الرئيسية / هكذا نراها / عقدان مرا على ولادة “اتفاق أوسلو” فمتى يتم دفنه؟؟

عقدان مرا على ولادة “اتفاق أوسلو” فمتى يتم دفنه؟؟

أزيد من عقدين كاملين مرا، منذ أن وقع عرفات ورابين “اتفاق أوسلو” في حديقة البيت الأبيض. الاتفاق الذي بموجبه اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بوجود إسرائيل وشرعية قيامها على 78 بالمائة من أرض فلسطين التاريخية، أملا في أن تتمكن من “تحرير” 22 بالمائة المتبقية وإقامة دولة “مستقلة” عليها وعاصمتها “القدس الشرقية” جريا على نفس المنهج، أي بعد التنازل عن القدس الغربية التي هي بدورها أرض محتلة حسب القانون الدولي.
ويحضر هنا في هذا المقام مقولتان صهيونيتان وموقف فلسطيني، يمكنها أن تضيء جوانب عديدة من الحدث. أولها، عندما ثار اليمين في وجه مشاركة إسحق شامير رئيس وزراء الكيان الصهيوني في محادثات مدريد “للسلام”، بدا مطمئنا وهو يقول سأفاوضهم لعشر سنين قبل أن أعطيهم أي شيء، وها هي الأيام تزيدنا عقدا آخر ونيف ونحن لا نزال في إطار عملية تفاوضية لا تنتهي، متشبثين بسلام لم نر أيا من ملامحه، وسلطة فلسطينية لا تملك من أمرها شيئا. أما خلف شامير، عراب اتفاق أوسلو شيمون بيريز، فعندما ووجه باشتداد المطالبة لإسرائيل بتنفيذ الانسحابات التي تعهدت بها في نطاق الاتفاق، اعتبر أن انسحابهم من المدن الفلسطينية الواقعة في المنطقة (أ) ومساحتها 18% من مساحة الضفة الغربية، والسماح للسلطة الفلسطينية بإدارة شؤون القرى الفلسطينية ال 400 الواقعة في المنطقة (ب) وتحتل مساحة 21% من مساحة الضفة الغربية- دون أن تملك السيطرة الأمنية على هذه المنطقة- ، هو ما التزمت إسرائيل به في الاتفاق، ومعتبرا احتفاظها بالمنطقة (ج) ومساحتها 61% من الضفة الغربية “مشروعا” على اعتبار أنهم قالو منذ اللحظة الأولى أن “دولة إسرائيل الديمقراطية تريد إنهاء احتلالها للشعب الفلسطيني، ولم تقل للأرض الفلسطينية” وهو ما تم حيث يعيش في مساحة 39% التي تشكلها المنطقتان (أ) و (ب) قرابة 96% من الفلسطينيين !!!!
وإذا أضفنا مساحة قطاع غزة “المحتل” الذي لا يخجل قادة حماس من التبجح باعتباره “محررا”، والتي لا تتجاوز 1.3% من فلسطين التاريخية، إلى مساحة المنطقتين “المحررتين” من الضفة الغربية، فإن هذا الكلام يعني ببساطة أن كل ما قامت به قيادة منظمة التحرير الفلسطينية هو محاولة الحصول عمليا على حق إدارة شؤون الفلسطينيين القاطنين على مساحة 9.6% من فلسطين التاريخية، أي أننا تنازلنا فعليا عن 78% من فلسطين في اتفاق أوسلو، وتنازلنا عمليا عن 12% أخرى هي مساحة المنطقة (ج) من أجل الحصول على أقل من عشرة بالمائة من فلسطين.
وهنا تفرض مقولة القائد الفلسطيني العظيم خالد الحسن رحمه الله نفسها: “إنني انتمي إلى شعب وإلى أمة تؤمن بأن من يتنازل عن نصف وطنه لا يحق له أن يبقى في النصف الباقي”. نستحضرها ونحن نرى التضحية بأكثر من ثلاثة أرباع الوطن، وقد صار “سلام شجعان” بل وإن إقامة “إمارة محررة” في 1.3 بالمائة منه يعتبر “جهادا” يبرر تدمير نصف بنيته التحتية وفصله عن ال 8.3 بالمائة الأخرى من الوطن الفلسطيني، وإن رعاية شؤون قرابة ثلث أبناء الشعب الفلسطيني الذين يعيشون في الضفة والقطاع، تعفينا من مسؤولية التساؤل عن حياة ثلثيه الباقيين !!!
وإذا كان هذا الواقع المرير الذي جلبته كوارث “اتفاق أوسلو” واضحا على مجمل القضية الفلسطينية، وأتى عزل قطاع غزة عن الضفة الغربية، فرحا بسلطة “إسلامية” افتراضية على “جزء محرر من الوطن” ليزيد من تفاقم الأزمة، التي لا يبدو في الأفق ما يشي بقرب الخروج منها، رغم تكرار حديث الأماني الطيبة عن الوحدة الوطنية والمصالحة، والذي يصطدم بواقع الفرقة والتجزئة وغياب المشروع الوطني الفلسطيني، نقول، إذا كانت مجمل هذه الكوارث لا تستطيع دفع قيادتي “فتح” و “حماس” إلى فتح صفحة جديدة ليس في الضفة الغربية فقط، بل وفي قطاع غزة أيضا، بأن تعيدان معا مسؤولية إدارة جميع هذه المناطق المحتلة إلى محتلها الصهيوني الغاصب، وإقفال صفحة “سلام الشجعان” وإنهاء خرافة الدولتين، والتخلي عن وهم “الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية”، ليقوم الفلسطينيون داخل وخارج فلسطين بفتح صفحة نضال جديدة تستفيد من أخطاء تاريخهم النضالي الممتد، فمتى إذا يمكن أن ندفن “أوسلو”، وسلطته الوهمية في الضفة والقطاع؟؟؟