مجتمعية) للتهليل وتبشير المسلمين بأن قوة إيران المسلمة هي قوة لباقي المسلمين، وهو الكلام الذي، للأسف، لا يسنده دليل عملي واحد.
ورغم صعوبة اتخاذ موقف ثالث، في هذه القضية أو غيرها، حيث سيمثل سباحة ضد التيار الجارف السابق برافديه، إلا أننا سنحاول قراءة الاتفاق النووي قراءة “باردة” تتناقض مع محتواه الساخن. بداية، لا يحق للنظام الرسمي العربي بمختلف مكوناته أن يبدي حتى وجهة نظر فيما جرى بين إيران والغرب، لأنه انسحب برمته من دائرة الفعل منذ زمن بعيد، ربما يزيد عن أربعة عقود أو خمسة، بدليل أن لا أحد من المتحاورين كلف نفسه عناء أخذ رأيهم فيما يجري. وللمفارقة، فهم في ذلك سواء مع إسرائيل، التي لم يؤخذ رأيها كذلك رغم محاولاتها للتشويش على الاتفاق عبر نافذة الكونجرس الأمريكي. فالرد الغربي جاء حاسما على لسان وزير الخارجية الألماني شتاينماير الذي اكتفى بسكب دلو ماء بارد على القيادة في إسرائيل عندما قال: نعلم أن “لا اتفاق” هو أفضل عند إسرائيل من “أي اتفاق”، لكننا نحن الذين خضنا المفاوضات الشاقة لشهور طويلة، ولا يهمنا رأي إسرائيل”. لذلك، ربما يجد النظام الرسمي العربي العزاء في كون الغرب عامل إسرائيل بمثل هذا التجاهل، ولن نكون بالطبع أغلى من إسرائيل عنده. أما الحديث الأمريكي عن ضمانات لحلفائها في الجوار الإيراني بحمايتهم من “التهديدات الإيرانية” فهو لا يعدو كونه مزيدا من الأسلحة المعروضة –أو المفروضة، سيّان- التي ستستمر الولايات المتحدة في بيعها بالثمن والتكنولوجيا التي ترغب بها. فهي في حقيقتها ضمانات لحماية الشركات الأمريكية من الإفلاس وليس لحماية الأنظمة العربية من الانهيار.
وبالعودة إلى الجوانب التقنية من الاتفاق، والتي سينبري العشرات من “محللينا” وخبرائنا للحديث عنها تدعيما لتهوينهم أو تهويلهم مما جرى، فهي عنصر أقل أهمية بكثير مما نحن بصدده في هذه العجالة. لكن نؤكد، أن حجر الزاوية في اعتبار ما تحقق نصرا إيرانيا، هو أن إيران هي الوحيدة من بين دول المنطقة التي أصبحت تمتلك منظومة علمية معرفية متكاملة لإنتاج واستغلال الطاقة النووية، سلما وحربا، بعلمائها، ووقودها، ومفاعلاتها، وأجهزة تخصيبها، وتكنولوجيا الصواريخ التي يمكن أن تحملها. وكل ما عدا هذه الحقيقة هو مجرد “ثغاء” لا يصدر إلا عن عجزة عن الفعل والفهم والتأثير.
في ارتباط مع ما سبق، من المفيد استرجاع التجربة البائسة لصدام حسين ومفاعله المدمّر “تموز”، الذي اشتراه من الفرنسيين وتسربت أو بيعت أو أعطيت، لا يهم، كامل المعلومات المتعلقة به لإسرائيل مما سهل عليها مهمة تدميره: طريقة يبدو أن العرب لا يملكون طريقة أخرى غيرها يدخلون بها النادي النووي، ونقصد “شراء” المفاعلات والطاقة النووية كما تعتزم مصر والأردن وغيرهما، بل والأسلحة النووية التي تردد في الإعلام أن السعودية تنوي شراءها من باكستان. للأسف، وفي كل مأزق حضاري تتكرس الصورة النمطية لأنظمتنا وحكامنا بأنهم عاجزون “بالتعريف والضرورة” عن فعل أي شيء إيجابي، أو بناء أي شيء بنفس طويل، وأن الوفرة المالية لديهم تجعل خيارهم الوحيد هو “شراء” كل شيء: شراء السلاح، شراء القمح، شراء الوقت في مناصبهم، شراء الأمن، شراء الحماية الخارجية، شراء التكنولوجيا، شراء السلع من أتفهها إلى أعظمها قيمة، شراء الأندية الرياضية، شراء الانتصارات في المحافل الدولية، …. باختصار، اعتمدنا “شراء” بديلا ل “بناء” في كل مناحي حياتنا. ونحن نحاجج بأن هذا الخيار هو في حقيقته ليس خيارا بالنسبة لهم، لأن البديل الآخر “بناء” دونه خرط القتاد كما تقول العرب، ولا قبل لهم به. فهو يتطلب وقبل كل شيء أن تمتلك أنظمتنا العربية إرادتها المستقلة، وأن تعترف بعجزها منفردة، مهما بلغت قوة أي نظام فيها، عن ربح أي رهان داخلي أو خارجي، وتسعى بالتالي لتجميع مقدراتها وتنسيق جهودها. كما تتطلب، وهو الأهم، أن تكون قادرة على صياغة “مشروع مجتمعي” ينخرط فيها جميع أبناء الوطن الواحد بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية والدينية والمذهبية، ويساهم فيه كل مواطن حسب قدرته، إيمانا من الجميع بأهميته وصواب وجهته، وهو الأمر الذي يتنافى بالتعريف والضرورة مع أبسط مميزات أي نظام استبدادي، لا يفهم سوى لغة التأبيد في المناصب، والتوريث للقوة، والاحتقار للناس، والرؤية الواحدة تفكيرا وتعبيرا.
