الرئيسية / هكذا نراها / مقتل محسن فكري.. لا للحكرة.. ولا للفتنة!
مقتل محسن فكري

مقتل محسن فكري.. لا للحكرة.. ولا للفتنة!

إيمانا منا بمظلوميته وعدالة قضيته، كنا واحدا من أوائل المنابر الإعلامية التي رفعت الصوت عاليا برفض الطريقة المهينة التي تم بها التعامل مع محسن فكري، والتي أدت في النهاية إلى مقتله بتلك الصورة البشعة، ورددنا بعد دقائق من مصرعه مع غيرنا: كلنا محسن فكري. نقول ذلك من أجل التأكيد مرة أخرى على ضرورة أن تتضح الحقيقة كاملة حول مقتل الشاب الثلاثيني المكافح، وأن يدفع كل من ساهم فيها الثمن، موازيا لما ارتكبه من جرم، أمام قضاء نزيه لا يظلم ولا ينحاز، وليس من مهامه التغطية على أي أحد. وتزيد ثقتنا بقرب تحقق هذا الأمر، التعليمات الصارمة التي أصدرها الملك محمد السادس بهذا المعنى، منتظرا أن يرى نتيجة تعلو بالحق ولا شيء سواه.

أصوات تضامن انطلقت بعد الحادث المفجع عبر الفضاء الالكتروني وعلى أرض الواقع، لتقول لا للحكرة، معتبرة أن محسن فكري واحد من ضحاياها، مثله مثل العشرات من المستضعفين الذين عاشوا ويعيشون لحظات ظلم مشابه أمام شطط بعض رجال السلطة المدججين بما بين أيديهم من صلاحيات، وكذا بما تختزنه ذاكرة المغاربة من صورة نمطية حول سطوتهم. إلى هنا، لا شيء يثير الاستنكار.. لكن وخلال ساعات، بدأت صيحات رفض الظلم، تنزلق، نعم تنزلق إلى وجهات غير مضمونة العواقب، اتخذت من “قميص محسن” مطية للدعوة للعنف والخروج على النظام العام، في تسخين غير برئ للأجواء الاجتماعية المحتقنة إثر مقتل الشاب البرئ. وبدا واضحا أن هناك من يدفع باتجاه اصطناع حالة من الفوضى، عبر ترويج صور ترجع إلى أجواء العشرين من فبراير عام 2011، على أنها ترجع لمظاهرات مفترضة خرجت في مدينة الحسيمة في أعقاب الإعلان عن مقتل فكري!!

هذه الرغبة في التصعيد، رغم أن التحقيق لم ينته بعد، ولم تعرف حقيقة مصرع محسن، والاختلاط الشديد المتعلق بروايات حادثتين متزامنتين في لحظة واحدة: ظلم محسن، بمصادرة بضاعته وإتلافها في حاوية الأزبال من جهة، وقتل محسن، عبر الضغط على زر تشغيل آلة العصر في العربة نفسها من جهة أخرى، حيث اتضح تهافت رواية طلب رجل السلطة من سائق الشاحنة بتشغيل زر العصر، مستخدما العبارة التي أصبحت شعارا بعد ذلك: اطحن أمه! بعد أن علمنا أن زر التشغيل موجود في مؤخرة العربة، ولا علاقة للسائق به، كما تظهر فيديوهات منشورة على الفيس بوك، توسع دائرة المشتبه بهم في التسبب بقتل محسن، لتشمل أصدقاءه الذين يمكن أن يكون أحدهم هو من قام بالخطأ بتشغيل الزر في لحظة القفز داخل العربة لمساعدة محسن في إنقاذ أسماكه.. نقول، في ظل هذا التضارب والارتباك، تبدو الرغبة في التصعيد غير مبررة، وغير بريئة.

إن التنديد بمقتل محسن، وقبلها بالظلم والشطط الذي تعرض له خلال سعيه لكسب قوته، لا يعطي الشرعية للشارع من أجل المسارعة إلى إصدار أحكام عامة دون بينة أو دليل، استنادا إلى حالة الشك والعداء الفطري بين المواطنين ورجال السلطة. وعليها، وجب انتظار نتيجة التحقيق، لنتعرف على رواية الجهات المنوط بها هذا الأمر، ولنناقش بعدها مدى مصداقيتها وصلابة ما استندت إليه من أدلة وقرائن.

وحتى ذلك الحين، فمن واجب كل حريص على الحقيقة، وإنصاف محسن وأمثاله من المستضعفين، وفي نفس الوقت، على الاستقرار الذي ينعم به المغرب، أن يتريث قليلا في انتظار نتائج التحقيق، وأن لا ينجر وراء أي خطاب تعصب أو كراهية أو تحريض على الدولة وأجهزتها الأمنية والحكومية، لأن الضرر المترتب على حالة الفوضى المستهدفة، أكبر بما لا يقاس من كل نفع مفترض قد تقود إليه، إن كان هناك نفع أصلا.

لذا، نعيد ونكرر، لا للحكرة، ولا للفتنة.. لا للحكرة التي تعطي الحق لرجل سلطة أن يأخذ القانون بيده، ويتعسف في استخدامها ضد المواطنين العزل، ولا للفتنة التي يدعو إليها وقد ينساق وراءها بعض من حملة الشعار الأول، لأن في مثل هذه الفتنة، لو تمكنت لا قدر الله، هلاك محقق للبلاد والعباد، ونظرة واحدة من حولنا كفيلة بتأكيد ما نقول.