الرئيسية / هكذا نراها / “تعميق الإحساس بالمواطنة”، هو ضمان الحفاظ على وحدة الأرض والشعب..

“تعميق الإحساس بالمواطنة”، هو ضمان الحفاظ على وحدة الأرض والشعب..

شكل خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس في افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان مناسبة لمخاطبة الطبقة السياسية ممثلة في نواب الشعب وإيصال الرسائل التي يرى أن فيها مصلحة البلاد والعباد. لذلك لم يكن من قبيل الصدف أن يفرد الجزء الأول من خطابه كاملا للتأكيد على أهمية الشعور بالانتماء للوطن والاعتزاز بهذا الانتماء، وضرورة أن يسهر السياسيون على القيام بواجبهم تجاه تكريس وتقوية هذا الانتماء عند المواطنين.
وقد حرص العاهل المغربي على تنبيه نواب الشعب لأن يأخذو العبرة مما يجري في دول الجوار العربي من مآس سببها الرئيسي عدم قدرة أنظمة ونخب هذه الدول على توليد واستدامة الشعور بالمواطنة عند مختلف طبقات الشعب، مما أعاد الناس إلى عملية بحث محموم عن روابط “ما قبل الدولة”، من قبيل العشيرة أو المذهب أو الطائفة أو المنطقة، وغيرها من الانتماءات الفرعية التي يفترض أن دولة الاستقلال العربية قد أتت من أجل تعويضها بالانتماء إلى وطن أرحب وأعظم وأكثر قدرة وعدالة وإنسانية، يحقق لجميع المواطنين حاجاتهم بغض النظر عن قدراتهم وإمكاناتهم. لهذا جاءت الإشارة الملكية غاية في الذكاء عندما اعتبر أن ” تعزيز هذا الإحساس (بالانتماء للوطن)، والحفاظ عليه، يتطلب الكثير من الجهد، والعمل المتواصل، لتوفير ظروف العيش الكريم لجميع المواطنين، وتمكينهم من حقوق المواطنة” مقيما الرابط بوضوح بين توفير العيش الكريم لجميع المواطنين وتكريس إحساسهم بالمواطنة، شرطا لتعميق انتمائهم للوطن، أي وطن.
إن الاكتفاء بالتغني بالوطن في كتب القراءة المقررة في التعليم الابتدائي لم تمنع العراقيين من الاصطفاف سنة وشيعة، عربا وأكرادا وتركمان وسريان، مسلمين ومسيحيين، وهو ما يتكرر بين سنة وشيعة اليمن ولبنان والبحرين والسعودية، مسلمي ومسيحيي مصر والسودان؛ وتتصارع في ليبيا قبائل مصراتة والزنتان والشرق والغرب تحت مسميات شتى، وتتفرق السبل بمسلمي تونس وعلمانييها، ناهيك عن عرب وأمازيغ الجزائر، مالكيي وإباضيي غرداية، وعرب وحراطين موريتانيا، ناهيك عن تقسيم غالبية المسلمين بين أنصار للسنة وأنصار للشريعة ودواعش وقاعدة وسلفيين، متسامحين ومتشددين، وقس على ذلك في ما تبقى من الدول العربية، التي تفوق انتماءاتها القبلية والعشائرية بمراحل قوة انتمائها لبلدانها، وغاب عن هذا المشهد كله ذكر كلمة “الوطن” أو الإشارة إليه.
لقد فشلت دولة الاستقلال في أعقاب خروج الاستعمار من مختلف دولنا في صناعة هوية جامعة ترتقي بالناس من مرجعياتهم الضيقة ما قبل الاستقلال. والأدهى أن الأنظمة التي تداولت على الحكم فيها عملت على تدمير هذه الهويات الفرعية، دون أن تنجح في صناعة هوية جامعة، لا قومية واسعة، ولا قطرية ضيقة، بعد أن تم تدمير الهوية الإسلامية مع انتهاء الحكم العثماني، وبقي “وهم” وجود هوية قطرية جامعة يظهر في ميادين كرة القدم وأمام الشاشات التي تنقل مباريات منتخباتنا الوطنية، ولتأتي لحظة الحراك العربي الشامل لتكشف زيف وعجز ووهن هذه “الدول” التي تتهاوى أمام أول هبة ريح داخلية أو خارجية.
وحتى لا يبقى كلام الملك محمد السادس لنواب شعبه نظريا فقد أوضح لهم أنهم مسؤولون عن الحفاظ على هذا الاعتزاز بالانتماء للمغرب وتقويته، “من خلال تعزيز ثقة المواطن في المؤسسات الادارية والمنتخبة، ومن خلال الرفع من مصداقيتها ونجاعتها، ليشعر المواطن انها فعلا في خدمته”. فهل تترجم النخب السياسية والاقتصادية والمجتمعية هذه التوجيهات إلى جدول مهام يعيد مصالحة المواطنين مع السياسة وممارسيها حتى يبقى المغرب استثناء في استقراره وتماسك مكوناته الاجتماعية بين دول الجوار؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة على هذا السؤال..