الرئيسية / هكذا نراها / محمد السادس يبث روحا جديدة في المشهد السياسي والاقتصادي

محمد السادس يبث روحا جديدة في المشهد السياسي والاقتصادي

لم نكن بحاجة إلى الخطاب الملكي الشامل الذي ألقاه العاهل المغربي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، من أجل التأكد من أننا بصدد طور جديد من الثورة الملكية المستمرة منذ استقلال هذا البلد، بل وربما قبل ذلك بكثير، وتحديدا، مرحلة جديدة من الثورة العميقة التي بدأها الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش قبل خمس عشرة سنة.
وحتى لا نعود بالذاكرة كثيرا إلى المرحلة الأولى من الثورة الملكية والمتمثلة في “مفهومه الجديد للسلطة” ولا التي تلتها باستكمال ثورة “الإنصاف والمصالحة” ولا المبادرات الملكية الاستراتيجية التي تلت ذلك على مدى سنوات حكمه، واكتفينا بالعودة إلى بدايات عام 2011، عام الثورات والانتفاضات الشعبية العربية، يمكننا تلمس ملامح أبرز وأهم مراحل الثورة الملكية، والتي بدأت مع خطاب التاسع من مارس، الذي دشن مرحلة سياسية ودستورية جديدة كليا في هذا البلد العربي الكبير.
لقد كان عام 2011 عام الثورة الدستورية بامتياز، والذي أفضى إلى امتلاك المغرب لدستور متقدم على جميع الدساتير العربية، وقاه شرور المراوحة والمراوغة التي تدفع ثمنها غاليا جميع دول الحراك العربي من سوريا شرقا وحتى الجزائر غربا مرورا بمصر واليمن وتونس وغيرها. ثورة دستورية مهدت الطريق ليكون عام 2012 عام الثورة السياسية التي أتت بحزب العدالة والتنمية، الحزب صاحب القاعدة الجماهيرية الأوسع لترؤس إدارة الشأن العام، في حكومة ائتلافية ضمت مختلف أطياف المشهد السياسي المغربي من يساره إلى يمينه، في تجربة يمكن تدريسها لباقي الدول العربية التي تتخبط في إدارة الشأن العام ونسج التحالفات السياسية.
وإذا كان عام 2013 قد “ضاع” في مناكفات سياسية لا معنى لها ولا طائل من ورائها بسبب المشاكل المفتعلة لحزب الاستقلال، ومقاومة أطراف عديدة للتجربة الحكومية الوليدة، فإننا يمكن أن نعتبر العام الحالي 2014 عام الثورة الاقتصادية بامتياز، والتي رسم ملامحها الدقيقة الملك محمد السادس عبر خطابي العرش وثورة الملك والشعب خلال أقل من شهر. ثورة يمكن وضع عنوان بارز لها يتمثل في “العدالة الاجتماعية”، بحيث يتمكن جميع المغاربة من اكتساب قوتهم بشرف والاستفادة من خيرات بلادهم بكرامة، بشكل يراعي توزيع العبء والمنافع بين الأغنياء والفقراء.
لقد أدرك العاهل المغربي، ببصيرته الثاقبة واعتداله المشهود أن تحصين المغرب من المخاطر الإقليمية والدولية المحيطة، وإبحاره بأمان في خضم الأمواج الإقليمية والعالمية العاتية، لا يكفي لضمانه دستور متطور وحكومة ديمقراطية، إذا لم يقترن ذلك مع توزيع عادل للثروة ومكافحة حقيقية للفقر والتهميش، وهو ما يحتاج طبعا لإدماج فعلي للمغرب في الاقتصاد العالمي، واضطلاع جميع الفرقاء والفاعلين السياسيين والاقتصاديين، كل في مجاله، بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه تجاه هذا الوطن المعطاء، دون إبطاء أو تلكؤ، ليمكن للجميع أن يعبرو إلى بر الأمان.
وهنا يمكن القول بدون كبير تردد، أن الإشارات الملكية الواضحة الواردة في الخطابين الأخيرين، تنبئان بأن المغرب مقبل على تطورات دراماتيكية في المشهد الاقتصادي والاجتماعي قريبا، لجهة تدعيم الجهد الحكومي في استكمال محاربة اقتصاد الريع، محاربة التهريب والاقتصاد غير المهيكل، الاهتمام بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، تدعيم التعاونيات، وغيرها من الوسائل الكفيلة بتوزيع الثروة المادية للبلاد على أوسع طيف ممكن من المواطنين. فهل تنجح هذه الرسائل الملكية، في بث روح جديدة في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي المغربي، وترقى بالفرقاء والفاعلين في هذه المجالات إلى مستوى التحديات الجسيمة التي برع العاهل المغربي في تشخيصها بدقة متناهية، وتفصيل خارطة الطريق الكفيلة بكسبها؟؟ هذا ما ستجيب عليه الشهور الثلاثة المقبلة، وما سنراقبه خلال عام 2015، عام الاختراقات الاقتصادية والاجتماعية في المغرب.