الرئيسية / هكذا نراها / التدخل الإقليمي في الأزمة الليبية.. وتخيير الليبيين بين دكتاتورين: حفتر أم سيف الإسلام!!
حفتر أم سيف الإسلام

التدخل الإقليمي في الأزمة الليبية.. وتخيير الليبيين بين دكتاتورين: حفتر أم سيف الإسلام!!

بعد انقضاء عام على توقيع فرقاء الأزمة الليبية على اتفاق الصخيرات، الذي جلب معه آمالا كبارا بقرب انتهاء الفوضى التي تفتح مستقبل هذا البلد العربي المغاربي على مستقبل مجهول، لا يزال الوضع على حاله بعد أن حال تجاوب برلمان طبرق، تحت ضغط الجنرال حفتر وحلفائه الإقليميين، دون وصول البلد إلى الاستقرار. حفتر وميليشياته، ومعه الميليشيات الأخرى التابعة “لأمراء الحرب” الذين ورثوا نفوذ زعيم ليبيا الرحل معمر القذافي عسكريا وجغرافيا، لا يزالون العقبة التي تحول دون تمتيع المواطنين الليبيين بما يستحقونه من عيش كريم مستقر، تحت حجج وذرائع واهية شتى.

حكومة فايز السراج، التي انبثقت عن الاتفاق السياسي في الصخيرات برعاية أممية، وحظيت باعتراف ودعم دول العالم، وقفت عاجزة عن فرض نفسها، بعد أن تجاوزت رهان الاستقرار في العاصمة الليبية طرابلس، مع نجاح شبه يتيم تمثل في طردها لفلول داعش التي كانت تتخذ من مدينة سرت الساحلية مركزا لنشاطها. ولم تفلح جولات المبعوث الأممي كوبلر في دفع الأطراف المختلفة للوفاء بالتزاماتها في الصخيرات، وهو ما دفعه للتسليم بإمكانية فتح الاتفاق السياسي المبرم بغية إجراء بعض التعديلات عليه، شريطة موافقة الأطراف الليبية الموقعة عليه، وهو الشرط الذي يبدو بعيد المنال.

في هذه الأثناء، وبعد جولات حشد الدعم التي قادت الجنرال حفتر، المنتشي ببعض الانتصارات على الميليشيا المتوقعة في الشرق الليبي، إلى كل من مصر وتونس والجزائر، تعلن بلدان الجوار الثلاثة عن استعدادها لإطلاق مبادرة جديدة، “تجبّ” ما قبلها، وتعود بالأزمة الليبية إلى المربع الأول. جهود لا يمكن لعاقل سوى أن يرحب بها إذا كانت ملتزمة فعلا بالشعار المعلن لها، تحقيق الاستقرار في ليبيا، عبر محاولة الوساطة بين الفرقاء الليبيين لتجاوز العقبات التي تحول دون تنفيذ ما اتفقوا عليه في الصخيرات، لكن إدراكنا لكونها وسيلة لفرض الجنرال حفتر، وتكريسه زعيما لليبيا بالقوة، تحت حجة كونه الرجل الأقوى في مواجهة الإرهاب، تجعلنا وكثير من الليبيين، وكذا الأطراف الدولية المؤثرة في الأزمة الليبية في موقع الارتياب والتشكيك، بمجمل هذا الجهد ونتائجه المرجوة، بل ويجعلنا متأكدون من أنه لن يسهم سوى في إطالة عمر الأزمة ومفاقمتها، بما يفتحها على مآلات كارثية داخليا وإقليميا.

