الرئيسية / هكذا نراها / القدس خط أحمر!!!

القدس خط أحمر!!!

في الوقت الذي تشتعل فيه العديد من أجزاء وطننا العربي بحرائق مذهبية وسياسية ودينية، وأخرى تستعصي على التصنيف، تتسارع الأحداث في فلسطين عامة، وفي القدس على وجه الخصوص، مستهدفة أولى القبلتين وثالث الحرمين، مستعملة بشكل مباشر سلاح القتل والتدمير، وبشكل غير مباشر سلاح الاستيطان وفرض الحقائق الديموغرافية والجغرافية، من أجل استكمال ما تبقى من هدف الصهاينة المتمثل في ضم القدس وإضفاء الطابع الصهيوني عليها. معركة شرسة، اعتقد الصهاينة أن التوقيت مناسب من أجل اسدال الستار على ما بدأوه باحتلالها عام 1948، لاسيما والحرائق العربية يزكم دخانها الأنوف ويحجب كل رؤية واضحة، وتسيطر على اهتمام العرب والمسلمين في كل مكان.
معركة بدأ فصلها الأخير بتجدد الحديث وبإلحاح عن خدعة “التقاسم الزماني والمكاني” للأقصى بين المسلمين واليهود، بحيث إذا تعذر تخصيص جزء من المسجد لصلاة اليهود، كما صنعوا مع الحرم الإبراهيمي في الخليل، فعلى الأقل تخصيص أوقات معينة لهذه الصلاة، تمهيدا للفصل الأخير المتمثل في هدم المسجد وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه. هذا الفصل يجري بعد أن سلم العالم بوجود الصهاينة في الشق الغربي من القدس، ونجحوا في زرع مائتي ألف مستوطن في القدس الشرقية مقابل سكانها المائتين والثمانين ألفا، ونجح جدار الفصل العنصري في إخراج قرابة نصف المقدسيين خارج حدود القدس، وأكملوا طوق المستعمرات التي تحيط بها في ثلاثة أحزمة حولت الأغلبية الفلسطينية إلى أقلية داخل مدينتهم المقدسة.
ومما يزيد من خطورة الفصل الأخير، أنه يأتي عشية الدخول في سنة انتخابية تتبارى الأحزاب الصهيونية في التنافس على أيها الأكثر قمعا في السلوك وتطرفا في الطرح، واستغلالا للمزاج الدموي العام للمجتمع الإسرائيلي، ويظهر ذلك جليا من خلال استطلاعات الرأي المتتالية التي تقول بتأييد غالبية الإسرائيليين لهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل مكانه، ناهيك عن التمهيد لنقاش وإقرار قانون “يهودية الدولة”.
في المقابل، واستشعارا للخطر، تزداد حرارة المقاومة المقدسية تحديدا والفلسطينية عموما، والتي وصلت إلى حد استخدام الفؤوس والسكاكين، وحملات المرابطة والمقاومة بالحجارة للسعار الصهيوني تجاه القدس وّأهلها، فيما يبدو كمظهر من مظاهر التحسب لضعف الرد العربي والإسلامي على هذه الهجمة، والإدراك بأن ما يعيشه مواطنو معظم البلاد العربية من أوضاع مأساوية ستشغلهم عن واجب نصرة القدس ومقدساتها. تقدير للموقف مبني على تجربتهم مع جهود الدعم السابقة للمدينة، والتي لم تنجح يوما في حمايتها من أي مخطط صهيوني، مع ما رافق ذلك من مقاطعة فعلية للقدس الأسيرة وأهلها بداعي “مقاومة التطبيع” فتركت عزلاء لمواجهة مصيرها في مواجهة الهمجية الإسرائيلية والدعم الأمريكي اللامحدود.
والآن، ورغم جميع ما سبق، من المفيد أن يقوم المواطنون العرب والمسلمون، وممثليهم من هيئات المجتمع المدني، بتدعيم الجهود الرسمية المحكومة بالحسابات المعقدة، عبر التحرك كل في ميدانه وبأدواته، من أجل إفهام المحتل الإسرائيلي والراعي الأمريكي أن القدس وأهلها ومقدساتها خط أحمر، وأن مكانتها ورغم ما تعيشه هذه الدول والشعوب من مآس تبقى دون مس، وأن من شأن استمرار المغامرة الصهيونية الإجرامية أن تشعل نيرانا جديدة قد لا تكون قابلة للاحتواء أو السيطرة، وستعقد جهود إطفاء ما هو مشتعل الآن –إذا صدقنا أصلا أن مثل هذه الجهود موجودة-، وستجعل الكيان الصهيوني يواجه فواتير لا قبل له بدفعها، ولا قبل للولايات المتحدة بتحمل تبعاتها. جهود قد تبدأ برفع الصوت عاليا للمطالبة بإزالة “الفيتو” الظالم على زيارة السجناء المقدسيين حتى عبر أخذ تصريح من سجانهم المحتل الإسرائيلي، كما طالب بذلك طيلة حياته، ابن القدس البار المرحوم فيصل الحسيني، وتاليا بالانخراط في أنشطة تواصلية وجماهيرية وحملات الدعم والنصرة، على امتداد العالم العربي والإسلامي وفي أوساط الجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة وأوروبا، حتى تشعر إسرائيل بارتفاع التكلفة للخطوة التي تستعد للإقدام عليها، وتزيد في تعرية إسرائيل أمام الرأي العام العالمي، وبالتالي تسهم في كسب معركة “نزع الشرعية” عن هذا الكيان الغاصب، بعد أن فشلنا في حسم المعركة على أرض فلسطين.
من هذا المنطلق، نبادر للتنبيه لخطورة ما يجري حاليا في “القدس عروس عروبتنا”، وتأييد كل جهد رسمي أو شعبي يسهم في تخفيف الضغط عن أهلها الصامدين، والمبادرة لتشجيع كل جهد تواصلي تعريفي للشباب في وطننا العربي وعالمنا الإسلامي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحية كل مبادرة فردية وجماعية يمكن أن توصل رسالة للمقدسيين أننا معهم في خندق المواجهة للكيان الصهيوني وممارساته المجرمة.