الرئيسية / هكذا نراها / تونس الجديدة بعد 58 من الاستقلال

تونس الجديدة بعد 58 من الاستقلال

احتفالية تونس اليوم بعيدها الثامن والخمسين يواكب  مرحلة مخاض للخروج من المرحلة الانتقالية التي تروم القطع مع إرث النظام البائد لبن علي، والخروج بتونس نحو دولة معاصرة مؤسسة على قيم التغيير السلمي، والتداول التشاركي على قيادة الدولة.
أكثر ما يشد الانتباه إلى تجربة تونس كونها شرارة التغيير لعدد من أنظمة عربية تحت مسمى الربيع العربي، الذي أزهر وذبل في ليبيا ومصر، وأنبت شوكا وحنظلا في سوريا، ومرد ذلك أن الأرض تختلف من أرض صحراوية  إلى أرض خصبة وأرض طينية، وليست كل أرض ينفعها المطر الغزير.
ومدام السياسيون اشتقوا تسمية ثورتهم من حقل الطبيعة فلابد من مراعاة أن دورتها الحقة تأتي بعد جهد في العمل، والعمل حب للأرض وتضحية في سبيلها، والزهر ثمرة تقدم لجيل جديد سيقوم بنفس العمل في دورة مقبلة.
وطبيعة تونس السياسية تتماهى مع الطبيعة الجغرافية، منذ أن أنشد الشابي “ومن لايحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر”، ولم تفلح مرحلة بنعلي في إخراج تونس من تعدديتا الثقافية، واختزالها تحت جبة السلطة البوليسية، حيث انبعثت رسالة بورقيبة التحديثية ورسخت قواعدها كمعطى تحرري لم يتعالى على قبة مسجد الزيتونة، وخرجت بينهما أحزاب تؤسس مشروعيتها من إرادة الشعب التونسي، ودخلت منذ يومها الأول في حوار وطني يحقق حماية تونس من الانجراف وراء الخيار المسلح لتصفية الحسابات السياسية.
مرحلة المخاض تعرف الكثير من ألم التجاذبات السياسية والحسابات المجهولة الخلفية والمآلات المرتقبة، الألم الذي أسقط حكومتين انتقاليتين لحزب النهضة والخروج بوفاق على حكومة تقنوقراط، ركزت مسؤوليتها في ثلاث تحديات كبرى إلى جانب مهام أخرى، وهي المسألة الأمنية، والعجز الاقتصادي، والاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
الاحتفالية الثامنة والخمسين كما اشارت الأخبار المتداولة اليوم تأتي برسالة وزارة الداخلية التي لم يتغير شكلها منذ النظام البائد لتقض مضجع بعض القيادات الحزبية بتحذيرهم من محاولات اغتيال محتملة، كما سبق أن حصل مع الضحيتين شكري بلعيد ومحمد الابراهيمي، بعد أن استعرضت قدرتها على التدخل الناجح في قمع خلايا أنصار الشريعة، وعدد من المشتبه بهم في قضايا الاغتيالات، كعمليتي رواد التي استهدفت كمال القضقاضي وعملية جندوبة في الاسبوع المنصرم ومعارك جبال الشعابني. هذا الاستعراض الأمني جاء في سياق الحديث المتكرر ومن خبراء أمنيين مافتؤوا يحذرون من خطورة الوضع الأمني ملمحين إلى وضع تونس الجغرافي بين ليبيا والجزائر المهترئتين أمنيا، ووصفها معبرا للمقاتلين في سوريا، الخبراء الأمنيون يرون بضرورة التدخل الأمريكي لتقديم الدعم للجهاز الأمني التونسي.
الوضع الاجتماعي يعيش على ايقاع التهويل أيضا من أزمة اقتصادية استنفرت مهدي جمعة للبحث واستجداء مستثمرين أجانب وأولى للخليج العربي أولويته للاستمثار داخل تونس، بعد أن صدرت تقارير تتحدث عن عجز الميزانية لسنة 2014 بلغ 7.8 مليار دينار (3.56 مليار يورو). مما  أضر القدرة الشرائية للمواطن، وخلق موجة اضرابات واحتجاجات في عدد من القطاعات.
الوضع الأمني والاقتصادي وضع يمتد عضويا بالرهان السياسي والخروج من نفق المشروعية الانتخابية المبنية على الحوار الوطني والتوافق والإجماع بعيدا عن منطق انتخابات الغلبة، والتي من شأنها عودة نمط الحكم السابق وتكرار تجربة مصر، ولعل هذا الرهان كما صرح القائد البسبسي زعيم حركة نداء تونس والمنافس الأول لحركة النهضة، أقر في تصريح له إمكانية القبول بمشاركة السلطة مع حركة النهضة وأنه لايسمح بإقصاء التيار الإسلامي كما وقع في تونس، في حين لاتمانع حركة النهضة في التحالف مع نداء تونس نفسه إذا ما اقتضت الضرورة السياسية.
الحوار الوطني المبني على التوافق  والذي يبدو في ظاهره نجاحا وطنيا وصف بالانقلابي من طرف قطاع عريض من قواعد الثورة، والتي رأت فيه صفقة بين السبسي والغنوشي لتسهيل عودة فلول النظام السابق. وأشعل حراكا سياسيا جديدا مناهضا للحوار الوطني يوطالب بشدة سد الطريق على عودة التجمعيين إلى السلطة، وتشريع قانون حماية الثورة.
التجربة السياسية التي انبنت على الحوارا الوطني والذي يعتبره عبد الفتاح مورو مجرد حوار سياسي، بين أحزاب وجدو بمحض واقع الحال، ورغم ما اكتنفها من معارك أسقطت أرواحا، باتت خيارا معتدلا وسطيا ضد التطرف الديني الذي يلتمس له موقعا مناهضا للتطرف الحداثي والعلماني.ولا يقبل التباشير التي يقدمها التعدد السياسي والثقافي لتونس.
احتفالية تونس بعيد استقلالها58 تعبر عن امتداد تونس إلى ماقبل بروقيبة، إلى كل المناضلين الذين واجهو الاستعمار وحرروا تونس وأسسو معالم الدولة الحديثة، ونجحوا في تحقيق رهان تونس الحرة الحديثة، احتفالية موقوفة الابتهاج إلى أن يفضي الحوار إلى اتفاق وطني على موقف من إرث سياسي واقتصادي مترهل.