الرئيسية / هكذا نراها / مستقبل ليبيا على المحك بين سياسييها وعسكرييها!!!

مستقبل ليبيا على المحك بين سياسييها وعسكرييها!!!

غريب أمر اللواء أو الفريق خليفة حفتر، ومن ورائه حكومة وبرلمان طبرق. فكلما أعلن عن تحقيق اختراق في العملية السياسية سواء تلك التي اختتمت في الجزائر أو الدائرة بالمغرب، إلا ورفع الفريق حفتر عقيرته بالتهديد بأنه لن يقبل بأية حكومة وحدة وطنية ولا بأي حل سياسي يتوصل إليه المتفاوضون. لماذا نقول غريب؟ لأن منطق الأمور يقول بأن القوات العسكرية تخضع لتوجيهات السلطة السياسية ممثلة في حكومة الثني في طبرق، أو حكومة الحاسي في طرابلس.. أما أن تكون الميليشيات التابعة لكلا الفريقين، بعيدة عن وصاية السلطة التنفيذية، فإن هذا لا يفرغ المفاوضات السياسية فحسب من محتواها، لكن يفقد مجمل العملية السياسية في ليبيا معناها. فما معنى أن يتخاصم الطرفان حول شرعية التمثيل النيابي لكل منهما، إذا كان برلمانيهما وما انبثق عنهما من حكومات غير قادر على وضع حدود للعمل العسكري الذي تقوم به ميليشياتهما؟ بل ما جدوى أن يذهب الناس أصلا، سابقا ومستقبلا إلى صناديق الاقتراع، إذا كان العسكر هنا وهناك غير خاضعين لأية مساءلة وهم خارجون عن نطاق السيطرة؟؟!!!
ورغم إدانتنا لكل عمل عسكري ينتج عنه إزهاق روح ليبية أو إراقة نقطة دم ليبية واحدة، بغض النظر عمن يرتكب هذه الأعمال والمبررات التي يسوقها لإضفاء المشروعية على حربه، فإننا نخص هذه المرة سلوك الفريق حفتر بالإدانة، أولا لأنه جاهر بمعارضته لكل العمل السياسي الجاري حاليا وعدم التزامه بنتائجه، ويبدو من استمرار مكابرته بشأن قدرته على حسم الصراع مع ميليشيات طرابلس عسكريا، بأنه تحولت إلى حرب شخصية تهمه ولا شأن لليبيا ومستقبلها بها، وهو الأمر الذي من جهة يطيل أمد الصراع ومعه معاناة الليبيين ويستنزف ثرواتهم، ومن جهة أخرى هو وهم في ذهن صاحبه، يزينه له تكوينه العسكري أو من يمدونه بالسلاح والعتاد، والمنطق يفرض إدانته عند كل من يعتقد أن حسم الاختلافات بين أبناء الوطن الواحد يتم عبر الاحتكام للقوة العسكرية بديلا عن البرامج وصراع الأفكار.
وهنا، ينتصب سؤال كبير: كيف يمكن لحكومة طبرق وبرلمانها، أن يؤيدو ويشاركو في جهود الأمم المتحدة لإيجاد حلول تفاوضية للأزمة الليبية، وهذا طبيعة عمل وتفكير رجال السياسة عادة، وبين دعمهم ومباركتهم لهجوم الفريق حفتر على طرابلس؟ كيف يتصورون أن لا تعارض بين التفاوض مع شركاء الوطن وقصفهم بالمدافع والطائرات؟ هل يؤشر ذلك على انقسام شديد داخل حكومة وبرلمان طبرق، ووجود مؤيدين لكلا الخيارين، أم أن “تعليمات” الداعمين الإقليميين بعدم إيقاف الصراع قبل حسمه الموهوم عسكريا يجب أن تطاع؟ لأنها ببساطة أطراف لا ترضى غير الحسم بديلا، وتعارض منهج البحث عن تسويات أصلا.
أخيرا، قلنا وما زلنا نكرر، أن على الفرقاء الليبيين أن يختاروا بوضوح بين منهج الحسم العسكري العبثي والذي يعتبر وصفة دمار مثالية لليبيا ومقدراتها، ومنهج التسويات والحلول الوسط، الذي على مرارته يعتبر السبيل الواقعي الوحيد لحسم أي اختلاف بين شركاء الوطن الواحد، في ليبيا وباقي أرجاء عالمنا العربي. ومن هنا نقول بوضوح، أن الطبقة السياسية الليبية برمتها أمام تحد تاريخي اليوم، هو نجاحها في خلق حالة اصطفاف وطني وفرز واضح لا بين فريقي طرابلس وطبرق، ولا بين إسلاميي ليبيا وعلمانييها، ولا حتى بين إرهابيي ليبيا ومعتدليها، بل بين المؤمنين بالعمل السياسي طريقا وحيدا لإدارة الخلافات والاختلافات في الرؤى والبرامج، وبين المنادين بالإقصاء والحلول العسكرية سبيلا وحيدا لحسم الخلافات، بغض النظر عن انتماءات وأيديولوجيات المنضوين تحت راية المعسكرين، إسلاميين كانوا أم علمانيين.
ونقولها بوضوح، أنه لا أمل في مستقبل ليبيا إذا لم يكتب النصر للمعسكر الأول، لأن هزيمته وانتصار المؤمنين بالحلول الإقصائية العسكرية، سيخضع مجمل الطبقة السياسية وممثليها العزل من السلاح لسلطة العسكر، ويدخل رجال السياسة مرة أخرى في خدمة العسكريين الذين يحتكرون القوة والسلطة، وسيعيد إنتاج الدكتاتورية التي اكتوت بنارها ليبيا وغيرها من الدول العربية منذ الاستقلال وحتى الآن…