الرئيسية / هكذا نراها / مبادرات محمد السادس الإنسانية.. ثقافة “الفرجة” في مقابل ثقافة “الفعل”!
le-roi-en-afrique

مبادرات محمد السادس الإنسانية.. ثقافة “الفرجة” في مقابل ثقافة “الفعل”!

مع تعدد الكوارث والمآسي الإنسانية، التي أصبح سكان الأرض في معظمهم شاهدا يوميا عليها، ومع توالي الصور الصادمة التي تكرس هدر أنسانية البشر، ونقلها حية عبر وسائل التواصل الاجتماعي المتاحة للجميع، يصبح تأثير هذه الصور المأساوية أقل فأقل، وتتشكل مع تواليها ما يمكن تسميته بـ “ثقافة الفرجة”، والتي لا تخلف عادة سوى ردود أفعال عاطفية مندهشة أو متأسفة، دون أن تقود إلى رد فعل عملي، يؤدي إلى عمل حقيقي.

وهكذا، ومع توالي صور الكوارث في حلب، والمعاناة الإنسانية للفلسطينيين، وكوارث اللاجئين سواء غرقا وسط البحر أو معاناة في بلدان اللجوء، وكذا الإبادة الحقيقية التي يتعرض لها مسلمو الروهينغا، من بين عشرات المآسي الأخرى، أصبح هناك نوع من “التطبيع” بين شهود هذه المآسي، ومناظر الدم والقتل والدمار. واقع يواجهه هؤلاء الشهود بتبادل الأدعية، أو بالتعليقات الساخطة أو المتعاطفة، معتبرين أن هذا هو أقصى ما يستطيعون فعله حيال ما تطالعه أعينهم.

آخر الأزمات الإنسانية، تلك التي مثلها التعامل اللاإنساني للسلطات الجزائرية، مع بضع مئات من اللاجئين الأفارقة، عندما قامت بحشرهم في شاحنات ورميهم في مجاهل الصحراء شمال النيجر، غير آبهة بالمصير الذي ينتظرهم، هذا دون أن نذكر شهادات المرحلين حول الإهانات والضرب بل والقتل الذي تعرضوا له قبل الترحيل، والأدهى أن ذلك قد تم بتبرير مخجل ممن يعتبرون أنفسهم حماة رسميين لحقوق الإنسان في الجزائر، والذين اكتفوا بإلصاق تهمة “نشر السيدا” بهؤلاء المرحلين، نساء وأطفالا، والذين يملك بعضهم أوراق إقامة قانونية.

وأمام هذا الواقع الفظيع، وبعد أيام من “الفرجة” من طرف المنظمات الإنسانية الدولية والقارية، وبيانات الشجب والاستنكار التي لم تكن كافية لتجنيب هؤلاء الضحايا قرصات الجوع والبرد، تقدم إلى ساحة “الفعل” الملك محمد السادس، وعبر منظمات إغاثية مغربية، وأصدر أوامره بسرعة لتوفير الخيام والأغطية التي تحمي هؤلاء الملهوفين من غائلة البرد، وكذا الأغذية التي تكفل طرد شبح الجوع المرفرف فوق رؤوسهم، إدراكا منه أن بيانا إضافيا لاستنكار ما قامت به السلطات الجزائرية لن يفيد هؤلاء المساكين في شئ.

مبادرة إنسانية لقيت استحسان وشكر البلد المضيف النيجر، والذي فوجئ بهذه الأزمة الإنسانية دون أن يملك ما يكفي لمواجهتها إلى حين يتم ترحيلهم إلى بلادهم الأصلية. في المقابل، انبرت الأقلام التي “لا ترحم، ولا تريد لرحمة ربنا أن تنزل” لحصر هذه المبادرة الإنسانية في إطار “المناكفة السياسية”، وكأن المطلوب في مثل هذه الحالة، “التواطؤ” مع الإجرام الذي مورس بحق هؤلاء اللاجئين العزل، والتجاهل خوفا من تعرية الجرم الممارس بحقهم.

أن يستنكف المنتمون إلى معسكر “الفرجة” عن القيام بأي فعل مهما كان بسيطا لمقاومة الظلم الواقع على المستضعفين هو أمر يخصهم، لكن أن يبخسوا ويحاربوا كل من يتحلى بفضيلة “الفعل” والتصدي للظلم والتخفيف من المعاناة، فهو لعمري تواطؤ مفضوح في المحصلة مع الظلم نفسه. لقد كان الأجدر بمن تعالت أصواتهم في الغمز تجاه الخطوة الملكية، أن يوجههوا سهامهم تجاه من تسبب في هذه المعاناة لا من حاول التخفيف منها. عموما، فميزة معسكر “الفعل” عدم الانتباه لعجزة معسكر “الفرجة”، لأن الله هو من يرى عملنا، ورسوله والمؤمنين.