الرئيسية / هكذا نراها / محمد السادس والتبشير بالوحدة المغاربية!!

محمد السادس والتبشير بالوحدة المغاربية!!

كثيرون لم يكونوا لينتبهوا إلى حلول الذكرى السادسة والعشرين لإنشاء “اتحاد المغرب العربي”، لولا الرسالة التي وجهها العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى رؤساء الدول المغاربية الأربع لتهنئتهم بحلول المناسبة، وكأن المغرب هو المعني الوحيد بهذا الاتحاد، وملكه هو “المؤتمن” على هذه الوحدة المغاربية الذي يحمل دون كلل مشعل التبشير بها والدفاع عن حتميتها، لاسيما وأنه لا يترك مناسبة تمر دون التأكيد على كونه أحد ثوابت سياسته الوطنية، وأبرز خياراته الاستراتيجية، مع أن الواقع يقول أنه الأقل احتياجا له بين الدول المغاربية الخمس.
لقد كان المغرب البلد المغاربي الوحيد الذي تلقى دعوة للانضمام إلى إطار “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”، وكان رده الرسمي والشعبي غاية في الرصانة والمبدئية، عندما رحب بكل تعاون ممكن مع إي دولة أو إطار عربي، مؤكدا في ذات الوقت على أن خياره الاندماجي الاستراتيجي هو “اتحاد المغرب العربي”، وهو ما اعتبر “لا” مهذبة للعرض الخليجي السخي.
كما أن المغرب، ينفرد بتوقيع اتفاق للتبادل الحر مع الولايات المتحدة، وانتقل من كونه أول بلد عربي يوقع اتفاقا للتبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، إلى الانفراد بموقع “الشريك المتقدم” للاتحاد الأوروبي في كامل المنطقة المتوسطية. ناهيك عن علاقات الشراكة المتقدمة مع محيطه الإفريقي لاسيما في غرب القارة، ليصبح الفاعل الاقتصادي والدبلوماسي المغاربي الأول في هذه المنطقة الحيوية، معوضا غيابه عن “الاتحاد الإفريقي” المشلول.
وعربيا، لم ينفك المغرب يصر ويحارب من أجل كل عمل تكاملي وحدوي عربي، مما أهله لاحتضان العمل التكاملي الاقتصادي العربي الأبرز، والمتمثل في “اتفاقية أكادير” للتبادل التجاري الحر، مع كل من مصر والأردن وتونس ولبنان، بعد أن أعياه جمود الحركة على صعيد تنفيذ الحد الأدنى من السوق العربية المشتركة. هذا ناهيك عن اتفاقيات التجارة الحرة التي تربطه بالفاعلين الإقليميين كتركيا وغيرها.
وانسجاما مع جميع ما تقدم، يبرز التساؤل قويا حول السر في كون هذا المغرب المستقر، الذي لا يعاني من اضطرابات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، أو اختراقات أمنية، على غرار باقي بلدان المغرب العربي، هو من يكرر التأكيد دائما على خيار الاندماج والتكامل المغاربي الاستراتيجي، مع شركاء ينوء كل منهم بأحمال ثقيلة من كل نوع، وعلى مختلف الواجهات، ويوجدون في مرحلة متأخرة من الاندماج مع النسيج الاقتصادي العالمي؟؟؟ ربما نجد الجواب في بكلمة واحدة: الإيمان. الإيمان بالوحدة، وبحتمية انتصار إرادة أبناء هذه المنطقة المتجانسة في الاندماج والتكامل.
