الرئيسية / هكذا نراها / تعليمنا زين، وزاده نور المجانية!!
مجانية التعليم العمومي

تعليمنا زين، وزاده نور المجانية!!

مرة أخرى، يعود من نصّبوا أنفسهم، وسلمنا لهم بلقب “خبراء”، لإثارة الجدل حول أخطر ملف لا يمكن قبول استفرادهم به، ليس لنقص الكفاءة –أو انعدامها-  فحسب، ولكن لأن أي نقاش تقني لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مجتمعية مفيدة، عكس ما يعتقد واحد من هؤلاء “الخبراء” الأعلى صوتا، الذي يريد هو وأفراد قبيلته الفرانكوفونية، نطقا وفكرا، أن يخرج من النقاش السياسيين والنقابيين، لتكون الأزمة عامة، “حيث وهوما موجودين ما طفرناهش، أما ملي يخرجوا غتكمل الباهية”، حيث سيصبح الملعب برمته متاحا أمام “الفرانكوفوني اللي مدرق بالدارجة، ورباعته” يعيث ويعبث فيه كما يشاء!

وكأي نقاش تقني، يتم القفز على الأسئلة الجوهرية بحجة أنها مسلمات أو بديهيات، ويلجأ أطرافه من “الخبراء” إلى الصراخ والشغب، مطالبين باحتكار إصدار الأحكام بعد أن احتكروا المعرفة! وبهذا، ينجحون في جرّنا إلى حيث أرادوا، في نقاش عبثي حول تفاصيل منزوعة من سياقها، الأمر الذي يمكنهم من الوصول إلى غاياتهم، إما في غفلة من المتحاورين، أو بافتعال التصعيد في مجالات أقل أهمية، لانتزاع تنازلات مخالفيهم في المجالات ذات الأولوية لهم، وليكون المولود المشوه أبعد ما يكون عن تقديم أية منفعة لعموم المواطنين.

إن القفز المباشر باتجاه مسألة تمويل المنظومة التعليمية، وما إذا كانت ستشمل التعليم الأساسي أم الثانوي أم الجامعي، والغرق في تفصيل ونسب وأرقام هذه المساهمات التي ستتحملها الحكومة والمواطنين، كله نقاش خارج السياق تماما، حيث أن مشكلة التعليم لم تكن يوما مشكلة ميزانية، تحل بمجرد توفير الأموال المطلوبة، بل إن علاج الأزمة يجب أن يبدأ من تساؤل: لماذا نعلم أبناءنا؟ قبل الانتقال إلى سؤال ماذا نعلمهم! إذ بدون الأجابة على هذين التساؤلين غير البديهيين نهائيا، عكس ما يعتقده خبراء “كوبي كولي” من فرانكوفونيي المجلس الأعلى للتعليم، فلن يكون ممكنا أو مجديا الخوض في باقي التفاصيل. تفاصيل يجب أن تشمل تحديد الأدوار المفترضة للدولة، لاسيما في الشق الاجتماعي، ومدى إمكانية السماح لها بالتنصل من أدوارها الرعائية والحمائية لمواطنيها، أمام “وحوش” الليبرالية والسوق الحرة، بل ومسؤوليتها عن ضبط انفلاتهم، بدلا من الاستسلام “غير البرئ” لخرافة أن “السوق الحرة تنظم نفسها ذاتيا، وفقا لقوانين العرض والطلب”!!!

