الرئيسية / هكذا نراها / أي عرش يحتفي به المغاربة: عرش المواقف الوطنية (3)

أي عرش يحتفي به المغاربة: عرش المواقف الوطنية (3)

يكاد يكون السؤال الأهم الذي يشغل بال كل نظام سياسي، ملكيا كان أو جمهوريا، عريقا كان أم حديث عهد هو سؤال المشروعية. ويكاد يكون كذلك الاتفاق على أن الأساس الأهم، والحجر الأساس في مشروعية أي نظام هي رضى المحكومين، أو على الأقل هو الأساس الأصلب والأكثر استدامة. وبالنسبة للمغرب، فقد كان لديه على الدوام مشروعية لطالما افتقدها الكثير من الأنظمة، ونقصد المشروعية التاريخية، وهو ما يمكن تفسيره بكون الملكية في المغرب راسخة منذ اثني عشر قرنا من الزمن، بدون انقطاع يذكر، كما أن الأسرة العلوية الحاكمة تتوارث هذا العرش منذ أربعة قرون، وهو زمن قل نظيره في العالم أجمع.
ورغم هذه المشروعية،وصلابة هذا الأساس، فالعرش المغربي لم يتخل يوما عن الأساس الأهم، وهو رضى المحكومين، وذلك بتحقيق مصالحهم ورعايتها داخليا، الدفاع عن الوطن خارجيا، والحفاظ على جميع الأسباب التي تجعل كل مغربي يفتخر بالانتماء إلى هذه البقعة من وطننا العربي، وذلك عبر المواقف الوطنية المشرفة للمغاربة ملكا وحكومة وشعبا. إن إدراك الملك محمد السادس، ووالده وجده المغفور لهما بإذن الله بحساسية هذه القضية،جعلها محط رعاية مباشرة ولصيقة،وتحظى بأقصى درجات الاهتمام. فالملك المحرر محمد الخامس رحمه الله كان نضاله مشهودا لا على مستوى المغرب فحسب، بل باحتضانه الثورة والثوار في الجزائر، وتونس وسائر أقطار إفريقيا جنوب الصحراء، لذا فمن المألوف رؤية اسمه في الشوارع الرئيسية للدول العربية والإفريقية المختلفة. كما أن المغرب في عهد الحسن الثاني رحمه الله، كانت الحاضنة الأبرز للعمل العربي المشترك، لدرجة احتضنت فيها أكبر عدد من القمم العربية، ناهيك عن كونها صاحبة المبادرة إلى إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي في أعقاب حريق المسجد الأقصى، وصاحبة المبادرة إلى إنشاء لجنة القدس وبيت مالها وكذا تحمل مسؤولية رئاستهما.
ولم يكن ممكنا أن يشذ العاهل المغربي الشاب عن نهج والديه، فتحمل مسؤولية أمانة لجنة القدس في ظروف عصيبة، ويسجل الجميع مواقفه المشرفة في هذا السياق، حيث كان صاحب المبادرة إلى إقفال مكتب الاتصال الإسرائيلي الذي أنشيء في أعقاب اتفاقيات السلام الموقعة ما بين إسرائيل والعديد من الدول العربية. كما أن امتناع الأشقاء والأخوة عن القيام بمساهماتهم في دعم ميزانية ومشاريع “وكالة بيت مال القدس” جعلته يتحمل من ماله الخاص مصاريف تشغيلها. ناهيك عن العديد من المواقف التي لطالما كانت عبئا على المغرب، وورقة مساومة في يد القوى العظمى للضغط عليه في إطار قضيته الوطنية الأولى: الصحراء. ومع ذلك، فالثبات على المبدأ أكسبه احترام البعيد والقريب، وجعله موضع تقدير من قبل الفرقاء الفلسطينيين على اختلاف ألوانهم.
لتأتي مواقفه من معاناة قطاع غزة منسجمة مع سابق مواقفه، ومتفردة لجهة كونها منزهة من الغرض أو التوظيف السياسي. فالمغرب ليس طرفا في اللعب على وتر الاستقطاب الحاصل بين تنظيمي “فتح” و “حماس”، وهو يقدم جميع ما يمكنه خدمة للشعب الفلسطيني المعذب والمحاصر في غزة، كما كان موقفه من اللاجئين السوريين في الأردن، وما قدمه من مستشفى ميداني ومساعدات عينية للاجئين في مخيم الزعتري.
إن حرص العاهل المغربي الملك محمد السادس على عدم استغلال المغرب لما يقدمه من مساعدات إنسانية، علاوة على كونها أكسبته احترام الخصوم والأطراف الخارجية المختلفة، فإنها، وهذا الأهم، أكسبته احترام شعبه من مختلف الشرائح والحساسيات، وأعطته مشروعية إضافية رسخت مكانته في قلوب الملايين. لهذا، يندر أن نتصور إمكانية أن يثار الجدل الموجود في مصر مثلا حول دعم الفلسطينيين في غزة، وخلطه بالموقف من حركة حماس أو الإخوان المسلمين، لدرجة تشجع الصهاينة على مزيد من القتل وتتشفى في الضحية، وهو المنزلق الذي انزلقت إليه أوضاع الإعلام والمثقفين في مصر الكنانة.
ولو أضفنا إلى ذلك الوقوف إلى جانب تونس في محنتها الحالية عبر الزيارة الملكية التي أعادت الثقة بالأمان في هذا البلد السياحي، يغنينا عن تذكر الموقف من العراق والكويت، ودماء المغاربة التي سالت في الجولان وسيناء مع أشقائهم السوريين والمصريين، وغيرها الكثير من المواقف الوطنية المشرفة الضاربة في عمق التاريخ، والتي تشكل مجتمعة مصدر اعتزاز للمغاربة جميعا، ولحمة إضافية تقوي الرابط الذي يجمعهم بعرشهم وبالجالس عليه.