الرئيسية / هكذا نراها / الدراما في خدمة تعميق الانتماء الوطني ومحاربة التطرف

الدراما في خدمة تعميق الانتماء الوطني ومحاربة التطرف

في الوقت الذي تجهد فيه أجهزة الأمن في محاصرة ومحاربة خطر تنظيمات العنف المسلح كداعش وتفريعات القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وفي العراق وسوريا، تبدو المعركة وكأنها تهم رجال الأمن من مختلف الاختصاصات وحدهم، على الرغم من حاجتها الواضحة حتى تنجح إلى تجند المجتمع بأكمله بمختلف قواه وفاعليه، خدمة للهدف النبيل المتمثل في ضمان أمن الوطن والمواطن. معركة يجب أن نخوضها جميعا ضد التطويع المجرم لقيم الدين الإسلامي السمحة، الذي تحاول هذه التنظيمات التكفيرية المجرمة اختطافه ومصادرته واحتكار ترجمته العملية،مستفيدة من الأرض الخصبة التي تركها غلاة السلفيين حتى من غير المنادين بالعنف الجسدي، والذين سبق وأن حصرو الدين في بوتقة الحلال والحرام وفقه النساء والشكليات السطحية المستوردة من عصور أخرى.
وعندما نقول جميعا فإننا نعني هيئات ومؤسسات الدولة المختلفة، الأحزاب، النقابات، الأندية الرياضية، الجمعيات الأهلية، مؤسسات ومناهج التعليم، وسائل الإعلام…الخ. وهنا، من الطبيعي أن تزداد الحاجة للانخراط الكامل لوسائل الإعلام الأكثر مشاهدة ومتابعة ومقروئية، والأوسع انتشارا وتداولا بين المواطنين، حتى نصل إلى الناس بسرعة وفاعلية، الأمر الذي يقودنا إلى وسائل الإعلام الإلكتروني والفضائيات، التي تكاد تحتكر واحدة من أهم الوسائط وأكثرها تأثيرا: الدراما.
ولأن الغاية هي التأثير على الناس والمساهمة في تشكيل وعيهم بذواتهم وهويتهم الحضارية، وإشاعة منظومة قيم إسلامية إنسانية تشجع على التسامح والتعايش بديلا لمنظومة القيم التي تقوم على الإقصاء والتشدد، وتمكين الأجيال الشابة من الانخراط في عصرها متسلحة بمنظومة قيم حضارية إسلامية قابلة للعيش في زمننا دون إحساس بالاغتراب، وقابلة للتعايش مع الآخر دون خوف من الاستلاب، فإننا يجب أن نكون في غاية الذكاء حتى لا يسقط إنتاجنا الدرامي في فخ الدعائية الفجة، وقيم المواطنة الكاريكاتيرية، ومنظومات القيم “الكونية” المستوردة والمعلبة، والمداعبة الساذجة لمشاعر الانتماء القومي القطري الضيق الذي لا يصنع هوية ولا يقوي انتماء.
إن شبابا يبحث عن قدوة في تاريخ صحابة أجلاء يفصلنا عنهم أربعة عشر قرنا يعني من بين ما يعني أن شبابنا لا يعلم بما راكمته حضارتنا العربية والإسلامية من منجزات إنسانية، قام بها رجال ونساء مثلنا ومن بين أبنائنا ومواطنينا، وأنه في أحلك حقبنا كان هناك نماذج مضيئة في شتى الميادين بما فيها عصر الهزائم الذي نحياه، وأننا “حنطنا” تاريخنا وقمنا بما يلزم لنجاح هذا التحنيط بأن أفقدناه كل ارتباط بالحياة، وأفرغناه من إنسانيته والقدرة على تكراره وتطويره، ليبقى هيكلا فارغا ليس لنا منه سوى القشور التافهة المتمثلة في زي فضفاض (رجالي ونسائي) أسميناه زيا شرعيا، مظهر خارجي لا نميز فيه بين الذكر والأنثى إلا باللحية الكثة والنقاب الذي لا يشي بهوية لابسه أو لابسته، وألقاب وكنى من الضروري أن تبدأ بأبي بكر أو أبي عبيدة أو أي أب من آبائنا الأجلاء، ونحن أبعد ما نكون عن الانتساب لهم قولا وفعلا وخلقا.