من نافل القول أن أي اتفاق سياسي، لا يؤدي إلى إدخال الميليشيات المسلحة التابعة لمختلف الأطراف إلى ثكنات جيش ليبي موحد، مهمته الحصرية هي الدفاع عن الحدود الليبية وقمع من يبقى خارج الشرعية من ميليشيات مسلحة، سيكتب له الفشل. ليس فقط لأنه سيبقي الطبقة السياسة برمتها تحت رحمة أمراء الحرب، ولكن، وهذا هو الأهم، سيعطي الذريعة لكل من يحمل السلاح في الاستمرار في ترويع المواطنين وتهديد أمنهم، ومصادرة مستقبلهم لسنين وعقود قادمة. وإذا أضفنا بديهية أخرى تقول بأن من أوليات هذه المهمة، أن “يعزل” أمراء الحرب وقادة الميليشيا عن هذه العملية السياسية، ويمنحون تقاعدا مريحا، وتسند مهام قيادة الجيش الموحد إلى من لم يتورطوا في هذه الحروب العبثية المستمرة منذ أكثر من خمس سنوات. موقف رفض مماثل يجب أن ينتصب في وجه محاولات البعض لإدخال نجل الزعيم الراحل سيف الإسلام القذافي للمشهد السياسي مرة أخرى، بدعوى حاجة ليبيا لرجل قوي- أو دكتاتور- يعيد جمع شتاتها، وإعادتها إلى حالة الاستقرار المصطنع التي عاشتها في ظل والده المخلوع.

كلمة أخرى، لا بد من قولها صريحة، للأطراف الإقليمية المتدخلة في الأزمة الليبية، من دول الجوار أو من سواهم. إن أكبر “جريمة” يمكن أن تقترفونها في حق أبناء الشعب الليبي، هي تشجيعكم وإصراركم على المضي قدما وراء “سراب” الحسم المسلح، نصرة لهذا الطرف أو ذاك، وفرض أمير حرب جديد، على مقدرات الشعب الليبي ومصالح مواطنيه، لأن ليبيا الآن ليست بصدد البحث عن “قذافي” جديد، وإنما عن أسس جديدة لإدارة دولتهم، وتداول السلطة سلميا بين مختلف أحزابهم المعبرة عن آرائهم ومصالحهم، وإلا، فما معنى القيام بثورة أصلا، إذا كان سيطلب منهم الاختيار في النهاية بين دكتاتورين: حفتر أم سيف الإسلام؟!!

وبصراحة أكبر، إن احتضان السلطة الرسمية في الجزائر وغيرها، للجنرال حفتر، رغبة في مناكفة المغرب الذي احتضن محادثات الصخيرات التي أفرزت توافقا سياسيا نادرا، كرّس منهجا سليما في إدارة الأزمة الليبية، وحظي بالتالي بدعم وتأييد العالم أجمع، ناهيك عن اعتباره مقامرة غير محمودة العواقب بمستقبل ليبيا وأهلها، فإنه سيشرع الباب أمام دعم قوى إقليمية أخرى للميليشيات الأخرى، مما سيطيل أمد الصراع المسلح في هذا البلد، ويجعل أمن دول الجوار نفسه مهددا، وما التجربة السورية عنا ببعيد. إن تصويت حكومة السراج لصالح عودة المغرب للاتحاد الإفريقي، وتوقيعه على “عريضة ال 28” المطالبة بطرد جمهورية الوهم من الاتحاد، لا يمكن أن تعاقبه الجزائر التي لم يرق لها هذا التصرف، بأن تفتح أبواب جهنم على مواطني هذا البلد الجار، وبذل الجهود الهادفة إلى تقويض حكومة التوافق التي تسعى لإخراج البلاد من أتون الفوضى!

وعليه، فدعواتنا الصادقة أن يكون هدف تدخل دول الجوار هو استقرار الأوضاع في ليبيا، وهو ما لن يكون ممكنا سوى بالاعتراف بضرورة عزل أمراء الحرب في مختلف مناطق ليبيا، وعلى رأسهم الجنرال حفتر، وإدخال جميع من يحملون السلاح تحت راية جيش موحد بمهام وقيادة جديدة، بما يسرع عملية إقرار دستور جديد، يمهد لانتخابات حقيقية تقودها أحزاب وطنية لا تمتلك ذراعا مسلحة، ليتمكن الليبيون أخيرا من فتح صفحة جديدة على مستقبل خال من الحروب وهدر الثروات.

loading...