الرئيسية / هكذا نراها / إفلاس العمل النقابي، والحاجة إلى إصلاح جذري..

إفلاس العمل النقابي، والحاجة إلى إصلاح جذري..

سينتهي إضراب النقابات العام ليوم 29 أكتوبر، وستبدأ حرب النسب والتصريحات بينها وبين الحكومة، وبعدها بساعات سينتهي أثره، وسيعود التنافر سيد العلاقة بين الطرفين. ستتفاخر النقابات المشاركة بأنها حققت الهدف، بنسبة مشاركة تجاوزت التسعين بالمائة في كل القطاعات– إن تواضعت- وسترد الحكومة بأرقام مضادة تختصر نصف الرقم السابق، والأدهى أن النقابات تعتبر بذلك أنها قد قامت بدورها الموروث من حقبة الحرب الباردة.

ولا يظنن أحد أننا بانتقادنا للنقابات اليوم نخصها بالاتهام وحدها دون الحكومة والأحزاب السياسية وأرباب العمل في القطاع الخاص وكذا هيئات المجتمع المدني والإعلام، لأن النمطية والإفلاس والحاجة لتغيير جذري تشمل كل هذه الجهات إذا أريد لمجتمعاتنا أن تتقدم، لكن المقام لا يحتمل هنا التطرق لهم جميعا، لذلك سنخص النقابات بالنقد الذي نرجوه بناءً، على أن نطال باقي الأطراف في افتتاحيات مقبلة.

إن اقتصار “محترفي” العمل النقابي من “المتفرغين” له على اجترار قاموسهم الذي حفظناه حول “الملف المطلبي” و “مكاسب الشغيلة أو الطبقة العاملة”، واحتجاجهم المحق على تدهور القدرة الشرائية لعموم المواطنين، لم يعودا كافيين لمنح هذه النقابات المشروعية والاحترام اللذان تحتاجها للاستمرار في القرن الواحد والعشرين، وذلك ببساطة لأن هذا الكلام المحفوظ غيباً لا يقول شيئا، ولا يوصل إلى مكان. وعليه فالشيء الوحيد الذي يمكن أن يمنح هذه النقابات “قبلة الحياة” والأوكسيجين اللازم للاستمرار هو أن تتحول إلى “قوة اقتراحية” تستطيع تقديم حلول ومبادرات خلّاقة، مبنية على دراسات وإحصائيات حقيقية ومعمقة، توازي وتقدم بدائل للعمل الحكومي. بدون ذلك فستواصل نزيف رصيدها من الاحترام إذا لم يكن قد نضب أصلا.

وارتباطا بما سبق، من الضروري أن لا يبقى العمل النقابي “مكلمة ومنبرا خطابيا” يتوالى على منصته محترفون استمرأوا هذا الدور، بل معملا للمبادرات والمشاريع التي تفيد النقابة ومنخرطيها وعموم المواطنين، حتى يطبقوا أفكارهم ومبادراتهم أولا، ويقدموا البرهان لمنخرطيهم قبل الحكومة على نجاعة ما ينظّرون له ويقومون به. وهنا، نتساءل- استنكاراً لا استفساراً-: ما الذي يمنع النقابات من امتلاك مشاريع تقدم خدمات حقيقية لمنخرطيهم وعموم المواطنين؟؟ فالاتحاد العام لعمال البرازيل مثلا، والذي جلب للبرازيل آخر رئيسين للبلاد، يمتلك سلسلة من الفنادق والقرى السياحية التي تقدم لمنخرطيهم إمكانية استغلالها بسعر رمزي، ولعموم المواطنين بسعر تجاري معقول، وذلك بديلا للتباكي على تدهور القدرة الشرائية للطبقة الشغيلة!! نفس الاتحاد يمتلك جامعة بعدة فروع تسهم في تقديم تكوين محترف لمنخرطيه، يفيدهم في إيجاد فرص عمل، بدل الاكتفاء بشتم أرباب العمل الفاقدين للحساسية الاجتماعية وروح المواطنة.. ما الذي يمنع نقاباتنا، وعبر فروعها ومنخرطيها من الأطباء، أن تمتلك سلسلة من العيادات التي تقدم خدمات طبية محترمة للعمال والموظفين وعموم المواطنين، ويتركوا للمواطنين العاديين الذين لا حول لهم ولا قوة مهمة التباكي على تدهور مستوى الخدمات الصحية بالبلاد وعدم كفايتها. ويمكن القياس على ذلك بعشرات الأمثلة، التي تعطي لهذه النقابات أدوارا ومشروعية حقيقية، تعكس نفسها من خلال خدمات تقدمها لعموم منخرطيها وأسرهم، وتقدم فائدة لباقي المواطنين تجعلهم فاعلين حقيقيين في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وتوفر لهم عائدات مادية محترمة تمنحهم الاستقلالية التي يحتاجونها.

