الرئيسية / هكذا نراها / رفقاً ب”موازين”.. المهرجان الناجح مع بعض الهفوات

رفقاً ب”موازين”.. المهرجان الناجح مع بعض الهفوات

جميل أن يزداد عدد المدافعين عن الهوية والثقافة والقيم الحضارية المغربية، وجميل أن يتخذ هذا الدفاع طابع المنافحة عن قيم الأسرة وما يخدش حياءها، لكن ما يجب التنبه إليه، هو الانزلاق إلى “شعبوية سياسيوية” توظف هذا الدفاع عما هو حق في خدمة استحقاق انتخابي، باللعب المرفوض على مشاعر الناس وكل ما من شأنه إثارتهم.

لقد استهجنت الغالبية –ونحن منهم- ما قام بصنعه نبيل عيوش مؤخرا، والبشاعة التي احتواها فيلمه، والإثارة الرخيصة البعيدة كل البعد عن عمق كل ما هو إنساني وجميل فينا، ولعبه على وتر مشكلة الدعارة وما يكرسه ذلك من صور نمطية بشعة وظالمة للمرأة المغربية، ووقفنا في صف من استحسنوا منع الفيلم من الاستفادة من مداخيل دور العرض السينمائية المغربية، لأنه لم يكن يستحق مثل هذه المكافأة بكل المقاييس، رغم موقفنا السلبي المبدئي الرافض لمنع التعبيرات الفنية المختلفة من الوصول للناس، واحترامنا المبدئي كذلك لحق أي كان في امتلاك وجهة النظر التي يحب، والتعبير عنها بحرية، طالما لم تتسبب في إهانة المشاعر الجمعية للمواطنين.

وبالمقابل، وعلى الرغم من استهجان سلوك القناة الثانية التي قامت بنقل حفل فني على الهواء مباشرة لعائلات هي تعلم يقينا أن ملابس وحركات “جنيفر لوبيز” لا تناسب ذوق ولا قيم معظمهم، وستستفز الكثيرين منهم، فيما بدا وكأنه انتقام من الغالبية الرافضة لعيوش وفيلمه، قام به أفراد قبيلة المخرج من الفرانكوفونيين المتنفذين في “دوزيم”، وكأنهم يقولون: نحن هنا، وسنستخدم هذا المنبر لرد الكيل لمن هم ضدنا، نقول، رغم كل ذلك، نجد الكثير من التحايل والخلط عندما يتعلق الأمر بمهرجان “موازين” الفني.

فالأصوات المطالبة بمنع وإيقاف مهرجان ناجح كموازين، رغم ما يعتري برمجته أحيانا من هفوات، يعانون من الخلط المخلّ، والتجاهل الظالم. فحجة أن موازين يهدر ملايين الدراهم من المال العام، حجة يكررها الجميع دون أن يكلف أحد نفسه عناء شرحها لنا: كيف؟؟ فما نعلمه أن رعاة هذا المهرجان الفني الناجح بكل المقاييس، الفنية والتجارية على وجه الخصوص، يسهمون سنويا في تأمين الملايين التي يتباكى عليها معارضوا المهرجان. أما إن كانوا يعلمون أن الدولة تصرف على المهرجان مبالغ مالية إضافية غير مبررة، فليتكرموا علينا بتوضيح ملابسات هذا الأمر، بدل الاستمرار في إلقاء الكلام على عواهنه استغلالا لجهل الناس بمعنى الرعاية التجارية والإشهار وحقوق البث ومداخيل كل ذلك، لأنه بصراحة أمر لا يستقيم.

أما الحجة الثانية التي يرفعها “المدافعون عن قيم الأسرة المحافظة” والشباب الذي “يخشون عليه من أن يفسده مهرجان موازين” فهي حجج أقل ما يقال عنها أنها مضحكة، ليس فقط لكون هذه الأخطار الموهومة لا يمكن أن تتحقق خلال أيام المهرجان الثمانية، بل لأن المهرجان ببساطة هو أهم مهرجان فني عربي دون منازع، يجمع سنويا فناني المغرب والعرب والعالم، ليقيموا حفلات فنية مجانية في معظمها، تتيح للناس الترفيه عن أنفسهم وتلبية طموح معظمهم في الالتقاء المباشر مع من يحبون من فنانين. صحيح أن ملابس هذه الفنانة أو تلك قد لا تروق للبعض، وحتى للغالبية، لكن هذه من الهفوات التي يمكن لإدارة المهرجان أن تتلافاها بتنبيه الفنانين لمعايير اللبس وحدود الحركات المقبولة في مجتمع كالمجتمع المغربي وينتهي الأمر، وهو بالمناسبة أمر عادي وغير مستهجن بالنسبة لأي فنان، ولا بد لإدارة المهرجان أن تراعيه. أما المطالبة برأس المهرجان لأن ملابس جنيفر لوبيز أو حركات شاكيرا أو أغاني هيفاء وهبي لا تناسب الأسر المغربية فهو مبالغة غير محمودة في هذا المقام.

باقي الحجج لا تستحق حتى الرد عليها لسخفها، من قبيل أن ساعة الحفل الفني تلهي طلاب البكالوريا عن دراستهم!!! فمن يقول بذلك يجهل أصلا كيفية الدراسة الناجعة، وحاجة الطلاب إلى استراحة ساعة أو ساعتين، والخلود المبكر للنوم، ناهيك عن جهلهم بإكراهات التنظيم المرتبطة باختيار موعد مناسب لأجندات مختلف الفنانين بهذا الحجم.

أخيرا، وبعد تراجع مهرجانات كقرطاج وجرش، ومحدودية الطابع المحلي والعربي لمهرجانات دول الخليج المختلفة، أصبحت تجربة “موازين” تجربة مهمة مغربيا وعربيا ودوليا، تنضاف إلى باقي الكوكبة الناصعة من المهرجانات الفنية المغربية التي تتلألأ في سماء الفن العربي والعالمي، كمهرجان كناوة في الصويرة، ومهرجان الموسيقى الروحية في فاس، ومهرجان الفنون الشعبية في مراكش، ومهرجانات الجاز في طنجة والرباط والدار البيضاء، ومهرجان العود في تطوان، وباقي المهرجانات التي تحتفي بالفن في مختلف المدن المغربية، لدرجة أصبح لكل مدينة مهرجانها، في نجاح يحسب لوزارات الثقافة المتعاقبة، والسلطات المحلية، والفاعلين الفنيين والجمعويين في جميع هذه المدن.

نصيحة: بدل أن “تلعن الظلام” وتتخصص في الهجوم على المهرجانات الفنية، “أشعل شمعة” وبادر إلى تنظيم مهرجان لأغاني الطفل وقيم الأسرة أو الغناء الديني، أو أي موضوع يحلو لك.. فتزداد شموعنا واحدة و”يقوى الضو في البلاد”..