وبتجاوز النقاش المعمق، ومحاولة الرد على “وقاحة” من يقترحون إلغاء المجانية في التعليم، ليسمحوا لنا بأن نذكرهم بالحقائق والتساؤلات الصادمة التالية:

  • هل التعليم مجاني الآن؟ مع وجود الغالبية العظمى من أبناء المغاربة داخل “تعليم عمومي من ناحية المستوى” مع فارق أنه مؤدى عنه، نسميه زورا وبهتانا تعليما خاصا.
  • هل هناك تعليم أصلا، حتى نطلب من المغاربة أن يؤدوا عنه؟ ويشمل التساؤل أولا المدارس الخاصة التي تحتضن معظم أبناء المغاربة، ويؤدون عنه رزقهم، جريا وراء سراب الحصول على تعليم جيد، في عملية تدليس لا تنتج سوى تلاميذ “يفكون الخط بزز” بالفرنسية، اللغة المتجاوزة التي لا تفيدهم في شيء.
  • هل هناك ارتباط بين تعليم الأبناء والطمع في أن توصلهم شهاداتهم إلى وظيفة عمل مستقرة؟ حتى نقول أن المغاربة، بتمويل منظومتهم التعليمية، إنما يستثمرون في مستقبل أبنائهم!!
  • هل هناك ميسورون يرسلون أبناءهم للمدارس أو حتى الجامعات العمومية، حتى نكذب على المغاربة “عاين باين” بالقول أن الموسرين هم فقط من سيدفعون مقابل تعليم أبنائهم؟
  • ألم تكفنا أزيد من ثلاثة عقود من “التجهيل العمومي”، الذي جربنا فيه كل شيء من منتجات ومخترعات الفرنكوفونية، حتى نطلب من المغاربة الآن أن يؤدوا مقابل ما يحصلون عليه من خدمات جليلة!

وكخلاصة، نقول ل”خبرائنا” في القص واللصق: قبل أن تطلبوا من ضعاف المغاربة أن يدفعوا مقابل الحصول على خدمات، هم دفعوا سلفا ضرائب من أجل تمويلها، يجب أن تشرحوا لهم ماذا ستعلمون أبناءهم، وما هي المخرجات المفترضة لهذا التعليم؟ لننتقل بعدها للخوض في تعريفاتكم “للموسر” من المغاربة الذي يختار أن يرسل أبناءه للمدارس العمومية. إن محاولة تسويغ إلغاء مجانية التعليم، تشبه –مع الفارق- القول بأن الحكومة قررت أن يدفع المغاربة نقودا مقابل استخدامهم للطرق الوطنية والجهوية، وأن لا يقتصر الدفع على مستخدمي الطرق السيارة!! فما بالكم وأن تعليمنا العمومي الحالي يشبه “البيست”.. يعني “خاص الحكومة تخلص المغربي اللي غيقبل يدير ولده في المدارس العمومية!!”.

إن إلهاء الناس بفتح موضوع إلغاء مجانية التعليم، وحرف النقاش عن الخوض الحقيقي في جدوى ما يقدم من تعليم، ومسوغات العبث اللغوى غير البريء بمستقبل أبنائنا، عبر تكريس وفرض لغة متجاوزة، وإفراغ الجامعة المغربية من محتواها لصالح تعليم جامعي خاص لن ينافس إلا في “تعواج اللسان”، بعد شفط ما تبقى في جيوب المغاربة الراكضين وراء سراب “يخرج ليا ولدي قاري”.. وغيرها من المواضيع التي تحيط بتعليم لا يحافظ على منظومة قيم، ولا يساعد في إيجاد عمل، ولا يسهم في الانخراط في العصر، ولا يؤدي إلى تقوية مناعة الوطن، ولا ينتج فردا يمتلك عقلا نقديا، وقدرة تحليلية، وشخصية إبداعية مستقلة، … نقول أن ذلك كله ما هو إلا هدر للجهد والوقت، وتضييع لفرص مصيرية يحتاجها المغرب بشدة وهو ينظر إلى مستقبله بكثير من الطموح والأمل. وعليه، وجب وقف هذا العبث والدخول الجاد في حوار مجتمعي حقيقي، بين أناس همهم الوطن، وليس تسجيل نقاط أيديولوجية، أو تحقيق مصالح اقتصادية، لأن ربحهم ببساطة يعني خسارة الوطن!