وإذا كانت نظرية “الشراء” معتمدة أكثر من قبل أنظمة الوفرة النفطية، فإن ما يزيد أزمتنا تفاقما، ويغذي إحساسنا بالعجز أمام إيران وتركيا، اللاعب الذي بالمناسبة، لا يقل طموحا وشراسة عن سابقه وإن اشترك مع الغالبية السنية العربية في المذهب، هو غياب أي تصور تنموي كفيل بتبرير أمل غالبية الناس بغد أفضل، حيث لا نجد نظرية اقتصادية عند معظم إن لم يكن كل الأنظمة الأقل غنى من دول الخليج الغنية سوى خرافة “الاستثمارات الخارجية”، واعتبارها الوحيدة المنوط بها تشغيل الناس وحل جميع المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، التي لا يكلّ “محللينا” من تكرار بلاهة أنها المسؤولة عن عدم الاستقرار في بلادنا، رغم علم الجميع عبث الرهان على هذه الاستثمارات الخارجية لأسباب عديدة، لعل أهمها محدودية أثرها (يمكنها حل جزء يسير من معضلة البطالة في مجتمعاتنا الشابة التي تدفع بالآلاف سنويا إلى سوق العمل) وعدم انتظامها (لارتباطها بمحيط اقتصادي عالمي مضطرب).
وبالعودة إلى محيط إيران العربي، فإن خرافة الاعتماد على الضمانات الأمريكية، لا تقل عبثا عن المراهنة على الاستقواء بمصر –بعد استعادتها لدورها بعد عمر طويل- لا انتقاصا من ثقل مصر ودورها “نظريا”، لكن لأن الواقع يؤكد اجتماع جميع السلبيات التي تحدثنا عنها سابقا لدى الأنظمة التي تعاقبت على حكم مصر الكنانة، لاسيما عدم قدرة أي نظام فيها على بناء مشروع مجتمعي جامع، ينخرط فيه المصريون على اختلاف أطيافهم، لا مع جمال عبد الناصر، ولا مع السادات، ولا مع مبارك، ولا مع مرسي ولا مع السيسي، مع أفضلية نسبية للأول الذي بث آمالا عظاما حركت الجسم المصري والعربي لبعض الوقت، لكن آليات الاستبداد التي سرعان ما اعتمدها تكفلت بشلّ هذه الحركة في معظم الاتجاهات.
وما يزيد المشهد قتامة وألما، أن التوافق الغربي الإيراني جاء على حساب وأشلاء العرب لاسيما في سوريا ولبنان والعراق واليمن، ورغم ذلك، فاختصاره في ذلك من شأنه سد أعيننا عما يجري في مصر وليبيا وتونس، بل وفي باقي الدول العربية غير المستقرة. والمصيبة، أنه في خضم هذه الفوضى يخرج علينا من “المحللين” من يعتقد أن سياسة “اللهم نفسي” أو الانكفاء إلى الروابط والانتماءات الفرعية، المذهبية والإثنية والعشائرية كفيل بحمايته من طوفان الفوضى وعدم الاستقرار الذي يضرب المنطقة برمتها، وهو لعمري منطق شبيه بأوهام ابن سيدنا نوح تجاه الطوفان، الذي بقي نبينا يحذر منه حتى آخر لحظة: “قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، وحال بينهما الموج فكان من المغرقين”. إن غباء البحث عن حلول فردية ومذهبية وطائفية وعرقية يتجلى بوضوح لكل من يمتلك حدا أدنى من الفهم، إذ كيف تعجز أقطار مستقلة منذ ستين أو سبعين عاما، عن الإجابة على أي من احتياجات مواطنيها وأوطانها داخليا وخارجيا، ونتوهم أن جماعات تمارس سلطتها على بضعة أميال ستستطيع الإجابة عما عجزت الدول عن الإجابة عليه؟؟ !!!
وماذا بعد؟
إذا لم يمتلك مواطنونا من الوعي والقدرة على البلوغ بأهداف ثورات “شتائنا العربي” إلى نهاياتها الطبيعية، ولم نحصل على أنظمة يُمارس فيها الشأن العام على أنه وظيفة لا مغنم، ويخضع فيها كل من يتحمل مسؤولية للمساءلة، ويمتلك المواطنون الحق والقدرة على تغيير كل من يقصّر في تحقيق الأهداف المجتمعية لمجموع المواطنين، ويسود فيها القانون والأهم أن يقبل كل واحد فينا بالاحتكام إليه طواعية، ويتبلور وعي شامل بعجز كل قطر عربي منفردا عن القيام بمتطلبات التنمية داخل حدوده الوطنية، دون أن يعني ذلك الحديث عن وحدة اندماجية أو خلافة لا يزال البعض يجري وراء سرابها، بل ببساطة “حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال” داخل كامل رقعة الجغرافيا العربية من المحيط إلى الخليج، ويحس كل مواطن بعمق أنه كامل الحقوق والواجبات مثل أي مواطن آخر، بعيدا عن تصنيفه الطائفي والمذهبي، انتمائه العرقي، والأيديولوجيا التي يحملها.. إلى ذلك الحين، علينا احتمال ثغاء “محللينا” تهوينا أو تهويلا، شرعنة أو تجريما، تحليلا أو تحريما، والدعاء إلى الله أن يرفع البلاء عنا برحمته لا بقدرتنا، إنه قريب مجيب الدعاء.