ولو أخذنا المغرب كنموذج، حيث يتم تجنيد الكثير من الشباب للانخراط في هذه التنظيمات الارهابية، سنعلم حجم الإهمال إن لم نقل التقصير الفظيع الذي ترتكبه الدراما المغربية التي يكاد المغاربة يجمعون على تفاهة محتوى معظمها وخلوه من المعنى والهدف، لاسيما في رمضان، عندما تترك تاريخا غنيا ورائعا مثل الذي تمتلكه أقدم ملكية في العالم دون اقتراب أو تجسيد. إن بلدا أنجب قديما وحديثا مثل ما أنجبه هذا البلد، لحري به أن يجعل من هذا التاريخ مادة غنية للتجسيد الدرامي الذي يربط الأجيال الشابة بتراثها الغني. إن بلدا ينتسب إليه قادة عظام من قبيل يوسف بن تاشفين، وطارق بن زياد، وسيدي محمد بن عبد الله، والمنصور الذهبي، ومحمد الخامس، … وولد وعاش فيه مقاومون لا يقلون عظمة من أمثال موحا أوحمو الزياني، وأحمد الهيبة بن ماء العينين، وعسو أوبسلام، وعبد الكريم الخطابي، وأحمد الحنصالي، ومحمد الشريف أمزيان، وعلال بن عبد الله ومحمد الزرقطوني،… وعلماء كالمختار السوسي ومحمد الكنوني وعلال الفاسي، … والعشرات من غير هذه الأسماء، لهو خزان لا ينضب للأفكار الصالحة للنقل إلى الشاشتين الكبيرة والصغيرة. وحتى إطار الأحداث، فهو جاهز عبر تخليد ملاحم من قبيل معارك أنوال والهري ووادي المخازن وغيرها، من تلك التي خاضها الأبطال السابقون ومجمل أبناء المغرب.
أما التعلل بالموازنات، فإن نظرة بسيطة إلى ما يصرف على برامج خالية من الهدف والمعنى والقيمة الجمالية، كفيل وحده بإسقاط هذه الحجة الضعيفة، حيث يكفي إعادة توجيه الموارد المالية المتاحة للحصول على المطلوب والوصول إلى الهدف.
أخيرا، يجب أن لا يحرف نبل الهدف أنظارنا عن جودة المحتوى والصرامة في توفير جميع العناصر الدرامية لهذه الأعمال وفق أعلى المعايير المحترفة، كتابة وتمثيلا وإخراجا وديكورا….الخ، حتى لا نقع في فخ المواعظ المدرسية التي لا تغري أي طفل ناهيك عن شاب وفتاة بالمتابعة. كما أن حماسنا لهذا السجل الحافل بالأبطال والبطولات يجب أن لا يحرف أنظارنا عن حقيقة كونهم بشرا يخطئ ويصيب، عاشو أحداثا تقبل أكثر من قراءة، فلا نستنسخ التجربة الدرامية التاريخية المصرية الفقيرة قديما وحديثا، قديما بتضخيم وتجميل هذا التاريخ وبالتالي تجريده من محتواه الإنساني، او اجتزاء واختزال هذا التاريخ تأثرا بالأتراك حديثا بحثا عن إثارة تجتذب جمهورا يستهويه متابعة ما هو شاذ وإشكالي. وعليه، نحتاج لأن يتصدى لمحاولة كتابة هذه الأعمال كتاب سيناريو محترفون، يسندهم طاقم من الباحثين في التاريخ يتميزون بالحياد والنزاهة، حتى تسهل مهمة مخرجينا المحترفين في إخراج هذه الأعمال بالشكل المطلوب. وفي هذا الإطار، قد تبدو الاستعانة بالخبرات الدرامية العربية مفيدة، لاسيما السورية منها، أولا لطول باعها في الميدان، وثانيا وهو الأهم، لأن هذه الأحداث وهؤلاء الأبطال الذين نتحدث عنهم، هم ذخر للعرب جميعا، وتراثهم هو جزء أصيل لا يتجزأ من تراثنا العربي الإسلامي بل والإنساني الرائع.