الرئيسية / هكذا نراها / خطاب العرش: خطاب شجاع يعكس الثقة بالمستقبل

خطاب العرش: خطاب شجاع يعكس الثقة بالمستقبل

خطاب العرش لهذه السنة، والذي خاطب خلاله العاهل المغربي الملك محمد السادس شعبه بمناسبة الذكرى الخامسة عشر لاعتلائه العرش، سيبقى إلى أمد بعيد واحدا من الخطابات المرجعية التي تتيح للدارسين فهم الرجل والمؤسسة معا، كما قد تفيد من يهتمون بالتجربة المغربية من خارجها في سعيهم لتفسير متانة الاستقرار الذي ينعم به المغرب، وعمق وتجذر العلاقة التي تجمع ما بين الملك محمد السادس وأبناء شعبه.
وكما أرادها هو، فقد حملت نفسا جديدا وعميقا يتجاوز الاستعراض السنوي لحصيلة ما تحقق خلال عام مضى، لتؤسس من ناحية النهج وفلسفة العمل لما هو قادم ومأمول. وهكذا، بدا واضحا رغبة العاهل المغربي في الاطمئنان وطمأنة شعبه على مستقبل أمنهم المعيشي والروحي، بإفراده المساحة الأكبر من أجل التأسيس لمقاربة تنموية جديدة تهتم بتأثير المنجزات والمشاريع التنموية المباشر على الحياة اليومية لسكان المدن والقرى، ومدى مشاركة المهمشين في الانتفاع بثروات بلادهم الحقيقية. ثروات أعلن الملك محمد السادس أن بلاده أصبحت من التقدم والشجاعة والمناعة بحيث تطمح إلى تطبيق المعايير الدولية المتقدمة التي تقيس لا فحسب ثرواتها المادية، بل وثروات البلد غير المادية، ورصيدها الحضاري وطاقتها البشرية وخزانها المعرفي.
إن دخول المغرب للحقبة التي تقيس بها ثرواتها بالمفهوم الشامل، محاولة معرفة وضبط التفاوت في توزيع هذه الثروات بين الفئات المحظوظة وتلك الأقل حظا، يعكس مدى الثقة التي ينظر بها مسيرو الشأن العام إلى المستقبل، وما يملكونه من شجاعة الاعتراف بوجود هذا التفاوت الصارخ، وعزمهم الأكيد على تجاوزه.
ولأن الأمان المادي لا ينفصل عن الأمان الروحي، جاء تركيز العاهل المغربي على هذا الجانب في خطابه مبررا، معلنا عزمه على المحافظة على مساجد الله مكانا “للعبادة والتوجيه والإرشاد ومحو الأمية”، حتى يجنب مواطنيه مخاطر الانزلاق في نزوعات التطرف والانغلاق والجهل، وهو ما تعاني منه سوريا والعراق وبقاع أخرى من وطننا العربي التي تجد نفسها أسيرة التخبط في مستنقع الالتطرف والإرهاب المبني على أسس مذهبية وطائفية مقيتة.
ولأن المناسبة لا يمكن لها أن تمر دون تكرار الرسالة للجار الشقيق، فقد حرص العاهل المغربي على التأكيد على خيار بلاده الوحدوي الاستراتيجي في إطار المغرب الكبير، مؤكدا أن إغلاق الجزائر لحدودها مع بلاده منذ قرابة العقدين من الزمن هو أمر يتنافى مع حقوق أبناء المغرب الكبير في التواصل الإنساني والانفتاح الاقتصادي.
ولم تكن مناسبة خطاب العرش لتمر دون إعادة التأكيد على ثابتين من ثوابت السياسة المغربية داخليا وخارجيا: داخليا بتأكيد الالتفاف حول قضية الوحدة الترابية للمغرب، وما ينتظر الأقاليم الصحراوية وباقي جهات المملكة من عمل وجهد تنموي في إطار تنزيل وتفعيل قوانين “الجهوية الموسعة”، وخارجيا بتأكيد الدعم الثابت والمستمر للشعب الفلسطيني وإدانة العدوان الغاشم على غزة، والاستمرار في حمل أمانة القدس في مواجهة الجرائم الصهيونية.
خطاب شامل رؤيوي، يؤسس لمغرب جديد، سيقطف الناس ثماره عند محطة المراجعة المقبلة بعد عقدين من الآن، إذا قيض لهم تنزيل مقتضيات الدستور الجديد، تفعيل الرؤية الملكية للنمو العادل، واختيار النخب القادرة على إدارة هذه العملية..