الرئيسية / هكذا نراها / النقاش السياسي في المغرب ينحرف عن مساره

النقاش السياسي في المغرب ينحرف عن مساره

يجمع كل المتتبعين لتطورات الشأن السياسي في المغرب، على أن هناك نوعا من التدني في مستوى الخطاب المتداول بين النخبة الحزبية، بلغ من الانحطاط، لدرجة أن الكثيرين من الناس، باتوا متذمرين وغاضبين مما يجري في الساحة السياسية من استعمال لمفردات مغرقة في الابتذال، وبالتوافه التي  لاتليق بالفاعل السياسي، بل تحط من قيمته في نظر الجميع، بما في ذلك الأنصار والأتباع.
لقد تحول المشهد السياسي ، إلى مايشبه السوق، نظرا لاكتساح السباب للغة، التي يتكلم بها بعض أقطاب السياسة في البلاد، ويخاطبون بها بعضهم البعض، سواء كانوا في الحكومة أو المعارضة، وهم بذلك يعطون أسوأ صورة عنهم، وعن ضحالة مستواهم الفكري، الذي تفضحه طريقة تفاعلهم مع الأراء  المعبر  عنها، في نقاش يغيب فيه الحوار ومقارعة الأفكار، ليفسح المجال للضرب تحت الحزام، وتبادل الاتهامات بالفساد، دون تقديم الأدلة، أو مراعاة للقيم والأخلاق.
وإذا أمكن لأي مواطن، أن يتابع في أجهزة الإعلام العمومية، والمنابر الورقية والمكتوبة، ماتشهده الساحة السياسية حاليا من نزاعات  بين بعض مكوناتها، فإنه بالتأكيد، سوف يصاب بالإحباط، وهو يرى ” النخبة السياسية”، التي كان يعول عليها، للتفكير في مصيره، وتحسين وضعه الاقتصادي والاجتماعي، باتت تخوض مايشبه “صراع الديكة”، غير آبهة بتطلعات الناخب الذي كان يتوقع من “ممثلي الشعب” في البرلمان، والمسؤولين في الحكومة، والقياديين في الأحزاب، أن يخدموه، وينكبوا على مناقشة الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية  الأساسية، للخروج بالبلاد من وضعيتها الحالية، نحو واقع أفضل ومستقبل أحسن، فإذا بهم يخذلونه، وينصرفون، فقط، للدفاع عن مصالحهم، وما راكموه من غنى فاحش، سواء بطريقة مشروعة أو غير مشروعة.
وفي هذا السياق، يستحيي المرء، حقا، أن يسرد بعض الأمثلة للدلالة على الانحدار الرهيب، الذي وصل إليه مستوى التفاعل بين الأطراف السياسية،  مما جعله ينحرف عن مساره.
ومما يدعو للاسف الشديد، أن هذا المشكل لم يعد منحصرا، فقط بين الخصوم السياسيين، بل تعداه ليشمل أيضا أفراد الأسرة الحزبية الواحدة، وهم الذين، كانوا ، وحتى الأمس القريب، ” سمنا على عسل”، كما يقال، وكل هذا يؤكد بالملموس غياب الروح الديمقراطية داخل الأحزاب المغربية.   
وبدون مبالغة في التعبير، فإنه يمكن القول، إن هذه  “حرب قذرة”، بكل ما في الكلمة من معنى، تستعمل فيها كل الأسلحة، غير المسموح بها أخلاقيا، وهو المس بالأعراض، والتعرض للحياة الشخصية، بهدف إسكات صوت كل من يحمل رأيا مخالفا، أو وجهة نظر  قد لاتعجب هذا الطرف أو ذاك.
أمام واقع سياسي مثل هذا يغلي بالتطاحنات الشخصية، وتصفية الحسابات، عوض معالجة المشاكل الحقيقية للبلاد،  كيف يمكن للكتلة الناخبة  غدا، في المحطات الانتخابية المقبلة، أن تضع ثقتها في أمثال هؤلاء السياسيين، الذين برعوا في شيء واحد فقط، هو استعمال أسلوب السب والشتم في القاموس السياسي، والنبش في الملفات القديمة لبعضهم البعض، والتلويح بإدخال الزوجات في الصراع، حتى وإن كن غير معنيات بالشأن العام، ولا علاقة لهن بالسياسة.
والنتيجة، هي أن المواطنين، كلما جمعهم مجلس ما، إلا  وسارعوا للتعبير عن ضجرهم وامتعاضهم، مما أصبح عليه حال السياسة في البلاد، في ضوء هذا الانحدار في مستوى النقاش السياسي.
ولا شك أن هذا هو الدافع الأساسي الذي جعل المجلس الدستوري يدعو  مؤخرا، وهو ينظر في قضية مرتبطة بالنزاعات الانتخابية في إحدى الدوائر، إلى التنبيه لضرورة مراعاة تخليق الحياة العامة، والابتعاد عن السب  والشتم في الخطاب السياسي.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار للفعل السياسي في البلاد، ولن يتأتى هذا إلا بقيام الفاعلين السياسيين بمحاسبة للذات، واستحضار العقل، ومراجعة جذرية لمواقفهم وردود أفعالهم، التي يغلب عليها طابع التشنج والانفعال.