الرئيسية / هكذا نراها / الأخوة المغربية- الجزائرية.. و “لعب” وسائل الإعلام بجماهير الكرة!!

الأخوة المغربية- الجزائرية.. و “لعب” وسائل الإعلام بجماهير الكرة!!

لا يجادل إلا جاهل أو جاحد، في كون خيار وحدة المغرب العربي ومن ورائه باقي أقطار عالمنا العربي، هو مصلحة مؤكدة لهذه الأقطار ومواطنيها، حلم شعبي، وضرورة تنسجم مع منطق الأشياء. وحدة تعني ببساطة “حرية تنقل الأشخاص ورؤوس الأموال” بين هذه الأقطار دون حواجز من أي نوع، باعتبارها حق مكفول لكل مواطن عربي، وليست منّة من أحد. ولعل ما يغذي هذا الإحساس المشترك بالانتماء إلى كيان جامع كبير لدى كل إنسان يتكلم العربية في هذه الرقعة الممتدة من البحرين وحتى المغرب، ومن سوريا حتى موريتانيا، هو كون الانتماءات القطرية هي وليدة حقبة الاستعمار الذي قسم هذه الرقعة دولا وأقطار، بعدما كانت على مدى تاريخها الممتد آلاف السنين جغرافيا متصلة يستطيع أبناؤها التنقل أينما طاب لهم ووجدو رزقهم، أي أن شعور التونسي بالتمايز عن القطري، والأردني بالتمايز عن المصري ما هو إلا شعور عمره بضعة عقود، لا تقاس بأي حال بالإحساس بالانتماء المشترك الذي عمره من عمر الإسلام.
وبالعودة إلى الحال في منطقة المغرب الكبير، فقد جاء قيام “اتحاد المغرب العربي” لينسجم مع مطالب الناس الوجدانية من جهة، ويلبي مصالحهم المادية من جهة أخرى. لكن للأسف، لم تعمر الفرحة بهذا المولود سوى ست سنوات ليتم خنقه بإقدام السلطات الجزائرية على إقفال الحدود البرية مع المغرب. خطيئة أرادت بها أن تعالج خطأ سلطات المغرب التي فرضت التأشيرة على المواطنين الجزائريين، ليتوقف بعد ذلك حبل التواصل ليس فقط بين مواطني شرق المغرب وغرب الجزائر الذين هم في حقيقة الأمر عائلة واحدة بكل ما للكلمة من معنى، ولكن لعموم الجزائريين والمغاربة وباقي مواطني دول المغرب الكبير.
ورغم مرور عشرين عاما كاملة على هذا الإغلاق، إلا أن لا نهاية لهذا الأمر تبدو في الأفق، مع اختراع سلطات الجزائر كل يوم لمبررات جديدة، أغربها “نكتة” التهريب، وكأن التهريب مرتبط بفتح أو إغلاق الحدود كأي نشاط تجاري قانوني، أو كأن التهريب متوقف مع إغلاق الحدود، وسيستأنف إذا فتحت.
ويدرك الجميع، أن الذي يسمم العلاقات الرسمية بين البلدين، هو الدعم اللامشروط الذي تقدمه سلطات الجزائر لحركة إنفصالية تعمل ضد الوحدة الترابية لجارتها المغرب، وهو الدعم المرفوض بجميع المقاييس والأعراف القانونية والدينية والأخلاقية والدولية. وكجزء من حرب البلدين الدبلوماسية، ينخرط الإعلام هنا وهناك في اصطياد الأخطاء لهذه الحكومة أو تلك، وتأليب الرأي العام في كل بلد على البلد الجار، وهو الذي يحتاج بالضرورة إلى تقوية النعرات بين الجزائريين والمغاربة، الذين توجد بينهم روابط أخوة ومحبة نسجت على مدى عقود وقرون، واصطناع هوية جزائرية مقابل هوية مغربية، مغرقين في “تجييش” المواطنين في هذا المعسكر ضد ذاك، من أجل مواجهة الرغبة الشعبية في استرجاع الروابط الطبيعية بين الشقيقين الجارين.
ولعل أحد أهم وأخطر وسائل التجييش ومعاندة وتهديم الشعور الجمعي لمواطني البلدين –بعد الإعلام طبعا- هو الرياضة، حيث أن جمهورها لاسيما مشجعي كرة القدم، هو بطبعه جمهور عاطفي لا يحتاج لإعمال عقله، ويسهل قياده من خلال اللعب بغرائزه، وهو لذلك سلاح ذو حدين. إذا أحسن استغلاله وتوظيفه إيجابيا، سيكون جسر محبة ورسالة سلام وأخوة بين جماهير البلدين، أما إذا أسيء استخدامه فهو يحدث من الدمار ما لا يجب الاستهانة به لعدم القدرة على التنبؤ بمداه وعواقبه. ويكفي أن نطالع تفاعل الجزائريين الإيجابي مع المبادرات الخلاقة التي قام بها جمهور فريق “الرجاء” البيضاوي من تحية أشقائهم في الجزائر، وأمنياتهم بفوز الجزائر بكأس أفريقيا المقبلة، مقابل تفاعل المغاربة الإيجابي مع رد جماهير نادي “شباب قسنطينة” الجزائري، الذي رفع لافتات ذكية تشكر مبادرة الرجاء وتشير إلى حقيقة “فرقتنا السياسة وجمعنا الانتماء”.. هذه المبادرات تنسجم مع الشعور العميق داخل كل جزائري ومغربي بالأخوة ووحدة الحال والمصير، وتعبر عن نفسها باحتفال المغاربة في المقاهي بكل فوز جزائري في المونديال.
في المقابل، فالجماهير التي شجعت النيوزيلنديين ضد وفاق سطيف الجزائري خلال كأس العالم للأندية، هم الوجه الآخر للمعادلة، ولا يجب أن ندفن رؤوسنا في الرمل إنكارا لوجودهم، حيث يعتقدون أو تم إفهامهم أنهم بهذه الطريقة يدافعون عن صحرائهم ويردون على الجزائر الداعم للبوليساريو، في إزالة متعسفة للحواجز بين المواطنين وصناع القرار في الجزائر وغيرها من بلداننا العربية. ولنا في الأجواء التي أعقبت “موقعة أم درمان” بين المنتخبين الجزائري والمصري خير دليل على مدى الضرر الذي يمكن أن تلحقه جماهير الكرة للعلاقات بين بلدين وشعبين، تحديدا إذا دخل الإعلام على خط استغلالها المجرم.
ما نحتاجه إعلاميا، ونقول هذا كضرورة وطنية وواجب ديني وشرف قومي وبعد نظر استراتيجي أن نستخدم الرياضة والفن وجميع وسائل التواصل الجماهيري من أجل إدامة وتقوية والانسجام مع شعور الأخوة العميقة بين المغاربة والجزائريين وعموم أبناء وطننا العربي الكبير، وأن لا نلعب اللعبة المجرمة الهادفة إلى تفتيته وإضعافه، حتى يبقى العرب من المحيط إلى الخليج دائما “خاوة.. خاوة”.