الرئيسية / هكذا نراها / بؤس العقل الرسمي المصري !!!

بؤس العقل الرسمي المصري !!!

لسنا فقهاء ولا نحتاج لأن نكون كذلك من أجل إدراك “خرافة” وجود إجماع بين المسلمين على أي شيء في هذا الدين سوى كلمة “لا إله إلا الله” التي نختلف كذلك في فهمها وتنزيلها. وعليه، يبدو انتقاد أمين لجنة الفتوى بالأزهر الشريف “للخرق” المغربي “لإجماع” المسلمين الموهوم على اعتماد حساب ورؤية السعودية، وبالتالي تحديد مولد هلال ذي الحجة، وتاليا موعد عيد الأضحى، “لا معنى له” إذا افترضنا حسن النية، و”مغرض” إذا افترضنا العكس، ويفتقر إلى الرصانة واللباقة ويشكك في علم صاحبه في كل الأحوال. أما إذا أضفنا إلى ذلك، باقي “السقائين” الذين أدلوا بدلائهم في هذا الموضوع، والذين نافسوا صاحب الفتوى في جهالته، وتفوقوا عليه في الوقاحة، بأن اعتبروا السلوك المغربي ناتج عن تفشي “العلمانية” في البلد “وجهل علمائه”، وزدنا على ذلك بذاءات يوسف شعبان وأماني الخياط وغيرهما، فإننا نكون حينئذ أمام حالة لطالما اكتوى بنارها العرب عموما لا المغرب على وجه الخصوص، حالة تبدو العناصر المشتركة بين أصحابها “الجهل والوقاحة وانعدام الذوق والخلق”، وهي التي تشكل أبرز ملامح ما يمكن تسميته “بالعقل الرسمي المصري”!!.

نقول ذلك، حتى لا نقع من جهة في فخ التعميم المخل الذي يتنافى مع أبسط المفاهيم العلمية، ومن جهة أخرى حتى نميز هذا “العقل الرسمي” المريض، عن العقول النيرة في مصر الكنانة، وما أكثرها. عقل تبدو أبسط وأول سماته التي نعرفها هو كونه “مأجورا” وتحت الطلب، يستوي في ذلك العلماء والفقهاء ورجال الفن والسياسة والإعلام، الذين هم على استعداد دائم لكتابة ما يشاء ولي نعمتهم الداخلي أو الخارجي. ثاني سمات هذا العقل أنه متقلب، “حربائي” أصحابه على استعداد دائم لكتابة الرأي ونقيضه، حسب تبدل الحال والولاءات وأولياء النعمة، “واللي بيدفع أكثر”، وهو ما يقودنا للسمة الثالثة لأصحاب هذا العقل، وهي قلة الحياء وانعدام الخلق، لأنه لولا هذه الخصلة لاستعصى على أصحابها تبديل ألوانهم وأقلامهم وولاءاتهم كما يبدلون أحذيتهم.

ومن شأن الاسترسال أكثر أن يقودنا إلى باقي الصفات كالجهل والوقاحة والصوت العالي، والقدرة العجيبة لأصحابها على “الردح” وغيرها من الصفات التي أفقدت أقلام السلطة في مصر احترام العرب قبل العالم منذ زمن بعيد. ومما يزيد من تفاهة وفداحة ما ترتكبه هذه الأقلام من آثام بحق مصر والعرب، إدمان أصحابها للشهرة وبحثها عن الغريب والمثير، فقها وإعلاما وفنا وكتابة… الخ، إثارة أصابت لوثتها الكثير من الأقلام العربية التي تربّت في مدرسة “الريادة المصرية”.