إن وضوح الرؤية وتجذر الفكرة الوحدوية داخل وجدان كل مغربي، وهو إيمان يشاركهم فيه كل جزائري وتونسي وليبي وموريتاني، وحتى مصري وسوداني وعربي، يجعل صناع السياسة في هذا البلد، وعلى رأسهم الموجه الأول لهذه السياسة الملك محمد السادس، لا يكلّون أو يملّون من تكرار إصرارهم على العمل من أجل إنجاح هذا الخيار، وهو ما أوضحت رسالة التهنئة الملكية أحد جوانبه عندما أشارت إلى أن” الاستجابة لبناء الاتحاد المغاربي، لا تستند فقط إلى وحدة التاريخ وحتمية المصير المشترك، بل أصبحت ضرورة اقتصادية واجتماعية ، ومطلبا أمنيا ملحا في ظل الظرفية الدقيقة التي تمر بها منطقتنا المغاربية ومحيطها الإقليمي والدولي”، الأمر الذي يجد ترجمته، بعيدا عن الأماني الطيبة، في فقرة لاحقة من الرسالة الملكية، شددت على ضرورة “وضع خارطة طريق للعمل المغاربي للمرحلة القادمة، والدفع به قدما لكي يصبح قطبا سياسيا وتكتلا اقتصاديا فاعلا في الساحة الدولية”، وذلك استجابة “لما يلبي آمال شعوبه في تحقيق الاندماج والتنمية الشاملة والعيش الكريم”.
ولعل ما يزيد من إحساس كل مغاربي وعربي ومسلم بالمرارة، لعدم قدرة هذه الدول الخمس المتجانسة على الوحدة والتكامل، هو السبب الذي قاد إلى هدر أزيد من عقدين في حالة الجمود، والمتمثل في سلوك الحكومات الجزائرية المتعاقبة التي تصر على تقطيع أوصال الاتحاد المغاربي ومنع تواصله الاقتصادي والبشري عبر إغلاقها لحدودها مع المغرب منذ 1994، ناهيك عن موقفها الغريب والمريب الذي يدافع لفظيا عن الوحدة المغاربية، ويحتضن حركة انفصالية تسعى لتفتيت الجار المغربي، رغم أن المغرب يقدم تجربة رائدة في الإدارة اللامركزية لمكونات اجتماعية متمايزة، عبر نموذجه “للجهوية المتقدمة” وتجسيده في الأقاليم الصحراوية عبر تجربة “الحكم الذاتي”، وهي تجربة تحتاجها الجزائر قبل غيرها لحل مشاكلها مع المكوّن الأمازيغي لديها، ناهيك عن كونه الحل الأمثل للحالة الدموية التي تتخبط فيها ليبيا حاليا، دون تجاهل مشاكل موريتانيا الداخلية مع “الحراطين” وكذا تونس الباحثة عن النجاعة في معركتها التنموية.
أما معارك الدول المغاربية الأربع مع آفة الإرهاب والتطرف، فليس أفضل من التجربة المغربية في إصلاح الحقل الديني نموذجا هاديا، لا للاستنساخ طبعا، ولكن للتفكير المشترك وتنسيق الخطوات، مع اقتران هذا الإصلاح مع التجربة المغربية الرائدة في التصالح مع الماضي الدموي، عبر نموذجه المنفرد للعدالة الانتقالية، الذي جسده عبر تجربة “الإنصاف والمصالحة”،وغيرها من المبادرات المغربية الرائدة عربيا وإسلاميا. مبادرات تضاف إلى الإمكانات البشرية والاقتصادية التي يختزنها كل بلد مغاربي، مما يؤكد لكل ذي بصر وبصيرة حجم المنافع التي يمكن أن يجنيها أبناء هذه المنطقة، ومن ورائهم باقي أجزاء وطننا العربي، من نجاح هذه التجربة التكاملية الفريدة.
مما تقدم، تبدو الحاجة أكثر من ملحة لأن ينصت قادة الدول المغاربية لصوت العقل والحكمة، وصوت شعوبهم التواقة للتكامل والتواصل، والتعبير عما يجمعها في وجه عالم يجد كل عربي فيه سيف التفتيت مسلطا فوق رقبته، بحيث توضع المصلحة العليا لأبناء هذا الجزء من وطننا العربي فوق كل اعتبار سياسي أو شخصي، لنقدم للعالم نموذجا مضيئا في وطن عربي يحيط به ظلام الدمار والتفتيت من كل جهة، فهل من مستجيب؟؟ !!!