الرئيسية / المسيرة-الخضراء / لماذا لا يمكن للصحراء إلا أن تكون مغربية؟
الصحراء مغربية

لماذا لا يمكن للصحراء إلا أن تكون مغربية؟

في هذه الأوقات حالكة السواد من تاريخ وطننا العربي، والتي تنبئ بتشظيه وتفتيت مكوناته وإهدار مقدراته وإفقار مواطنيه ناهيك عن التضحية بمستقبل أبنائه، لا يمكن للمرء أن يكون محايدا تجاه المخاطر الحقيقية التي تعيشها معظم أقطاره، نتيجة تفجر المشاكل التي راكمها الاستبداد الداخلي والتبعية الخارجية. وضع نكاد نجزم أنه غير خاف عن كل ذي بصر وبصيرة بغض النظر عن مستوى وعيه وثقافته، حيث أن نظرة سريعة إلى ما يجري في العراق واليمن وسوريا ومصر والجزائر وليبيا، دون استثناء معظم ما تبقى من بلداننا العربية، تنفي صفة المبالغة عن كلمة ذكرت هنا.
وإذا استحضرنا أن جميع هذه المشاكل قد راكمتها أنظمة تعاقبت على حكم اثنين وعشرين دولة عربية، لم تكن أي واحدة منها، كبيرة أو صغيرة، بقادرة يوما على الإجابة بمفردها على انتظارات مواطنيها أو حتى تلبية احتياجاتهم البسيطة في العيش الكريم والحرية والكرامة والاستقلال الحقيقي، ندرك بداية حجم الجرم الذي ارتكبه الاستعمار بتجزئة هذه الرقعة الجغرافية من المحيط إلى الخليج وتفتيت نسيجها الاجتماعي المتجانس، ونتأكد لاحقا من حجم الشراكة في الجريمة التي ارتكبتها أنظمة هذه البلدان، عندما استمرأت حكم هذه “الإقطاعيات” وحالت دون تجسيد حلمها في الوحدة والاستقلال. وهنا، لا نستثني بتاتا الأنظمة “القومية” التي أساءت فهم وتعريف “الوحدة العربية”، وحالت بالتالي دون الاقتراب من أبسط شروط تجسيد هذه الوحدة بعد أكثر من ستين عاما من استقلالها النظري.
وهنا، وحتى مع احترامنا لخصوصية جهات وطننا العربي المختلفة، لا يمكن للمرء أن يكون وطنيا إذا آمن بأن الطريق إلى حل مشاكل العراق مثلا يكمن في تقسيمها عرقيا وطائفيا بين السنة والشيعة والأكراد، أو تقسيم مصر بين مسلميها وأقباطها، أو تقسيم ليبيا بين قبائلها، أو تقسيم الجزائر بين عربها وأمازيغها، أو فصل جنوب اليمن عن شماله، أو المغرب عن صحرائها أو تقاسم البحرين بين شيعتها وسنتها على أسس طائفية، وذلك ببساطة لأن ما عجزت عن تحقيقه اثنتان وعشرين دولة عربية، لا يمكن بأي حال من الأحوال، أن يتحقق من طرف أربعين دولة مقامة على أسس طائفية أو دينية أو عرقية.
ولو أخذنا منطقة المغرب الكبير كمثال، يبدو واضحا حجم الجريمة التي يرتكبها النظام الجزائري في حق أبنائه أولا، وحق جواره تاليا. فكيف يستقيم مثلا وقوفه ضد الدعوات الانفصالية في مناطق القبايل ذات الأغلبية الأمازيغية (وهو الموقف المحق)، ودعمه اللامحدود للدعوات الانفصالية لدى جزء من أبناء المغرب في الأقاليم الصحراوية؟! كيف يستقيم ادعاؤه دعم حل الخلافات بين الأشقاء الليبيين بالحوار ومساعدة جواره التونسي في محنته، في الوقت الذي يدافع وبشراسة عن تشبثه بتقطيع أوصال المغرب الكبير ومنع تواصل أبنائه الحر وانسياب تجارته بسلاسة من ليبيا إلى موريتانيا بإغلاقه لحدوده البرية مع الشقيق المغربي منذ عقدين كاملين من الزمن؟!
إن عدم القدرة على إدراك مدى حاجة هذا الجزء من وطننا العربي للوحدة والتكامل، والاستعداد الدائم لتعطيل كل جهد مخلص يصب في هذا الاتجاه، كفيل لوحده بإصدار شهادة إدانة في حق هذا النظام والمتحكمين في قراره، الذين تجرأوا على إهانة كل الجزائريين الأحرار، بإصرارهم على ترئيس شخص فاقد للأهلية بجميع المعايير الطبية والإنسانية، لدرجة يعتبر مجرد ظهوره على شاشة التلفزيون مرة كل بضعة شهور حتى دون أن ينطق بكلمة، حدثا إعلاميا يستحق التأريخ والاحتفال؟!
لذلك، لا يمكن لأي إنسان وطني مؤمن بوحدة مصير شعوب هذه المنطقة وحاجتها للتكامل، أن يدعم، ناهيك بأن يعمل على تفتيت وحدتها الترابة المفتتة أصلا، ويعوق التواصل الحر بين أبنائها ورؤوس أموالها. وهنا، فالوقوف في وجه كل مسعى انفصالي في الجزائر والمغرب وليبيا وموريتانيا، هو موقف لا يمكن المساومة عليه من أي طرف صدر، ولأي مبرر كان. ومع ذلك، فمن المهم الإشارة أيضا، إلى أن هذا الموقف لا يعني دفن الرؤوس في الرمال، وتجاهل وجود تمايز بين مختلف مكونات المنطقة البشرية والثقافية، تم إساءة إدارته على مدى عقود، مما ساهم في توليد شعور بالمرارة لدى أبناء العديد من المناطق نتيجة المظالم التي ارتكبت في حقهم. إن الوقوف الحاسم في وجه الدعوات الانفصالية في مناطق القبايل الجزائرية والصحراء المغربية والتجمعات القبلية الليبية الرئيسية الثلاثة، لا يوازيه قوة إلا الدفاع عن حق أبناء هذه المناطق في احترام خصوصيتهم والتحكم في خيراتهم والتعبير الحر عن تمايزهم داخل النسيج المجتمعي الواحد لهذه البلدان. إن حديث القبايلي بالأمازيغية أو الصحراوي بالحسانية لم يكن في يوم من الأيام، على امتداد قرون التعايش المشترك بين مواطني هذه المناطق، مبررا لأن يعتبر القبايلي أو الصحراوي نفسه خارج الجماعة الوطنية الواحدة في الجزائر أو المغرب.
أخيرا، وعودا على بدء، وأمام مخاطر التفتيت الحقيقية التي تواجه الأجزاء الشرقية من وطننا العربي، ما أحوجنا إلى كل جهد يقوي لحمة نظيرتها الغربية، ويحفظ استقرارها، ويسهم في ارتقاء شعوبها وتحقيق تطلعاتهم في الرقي والازدهار.