أما الحملة الأخيرة على المغرب فتذكرنا بالحملة على قطر في مراحل كثيرة إرضاء لنظامي مبارك والسيسي، وكذا على الجزائر في أعقاب “موقعة أم درمان” وغيرها من المواقع، في محاولة يائسة لإبقاء “الريادة المصرية المعوّقة” تحت الضوء بدون سند من واقع. فكل الحملات المصرية الرسمية لن تنجح في تغيير حقائق قد تعجبنا أو لا تعجبنا لكنها في النهاية حقائق، من قبيل تفوق الإعلام الرسمي القطري (قناة الجزيرة) على الإعلام الرسمي المصري، تفوق المنتخب الجزائري على المنتخب المصري، تفوق الدراما السورية على الدراما المصرية في كثير من الجوانب، تفوق المغاربة في إدارة شأنهم السياسي وتعددهم الثقافي واستقلالهم الديني على مثيله المصري، وتفوق باقي العرب في مجالات البنية التحتية والزراعة والإدارة والقطاع العام وغيرها من المجالات، وهو ما يشكل إدانة للأنظمة المصرية المتعاقبة دون أن تنسحب هذه الإدانة على أبناء هذا الشعب العظيم خارج دائرة القرار.

إن إدانتنا للأقلام الرسمية المأجورة لا يعدلها إلا احترامنا للعقول والطاقات والأقلام المصرية القديرة والشريفة والمبدعة خارج دائرة القرار، بل وهي في العمق انتصار لأصحاب هذه الأقلام المتوارية إلى الظل، في مواجهة هيمنة الدولة على معظم المساحات المتاحة.

وحتى نراعي الإنصاف، نقول أنها ليست إدانة للفقهاء والإعلاميين والفنانين المرتبطين بنظام السيسي فحسب، رغم أنها تكاد تكون نفس الأقلام الموروثة من حقبة مبارك، ومارست نفس البذاءات تجاه العرب والمسلمين، ووضعت نفسها بشكل سافر في خدمة من يدفع أكثر، ولا إدانة لأزلام نظام مبارك فحسب، بل لأزلام حتى نظام الإخوان، الذين لم يوفر قياديوه وعلى رأسهم عصام العريان الأردن والمغرب والجزائر والإمارات من حماقاته وجهالته، وما أتحفنا به فقهاء السلفية في تلك الحقبة عبر قنواتهم الدينية البغيضة من فتاوى عجيبة ما أنزل الله بها من سلطان، مما دفعنا لاستخدام مصطلح “العقل الرسمي المصري” دون تمييز بين أزلام نظام ونظام.

إن نظاما ادعى أنه جاء تعبيرا عن ثورة يناير 2011 (الإخوان)، وآخر يدعي أنه الممثل الشرعي لثورة يونيو 2013 (السيسي)، ولا يقومان بأدنى جهد من أجل استبدال العقلية الفقهية والإعلامية الموروثة من حقبة مبارك الموبوءة، ولا الممثلين البائسين لهذه الحقبة والعقلية، لهو إهانة وجريمة بحق أبناء مصر العظام، الذين قاومو الاستبداد وأدواته المتوارث منذ أزيد من خمسة عقود، ودليل على تحجر هذه الأنظمة وعدم قدرتها على الاستمرار إلا عبر ترداد الاسطوانات المشروخة التي تولد لدى البليدين والمغيبين من أبناء هذا الشعب العظيم “وهم” استمرار “الريادة المصرية”، هذا إذا سلمنا جدلا أنها كانت موجودة أصلا على مدى العقود الأربعة الماضية. فلكل هؤلاء نقول: إن استمرار قذفكم حجارتكم وقاذوراتكم في كل اتجاه، والتلهي بشتم الناجحين العرب في هذا المجال أو ذاك، والردح على طريقة “العوالم” ورفع العقيرة بالصراخ، لن يورثكم مجدا أو شهرة، ولن يعيد البريق المفقود للأزهر الشريف والإعلام والفن المصريين، بل إن الاستقواء بالأشقاء، ووضع الكفاءات المصرية العظيمة في أماكنها الصحيحة، ودراسة التجارب العربية الناجحة ومحاولة التعلم منها، نعم، التعلم منها، هو وحده الكفيل بوضع مصر الكنانة على سكة النجاح.