النقطة الأخيرة تقودنا لثالث المهام العاجلة الضرورية لإنعاش العمل النقابي ألا وهي فصله الفعلي عن العمل السياسي، لا بمعنى الخطاب ومساحة الحركة، ولكن من حيث التوجيه والتوظيف. أولا لأن العمل السياسي ممثلا في الأحزاب لا يقل إفلاسا بل ويتجاوز باقي مجالات العمل العام عبثية ولا جدوى، من وجهة نظر المواطنين على الأقل، وثانيا لأن المصداقية المطلوبة في العمل النقابي تتطلب استقلالا واضحا عن المساحات الأخرى حتى يقوم بأداء وظائفه بنجاعة بعيدا عن التوظيف في هذه المعركة السياسية أو تلك، بين فرقاء أدمنوا هذا النوع من المعارك العبثية المدمرة.

أخيرا، يحتاج العمل النقابي، مثله مثل أي عمل مرتبط بإدارة الشأن العام، أن يكون متجددا باستمرار، تجديد تنبع الحاجة له من بديهية أن الأفكار الجديدة تأتي مع الوجوه الجديدة التي خاضت تجارب مختلفة وتعبر أفضل عن عصرها وما يستجد فيه من مشاريع ومبادرات، والذي توافق الناس على اعتبار آليات “التناوب الديمقراطي” أحد أهم أدواته للنخب والأفكار، بشرط أن يسمح لجميع التيارات والأفكار بالتداول الحر داخل منظومة هذا العمل، لأنه لا يمكن ببساطة للقيادة وحدها أن تحتكر “الحكمة”.. وهنا، كما في الأحزاب، تطالعنا وجوه تسنمت العمل النقابي واستمرأت منطق “الزعامة”، في تجلّ مقيت لمرض عربي عام يفترض أن “ملك الموت” هو الناخب الوحيد الذي من شأنه إحداث التناوب المطلوب في قيادة أحزابنا ونقاباتنا وجمهورياتنا وغيرها من الهيئات المعنية بإدارة الشأن العام. إن استمرار إدارة النقابات بمنطق “الزعيم الملهم” ناهيك عن كونه موروثا من حقبة بائدة، فإنه يفقد هذه النقابات الاحترام والنجاعة المطلوبين للقيام بمهامها في القرن الواحد والعشرين، اللهم إلا إذا قرأناه كدليل على عدم رغبتها في العمل المبادر والخلاق، أو كانعكاس لفهمها للعمل النقابي الذي جلّ ما يحتاجه هو “خطيب مفوّه” يستطيع أن يعتلي منصة “فاتح ماي” ويرفع عقيرته بالصراخ شتما وانتقادا لكل اعوجاج هنا وهناك، إلا ذلك الموجود داخل نقابته وقبيلته..

فمتى نشهد إعادة الحياة والاحترام للعمل النقابي، على يد نقابات مبادرة، تضم منخرطين مؤمنين رساليين، تقودهم أطر منفتحة متجددة باستمرار، وتضمن استقلالها الفعلي عن طريق مشاريع مدرة للدخل ومساهمة في تقديم حلول عملية لمشاكل الوطن والمواطن؟؟